‬الأنثوية‭ ‬وسلطة‭ ‬الكتابة

حين‭ ‬تم‭ ‬اكتشاف‭ ‬الكتابة،‭ ‬كانت‭ ‬السلطة‭ ‬قد‭ ‬احتازت‭ ‬أدواتها‭ ‬ووسائطها‭ ‬بيد‭ ‬الرجل،‭ ‬فكان‭ ‬هو‭ ‬المُدوّن‭ ‬والمؤرخ‭ ‬والعرّاف‭ ‬والملك‭ ‬ونصف‭ ‬الإله،‭ ‬واكتفت‭ ‬المرأة‭ ‬منذ‭ ‬المرحلة‭ ‬الزراعية‭/‬مرحلة‭ ‬التوطين‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬خصخصة‭ ‬الوظائف‭ ‬الجنسوية،‭ ‬وصار‭ ‬الرجل‭ ‬‭-‬تبعا‭ ‬للسلطة‭-‬‭ ‬محفوفا‭ ‬بالأساطير‭ ‬والأسفار‭ ‬والبطولات،‭ ‬وظلت‭ ‬المرأة‭ ‬هي‭ ‬كائن‭ ‬الانتظار‭ ‬والقربان‭/‬‭ ‬بينلوب‭ ‬مثلا‭.‬

الجديد  علي حسن الفواز [نُشر في 01/01/2017، العدد: 24، ص(50)]

لوحة: رندة حجازي
حتى ‭ ‬المراحل‭ ‬التي‭ ‬مارست‭ ‬فيها‭ ‬المرأة‭ ‬السلطة‭/‬الحاكمية‭ ‬لم‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬مهيمنة‭ ‬النسق‭ ‬المضمر،‭ ‬نسق‭ ‬الجماعة‭ ‬العسكرية،‭ ‬أو‭ ‬الجماعة‭ ‬الدينية،‭ ‬ونسق‭ ‬المؤسسة‭ ‬الزوجية،‭ ‬وحتى‮ ‬‭ ‬النسق‭ ‬العُصابي‭ ‬للقرابة‭ ‬والمقدس‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬الملكة‭ ‬زنوبيا‭ ‬والملكة‭ ‬المصرية‭ ‬كليوباترا،‭ ‬أو‭ ‬شجرة‭ ‬الدر‭ ‬والملكة‭ ‬بلقيس‭ ‬في‭ ‬الموروث‭ ‬الشرقي‭ ‬ظل‭ ‬استثنائيا،‭ ‬وفيه‭ ‬من‭ ‬المثيولوجيا‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬الواقع،‭ ‬واللائي‭ ‬وقعن‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬تحت‭ ‬غزو‭ ‬أو‭ ‬قتل‭ ‬أو‭ ‬مهيمنة‭ ‬الرجل‭/‬الذكر‭/‬السلطة‭. ‬ربما‭ ‬كانت‭ ‬كانت‭ ‬‭(‬طفرة‭ ‬شهرزاد‭)‬‭ ‬هي‭ ‬الشفرة‭ ‬الأكثر‭ ‬تمثلا‭ ‬لقوة‭ ‬الأنوثة‭ ‬المُفكرة‭/‬الحكواتية‭ ‬مقابل‭ ‬هشاشة‭ ‬النسق‭ ‬المهيمن‭ ‬للذكورة‭ ‬التي‭ ‬تمثلها‭ ‬السلطة‭ ‬العنفية‭ ‬لشهريار‭.‬

العلاقة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬سلطة‭ ‬الحكي‭ ‬وسلطة‭ ‬الجسد‭ ‬ومؤسسة‭ ‬الحاكمية‭ ‬أعطت‭ ‬لفاعلية‭ ‬الخطاب‭ ‬حضورا‭ ‬للكلام‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الإيروس،‭ ‬وللحضور‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الغياب،‭ ‬والحياة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الموت،‭ ‬وتلك‭ ‬معادلة‭ ‬كان‭ ‬يفرض‭ ‬وجودها‭ ‬العقل‭ ‬المهيمن،‭ ‬عقل‭ ‬السلطة‭ ‬والذكورة‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬ثأرية‭ ‬عقدة‭ ‬الخيانة‭ ‬والرغبة،‭ ‬والتي‭ ‬تقود‭ ‬بالمقابل‭ ‬إلى‭ ‬تحفيز‭ ‬القراءة‭ ‬الثقافية‭ ‬للكشف‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬العطب‭ ‬الجنسي‭ ‬للملك‭ ‬شهريار،‭ ‬هو‭ ‬مقابل‭ ‬رمزي‭ ‬وتعبيري‭ ‬للعطب‭ ‬السياسي‭.‬

