‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الأمازونية

إبداع‭ ‬المرأة‭ ‬بين‭ ‬المواجهة‭ ‬والاستلاب

الجديد  كاميليا عبدالفتاح [نُشر في 01/01/2017، العدد: 24، ص(58)]

لوحة: تانيا الكيالي
الأمازونيات‭ ‬نساءٌ‭ ‬مقاتلاتٌ‭ ‬ذكرهن‭ ‬‮«‬هيرودوت‮»‬‭ ‬في‭ ‬تاريخه،‭ ‬وأشار‭ ‬إلى‭ ‬أنّهن‭ ‬عشن‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬البحر‭ ‬الأسودِ،‭ ‬ورأى‭ ‬بعض‭ ‬المؤرخين‭ ‬أنهنّ‭ ‬عشنَ‭ ‬في‭ ‬أفريقيا‭. ‬والمرأةُ‭ ‬الأمازونية‭ ‬امرأةٌ‭ ‬قوية‭ ‬يصطرعُ‭ ‬فيها‭ ‬الميلُ‭ ‬الفطري‭ ‬الأنثوي‭ ‬للرجل مع‭ ‬الميول‭ ‬القتالية‭ ‬الاستقلالية‭ ‬؛‭ ‬فهي‭ ‬تتزوج‭ ‬الرجل،‭ ‬وتنجبُ‭ ‬منه،‭ ‬لكنها‭ ‬تؤثرُ‭ ‬العيش‭ ‬مستقلة‭ ‬عنه،‭ ‬بل‭ ‬وتهيمنُ‭ ‬عليه‭ ‬‭-‬في‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الأقوال‭-‬‭ ‬وهي‭ ‬تعيشُ‭ ‬على‭ ‬القتال؛‭ ‬ولذلك‭ ‬كانت‭ ‬المرأة‭ ‬الأمازونية‭ ‬تعمدُ‭ ‬إلى بتر‭ ‬أحد‭ ‬ثدييها‭ ‬حتى‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬وضع‭ ‬الرمحِ‭ ‬والقوس‭ ‬أو‭ ‬السيف‭ ‬‭-‬عليه‭-‬‭ ‬بينما‭ ‬تحتفظُ‭ ‬بالثدي‭ ‬الآخر‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬اتخذتُ‭ ‬هذه‭ ‬الوضعية‭ ‬الأمازونية‭ ‬عنوانًا‮ ‬‭ ‬لهذه‭ ‬القراءة‭ ‬النقدية؛‭ ‬فهي‭ ‬وضعية‭ ‬تراجيدية‭ ‬يصطرعُ‭ ‬فيها‭ ‬التكوين‭ ‬الأنثوي‭ ‬مع‭ ‬نقيضه،‭ ‬وتعاني‭ ‬فيها‭ ‬الأنثى‭ ‬من‭ ‬ميلها‭ ‬إلى‭ ‬الرجل،‭ ‬واضطرارها‭ ‬إلى‭ ‬محاربته‭ ‬والاستقلال‭ ‬عنه،‮ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬‭-‬بما‭ ‬يُشبه‭ ‬في‭ ‬افتراضي‭-‬‭ ‬وضعية‭ ‬التأزّم‭ ‬النفسي‭ ‬والإنساني‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬المرأةُ‭ ‬العربية‭ ‬عامة‭ ‬والمبدعة العربية‭ ‬خاصة،‭ ‬حيثُ‭ ‬تكابد‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬وهذه‭ ‬المفارقات‭ ‬بين‭ ‬ميلها‭ ‬إلى‭ ‬الرجل‭ ‬حبيبًا،‭ ‬زوجًا،‭ ‬صديقًا‭ ‬‭-‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬ذلك‭-‬‭ ‬وتضطر‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬القهر‭ ‬والاستبداد‭ ‬الذكوري‭ ‬المُهدِّد‭ ‬لكينونتها‭ ‬وتفرّدها‭.‬

لا تزال ‭ ‬المرأةُ،‭ ‬في‭ ‬افتراضي،‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬التناقض‭ ‬والاضطراب‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬‮ ‬المجتمع‭ ‬ِالعربيِّ‭ ‬على‭ ‬صعيدِ‭ ‬وضعيتِها‭ ‬الاجتماعية والإنسانية‭ ‬والفكرية،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تُواجهُ‭ ‬من‭ ‬قطاعِ‭ ‬كبيرٍ‭ ‬في‭ ‬المجتمعِ‭ ‬العربيِّ‭ ‬باعتبارِها‭ ‬كيانًا‭ ‬إنسانيًّا‭ ‬ناقصًا‭ ‬لا‭ ‬يكتملُ‭ ‬إلَّا‭ ‬بالتبعيّةِ‭ ‬للرجلِ،‭ ‬و‭ ‬لاتزالُ،‭ ‬في‭ ‬افتراضي،‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الدفاع عن‭ ‬هويّتها‭. ‬ولعلّ‮ ‬الناقدة‭ ‬الأدبية‭ ‬والمعنيَّة‭ ‬بالنسوية‭ ‬جوليا‭ ‬كريستيفا‭ ‬قد‭ ‬لخّصت‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬في‮ ‬إشارتها‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬المسألة‭ ‬النسوية‭ ‬قد‭ ‬شهدت‭ ‬تطورا‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬عبر‭ ‬مراحل‭ ‬عدة،‭ ‬أولها‭: ‬حول‭ ‬هوية‭ ‬النساء‭ ‬مع‭ ‬الرجال،‭ ‬والمرحلة‭ ‬الثانية‭ ‬كانت‭ ‬حول‭ ‬هوية‭ ‬النساء‭ ‬ضد‭ ‬الرجال،‭ ‬بينما‭ ‬شهدت‭ ‬المرحلة‭ ‬الثالثة‭ ‬شكّا‭ ‬حول‭ ‬مسألة‭ ‬الهوية‭ ‬برمّتها‮»‬‭ .‬

وإنَّ‭ ‬وضعية المرأة‭ ‬المُبدعةُ‭ ‬أكثرُ‭ ‬تعقيدًا‭ ‬وتأزُّمًا؛‭ ‬فهي‭ ‬‭-‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬طبيعتها‭ ‬الأنثوية‭ ‬الفيّاضة‭ ‬بالعاطفةِ‭ ‬والنشاط‭ ‬النفسي‭-‬‭ ‬تمتازُ‭ ‬بسماتِ‭ ‬الشخصية‭ ‬المبدعة،‮ ‬وما‭ ‬تقتضيه‭ ‬من‭ ‬حساسية‭ ‬ورهافةٍ،‭ ‬ونفاذِ‭ ‬روحٍ؛‭ ‬فهي‭ ‬كيانٌ‮ ‬ثائرُ‭ ‬الفكر‭ ‬والشعور؛‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تكابدُ‭ ‬أعمقَ‭ ‬مذاقات‭ ‬الاغتراب‭ ‬والتّصدع؛‭ ‬النَّاتجِ‭ ‬من‭ ‬التناقض‭ ‬الصارخ‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬تفرضهُ‭ ‬وضعيتُها‭ ‬الإبداعية‭ ‬من‭ ‬قيمةٍ‭ ‬وتقديرٍ‭ ‬وإكبارٍ،‭ ‬وما‭ ‬تلقاه‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الواقعِ‭ ‬من‭ ‬إهمالٍ،‭ ‬أو‭ ‬إنكارٍ،‭ ‬أو قهرٍ،‮ ‬وإقلالٍ‭ ‬من‭ ‬الشأنِ‭.‬إنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الوضعية‭ ‬المتأزِّمة‭ ‬للمرأةِ‭ ‬الكاتبةِ‭ ‬‭-‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬الوضعية‭ ‬المتأزِّمة‭ ‬للمرأة‭ ‬عامة‭-‬‭ ‬اقتضت‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬السماتِ‭ ‬الشخصانية‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬النِّسائية،‭ ‬وهي‭ ‬شخصانيةٌ‭ ‬حتميةٌ،‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬المضمون‭ ‬والرؤى،‭ ‬وبعض‭ ‬سمات‭ ‬التشكيل‭ ‬الجمالي؛‭ ‬ومن‭ ‬ثمَّ‭ ‬أتفقُ‭ ‬مع هيلين‭ ‬سيكسو في‭ ‬أنَّ‮ ‬الإبداع‭ ‬النسويّ‭ ‬‮«‬يحدثُ‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬غير‭ ‬تلك‭ ‬التابعة‭ ‬للهيمنة‭ ‬في‭ ‬النظرية‭ ‬الفلسفية‭. ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تريدُ‭ ‬أن‭ ‬تدخل‮…‬،‭ ‬خارج‭ ‬المطلق‭ ‬النظري‭ ‬تتشكلُ‭ ‬الكتابةُ‭ ‬النسويةُ،‭ ‬وبالتحديد‭ ‬تتشكلُ‭ ‬في‭ ‬الثغرات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُسلط‭ ‬عليها‭ ‬الأضواءُ‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬البنية‭ ‬الفكرية‭ ‬الأبوية‭. ‬بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬هذه‭ ‬الثغرات‭ ‬موجودةٌ‭ ‬بالفعل‭ ‬وكائنةٌ‭ ‬،‭ ‬لكنه‭ ‬غيرُ‭ ‬معترفٍ‭ ‬بها‮»‬‭ .‬

بهذا‭ ‬المفهوم‭ ‬نذهبُ‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬الإبداع‭ ‬النَّسْويّ‮»‬‭ ‬أدقُّ‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬من‭ ‬‮«‬الإبداعِ‭ ‬النِّسائيّ‮»‬؛‭ ‬فالأوَّلُ‮ ‬‮«‬هو‭ ‬النصّ‭ ‬الذي‮ ‬يأخذ‭ ‬المرأة‭ ‬كفاعلٍ‭ ‬في‭ ‬اعتباره،‭ ‬وهو‭ ‬النصُّ‭ ‬القادرُ‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الرؤية‭ ‬المعرفية‭ ‬والأنطولوجية‭ ‬للمرأة‭ ‬إلى‭ ‬علاقاتٍ‭ ‬نصيّة،‭ ‬وهو‭ ‬النصّ‭ ‬المهمومُ‭ ‬بالأنثويّ‭ ‬المسكوتِ‭ ‬عنهُ،‭ ‬الأنثوي‭ ‬الذي‭ ‬يُشكّلُ‭ ‬وجودُه‭ ‬خلخلةَ‭ ‬للثقافة‭ ‬المهيمنة،‭ ‬وهو‭ ‬الأنثوي‭ ‬الكامنُ‭ ‬في‭ ‬فجوات‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬،‭ ‬وأخيرا‭ ‬هو‭ ‬الأنثوي‭ ‬الذي‭ ‬يشغلُ‭ ‬الهامش‮»‬‭. ‬‭[‬د‭. ‬شيرين‭: ‬كتاب‭ ‬نسائي‭ ‬أم‭ ‬نسوي‭]‬‭ .‬

تمثَّل‭ ‬النموذج‭ ‬الذكوريّ‭ ‬المُستلِب‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭ ‬في‭ ‬شخصِ‭ ‬‮«‬أبيها‭ ‬‮«‬،‭ ‬وأخيها‭ ‬‮«‬يوسف‮»‬،‭ ‬وتمثَّل‭ ‬في‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬لبنت‭ ‬الشاطئ‭ ‬في‭ ‬أبيها‭ ‬ومحاولاته‭ ‬المتواصلة‭ ‬لحرمانها‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬التعليم‭ ‬والحب‭ ‬والزواج‭ ‬والعمل