حركات‭ ‬التجديد‭ ‬والتنوير‭ ‬والإصلاح‭ ‬لم‭ ‬تخرج‭ ‬تماما من‭ ‬نسق‭ ‬تاريخ‭ ‬تلك‭ ‬السلطة،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬سلطة‭ ‬المجال‭/‬القصر‭/‬القلعة‭/‬الحريم‭/‬‭ ‬التعليم‭ ‬والحاكمية،‭ ‬فكان‭ ‬الإصلاح‭ ‬يتموضع‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة‭ ‬الدينية‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة‭ ‬الحقوقية،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬الذي‭ ‬يُعدّ‭ ‬العتبة‭ ‬النشوئية‭ ‬لموضوعات‭ ‬تحرير‭ ‬المرأة،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬تحولات‭ ‬اجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬ونهضوية‭ ‬مهمة،‭ ‬حيث‭ ‬بدت‭ ‬تمثلاتها‭ ‬عبر‭ ‬حراك‭ ‬ثقافي‭ ‬وسياسي‭ ‬وحقوقي‭ ‬انخرطت‭ ‬فيها‭ ‬جماعات‭ ‬ثقافية‭ ‬وحقوقية‭ ‬مدنية‭ ‬ونقابات‭ ‬وأحزاب‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬قوانين‭ ‬العمل‭ ‬والأحوال‭ ‬المدنية،‭ ‬وليست‭ ‬الأحوال‭ ‬السياسية‭.‬

ولعل‭ ‬صدور‭ ‬كتاب‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬عن‭ ‬تحرير‭ ‬المرأة‭ ‬يُعدّ‭ ‬استشرافا‭ ‬شجاعا‭ ‬لأفق‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬ولما‭ ‬حملته‭ ‬من‭ ‬مضامين‭ ‬إنسانية‭ ‬حول‭ ‬حرية‭ ‬المرأة‭ ‬لمواجهة‭ ‬قوى‭ ‬تقليدية‭ ‬لها‭ ‬سطوة‭ ‬رمزية‭ ‬لسلطة‭ ‬التابو‭ ‬والأب،‭ ‬ولها‭ ‬أيضا‭ ‬مرجعياتها‭ ‬النصوصية‭ ‬التي‭ ‬زخرت‭ ‬كثيرا‭ ‬بالأحكام‭ ‬والتآويل‭ ‬والفرضيات‭ ‬القامعة‭ ‬لأيّ‭ ‬شكل‭ ‬حقيقي‭ ‬وحرّ‭ ‬للمرأة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التنظيم‭ ‬والاستقلالية،‭ ‬وكذلك‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الحقوق‭ ‬المتساوية‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬والأجور‭ ‬والضمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والصحي‭ ‬والجنسي‭.‬

لقد‭ ‬ظلت‭ ‬ثنائيات‭ ‬العقل‭ ‬والحرية،‭ ‬والعقل‭ ‬والجسد،‭ ‬والعقل‭ ‬والأيديولوجيا،‭ ‬والعقل‭ ‬والنقل‭ ‬مجالات‭ ‬إشكالية،‭ ‬لم‭ ‬تتقعّد‭ ‬مفاهيمها‭ ‬ولا‭ ‬أطروحاتها،‭ ‬وأن‭ ‬تمثلاتها‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬الأدبية‭ ‬ظلت‭ ‬أكثر‭ ‬إرهاصا‭ ‬بفكرة‭ ‬‭(‬النص‭ ‬المضطهد‭)‬‭ ‬النص‭ ‬المسكون‭ ‬بالإثم‭ ‬والخيانة‭ ‬‭-‬أنا‭ ‬كارنينا،‭ ‬مدام‭ ‬بوفاري‭-‬‭ ‬أو‭ ‬المسكون‭ ‬بالقوة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬‭-‬الأم‭ ‬لمكسيم‭ ‬غوركي‭-‬‭ ‬أو‭ ‬بالرغبة‭ ‬المتعالية‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬المثقفون‮»‬‭ ‬لسيمون‭ ‬دي‭ ‬بوفوار‭.‬