وقد‭ ‬ارتضيتُ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬أنْ‭ ‬أطرح‭ ‬مقاربة‭ ‬نقديةً‭ ‬حولَ‭ ‬بعضِ‭ ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬السيرةِ‭ ‬الذَّاتية‭ ‬النَّسويةِ؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتيةَ‭ ‬نصُّ‭ ‬مُعلن‭ ‬يضمرُ‭ ‬آخر‭ ‬غيرَ‭ ‬مرئيٍّ؛‭ ‬فالمُعلن‭ ‬هو‭ ‬الوقائع‭ ‬التي‭ ‬عاشتها‭ ‬الذاتُ‭ ‬الساردة،‭ ‬أمَّا‭ ‬المُضمرُ‭ ‬فهو‭ ‬الوقائع‭ ‬الحُلمية‭ ‬أو‭ ‬الواقعُ‭ ‬المُرتجى‭ ‬الذي‭ ‬ظلَّ‭ ‬حلمًا‭ ‬غيرَ‭ ‬مُتحقّقٍ‭ ‬لهذه‭ ‬الذات‭. ‬نحنُ‭ ‬في‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬بين‭ ‬نصٍ‭ ‬ظاهر،‭ ‬وآخر‭ ‬مراوغ‭ ‬إشاري،‭ ‬وأمامَ‭ ‬محاولةٌ‭ ‬إبداعيةٌ‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬الذات‮ ‬‭ ‬كما‭ ‬ذهب‭ ‬شاري‭ ‬بنستوك‭ ‬في‭ ‬تعريف‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬الإبداعي؛‭ ‬فهي‭ ‬ترتكزُ‭ ‬على‭ ‬بروز‭ ‬الذاتية؛‭ ‬بما‭ ‬يجعلها‭ ‬النمطَ‭ ‬الإبداعي‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرةً‭ ‬في‭ ‬إبراز‭ ‬مواجهةِ‭ ‬الذات‭ ‬الأنثوية‭ ‬المبدعة‭ ‬للآخر،‭ ‬وإدانة‭ ‬الوقائع‭ ‬والأغيار‭ ‬المُستلِبة؛‭ ‬وبذلك‭ ‬تتصدى‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية للخوف‭ ‬التاريخي‭ ‬المسكون‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الذات،‭ ‬تتصدى‭ ‬لذلك‭ ‬الركام‭ ‬من‭ ‬الاختباء‭ ‬والمواربة‭ ‬والتورية،‭ ‬والتقنّع‭ ‬والتَّبرؤ‭ ‬من‭ ‬نسبةِ‭ ‬كتابتها‭ ‬إليها‭ ‬كما‭ ‬تقولُ‭ ‬‮ ‬جين‭ ‬أتوميكينس‭.‬

تخيَّرتُ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬النقدية‭ ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬النَّسوية‭ ‬لكلٍّ‭ ‬من‭ ‬الشاعرة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬فدوى‭ ‬طُوقان،‭ ‬الكاتبة‭ ‬والمُفكّرة‭ ‬نوال‭ ‬السعداوي،‭ ‬الأديبة‭ ‬‮ ‬والمفكرة‭ ‬عائشة‭ ‬عبدالرحمن،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬وقفةٍ‭ ‬قصيرة‭ ‬مع‭ ‬الأديبة‭ ‬اللبنانية‭ ‬مي‭ ‬زيادة‭.‬

تُوشكُ‭ ‬إشكاليةُ‭ ‬‮«‬تأزُّم‭ ‬وضعية‭ ‬الذات‭ ‬الأنثوية‮»‬‭ ‬أن‭ ‬تكونَ‭ ‬الإشكالية‭ ‬التي‭ ‬تتسيّدُ‭ ‬موضوعات‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬من‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية،‭ ‬وتُطرحُ‭ ‬باعتبارها‭ ‬مؤشرًا‭ ‬على‭ ‬تخلف‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬وتأزمه‭ ‬الفكري‭ ‬والإنساني،‭ ‬ودليلا‭ ‬على تأخره في‭ ‬سلّم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وتعمدُ‭ ‬بعض‭ ‬الأديبات‭ ‬إلى‭ ‬إرجاع‭ ‬قهر‭ ‬المرأة‭ ‬إلى‭ ‬عهد‭ ‬سحيقٍ‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬الزمان‭ ‬؛‭ ‬فتاريخ‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬رأي‭ ‬مي‭ ‬زيادة‭ ‬‮«‬تاريخُ‭ ‬استشهادٍ‭ ‬طويل؛‭ ‬فهي‭ ‬عبر‭ ‬العصور‭ ‬المختلفة‭ ‬ليست‭ ‬إلَّا‭ ‬حيوانُ‭ ‬لذة‭ ‬ومتاع‭ ‬السيِّد،‭ ‬وطفلة‭ ‬لاهية‭ ‬للعبث‮»‬‭. ‬ورغم‭ ‬هذا‭ ‬فإنَّ‭ ‬خطابَ‭ ‬مي‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬المُطالبةِ‭ ‬بالتحرر‭ ‬والكينونة‭ ‬النّسوية‭ ‬خطابٌ‭ ‬أُنثويٌ‭ ‬ناعمٌ‭ ‬يصف‭ ‬الرجل‭ ‬بالمُنعمِ‭ ‬والمُنصفِ‭ ‬والسيّدِ‭ ‬الكريمِ‭ ‬واهب‭ ‬الحريةِ‭ ‬والتحرر؛‭ ‬ممَّا‭ ‬نعتقدُ‭ ‬أنَّهُ‭ ‬من‭ ‬مُوجباتِ‮ ‬المرحلة‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬عاشتها‭ ‬مي‭ ‬زيادة،‭ ‬على‭ ‬النَّقيضِ‭ ‬ممَّا‭ ‬نجدهُ‭ ‬في‭ ‬خطابِ‭ ‬كلٍّ‭ ‬من‭: ‬‮ ‬نوال‭ ‬السعداوي‭ ‬وفدوى‭ ‬طوقان‭ ‬وعائشة‭ ‬عبدالرحمن،‭ ‬مع‭ ‬وجودِ‭ ‬فوارقٍ‭ ‬لاختلاف‭ ‬السمات‭ ‬الشخصية‭ ‬واختلافِ‭ ‬التّجربةِ‭ ‬الإنسانية حيثُ‭ ‬يوصفُ‭ ‬الرجلُ‭ ‬بأنّهُ‭ ‬نموذجٌ‭ ‬‮ ‬للسُّلطة القاهرة‭ ‬المُستلِبة‭.‬

تمثَّل‭ ‬النموذج‭ ‬الذكوريّ‭ ‬المُستلِب‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭ ‬في‭ ‬شخصِ‭ ‬‮«‬أبيها‭ ‬‮«‬،‭ ‬وأخيها‭ ‬‮«‬يوسف‮»‬،‭ ‬وتمثَّل‭ ‬في‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬لبنت‭ ‬الشاطئ‭ ‬في‭ ‬أبيها‭ ‬ومحاولاته‭ ‬المتواصلة‭ ‬لحرمانها‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬التعليم‭ ‬والحب‭ ‬والزواج‭ ‬والعمل،‭ ‬أمَّا‭ ‬نوال‭ ‬السعداوي‭ ‬فقد‭ ‬تمثَّلَ‭ ‬‮ ‬لها‭ ‬الرجل‭ ‬المُستلِب‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬الحبيب،‭ ‬والزوج‭ ‬‭-‬عبر‭ ‬تجارب‭ ‬شخصية‭ ‬فاشلة‭-‬‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬الحدودِ،‭ ‬بل‭ ‬أضافت‭ ‬إلى مخزونِها‭ ‬النفسيّ‭ ‬إرثَ‭ ‬التجارب‭ ‬المريرة‭ ‬المُختزن‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‮ ‬‭ ‬جدَّتها‭ ‬لأمِّها،‭ ‬التي‭ ‬قالت‭ ‬لها‭ ‬‮«‬جوازتي‭ ‬كانت‭ ‬جنازتي‭ ‬يا‭ ‬بنت‭ ‬ابني‮»‬‭ ‬‭. ‬كما‭ ‬تقولُ‮ ‬‮«‬منذ‭ ‬السادسة‭ ‬وأنا‭ ‬أحفظ‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات‭ ‬الثلاث‭: ‬ربنا‭.. ‬المصائب‭.. ‬الجواز‮»‬‭ .‬

وقد‭ ‬تعدَّت‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬استحضار‭ ‬إرثَ‭ ‬المراراتِ‮ ‬النَّسوية‭ ‬المُختزنة‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬التاريخِ‭ ‬منذ‭ ‬ولادة‭ ‬الحياةِ‭ ‬على‭ ‬الأرضِ،‭ ‬والتي‭ ‬تسجِّلُ‭ ‬مواقف‭ ‬قهر‭ ‬الرجل‭ ‬للمرأةِ‭ ‬وعصفه‭ ‬بكيانِها‭ ‬الروحي‭ ‬والعاطفي،‭ ‬وهيمنتِه‭ ‬عليها‭ ‬فكريًّا‭ ‬واجتماعيًّا‭ ‬وإنسانيًّا؛‭ ‬وهكذا‭ ‬أخضعت‭ ‬نوال‭ ‬السعداوي‭ ‬التاريخ‭ ‬الإنساني‭ ‬للمساءلة‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬الإشكاليةِ‭ ‬النَّسوية،‭ ‬وأخضعتْ‭ ‬المجتمعَ‭ ‬العربيَّ‭ ‬بصفة‭ ‬خاصة‭ ‬للمساءلةِ‭ ‬والإدانةِ؛‭ ‬حيثُ‭ ‬تظلُّ‭ ‬الوضعيةُ‭ ‬اللاإنسانيةِ‭ ‬للمرأةِ‭ ‬على‭ ‬رأسِ‭ ‬مظاهر‭ ‬التخلُّف‭ ‬والرجعية‭ ‬والاستبدادِ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجتمعِ‭ ‬في‭ ‬رؤيتِها‭. ‬وهكذا‭ ‬استطاعتْ‭ ‬نوال‭ ‬السعداوي‭ ‬أن‭ ‬تخلقَ‭ ‬لها‭ ‬لغةَ‭ ‬طَرحٍ‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬صعيدِ‭ ‬إبداعها‭ ‬الفكريّ‭ ‬والأدبيّ‭ ‬فقد‭ ‬أوصلها‭ ‬البحثُ‭ ‬في‭ ‬جذور‭ ‬الإشكالية‭ ‬النَّسويةِ‭ ‬إلى‭ ‬مساءلةِ‭ ‬اللغويّ‭ ‬والميثولوجي‭ ‬والأنثربولوجي؛‭ ‬فوجَّهتْ‭ ‬للغةِ‭ ‬إدانتها‭ ‬لانحيازها‭ ‬للذكورة؛‭ ‬ولأنها‭ ‬‮«‬تخاطب‭ ‬المرأة‭ ‬بصيغة‭ ‬المذكر؛‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬مذكّر‭ ‬في‭ ‬اللغة؛‭ ‬حتى‭ ‬الإله‭ ‬والشيطان‭ ‬والموت‭.. ‬كلمة‭ ‬الضمير في‭ ‬اللغة‭ ‬مذكرة‭ ‬مثل‭ ‬كلمة‭ ‬إنسان‭. ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬مؤنث‭ ‬كلمة‭ ‬ضمير‮»‬‭ .‬

في‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬المتميزةِ‭ ‬‮«‬رحلة‭ ‬جبليَّة‭ ‬رحلة‭ ‬صعبة‮»‬‭ ‬تنفردُ‭ ‬الشاعرةُ‭ ‬والأديبةُ‭ ‬الفلسطينيّةُ‭ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭ ‬بطرحٍ‭ ‬خاصٍ‭ ‬لهذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬؛‭ ‬فهي‭ ‬تُبرزُ‭ ‬تأزُّمَ‭ ‬وضعية‭ ‬المرأة‭ ‬عامةً‭ ‬والمرأة‭ ‬المُبدعة‭ ‬خاصّةً‭ ‬في‭ ‬قالبٍ‭ ‬يمزجُ‭ ‬بين‭ ‬جنسِ‭ ‬السيرةِ‭ ‬الذاتيّة،‭ ‬والسرد‭ ‬القصصي‭ ‬واللُّغة‭ ‬الشاعرية،‭ ‬يتضحُ‭ ‬هذا‭ ‬التعالقُ‭ ‬بين‭ ‬الأجناسِ‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬العنوانِ‭ ‬الذي‭ ‬يكتنزُ‭ ‬من‭ ‬الدلالاتِ‭ ‬أكثرَ‭ ‬ممَّا‭ ‬يبرزُ؛‭ ‬فالرحلةُ‭ ‬الجبليّة‭ ‬تعبيرٌ‭ ‬رمزيٌّ‭ ‬مُخاتلٌ‭ ‬يحتملُ‭ ‬أن‭ ‬يكونَ‭ ‬وصفًا لرحلةُ‭ ‬كتابة‭ ‬السيرة‭ ‬وفتح‭ ‬مغاليق‭ ‬الذات،‭ ‬ويحتملُ‭ ‬أن‭ ‬يكونَ‭ ‬دلالةً‭ ‬إشاريةً‭ ‬لرحلة‭ ‬الذات‭ ‬السَّاردة‭ ‬أو‭ ‬الذات‭ ‬الجمعية‭ ‬ومكابداتها،‭ ‬في‭ ‬محاولتها‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬القهر والجمود‭ ‬الفكري،‭ ‬ويحتملُ‭ ‬أن‭ ‬يكونَ‭ ‬وصفًا‭ ‬لرحلة‭ ‬الذات‭ ‬الأنثوية‭ ‬عامَّةً‭ ‬‮ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬الإبداع‭.‬

لوحة: جبران هداية

إنَّ‭ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭ ‬كما‭ ‬يقولُ‮ ‬الشاعرُ‭ ‬سميحُ‭ ‬القاسم‭ ‬‮«‬قدَّمت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المذكرات‭ ‬شيئًا‭ ‬جديدًا‭ ‬هو‭ ‬التعبيرُ‭ ‬بصدقٍ‭ ‬وصراحةٍ‭ ‬عن‭ ‬هموم‭ ‬المرأة‭ ‬العربية؛‭ ‬فالمرأةُ‭ ‬العربية‭ ‬لم‭ ‬تكتب‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الهموم‭ ‬إلَّا‭ ‬بالرمز‭ ‬والتلميح‭ ‬والإشارة،‭ ‬وجاءت‭ ‬فدوى‭ ‬تبوحُ‭ ‬بكل‭ ‬شيء،‭ ‬في‭ ‬أسلوبٍ‭ ‬بالغ‭ ‬الجمالِ‭ ‬والعذوبة،‭ ‬وفي‭ ‬صدقٍ‭ ‬وشجاعةٍ‭. ‬تبرزُ‮ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭ ‬القهر‭ ‬الذكوريّ‭ ‬ماثلًا‭ ‬في‭ ‬والدِها‭ ‬وأخيها‭ ‬يوسف‭ ‬ورجالِ‭ ‬العائلة،‭ ‬وتُوغلُ‮ ‬‭ ‬في‮ ‬الكشفِ‮ ‬عن‭ ‬تفاصيل‭ ‬الاستبداد‭ ‬الذكوري‭ ‬الذي‭ ‬لحقَ‭ ‬بأبسط‭ ‬الحقوقِ‭ ‬الإنسانية‭ ‬للأنثى‭. ‬تقول‭ ‬‮«‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بمستطاع‭ ‬أرباب‭ ‬العائلة تحمل‭ ‬تلك‭ ‬الحقيقة‭ ‬البديهية،‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬المرأة إنسانُ‭ ‬يشعر‭ ‬ويتوق‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬والفرح‭ ‬مثلما‭ ‬يتوق‭ ‬ويتطلع‮ ‬‭ ‬أي‮ ‬كائنٍ‭ ‬بشري‭ ‬آخر‮»‬‭ .‬

وتقول‭ ‬‮«‬في‭ ‬هذا‭ ‬البيت‭ ‬وبين‭ ‬جدرانه‭ ‬العالية‭ ‬التي‭ ‬تحجبُ‭ ‬كل‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي‭ ‬عن‭ ‬جماعة‭ ‬الحريم‭ ‬الموؤودة‭ ‬فيه‭ ‬انسحقت‭ ‬طفولتي‭ ‬وصباي‭ ‬وشيء‭ ‬غير‭ ‬قليلٍ‮ ‬‭ ‬من‭ ‬شبابي‮»‬‭ ‬وبذلك‭ ‬تطرحُ‭ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭ ‬دلالةً‭ ‬مُستحدثةً‭ ‬لوأدِ‭ ‬الأنثى،‭ ‬حيثُ‭ ‬يصبحُ‭ ‬الوأدُ‭ ‬هو‭ ‬قهرُ‭ ‬الفكر‭ ‬والعاطفة‭ ‬والرؤى‭ ‬والشخصانية؛‭ ‬لتظلّ‭ ‬التَّبعيةَ‭ ‬والانسحاق‭ ‬طوقَ‭ ‬النجاةِ‭ ‬التي‭ ‬تلوذُ‭ ‬به‭ ‬الأنثى‭ ‬للإبقاءِ‭ ‬على‭ ‬حياةٍ‭ ‬أشبه‭ ‬ما‭ ‬تكونُ‭ ‬بحياةِ‭ ‬بهيمةِ‭ ‬الأنعام‭.‬‮ ‬تقول‭ ‬‮«‬أمَّا‭ ‬الجو‭ ‬العائليُّ‭ ‬فيسيطرُ‭ ‬عليه‭ ‬الرجلُ‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬بيتٍ،‭ ‬وعلى‭ ‬المرأة‭ ‬أن‭ ‬تنسى‭ ‬وجودَ‭ ‬لفظةِ‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬إلا‭ ‬عند‭ ‬شهادة‭ ‬‭(‬لا‭ ‬إله‭ ‬إلا‭ ‬الله‭)‬‭ ‬في‭ ‬وضوئها‭ ‬وصلاتها،‭ ‬أما‭ ‬‭(‬نعم‭)‬،‭ ‬فهي‭ ‬اللفظةُ‭ ‬الببغاويّة‭ ‬التي‭ ‬تُلقَّنُها‭ ‬منذ‭ ‬الرضاع‭ ‬؛‭ ‬لتصبح‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬كلمة‭ ‬صمغية‭ ‬ملتصقةً‭ ‬على‭ ‬شفتيها‭ ‬مدى‭ ‬حياتها‭ ‬كله‮»‬‭ ‬‭.‬

وتقولُ‭ ‬‮«‬كانت‭ ‬الدار‭ ‬أشبه‭ ‬بحظيرة‭ ‬كبيرة‭ ‬تملؤها‭ ‬الطيورُ‭ ‬الداجنة،‭ ‬يُلقى‭ ‬إليها‭ ‬بالعلفِ‭ ‬فتزدردهُ‮ ‬‭ ‬دون‭ ‬نقاشٍ،‭ ‬راضية‭ ‬قانعةً‭ ‬به،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬غاية‭ ‬الغايات،‭ ‬ونهاية‭ ‬النهايات‭. ‬كانت‭ ‬رسالة‭ ‬تلك‭ ‬الطيور الداجنة‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬تفقيس‭ ‬الفراخ‭ ‬الصغيرة‭ ‬واستنفاد‭ ‬أيام‭ ‬العمر‭ ‬بين‮ ‬‭ ‬حلل‭ ‬الطبخ‭ ‬النحاسية‭ ‬الكبرى وبين‭ ‬حطب المواقد الدائمة الاشتعال‭ ‬صيفًا‭ ‬وشتاءً‮»‬‭ .‬

وتقول‭ ‬‮«‬حق‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬محظورٌ‭ ‬عليها،‮ ‬الضحك‭ ‬والغناء‭ ‬من‭ ‬المحرمات،‭ ‬ويمكنُ‭ ‬اختلاسُها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يغادر‭ ‬الرجالُ‭ ‬‭(‬الأربابُ‭)‬‭ ‬إلى‭ ‬أعمالهم،‭ ‬الاستقلالُ‭ ‬الشخصي‭ ‬مفهوم‭ ‬غائبٌ؛‭ ‬لا‭ ‬حضور‭ ‬له‭ ‬إطلاقًا‭ ‬في‭ ‬حياتها‮»‬‭. ‬‭.‬

وحينَ‭ ‬تصفُ‭ ‬فدوى‭ ‬تفاصيل‭ ‬اغتيال‭ ‬الأنثى‭ ‬واستلابِها تُجسِّدُ‭ ‬هذه‭ ‬الوقائعَ‮ ‬في‭ ‬لغةٍ‭ ‬إبداعية‭ ‬ترتكزُ‭ ‬على‭ ‬التشخيصِ‮ ‬وإبراز‭ ‬الثنائيات‭ ‬الضدية‭ ‬المأساوية‭ ‬الكامنة‭ ‬بين‭ ‬وضعية‭ ‬الرجل‭/‬الذكر‭ ‬ووضعية‭ ‬الأنثى؛‭ ‬فالأوّلُ‭ ‬يبدو‭ ‬سيدًا،‭ ‬بل‭ ‬مُطلقًا‭ ‬من‭ ‬المُطلقاتِ‭ ‬يعمدُ‭ ‬إلى‭ ‬قهر‭ ‬الأنثى‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬تفجِّرها‭ ‬وانتصاب‭ ‬كيانها‭ ‬الإنسانيّ‭ ‬مُطالبًا‭ ‬بحقوقه؛‭ ‬ولذلك‭ ‬يعجلُ‭ ‬الرجلُ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬بشيخوخةِ‭ ‬إناثه‭.‬‮ ‬‭ ‬بينما‭ ‬تبدو‭ ‬الأنثى‭ ‬مُتشِّيئةً‮ ‬مُستلبةَ‭ ‬الروح‭ ‬والقدرةِ‭ ‬والرأيِ‭ ‬والمصيرِ‭. ‬تقول‭ ‬فدوى‭ ‬‮«‬كان‭ ‬الواقعُ‭ ‬المعيش‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬القمقم‭ ‬الحريمي‮ ‬مذلًّا‭ ‬مهينًا؛‭ ‬حيثُ‭ ‬تعيشُ‭ ‬الإناثُ‭ ‬وجودها الهزيلَ‭ ‬القاتم‭. ‬كنتُ‭ ‬ألتفتُ‭ ‬فلا‭ ‬أرى‭ ‬حولي‭ ‬إلَّا‭ ‬ضحايا‭ ‬بلا‭ ‬شخصية،‭ ‬بلا‭ ‬كيان‭ ‬مستقلٍ‭. ‬يقبعن‭ ‬في‭ ‬بيتٍ‭ ‬يتعجّل‭ ‬فيه‭ ‬الرجلُ‭ ‬شيخوخةَ‭ ‬إخوته‭ ‬وبناتِ‭ ‬عمه،‭ ‬متخذا‭ ‬من‭ ‬القهر‭ ‬وسيلة‭ ‬لذلك‭ ‬التعجيل،‭ ‬ضحايا‭ ‬لم‭ ‬أعرفهن‭ ‬إلا‭ ‬عجائز،‭ ‬عجزت‭ ‬الواحدةُ‭ ‬منهن‭ ‬منذ‭ ‬الخامسة‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬عمرها‭. ‬لم‭ ‬أعرفهن‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬ثياب‭ ‬التبتّل والتقشّف،‭ ‬يغطي‭ ‬شعرهنّ‭ ‬المنديلُ‭ ‬الأبيض فيما‭ ‬هنّ‭ ‬قعيدات الجدران المحيطة،‭ ‬ليس‭ ‬لهن‭ ‬صديقات،‭ ‬ليس‭ ‬لهنّ‭ ‬حياة‭ ‬خاصة،‭ ‬صبايا‭ ‬بشعرٍ‭ ‬شائب،‭ ‬ووجوه‭ ‬جعّدها‭ ‬الكبتُ‭ ‬قبل‭ ‬الأوان‭. ‬كان‭ ‬تزويج‭ ‬البنت‭ ‬من‭ ‬رجل‭ ‬غريبٍ‭ ‬يتعارضُ‮ ‬وتقاليد‭ ‬العائلة،‭ ‬فإمَّا‭ ‬ابنُ‭ ‬العم‭ ‬شقيق‭ ‬الأب،‭ ‬أو‭ ‬البقاءُ‭ ‬على‭ ‬العُذرة‭ ‬حتى‭ ‬القبر‮»‬‭ .‬

منذُ‭ ‬مرحلة‭ ‬قديمةٍ‭ ‬من‭ ‬الكتابةِ‭ ‬النَّسويةِ،‭ ‬ترصدُ‭ ‬الذاتُ‭ ‬الأنثويةُ‭ ‬بقلقٍ‭ ‬وتوجّسٍ‭ ‬طبيعةَ‭ ‬تلقِّي‭ ‬المجتمعِ‭ ‬لإبداعها،‭ ‬وموقفه‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الإبداعِ؛‭ ‬فالأديبةُ‭ ‬مي‭ ‬زيادة‭ ‬تصفُ‭ ‬هذا‭ ‬التلقِّي‭ ‬بأنّهُ‭ ‬فضول‭ ‬وترقّب،‭ ‬لا‭ ‬تقديرا‭ ‬أو‭ ‬إكبارا

إنَّ‭ ‬الرجلَ‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭ ‬يستأثر‭ ‬بالعوالم‭ ‬الروحية‭ ‬والجمالية،‭ ‬ويحرمُ‭ ‬الأنثى‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬العوالمِ‭ ‬ممَّا‭ ‬يُنقصُ‭ ‬من‭ ‬حدودِ‭ ‬اتساعها؛‭ ‬فهي‭ ‬تدينُ‭ ‬أباها‭ ‬الذي‭ ‬‮ ‬حرَّم‭ ‬على‭ ‬نساء‭ ‬المنزل‭ ‬الغناء‭ ‬والعزف‭ ‬بينما‭ ‬أباحهما‭ ‬لنفسه‭ ‬‮«‬مادام‭ ‬يحب‭ ‬الطرب‭ ‬فلماذا‭ ‬يحرمنا‭ ‬من‭ ‬العزف‭ ‬والغناء‮»‬‭ .‬

وفي‭ ‬طرحٍ‭ ‬رمزيٍ‭ ‬عالٍ‭ ‬تصفُ‭ ‬فدوى‭ ‬تجاهل‭ ‬هذا‭ ‬الأب‭ ‬لذاتها‭ ‬الإنسانية‭ ‬والأنثوية‭ ‬فترمزُ‭ ‬لتغييبِه‭ ‬هذه‭ ‬الذات‭ ‬بإشارته لها‭ ‬بضمير‭ ‬الغائبِ‭. ‬تقولُ‭ ‬‮«‬كان‭ ‬أحيانا‭ ‬إذا‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يُبلغني‭ ‬أمرًا‭ ‬يستعملُ‭ ‬صيغة‭ ‬الغائب،‭ ‬ولو‭ ‬كنتُ‭ ‬حاضرةً‭ ‬بين‭ ‬عينيه؛ كان‭ ‬يقولُ‭ ‬لأمّي‭: ‬قولي‭ ‬للبنتِ‭ ‬تفعل‭ ‬كذا‭.. ‬وكذا‮»‬‭ .‬

وتقول‭ ‬‮«‬إنه‭ ‬لا‭ ‬يؤمنُ‭ ‬أنني‭ ‬أصلحُ‭ ‬لشيء،‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬لي‭ ‬سوى‭ ‬شعور‭ ‬اللااكتراث،‭ ‬كأنني‭ ‬لا‭ ‬شيء،‭ ‬كأنني‭ ‬عدمٌ‭ ‬وفراغ،‭ ‬كأنني‭ ‬لا‭ ‬لزوم‭ ‬لوجودي‭ ‬إطلاقًا‮»‬‮ ‬‭.‬

ومثلما‭ ‬حُرمت‭ ‬الأنثى‭ ‬من‭ ‬عوالم‭ ‬الغناء‭ ‬والموسيقى‭ ‬بتسلّط‭ ‬الهيمنة‭ ‬الذكورية‭ ‬واستبدادِها‭ ‬حُرمت‭ ‬كذلك‭ ‬من‭ ‬أفراح‭ ‬الحبِّ‭ ‬وبهجته‭ ‬وعوالمه‭ ‬الساحرة‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬الإحساسُ‭ ‬بالحبُّ‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭ ‬منبثقًا‭ ‬للمزيد‭ ‬من‭ ‬الألم‭ ‬والاستلابِ‭. ‬فقد‭ ‬عُوقبت‭ ‬على‭ ‬وقوعها‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬الحبّ‭ ‬الأوّل‭ ‬في‭ ‬سنِّ‭ ‬المراهقة‭ ‬من‭ ‬أخيها‭ ‬يوسف‭ ‬بالضربٍ‭ ‬والسب‭ ‬والإهانة؛‭ ‬والحرمانِ‭ ‬من‭ ‬إتمامِ‭ ‬التعليم؛‭ ‬ممَّا‭ ‬دفعها‭ ‬إلى‭ ‬التفكيرِ‭ ‬في‭ ‬الانتحار،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬العزلةِ،‭ ‬ثمّ‭ ‬ترك‭ ‬فيها‭ ‬نُدبةً‭ ‬نفسيَّةً‭ ‬عميقةً‭ ‬تمثَّلتْ‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬رمزية‭ ‬ثريةٍ‭ ‬هي‭ ‬انحناءة‭ ‬الظهر‭ ‬التي‭ ‬لازمت‭ ‬فدوى‭.‬

إنَّ‭ ‬قارئ‭ ‬هذه‭ ‬السيرة‭ ‬الجبليّةَ‭ ‬يلاحظُ‭ ‬أنَّه‭ ‬أمامَ‭ ‬مسيرة‭ ‬الذات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬لا‭ ‬الأنثوية‭ ‬فقط،‭ ‬حيثُ‭ ‬يلمسُ‭ ‬بوضوحٍ‭ ‬هيمنةَ‭ ‬مناخِ‭ ‬القهر‭ ‬والاستلابِ‭ ‬على‭ ‬الشخصياتِ‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السيرةِ‭ ‬فالأنثى‭ ‬تكابدُ‭ ‬قهر‭ ‬الرجل‭ ‬واستبداده‭ ‬بها،‭ ‬والرَّجل‭ ‬يكابدُ‭ ‬القهر‭ ‬والحكم‭ ‬الدكتاتوري‭ ‬ماثلًا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬رموز‭ ‬السلطةِ،‭ ‬والأرضُ‭ ‬الفلسطينيّة‭ ‬تكابدُ‭ ‬قهرَ‭ ‬المُحتلِّ‭ ‬اليهوديّ‭ ‬واغتصابه‭ ‬خيراتِها‭ ‬وأمنها‭ ‬وحقوقها‮…‬،‭ ‬وهكذا‭ ‬يبدو‭ ‬الاستلابُ‭ ‬سيِّدَ‭ ‬المشهدِ،‭ ‬وبطلَ‭ ‬هذه‭ ‬السيرة‭ ‬الدرامية‭ ‬التي‭ ‬تتضافرُ‭ ‬فيها‭ ‬الشخوصُ‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وتتماسّ‭ ‬في‭ ‬بوتقة‭ ‬المعاناة‭ ‬من‭ ‬حياةٍ‭ ‬هي‭ ‬أشبهُ‭ ‬بالموتِ‭. ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬فإننا نلاحظُ‮ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬التماسّ‭ ‬النوعي‭ ‬بين‭ ‬حركتي‭ ‬المدّ‭ ‬والجزر‭ ‬في‮ ‬مقاومة‭ ‬الأنثى‭ ‬لقهر‭ ‬الرجل،‭ ‬ومقاومة‭ ‬الأرض‭ ‬المحتلة‭ ‬لقهر‭ ‬العدو‭ ‬الغاشم،‭ ‬وكأن‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬هنا‭ ‬أصبحت‭ ‬سيرةَ‭ ‬ذاتٍ‭ ‬أنثوية،‭ ‬وذات‭ ‬إنسانية،‭ ‬وذات‭ ‬قومية‭ ‬‮«‬فقد‭ ‬تحول‭ ‬الوطنُ‭ ‬إلى‭ ‬أرضٍ‭ ‬محتلة‭ ‬وتحولت‭ ‬الشاعرةُ‭ ‬‭-‬أو‭ ‬بالأحرى أصبحت‭-‬‭ ‬ذاتا‭ ‬منقسمةً‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬تصبو‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تكونَ‭ ‬عليه،‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬واقعٌ‮»‬‭ .‬

وبذلك‭ ‬تفرَّدت‭ ‬فدوى‭ ‬طوقانُ‭ ‬في‭ ‬سيرتها‭ ‬الـ‮»‬جبلية‮»‬‭ ‬ببوحٍ‭ ‬دراميِّ‭ ‬يمتزجُ‭ ‬فيه‭ ‬تأزّمُ‭ ‬الذات‭ ‬الأنثوية‭ ‬بتأزم‭ ‬الآخر؛‭ ‬ممَّا‭ ‬يُبرزُ‭ ‬وعي‭ ‬الكتابة‭ ‬النسوية،‭ ‬واتّصافها‭ ‬بالأعماق‭ ‬الدلالية‭.‬

‮ ‬تأزم‭ ‬الذات‭ ‬الأنثوية‭ ‬المبدعة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الاستلاب‭ ‬الاجتماعي

منذُ‭ ‬مرحلة‭ ‬قديمةٍ‭ ‬من‭ ‬الكتابةِ‭ ‬النَّسويةِ،‭ ‬ترصدُ‭ ‬الذاتُ‭ ‬الأنثويةُ‭ ‬بقلقٍ‭ ‬وتوجّسٍ‭ ‬طبيعةَ‭ ‬تلقِّي‭ ‬المجتمعِ‭ ‬لإبداعها،‭ ‬وموقفه‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الإبداعِ؛‭ ‬فالأديبةُ‭ ‬مي‭ ‬زيادة‭ ‬تصفُ‭ ‬هذا‭ ‬التلقِّي‭ ‬بأنّهُ‭ ‬فضول‭ ‬وترقّب،‭ ‬لا‭ ‬تقديرا‭ ‬أو‭ ‬إكبارا‭.‬