مفهوم‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬جنسٍ‭ ‬كتابي‭ ‬محدد،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬توصيف‭ ‬يسبغ‭ ‬على‭ ‬الكتابة‭ ‬الأنثوية‭ ‬سمات،‭ ‬ويُعطي‭ ‬لها‭ ‬ملامح،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬ينحصر‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬النفور‭ ‬من‭ ‬التاريخ،‭ ‬التاريخ‭ ‬هنا‭ ‬بوصفه‭ ‬سلطة،‭ ‬أو‭ ‬عادات‭ ‬أو‭ ‬طقوس‭ ‬أو‭ ‬مركزيات‭ ‬أو‭ ‬علاقات،‭ ‬والذي‭ ‬اقترح‭ ‬للأدب‭ ‬النسوي‭ ‬بوصفه‭ ‬الجندري‭ ‬تموضعا‭ ‬داخل‭ ‬فضاء‭ ‬الأنوثة‭ ‬بوصفها‭ ‬الجنسوي‭ ‬المكتسب‭ ‬من‭ ‬السياق‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وربما‭ ‬هو‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬كاتباتنا‭ ‬إلى‭ ‬استعارة‭ ‬صوت‭ ‬الرجل‭ ‬وسلطته‭ ‬وقناعه‭ ‬الفحولي‭ ‬‭-‬المُكتسب‭ ‬اجتماعيا‭ ‬أيضا‭-‬‭ ‬لممارسة‭ ‬التعويض‭ ‬الرمزي‭ ‬والتعبيري،‭ ‬وبما‭ ‬يجعل‭ ‬الصوت‭ ‬الفحولي‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬وفي‭ ‬اللاوعي‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الاستمناء‭ ‬الإيهامي،‭ ‬والشفرة‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬لتحليل‭ ‬العلاقة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الذات‭ ‬والجنسي‭ ‬والمقدس،‭ ‬وللقبول‭ ‬بها‭ ‬داخل‭ ‬كتابة‭ ‬النص،‭ ‬إذ‭ ‬تكون‭ ‬الكتابة‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬الذات،‭ ‬وللاعتراف‭ ‬بمتعتها،‭ ‬وبتكيفها‭ ‬مع‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬وظيفتها‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬استكناه‭ ‬الحمولات‭ ‬السيميولوجية‭ ‬والسيسيولوجية،‭ ‬وفي‭ ‬خرق‭ ‬الواقع،‭ ‬وإعطاء‭ ‬جرعات‭ ‬تعبيرية‭ ‬لخطاب‭ ‬الرغبة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الصورة‭ ‬والإعلان‭ ‬والمشاركة‭ ‬والعمل‭ ‬وغيرها‭.‬

‮ ‬بعد‭ ‬مئة‭ ‬عام‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬صدور‭ ‬كتاب‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬عن‭ ‬خطاب‭ ‬تحرير‭ ‬المرأة‭ ‬يثار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬التحرر‭ ‬بوصفه‭ ‬وعيا‭ ‬بالحرية‭ ‬وبشروطها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والنفسية،‭ ‬فما‭ ‬هي‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الحرية‭ ‬والجسد؟‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬ممارسة‭ ‬الإفصاح‭ ‬عن‮ ‬‭ ‬الهوية‭ ‬‭(‬الأنثوية‭)‬‭ ‬خارج‭ ‬الجسد،‭ ‬وضمن‭ ‬مفهوم‭ ‬الذات‭ ‬الإنساني‭ ‬والرغبوي‭/‬التواصلي‭ ‬والإيمائي؟

هذه‭ ‬الحرية،‭ ‬وفي‭ ‬سياق‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬ستكون‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬أيديولوجيا،‭ ‬وعن‭ ‬تمثلات‭ ‬تمنح‭ ‬الجسد‭ ‬قوته،‭ ‬وعن‭ ‬موضوع،‭ ‬وتُسكنه‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬بوصفه‭ ‬نصا‭ ‬أو‭ ‬جوهرا‭ ‬أو‭ ‬دافعا‭ ‬يُغني‭ ‬اللذة‭ ‬والتواصل‭ ‬والحرية‭ ‬بشحنات‭ ‬تجعله‭ ‬وجودا‭ ‬أو‭ ‬موضوعا‭.‬