أمَّا‭ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭ ‬فهي‭ ‬تصفُ‭ ‬درجة‭ ‬عاليةً‭ ‬من‭ ‬التأزم‭ ‬بين‭ ‬ذاتها‭ ‬الأنثوية‭ ‬المُبدعة،‭ ‬والمجتمع‭ ‬التقليديّ‭ ‬المُحيطِ‭ ‬بها،‭ ‬وتُفسِّرُ‭ ‬هذا‭ ‬التأزّم‭ ‬بخوفِ‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬التقليدية‭ ‬من‭ ‬وعي‭ ‬‮ ‬المرأة‭ ‬القارئة‭ ‬الكاتبة‭ ‬المبدعة،‭ ‬وتُرجعُ‭ ‬هذا‭ ‬التأزم‭ ‬إلى‭ ‬اتصافِ‭ ‬هذا‭ ‬المجتمعِ‭ ‬بالازدواجية‭ ‬والفصام‭. ‬تقولُ‮ ‬‮«‬لقد‭ ‬كانوا‭ ‬يرتدون‭ ‬الزيّ‭ ‬الأوروبي‭ ‬ويتكلمون‭ ‬الفرنسية‭ ‬والإنكليزية‭ ‬والتركية،‭ ‬ويأكلون‭ ‬بالشوكة‭ ‬والسكين،‭ ‬ويقعون‭ ‬في‭ ‬الحبّ،‭ ‬ثم‭ ‬يقفون‭ ‬بالمرصاد‭ ‬كلما‭ ‬حاولت‭ ‬إحدانا‭ ‬تحقيق‭ ‬إنسانيتها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬التطور‭ ‬الطبيعي،‭ ‬أو‭ ‬التطلع‭ ‬إلى‭ ‬الأفضل‭ ‬والأحسن‭. ‬كانوا‭ ‬يمثلون‭ ‬جمود‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي،‭ ‬وعجزه‭ ‬الكلي‭ ‬عن‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بشخصية‭ ‬واحدة‭ ‬غير‭ ‬مشطورةٍ‮»‬‭ .‬

ولذلك‭ ‬تدينُ‭ ‬هذا‭ ‬المجتمعَ؛‭ ‬لأنَّه‭ ‬منعَ‭ ‬بازدواجيته‭ ‬وسطحيته‭ ‬تدفق‭ ‬الذات‭ ‬الأنثوية‭ ‬فكرًا‭ ‬وإبداعًا‭ ‬؛‭ ‬ممَّا‭ ‬قولَبها‭ ‬في‭ ‬أسر‭ ‬التفاهة‭ ‬والتبعيّة‭. ‬تقول‭ ‬‮«‬القالبُ‭ ‬الفولاذي‭ ‬الذي‭ ‬يضعُنا‭ ‬فيه‭ ‬الأهلُ،‭ ‬ولا‭ ‬يسمحونَ‭ ‬لنا‭ ‬بالخروجِ‭ ‬عليه،‭ ‬القواعدُ‭ ‬المألوفةُ‭ ‬التي‭ ‬يصعبُ‭ ‬كسرها،‭ ‬التقاليدُ‭ ‬الخاليةُ‭ ‬من‭ ‬العقل،‭ ‬والتي‭ ‬تضعُ‭ ‬البنتَ‭ ‬في‭ ‬قمقم‭ ‬التفاهة،‭ ‬كنتُ‭ ‬توقًا‭ ‬مستمرًا‭ ‬إلى‭ ‬الانطلاق‭ ‬خارج‭ ‬مناخ‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان،‭ ‬والزمان‭ ‬هو‭ ‬زمان‭ ‬القهر‭ ‬والكبت‭ ‬والذوبان‭ ‬في‭ ‬اللَّاشيئية،‭ ‬والمكانُ‭ ‬هو‭ ‬سجنُ‭ ‬الدار‮»‬‭ .‬

لوحة: رندة حجازي

و‭ ‬ترصدُ‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬مشهدًا‭ ‬رمزيًّا‭ ‬عميقًا‭ ‬في‭ ‬دلالته‭ ‬على‭ ‬قهر‭ ‬إبداعها،‭ ‬وهو‭ ‬مشهدُ‭ ‬سرقة‭ ‬قلمها‭ ‬المفضّل‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬حملةِ‭ ‬التفتيش‭ ‬التي‭ ‬داهمت‭ ‬منزل‭ ‬العائلة؛ ممَّا‭ ‬يُذكِّرُ‭ ‬بالسيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬للكاتبة‭ ‬لطيفة‭ ‬الزيات‭ ‬‮«‬حملة‭ ‬تفتيش‭-‬‭ ‬أوراق‭ ‬شخصية‮»‬‭ ‬والتي‭ ‬جعلت‭ ‬فيها‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية‭ ‬رمزًا‭ ‬للقهر‭ ‬الذكوري‭ ‬والمجتمعي‭ ‬المتصدِّي‭ ‬لحرية‭ ‬الفكر‭ ‬السياسي‭ ‬والإبداعي‭ ‬عامة‭.‬

ملامح‭ ‬استلابِ‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬النسوية

من‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬الملامح‭ ‬التَّشظي،‭ ‬الاغترابُ،‭ ‬أو‭ ‬انعدامُ‭ ‬الشعور‭ ‬بالانتماء،‭ ‬والعجزُ‭ ‬عن‭ ‬‮ ‬الاندماج‭ ‬بالآخر‭. ‬تصف‭ ‬نوال‭ ‬السعداوي‭ ‬خطر‭ ‬الاغتراب الذي‭ ‬هدّد‮ ‬‭ ‬ذاتها‭ ‬الأنثوية‭ ‬المُحاصرة‭ ‬بالقهر،‭ ‬تقول‭ ‬‮«‬كنتُ‭ ‬أعي‭ ‬ذاتي،‭ ‬وكنتُ‮ ‬على‭ ‬وعيٍ‭ ‬بأن‭ ‬الذات‭ ‬لا‭ ‬تتكاملُ‭ ‬إلّا في‭ ‬الجماعة وكانت‭ ‬الجماعةُ‭ ‬هناك‮ ‬،‭ ‬وراء‭ ‬الجدران‭ ‬التي‭ ‬تُحاصرُني،‭ ‬وبينها‭ ‬وبيني‭ ‬مسافة‭ ‬قرون طويلة‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬الحريم‮»‬‭ .‬

وتصفُ‭ ‬مذاقات‭ ‬الشعور‭ ‬بالاغتراب‭ ‬واستلاب‭ ‬الكيان‭ ‬بقولها‭ ‬‮«‬كان‭ ‬شعوري‭ ‬بالاغتراب‮ ‬يتكثّف،‭ ‬وبدأ‭ ‬إحساسي‭ ‬باستلاب‭ ‬أحلامي‮ ‬وأمانيّ‭ ‬وتطلعاتي‮ ‬الطموحة‭ ‬يتخذُ‭ ‬شكلا‭ ‬مَرضيًّا‮»‬‭. ‬‭.‬

تعبِّرُ‭ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الاغترابِ‭ ‬بمفردةِ‭ ‬‮«‬الغياب‮»‬‭ ‬فتقول‭ ‬‮«‬كنتُ‭ ‬مع‭ ‬العائلة،‭ ‬ولكن‭ ‬حضوري‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الواقعِ‭ ‬غيابًا‭ ‬إلى أبعدِ‭ ‬حدود‭ ‬الغياب‮…‬‭!‬‮»‬‭ ‬كما‭ ‬تصف‭ ‬معاناتها‭ ‬من‭ ‬التّشظي،‭ ‬والصراع‭ ‬الداخلي‭ ‬الناجم‭ ‬من‭ ‬الاضطرار‭ ‬للخضوع‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والرغبة‭ ‬القوية‭ ‬العارمة‭ ‬في‭ ‬الثورة‭ ‬من‭ ‬جهةٍ‭ ‬أخرى‭. ‬تقول‮ ‬‮«‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬ظل‭ ‬شديد‭ ‬الوطأة‭ ‬على‭ ‬نفسي‭ ‬حتى‭ ‬لقد‭ ‬سيطر‭ ‬عليّ‭ ‬الشعور‭ ‬بالعبودية‭ ‬والقسر،‭ ‬كنتُ‭ ‬على‭ ‬وعي‭ ‬بمهانة‭ ‬هذا‭ ‬الوضع،‭ ‬وبعجزي‭ ‬عن‭ ‬تحطيمه‭ ‬والخروج‭ ‬من‭ ‬إطاره؛‮…‬‭ ‬هكذا‭ ‬قام‭ ‬خصامٌ‭ ‬لا‭ ‬هدنة‭ ‬فيه‭ ‬بين‭ ‬نفسي‭ ‬المقهورة‭ ‬بالكبت،‭ ‬وبين‭ ‬الواقع‭ ‬المتجهم‭ ‬الذي‭ ‬أحياهُ،‭ ‬مما‭ ‬أوجد‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬انفصامًا‭ ‬شقّها‭ ‬إلى‭ ‬نصفين‮»‬‭.‬

مسارات‭ ‬الخلاص

أفترضُ‭ ‬أنَّ‭ ‬نماذج‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية التي‭ ‬بين‭ ‬أيدينا‭ ‬قد‭ ‬جسَّدتْ‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأحلام‭ ‬واختزلتها‭ ‬في‭ ‬حلم‭ ‬‮«‬الحرية‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يتردد‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬كلِّ‭ ‬أنثى‭ ‬كاتبة بصورةٍ‭ ‬ما من‭ ‬الصور‭ ‬المباشرة‭ ‬أو‭ ‬الإشارية‭. ‬فلقد‭ ‬تمثَّلُ‭ ‬حلمُ‭ ‬الحريةِ‭ ‬لفدوى‭ ‬طوقان‭ ‬التوق‭ ‬في‭ ‬السفر‭ ‬والتحليق‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬أجواء‭ ‬القهر‭ ‬والتّسلط‭ ‬والمراقبة‭. ‬تقول‭ ‬‮«‬يقولون‭ ‬إن‭ ‬الذين‭ ‬عشقوا‭ ‬الأسفار‭ ‬كانوا‮ ‬‭ ‬قد‭ ‬عانوا‭ ‬عيشة‭ ‬الحيوانات وراء‭ ‬قضبان‭ ‬الأقفاص‭ ‬الحديدية،‭ ‬ولقد‭ ‬كنتُ‭ ‬أعيشُ‭ ‬تلك‭ ‬العيشة‭ ‬فعلا‮»‬‭ . ‬وتطرحُ‭ ‬هذا‭ ‬الحلم‭ ‬في‮ ‬صورة‭ ‬أخرى‭ ‬تتمنى‭ ‬فيها‭ ‬هدمَ‭ ‬كل‭ ‬السياجاتِ‭/‬القيودِ‭ ‬فتقول‮ ‬‮«‬كم‭ ‬كنتُ‭ ‬أشتهي‭ ‬النوم‭ ‬تحت‭ ‬السماء،‭ ‬لا‭ ‬سقف‭ ‬من‭ ‬فوقي،‭ ‬ولا‭ ‬جدران‭ ‬من‭ ‬حولي،‭ ‬ولا‭ ‬أقارب‭ ‬بجانبي‮…»‬‭ .‬‮ ‬وتطرحُ‭ ‬فدوى‭ ‬‮«‬مفارقةً‭ ‬أليمةً‮ ‬هي‭ ‬ظفرُ‭ ‬المرأة‭ ‬القروية‭ ‬البسيطة‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬السامي‭ ‬من‭ ‬الحرية،‭ ‬والذي‭ ‬يعني‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التوحد‭ ‬مع‭ ‬الوجود،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الاحتفاظِ‭ ‬بجوهر‭ ‬الذاتِ‭ ‬نقيًّا‭ ‬دونَ‭ ‬مداهمة‭ ‬أو‭ ‬قهرٍ،‭ ‬في‭ ‬الوقتِ‭ ‬الذي‭ ‬عجزت‭ ‬فيه‭ ‬‮ ‬المرأة‭ ‬المدنية‭ ‬عن‭ ‬الفوز‭ ‬بهذه‭ ‬الحرية‭ ‬رغم‮ ‬‭ ‬مطالبات الجمعيات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الحقوقية‭. ‬يبرزُ‭ ‬الإبداعُ‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬مسارات‭ ‬الخلاص‭ ‬والدروب‭ ‬الموصلة‭ ‬للحرية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬من‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭. ‬تنسبُ‭ ‬مي‭ ‬زيادة‭ ‬إلى‭ ‬الإبداعِ‭ ‬إمدادَ‭ ‬الأنثى‭ ‬بالقدرةَ‭ ‬على‭ ‬معرفةِ‭ ‬الذاتِ،‭ ‬ومعرفة‭ ‬الكونِ،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التمسّك‭ ‬بالحرية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬معانيها‭ ‬ومستوياتها‭.‬‮ ‬تقول‮ ‬‮«‬نعم‭ ‬صرنا‭ ‬نكتبُ،‭ ‬ليس‭ ‬بمعنى‭ ‬تسويدِ‭ ‬الصحائف‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بمعنى‭ ‬الانتباه‭ ‬للشعور‭ ‬قبل‭ ‬التحبير‭. ‬لقد‭ ‬خبرنا‭ ‬الاختلاءِ‭ ‬بذواتنا؛‭ ‬فأقبلنا‭ ‬على‭ ‬تفهُّم‭ ‬معاني‭ ‬الحياة؛‭ ‬نتفرَّسُ‭ ‬في‭ ‬المشاهد‭ ‬بأبصارٍ‭ ‬جديدة،‭ ‬ونُصغي‭ ‬إلى‭ ‬الأصوات‭ ‬بمسامع‭ ‬منتبهةٍ،‭ ‬ونشوقُ‭ ‬إلى‭ ‬الحرية‭ ‬والاستقلالِ‭ ‬بقلوبٍ‭ ‬طروبةٍ،‭ ‬ونُعبِّرُ‭ ‬عن‭ ‬النزعاتِ‭ ‬بأقلامٍ‭ ‬يشفعُ‭ ‬الإخلاصُ‭ ‬في‭ ‬تردّدها‭. ‬إنَّ‭ ‬الأمرَ‭ ‬لكذلك،‭ ‬وجرأتُنا‭ ‬هذه‭ ‬لم‭ ‬تبدُ‭ ‬من‭ ‬اللَّائي‭ ‬سَبقنَنا،‭ ‬وإقدامُنا‭ ‬لم‭ ‬يألفهُ‭ ‬الرجلُ‭ ‬من‭ ‬سوانا،‭ ‬والجمهورُ‭ ‬يرقبُنا‭ ‬بنظرةٍ‭ ‬خاصَّةٍ‭ ‬تائقًا‭ ‬إلى‭ ‬تصفُّحِ‭ ‬نفس‭ ‬المرأةِ‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬تصفُ‭ ‬به‭ ‬ذاتها،‭ ‬وليسَ‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يرويه‭ ‬عنها‭ ‬الكاتبون‮»‬‭ .‬‮ ‬وتصفُ‭ ‬الكتابةَ‭ ‬‭-‬في‭ ‬حفل‭ ‬تكريمها‭-‬‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬كوخ‮»‬‭ ‬صغيرٌ‭ ‬يمثّل‭ ‬لها‭ ‬الخصوصية،‭ ‬والعزلة،‭ ‬والدفء‭ ‬والمأوى،‭ ‬وبأنّه‭ ‬‮ ‬لبنةٌ‭ ‬في‭ ‬صرح‭ ‬النهضة‭ ‬النسائية‭. ‬تقول‭ ‬‮«‬أردتم‭ ‬أن‭ ‬يكونَ‭ ‬هذا‭ ‬الكوخ حجرًا معنويًّا‭ ‬في‭ ‬صرح‭ ‬النهضة‭ ‬النسائيّة،‭ ‬ورمزتم‭ ‬بهذا‭ ‬العَلَم‭ ‬إلى‭ ‬راية‭ ‬تحرير‭ ‬العقول‭ ‬من‭ ‬الخرافات‭ ‬والأوهام،‭ ‬وما‭ ‬كانت‭ ‬أصواتُ‭ ‬الهتافاتِ‭ ‬إلَّا‭ ‬أصوات‭ ‬نفوسٍ‭ ‬تحثُّ‭ ‬المرأةَ‭ ‬والفتاة‭ ‬العصرية‭ ‬على‭ ‬السيرِ‭ ‬إلى‭ ‬الأمامِ‮»‬‭ .‬

والإبداعُ‭ ‬للأنثى الكاتبةِ‭ ‬سبيلٌ‭ ‬تحرّرها‭ ‬الاجتماعيِّ‭ ‬والفكري‭ ‬والروحيّ‭ ‬‭-‬في‭ ‬رأيها‭-‬‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬أشادتْ‭ ‬بكتابات‭ ‬باحثةُ‭ ‬البادية؛‭ ‬حيثُ‭ ‬‮«‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قلمُها‭ ‬إلا‭ ‬شرار‭ ‬وميض‭ ‬قلبها،‭ ‬به‭ ‬اختبرت‭ ‬البيئة‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬مظاهرها،‭ ‬ودرست‭ ‬المرأة‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أطوارها؛‭ ‬ولمَّا‭ ‬أن‭ ‬هالها‭ ‬ما‭ ‬شهدت‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬ذلٍّ‭ ‬وتعاسةٍ‭ ‬غمستْ‭ ‬قلمها‭ ‬في‭ ‬مدادٍ‭ ‬هو‭ ‬سيَّالُ‭ ‬قلبها‭ ‬الناريّ،‭ ‬وكتبت‭ ‬فصولا‭ ‬خالدات‮»‬‭.‬

أمَّا‭ ‬نوال‭ ‬السعداوي‭ ‬والتي‭ ‬تمثِّلُ‮ ‬‭ ‬نموذجًا‭ ‬مغايرًا‭ ‬لمي‭ ‬زيادة‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬والإبداعيّ‮ ‬والتكوينِ‭ ‬النّفسيّ‭ ‬فقد‭ ‬اعتبرتْ‭ ‬الإبداع‭ ‬خلاصًا‭ ‬وكينونةً‭ ‬صدامية‭ ‬تواجهُ‭ ‬الممارسات‭ ‬القمعية‭ ‬التي‭ ‬يعمدُ‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬خلالِها‭ ‬إلى‭ ‬قهرِ‭ ‬الذات‭ ‬الأنثوية‭. ‬تطرحُ‭ ‬نوال‭ ‬السعداوي‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬الاعتباريّة‭ ‬للإبداعِ‭ ‬في‭ ‬الإهداء‭ ‬الذي‭ ‬كتبته‭ ‬لجدّتها‭ ‬في‭ ‬صدر‭ ‬كتابها‭ ‬‮ ‬‮«‬معركة‭ ‬جديدة في‭ ‬قضية‭ ‬المرأة‮»‬‭ ‬تقولُ‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬جدتي‭ ‬مبروكة‭ ‬‘أم‭ ‬أبي’،‭ ‬المرأة‭ ‬الريفية‭ ‬الفقيرة التي‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬القراءة،‭ ‬وعاشت‭ ‬وماتت،‭ ‬وشوَّحتْ‭ ‬بيدها‭ ‬السمراء‭ ‬المشقّقة في‭ ‬وجه‭ ‬العمدة،‭ ‬وصاحت‭ ‬بأعلى‭ ‬صوتها‭ ‬أمام‭ ‬أهل‭ ‬قريتِها منذ‭ ‬نصف‭ ‬قرنٍ‭ ‬‮ ‬‮«‬إحنا‭ ‬مش‭ ‬عبيد‮»‬‭.‬

مرَّت‭ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭ ‬بتجربة‭ ‬حبٍّ‭ ‬فريدة‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭ ‬عبر‭ ‬علاقتها‭ ‬بأخيها‭ ‬إبراهيم‭ ‬الذي‭ ‬مثَّل‭ ‬لها‭ ‬الأب‭ ‬والأخ‭ ‬الكبير،‭ ‬والصديق‭ ‬والأستاذ‭ ‬الذي‭ ‬علّمها‭ ‬الشعر؛‭ ‬فأغدقت‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬مشاعرها‭ ‬الأنثوية‭ ‬المحرومة‭ ‬بسخاءٍ

عند‭ ‬قراءةِ‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬لنوال‭ ‬سعداوي‭ ‬وكذلك‭ ‬أعمالها‭ ‬الروائية‭ ‬والقصصية،‭ ‬سنلاحظُ‭ ‬أنّها‭ ‬تُوسعُ‭ ‬من‭ ‬الدائرة‭ ‬الدلالية‭ ‬لقضية‭ ‬قهر‭ ‬الأنثى‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية،‭ ‬وترى‭ ‬هذا‭ ‬القهر‭ ‬حلقةً‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬القهر‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬يتعرض‭ ‬له‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬أنظمة‭ ‬الحكم،‭ ‬واستعلاء‭ ‬القوى‭ ‬الأجنبية،‭ ‬بل‭ ‬تزيدُ‭ ‬من‭ ‬رقعة‭ ‬التأزّم؛‭ ‬فترى‭ ‬إشكاليةَ‭ ‬قهر‭ ‬المرأة‭ ‬حلقةً‭ ‬من‭ ‬سلسلةِ‭ ‬القهر‭ ‬العالمي‭ ‬حيثُ‭ ‬ينقسمُ‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬أسياد‭ ‬وعبيد،‭ ‬أو‭ ‬قوى‭ ‬كبرى،‭ ‬ودولٍ‭ ‬صغرى‭. ‬وقد‮ ‬‭ ‬طرح‭ ‬زوجُها‭ ‬شريف‭ ‬حتاتة طبيعة‭ ‬فكرها‭ ‬وتوجهها‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬كتابها‭ ‬‮«‬معركة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬المرأة‮»‬،‭ ‬فربط‭ ‬بين‭ ‬رؤى‭ ‬نوال‭ ‬السعداوي‭ ‬الفكرية،‭ ‬وبين‭ ‬عموم‭ ‬النظام‭ ‬العالمي،‭ ‬وتأزم‭ ‬الوضعية‭ ‬العربية،‭ ‬بل‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬علاقةٍ‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬تواجهه‭ ‬نوال‭ ‬السعداوي‭ ‬في‭ ‬حركتها‭ ‬وبين‭ ‬ازدواجية‭ ‬المعايير‭ ‬في‭ ‬الوضعية‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬باستباحة‭ ‬العراقِ‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الأميركي‭ ‬الجديد،‭ ‬ومزاعم‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الجديدة،‭ ‬وثقافة‭ ‬الخرافات‭ ‬والسحر‭ ‬والنفاق‭ ‬‮ ‬والتعصّب‭ ‬الديني‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬بلغتْ‭ ‬غاياتُ‭ ‬الإبداعِ‭ ‬آفاقًا‭ ‬قصوى‭ ‬في‭ ‬رؤية‭ ‬نوال‭ ‬السعداوي‭ ‬وهي‮ ‬الحريةُ‭ ‬بمعناها‭ ‬المطلق،‭ ‬والانسجام‭ ‬مع‭ ‬الكون،‭ ‬وتحقق‭ ‬الجمال‭ ‬بالمعنى‭ ‬الفلسفيّ‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬مزيجٌ‭ ‬من‭ ‬العدل‭ ‬والنظام‭ ‬والمساواة‭ ‬والحرية‭. ‬تقولُ‭ ‬‮«‬ربما‭ ‬هو‭ ‬حلمٌ‭ ‬من‭ ‬أحلام‭ ‬الطفولة‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬العالم من‭ ‬حولي‭ ‬أكثر‭ ‬جمالا‭ ‬وأكثر‭ ‬عدالةٍ،‭ ‬إنَّه‭ ‬أجملُ‭ ‬الأحلام،‭ ‬وأعزها‭ ‬على‭ ‬نفسي،‭ ‬ولستُ‭ ‬مستعدة‭ ‬لكي‭ ‬أستبدلُ‭ ‬بهذا‭ ‬الحلم‭ ‬مال‭ ‬الدنيا‭ ‬أو‭ ‬زينتها‭ ‬أو‭ ‬عروشها‮»‬‭ . ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬تظلُّ‮ ‬القيمة‭ ‬الإنسانية‭ ‬‭-‬في‭ ‬رأيها‭-‬‭ ‬هي‭ ‬معيار‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬الإبداع‭.‬