لوحة: تانيا الكيالي

الثورة‭ ‬الرقمية‭ ‬وصناعة‭ ‬المُختلف

الثورة‭ ‬الرقمية‭ ‬كرست‭ ‬ما‭ ‬سمّاه‭ ‬د‭ ‬محسن‭ ‬بوعزيزي‭ ‬بمعالجات‭ ‬‮«‬السيميولوجيا‭ ‬الاجتماعية‮»‬‭ ‬إذ‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬كسر‭ ‬النمط،‭ ‬وفي‭ ‬تغيير‭ ‬أطروحات‭ ‬التواصل‭ ‬والسيطرة‭ ‬والمراقبة،‭ ‬وصنعت‭ ‬للكتابة‭ ‬أنظمة‭ ‬سيميولوجية‭ ‬مغايرة،‭ ‬عبر‭ ‬العلاقات‭ ‬والروابط،‭ ‬وعبر‭ ‬استهداف‭ ‬النسق‭ ‬المهين‭ ‬الحاكم‭ ‬للعلاقة‭ ‬الواقعية‭ ‬والمفاهيمية،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬أعطت‭ ‬مجالا‭ ‬للتسمية،‭ ‬وللاعتراف،‭ ‬ولاقتفاء‭ ‬أثر‭ ‬العلامة‭ ‬داخل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والرمزي،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬فرضها‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬التعليمي‭ ‬عند‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الجماعات‭ ‬التنويرية،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‮ ‬‭ ‬الجماعات‭ ‬الأصولية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بعد‭ ‬أحداث‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬حاولت‭ ‬إعادة‭ ‬فرض‭ ‬خطاب‭ ‬السلطة‭ ‬والمجال‭ ‬والحكم،‭ ‬إلّا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬أُنتهِك‭ ‬من‭ ‬أنظمة‭ ‬تعبيرية‭ ‬ظل‭ ‬يحمل‭ ‬معه‮ ‬‭ ‬حافزا،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬مُضمَرا،‭ ‬إلّا‭ ‬أنه‭ ‬سيظل باعثا‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ ‬نص‭ ‬اجتماعي‭ ‬وحقوقي‭ ‬مغاير،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬له‭ ‬سطوته‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬والتظاهر‭ ‬والاحتجاج‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬وفي‭ ‬النضال‭ ‬المدني،‭ ‬وفي‭ ‬الكتابة‭ ‬المفتوحة‭ ‬أيضا‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بوصفها‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬معطيات‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية‭.‬

لقد‭ ‬أسهمت‭ ‬هذه‭ ‬الثورة‮ ‬‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬مديات‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تحرير‭ ‬المرأة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحرير‭ ‬المجال‭ ‬والمحبس‭ ‬والقلعة‭ ‬عبر‭ ‬المكان‭ ‬الافتراضي‭ ‬والرجل‭ ‬الافتراضي،‭ ‬وعبر‭ ‬اصطناع‭ ‬المجال‭ ‬المضاد‭ ‬للاعتراف‭ ‬والإنتاج‭ ‬والتسويق‭ ‬والاستهلاك،‭ ‬لكنها‭ ‬أثارت‭ ‬بالمقابل‭ ‬جدلاً‭ ‬أعادنا‭ ‬إلى‭ ‬ثنائية‭ ‬الجندري‭ ‬والجنسي،‭ ‬إذ‭ ‬كرس‭ ‬النظام‭ ‬الرقمي‭ ‬خصوصيات‭ ‬غير‭ ‬نمطية،‭ ‬يتمثلها‭ ‬التخارج‭ ‬عن‭ ‬النظام‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وتساكنها‭ ‬رغبات‭ ‬مشحونة‭ ‬بطاقة‭ ‬التفجّر،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬قال‭ ‬عنها‭ ‬روجي‭ ‬دادون‭ ‬‮«‬بالرغبة‭ ‬يتملص‭ ‬الجسد‭ ‬من‭ ‬تصرفاته‭ ‬الآلية‭ ‬ويجعلنا‭ ‬نتذكر‭ ‬بقوة،‭ ‬بالرغبة‭ ‬يتحين‭ ‬الجسد،‭ ‬يهتز،‭ ‬ويدرك‭ ‬نفسه‭ ‬باعتباره‭ ‬نبضا‭ ‬حيا،‭ ‬بها‭ ‬يجعل‭ ‬نفسه‭ ‬حاضرا‭ ‬ثقيلا‭ ‬رشيقا‭ ‬متوسلا‭ ‬أو‭ ‬آمرا‮»‬‭. ‬‭(‬روجيه‭ ‬دادون‭ : ‬الرغبة‭ ‬والجسد،‭ ‬ترجمة‭ ‬محمد‭ ‬أسليم‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬علامات‮»‬‭ ‬العدد‭ ‬الرابع‭ ‬1995‭)‬‭.‬