وفي‭ ‬طرحٍ‭ ‬إبداعيٍّ‭ ‬تُجسِّدُ‭ ‬نوال‭ ‬السعداوي‭ ‬لحظاتِ‭ ‬توحّدها‭ ‬بالكتابة،‭ ‬ولحظات‭ ‬طقوسها‭ ‬وتجلّيها‭ ‬التي‭ ‬تُبرزها‭ ‬خلاصًا‭ ‬وعالمًا‭ ‬مُرتجىً‮ ‬‮«‬كنتُ‭ ‬أحمل‭ ‬قلمي‭ ‬وأوراقي‭ ‬وأغادر‭ ‬البيت‭. ‬أمشي‭ ‬وأمشي‭ ‬دون‭ ‬توقف‭. ‬أتلفت‭ ‬حولي‭ ‬كأنما‭ ‬أبحثُ‭. ‬أتطلع‭ ‬إلى‭ ‬الأرض‭ ‬والسماء‭ ‬والبيوت‭ ‬والعمارات‭ ‬والشوارع والأزقة‭. ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬شقٍّ‭ ‬أهربُ‭ ‬فيه‭. ‬أختفي‭ ‬داخله‭ ‬وأغلق‭ ‬ورائي‭ ‬سبعةَ‭ ‬أبوابٍ؛‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬بابٌ‭ ‬واحدٌ‭ ‬لطرد‭ ‬الأصوات‭. ‬أبحثُ‭ ‬عن‭ ‬الصمت‭ ‬داخل‭ ‬الصمت‮…‬‭ ‬أتلفت‭ ‬حولي‭ ‬لأعرفَ‭ ‬أين‭ ‬أذهبُ‭. ‬أسيرُ‭ ‬بحذاء‭ ‬نهر‭ ‬النيل‭. ‬أتوقفُ‭ ‬لحظة‮ ‬‭ ‬أحملقُ‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬أمد‭ ‬قدمي‭ ‬فوق‭ ‬السور‭ ‬وأقفزُ‭. ‬أصحو‭ ‬من‭ ‬النوم‭ ‬مبللة‭ ‬بالعرق‭. ‬الأوراق‭ ‬مبعثرة‭ ‬فوق‭ ‬السرير،‭ ‬وبجواري‭ ‬رجلٌ‭ ‬نائم‮»‬‭ ‬‭.‬

تطرحُ‭ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭ ‬الكتابةَ‭ ‬‮ ‬باعتبارها‭ ‬الحبيب‭ ‬الصادق،‭ ‬وعالم‭ ‬الوجد‭ ‬الصوفي‭ ‬والانعتاق‭ ‬الروحي‭ ‬من‭ ‬عذابات‭ ‬الحياة‭. ‬تقولُ‭ ‬‮«‬أصبح‭ ‬الشعرُ‭ ‬شغلي‭ ‬الشاغل‭ ‬في‭ ‬يقظتي‭ ‬ونومي،‭ ‬في‭ ‬وجداني‭ ‬وضميري،‭ ‬أصبح‭ ‬حبِّي‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬طول‭ ‬حياتي‭ ‬حبا‭ ‬صوفيا،‭ ‬ليس‭ ‬بالمعنى‭ ‬الديني،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬هذا‮ ‬‭ ‬الحبّ‭ ‬من‭ ‬شدة،‭ ‬وبما‭ ‬يبعثُه‭ ‬في‭ ‬أعماقي‭ ‬من‭ ‬نشوة‭ ‬باهرة‮»‬‭.‬

يبرزُ‭ ‬الإبداعُ‭ ‬في‭ ‬رؤيتها‭ ‬سبيلا‭ ‬لاستعادة‭ ‬الذات‭ ‬الضائعة‭ ‬التي‭ ‬استلبها‭ ‬الأغيارُ‭ ‬تقول‭ ‬‮«‬في‭ ‬استغراقي‭ ‬في‭ ‬عالمي‭ ‬الجديد‭ ‬عرفت‭ ‬مذاق‭ ‬السعادة،‭ ‬كنتُ‭ ‬مستغرقةً‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬خلق‭ ‬نفسي،‭ ‬وبنائها‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬والبحث‭ ‬الطموحِ‮ ‬عن‭ ‬إمكانياتي‭ ‬وقدراتي‭ ‬ممّا‭ ‬شكَّل‭ ‬ثروةَ‭ ‬وجودي‮»‬،‭ ‬وتقولُ‭ ‬‮«‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أمامي‭ ‬إلا‭ ‬الانعزال‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬العلاقات‭ ‬البشرية‭ ‬المتشابكة‭ ‬من‭ ‬حولي،‭ ‬والهروب‭ ‬من‭ ‬زمني‭ ‬البائس‭ ‬إلى‭ ‬الزمن‭ ‬الروائي‭ ‬حينًا،‭ ‬وأحلام‭ ‬اليقظة‭ ‬والشعر‭ ‬أحيانًا‭ ‬أخرى‮»‬‭ .‬

وتصفُ‭ ‬الشعرَ‭ ‬بأنه‭ ‬الصوتُ‭ ‬الإنساني‭ ‬الذي‭ ‬أعاد‭ ‬علاقتها‭ ‬بالآخرين‭ ‬بعد‭ ‬طول‭ ‬عزلةٍ‭ ‬واغتراب‭ ‬فتقول‭ ‬‮«‬ولقد‭ ‬كان‭ ‬الشعرُ‭ ‬الذي‭ ‬نشرتُه‭ ‬في‭ ‬الصحف هو‭ ‬العملُ‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الوحيد الذي‭ ‬استطعتُ‭ ‬أن‭ ‬أجعل‭ ‬منه‭ ‬جسرًا‮ ‬يصلُني‭ ‬بالآخرين‭ ‬وأنا‭ ‬قابعة بين‭ ‬جدران‭ ‬الأتربة‮»‬‭.‬

الحب‭ ‬من‭ ‬عوالم‭ ‬الخلاص‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬الإبداعي

يبرزُ‭ ‬الحبُّ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬الإبداعية‭ ‬بصفته‭ ‬المُجرّدة،‭ ‬لا‭ ‬بصفته‭ ‬الواقعية‭ ‬المترجمة‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬ماديةٍ‭ ‬ملموسة،‭ ‬خلاصًا‭ ‬للذات‭ ‬المُستلبَة،‭ ‬يبرزُ‭ ‬عالمًا‭ ‬نقيًّا‭ ‬مكتملًا‭ ‬‮ ‬أقربُ‭ ‬إلى‭ ‬الحلم،‭ ‬وأقربُ‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يكونَ‭ ‬عملية‭ ‬إبداعٍ‭ ‬مثالية،‭ ‬وفردوسًا‭ ‬أرضيًّا‭ ‬تتناغمُ‭ ‬فيه‭ ‬الذاتُ‭ ‬مع‭ ‬الآخر،‭ ‬وتكتملُ‭ ‬وتتماهى،‭ ‬وتتحقق‭. ‬وقد‭ ‬ظل‭ ‬الحبّ‭ ‬يمثلُ‭ ‬هذا‭ ‬ا‭ ‬الحلم‭ ‬وهذه‭ ‬الرؤى‭ ‬في‭ ‬التصور‭ ‬المجرّد‭ ‬لأولئك‭ ‬المبدعات رغم‭ ‬تعرضِ‭ ‬كل‭ ‬مبدعة‭ ‬منهنّ‭ ‬لتجربة‭ ‬واقعية‭ ‬كفيلة‭ ‬بتنفيرها‭ ‬من‭ ‬الحب،‭ ‬وجحودها‭ ‬بعوالمه‭ ‬وغواياته‭ ‬ووعوده‭.‬

تقول‭ ‬نوال‭ ‬السعداويّ‭ ‬في‭ ‬تفرقةٍ‭ ‬أليمةٍ‭ ‬بين‮ ‬‭ ‬عالم‭ ‬الحب‭ ‬وعالم‭ ‬الزواج‭ ‬‮«‬كلمة‭ ‬الحب‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هي‭ ‬كلمة‭ ‬الجواز‭ ‬كنتُ‭ ‬أغني‮ ‬مع‭ ‬الراديو‭ ‬للحب‭. ‬لم‭ ‬نكف‭ ‬نحن‭ ‬البنات‭ ‬عن‭ ‬الغناء‭ ‬للحب‭. ‬لم‭ ‬أسمع‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬أغنية‭ ‬واحدة‭ ‬عن‮ ‬‭ ‬الزواج‮»‬‭. ‬وتقولُ‭ ‬‮«‬الحب‭ ‬مصيدة‭ ‬الفئران‭ ‬تدخلها‭ ‬البنات‭ ‬آمنات‭ ‬مغمضات‭ ‬العيون‭ ‬مثل‭ ‬القطط‭ ‬المغمّضة‭. ‬يفتحن‭ ‬عيونهن‭ ‬مفزوعات‭. ‬تحول‭ ‬الحبّ‭ ‬إلى‭ ‬جدران‭ ‬سوداء‭ ‬أربعة‮ ‬‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬آيل‭ ‬للسقوط هو‭ ‬بيت‭ ‬الزوجية‮»‬‭ .‬

الحب‭ ‬تجربة‭ ‬قاسية‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬نوال‭ ‬السعداوي؛‭ ‬ففي‭ ‬العاشرة‭ ‬من‭ ‬عمرها‭ ‬أُعجبت‭ ‬برجلِ‭ ‬وكادت‭ ‬تهرب‭ ‬لأجله‭ ‬حبا‭ ‬في‭ ‬عينيه،‭ ‬واتضحت‭ ‬لها‭ ‬قسوة‭ ‬الوهم‭ ‬بعد‭ ‬ثلاثين‭ ‬عاما‭. ‬وأحبت‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬العشرين،‭ ‬وهربت‭ ‬بالفعل‭ ‬معه‭ ‬وتزوجت‭ ‬وأخفقت‭ ‬تجربة‭ ‬الزواج،‭ ‬تقول‭ ‬‮«‬تزوجت‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬تحت‭ ‬اسم الحب‭ ‬الكبير‭. ‬قصة‭ ‬طويلة‭ ‬بدأت‭ ‬وأنا‭ ‬في‮ ‬العشرين‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬فتاة‭ ‬عذراء،‭ ‬وانتهت‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬السادسة‭ ‬والعشرين‭ ‬زوجة‭ ‬عذراء‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أم‭ ‬عذراء ثم‭ ‬تحررتْ‭ ‬بالطلاق‮»‬‭ .‬

وتقول‮ ‬‮«‬في‭ ‬العشرين‭ ‬من‭ ‬عمري‭ ‬خفق‭ ‬قلبي‭ ‬بالحب‭ ‬الثاني‭. ‬عيناه‭ ‬كالحب‭ ‬الأول‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬الشمس‭. ‬هربت‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬أبي‭ ‬وأمي‭. ‬تركتُ‭ ‬كتبي‭ ‬وأوراقي‭ ‬وأقلامي‮ ‬وملابسي‭ ‬وصور‭ ‬طفولتي‭. ‬سرتُ‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬إليه‭ ‬لا‭ ‬ألتفتُ‭ ‬ورائي‭. ‬تحول‭ ‬الحبُ‭ ‬لسوء‭ ‬الحظ‭ ‬إلى‭ ‬زواج‭. ‬فتحتُ‭ ‬عيني‭ ‬على‭ ‬الجدران‭ ‬الأربعة‭ ‬السوداء،‭ ‬داخل‭ ‬مطبخ‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬قديم‭ ‬آيل‭ ‬للسقوط‭ ‬في‮ ‬حي‭ ‬بمدينة‭ ‬القاهرة‭ ‬اسمه‭ ‬المنيل‮»‬‭.‬