فعل‭ ‬الرغبة‭ ‬يقود‭ ‬أيضا‭ ‬لاصطناع‭ ‬مملكة‭ ‬غير‭ ‬منضبطة‭ ‬للعلامات،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تستعير‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬قاموس‭ ‬فرويد‭ ‬في‭ ‬اللاوعي‭ ‬ومن‭ ‬رولان‭ ‬بارت‭ ‬في‭ ‬السيميولوجيا‭ ‬لتكون‭ ‬ضد‭ ‬‮«‬الدوغما‮»‬‭ ‬و‮»‬المقدس‮»‬‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الاشتغالات‭ ‬تظل‭ ‬متلبّسة‭ ‬به،‭ ‬وبعلاماته‭ ‬القامعة‭.. ‬فهل‭ ‬استطاع‭ ‬الجندري‭ ‬الأنثوي‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الرقمي‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬سلطة؟‭ ‬أم‭ ‬هل‭ ‬تحول‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬تعبيري‭ ‬مقطوع‭ ‬عن‭ ‬النسق‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والحقوقي؟‭ ‬مقابل‭ ‬ما‭ ‬ظل‭ ‬الجنسي‭ ‬مكتفيا‭ ‬بطاقته‭ ‬البايولوجية‭ ‬التوليدية‭ ‬لتكريس‭ ‬الصورة‭ ‬المثالية‭ ‬لحواء‭ ‬الأسطورية‭ ‬وليست‭ ‬حواء‭ ‬الأرضية‭.‬

مثل‭ ‬هكذا‮ ‬‭ ‬أسئلة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكونّ‭ ‬عتبة‭ ‬نظرية‭ ‬وإجرائية‭ ‬لمقاربات‭ ‬معرفية‭ ‬حول‭ ‬مفهوم‭ ‬أنسوية‭ ‬الأنوثة،‭ ‬وحول‭ ‬طبيعة‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬تظل‭ ‬رهانا‭ ‬معقدا‭ ‬على‭ ‬أدلجة‭ ‬هذه‭ ‬الأنسوي،‭ ‬وعلى‭ ‬أيّ‭ ‬معالجة‭ ‬إشكالية‭ ‬لاستيهامات‭ ‬التملّك‭ ‬والحرية،‭ ‬وعلى‭ ‬صياغة‭ ‬عقد‭ ‬اجتماعي‭ ‬آخر‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الأنوثة‭ ‬والذكورة‮»‬‭ ‬وبعيدا‭ ‬عن‭ ‬رهابات‭ ‬الهجر‭.‬

من‭ ‬الصعب‭ ‬جدا‭ ‬وضع‭ ‬معيار‭ ‬لفحص‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات،‭ ‬ومفارقاتها،‭ ‬فالكثير‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬تحدثت‭ ‬عن‭ ‬الخلط‭ ‬المفاهيمي‭ ‬للذكورة‭ ‬والرجولة‭ ‬والفحولة‭ ‬والأنوثة‭ ‬والنسوية،‭ ‬حدّ‭ ‬أن‭ ‬أطروحات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬واشتغالات‭ ‬النقد‭ ‬الثقافي‭ ‬وضعت‭ ‬مجالا‭ ‬نظريا‭ ‬لما‭ ‬يسمى‭ ‬بـ‮»‬النقد‭ ‬النسوي‮»‬‭ ‬والذي‭ ‬يرهن‭ ‬قراءاته‭ ‬للخطاب‭ ‬بجملة‭ ‬من‭ ‬العلامات‭ ‬والمؤشرات‭ ‬التي‭ ‬ينخرط‭ ‬فيها‭ ‬النص‭ ‬وسردياته‭ ‬وشعرياته‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬شرعنة‭ ‬وجود‭ ‬قاموس‭ ‬نقدي‭ ‬لهذا‭ ‬المعطى،‭ ‬لكن‭ ‬الطبيعة‭ ‬الإجرائية‭ ‬لذلك‭ ‬تظل‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬السياق‭ ‬الثقافي‭ ‬بالسلطة‭ ‬وبنظام‭ ‬علاماتها،‭ ‬وفي‭ ‬مجال‭ ‬علاقة‭ ‬التحليل‭ ‬النقدي‭ ‬بمرجعيات‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬المقموع‭ ‬والمسكوت‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬أنساقنا‭ ‬المضمرة،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‮ ‬‭ ‬إبراز‭ ‬علاقة‭ ‬هذا‭ ‬النقد‭ ‬بالأدب‭ ‬والجسد‭ ‬بشكل‭ ‬خاص،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬السرديات،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬اشتغلت‭ ‬عليها‭ ‬معالجات‭ ‬نقدية‭ ‬وثقافية‭ ‬كثيرة،‭ ‬لكن‭ ‬أبرزها‭ ‬ما‭ ‬يتعالق‭ ‬بالأطروحات‭ ‬المعاصرة‭ ‬لجوليا‭ ‬كرستيفا‭ ‬ولوس‭ ‬إيريغاري،‭ ‬وضمن‭ ‬مجال‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬‮«‬النص‭ ‬المُضطْهَد‮»‬‭ ‬النص‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬متذبذبا‭ ‬بين‭ ‬ثنائيتي‭ ‬الجسد‭ ‬والوعي‭.‬


كاتب من العراق