أمَّا‭ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬تجربتُها،‭ ‬في‭ ‬سنِّ‭ ‬المراهقةِ،‭ ‬مع‭ ‬الحب‭ ‬الأول‭ ‬سببا‭ ‬في‭ ‬حرمانها‭ ‬من‭ ‬التعليم،‭ ‬وإهانة‭ ‬إنسانيتها‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬أخيها‭ ‬يوسف‭.‬‮ ‬وقد‭ ‬تسببت هذه‭ ‬الحادثة‭ ‬في‭ ‬كثيرٍ‮ ‬من‭ ‬التداعيات‭ ‬النفسية‭ ‬والروحية المؤلمة في‭ ‬تكوين‭ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭. ‬من‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الآثار ما‭ ‬ترسّخ‭ ‬داخلها‭ ‬من ارتباط‭ ‬الحب‭ ‬بالعار‭ ‬والعيب‭ ‬والفضيحة‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬توقيعها‭ ‬على‭ ‬القصائد‭ ‬الغزلية‭ ‬بلقب‭ ‬مُستعار،‭ ‬هو‭ ‬اسم‭ ‬الشاعرة‭ ‬العباسية‭ ‬‮«‬دنانير‮»‬،‭ ‬ولم‭ ‬تكتف‭ ‬بهذا‭ ‬بل‭ ‬حرصت‭ ‬على‭ ‬تصدير‭ ‬قصائدها الغزلية‭ ‬بجملة‭ ‬الأصفهاني‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬‮«‬دنانير‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬قوله‭ ‬‮«‬وكانت‭ ‬دنانير‭ ‬شريفة‭ ‬عفيفةً‮»‬،‭ ‬تقول‭ ‬فدوى‭ ‬‮«‬وجعلت‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬مدخلًا‭ ‬أحتمي‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬عار‭ ‬الحبّ‮»‬‭ ‬‭.‬

في‭ ‬مقابل‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬المعتم‭ ‬من‭ ‬وقائع‭ ‬الذات‭ ‬الساردة،‭ ‬وفي‭ ‬مقابل‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬المُستلِب للرجل تشتملُ‭ ‬السيرةُ‭ ‬الذاتية‭ ‬لكلِّ‭ ‬مبدعة،‭ ‬ممّن‭ ‬أشرتُ‭ ‬إليهن‭ ‬وممّن‭ ‬لم‭ ‬يتسع‭ ‬المجالُ‮ ‬للإشارة‭ ‬إليهنّ،‭ ‬على‭ ‬نموذجٍ‭ ‬ذكوريٍ‭ ‬مُشرق‭ ‬مثَّل‭ ‬الخلاصَ‭ ‬من‭ ‬النموذج‭ ‬الذكوري‭ ‬المُستَلِب‮…‬،‭ ‬مثَّل‭ ‬الخلاص‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منح‭ ‬العاطفة‭ ‬المُشبعة‭ ‬والمساندة‭ ‬الداعمة‭ ‬فكريا‭ ‬أو‭ ‬إبداعيا‭ ‬أو‭ ‬نفسيا‭. ‬هكذا‭ ‬كان‭ ‬الزوجُ‭ ‬شريف‭ ‬حتاتة‭ ‬في‮ ‬حياة‮ ‬‭ ‬نوال‭ ‬السعداوي،‭ ‬وكان‭ ‬الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬أمين‭ ‬الخولي‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬عائشة‭ ‬عبدالرحمن،‭ ‬وكان‭ ‬جبران‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬مي‭ ‬زيادة‭ ‬،‭ ‬وكان‭ ‬إبراهيم‭ ‬طوقان‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭.‬

مرَّت‭ ‬فدوى‭ ‬طوقان‭ ‬بتجربة‭ ‬حبٍّ‭ ‬فريدة‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭ ‬عبر‭ ‬علاقتها‭ ‬بأخيها‭ ‬إبراهيم‭ ‬الذي‭ ‬مثَّل‭ ‬لها‭ ‬الأب‭ ‬والأخ‭ ‬الكبير،‭ ‬والصديق‭ ‬والأستاذ‭ ‬الذي‭ ‬علّمها‭ ‬الشعر؛‭ ‬فأغدقت‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬مشاعرها‭ ‬الأنثوية‭ ‬المحرومة‭ ‬بسخاءٍ،‭ ‬ومثّلت‭ ‬لها‭ ‬عاطفتها‭ ‬تجاهه‭ ‬خلاصًا‭ ‬من‭ ‬التأزّم‭ ‬والوحشة،‭ ‬والاغتراب‭ ‬والخوف‭. ‬تقول‭ ‬فدوى‭ ‬‮«‬ومع‭ ‬وجه‭ ‬إبراهيم‭ ‬أشرق‭ ‬وجه‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬حياتي‮»‬‭ .‬

لقد‭ ‬مثّل‭ ‬لها‭ ‬إبراهيم‭ ‬الفرحَ‭ ‬الحُر‭ ‬والحرية‭ ‬فتقولُ‮ ‬‮«‬لقد‭ ‬كان‭ ‬الخوف‭ ‬يُنغص‭ ‬عليّ‭ ‬أفراحي‭ ‬الصغيرة،‭ ‬أما‭ ‬مع‭ ‬إبراهيم‭ ‬فقد‭ ‬كنتُ‭ ‬أشعر‭ ‬بالتحرر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬المُنغّصات‮…»‬‭ .‬‮ ‬وتقولُ‭ ‬‮«‬أصبح‭ ‬هو‭ ‬وحده‮ ‬‭ ‬الهواءُ‭ ‬الذي‭ ‬تتنفّسه‭ ‬رئتاي،‭ ‬هواء‭ ‬الصحة‭ ‬والعافية‭ ‬النفسية‮»‬‭.‬‮ ‬‭ ‬وتضيف‭ ‬‮«‬لقد‭ ‬كان‭ ‬إبراهيم‭ ‬المصحّ‭ ‬النفسي‭ ‬الذي‭ ‬أنقذني‭ ‬من‭ ‬الانهيارات‭ ‬الداخلية‮»‬‭.‬‮ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬إبراهيم‭ ‬الصورة‭ ‬المغايرة‭ ‬لأبيها‭ ‬‮«‬أما‭ ‬إبراهيم‭ ‬فكان‭ ‬يطربُ‭ ‬لغنائي‭ ‬وعزفي،‭ ‬وكان‭ ‬يكافئني‮ ‬أحيانًا‭ ‬ببعض‭ ‬النقود‭ ‬أو‭ ‬بهدية‭ ‬تسعدني‭ ‬كثيرًا‭..‬‮»‬‭. ‬لقد‭ ‬ظلّ‭ ‬إبراهيمُ‮ ‬معنيًّا‭ ‬بإعادة‭ ‬بناء‭ ‬نفسي‭.. ‬كان‭ ‬هو‭ ‬وحده‭ ‬الذي‭ ‬يراني‭ ‬ويُحس‭ ‬بكينونتي‭ ‬ووجودي‮»‬‭ .‬

أمَّا‭ ‬عائشةُ‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬‭(‬بنت‭ ‬الشاطئ‭)‬،‭ ‬فقد‭ ‬أرجأتُ‭ ‬طرح‭ ‬رؤيتي‭ ‬النقدية‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬كتابتِها‭ ‬النَّسوية؛‭ ‬لأنها‭ ‬تبدو‭ ‬نموذجا‭ ‬مغايرًا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الكتابة‭ ‬النَّسوية؛‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬ترتكزُ‭ ‬في‭ ‬صوتها‭ ‬الإبداعي‭ ‬على‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬الصادم‭ ‬مثل‭ ‬نوال‭ ‬السعداوي،‭ ‬كما‭ ‬أنَّ‭ ‬صوتها‭ ‬الإبداعي‭ ‬يختلفُ‭ ‬عن‭ ‬صوتِ‭ ‬مي‭ ‬زيادة‭ ‬المُتسم‭ ‬بالمواجهة‭ ‬الناعمة‭ ‬للقهر‭ ‬الذكوري،‭ ‬والاستلاب‭ ‬الاجتماعي‭. ‬إنَّ‭ ‬عائشة‭ ‬عبدالرحمن،‭ ‬رغم‭ ‬معاناتها‭ ‬من‭ ‬تسلط‭ ‬الأب‭ ‬وممانعته‭ ‬في‭ ‬تعليمها وإعاقته رحلتها‭ ‬في‭ ‬التعليم،‭ ‬لم‭ ‬تفقد‭ ‬إيمانها‭ ‬بقيمة‭ ‬الرجل،‭ ‬ولم‭ ‬تفقد‭ ‬تقديرها‭ ‬لشخصيته‭ ‬ودوره‭ ‬في‭ ‬الحياة؛‭ ‬فقد‭ ‬وجدت‭ ‬من‭ ‬نماذج‭ ‬الرجال‭ ‬من‭ ‬ساندها،‭ ‬وكان‭ ‬سببا‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬حياتها؛‭ ‬فكان‭ ‬جدّها‭ ‬لأبيها‭ ‬الرجلَ‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العطاء‭. ‬كذلك‭ ‬كان‭ ‬بعضُ‭ ‬‮ ‬أقاربها‭ ‬عونا‭ ‬لها،‭ ‬أما‭ ‬زوجُها‭ ‬وأستاذها‭ ‬الشيخ أمين‭ ‬الخولي‭ ‬فكان‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬هؤلاء‭ ‬جميعًا،‭ ‬حيث‭ ‬مثَّل‭ ‬لها الأب‭ ‬والزوج‭ ‬والأستاذ‭ ‬الجامعي‭ ‬والصديق‭ ‬والحبيب؛‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬كانت‭ ‬سيرتُها‭ ‬الذاتية‭ ‬‮«‬على‭ ‬الجسر‮»‬‭ ‬طرحًا‭ ‬فكريًّا‭ ‬وعاطفيا‭ ‬يُجسد‭ ‬التَّصالح‭ ‬الأنثويَّ‭ ‬مع‭ ‬الرجل،‭ ‬ويُبرزَ‭ ‬الوفاء‭ ‬لرحلة‭ ‬العمر‭ ‬التي‮ ‬قطعتها‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الرجل،‭ ‬وارتقابها‭ ‬فوق‭ ‬الجسر‭ ‬العالق‭ ‬بين‭ ‬الحياة‭ ‬والموت‭ ‬لحظة‭ ‬اللحاق‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الآخر‭.‬

عائشة‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬نموذجٌ‭ ‬في‭ ‬رأيي‭ ‬للمرأة‭ ‬المصرية‭ ‬والمبدعة‭ ‬المصرية‭ ‬المعتدلة،‮ ‬الوسطية‭ ‬مزاجا‭ ‬وروحا‭ ‬وفكرا؛‭ ‬لأنّها‭ ‬لم‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬معاناتها‭ ‬من‭ ‬تسلّط‭ ‬الأب‭ ‬وممانعته‭ ‬في‭ ‬تعليمها‭ ‬وتثقيفها‭ ‬بفكرٍ‭ ‬صدامي‭ ‬مع‭ ‬عموم‭ ‬الرجل،‭ ‬ولم‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬ذاتٍ‭ ‬ضاريةٍ‭ ‬مريرةٍ‭ ‬في‭ ‬علاقتها‭ ‬بالآخر‭ ‬الرجل‭ ‬والمجتمع،‭ ‬وهي‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬ذاتٌ‭ ‬أنثويةٌ‭ ‬قوية‭ ‬شديد‭ ‬الضراوة‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقها‭ ‬في‭ ‬التعليم،‭ ‬ثم‭ ‬العمل‭ ‬والتثقيف‭ ‬والحب‭ ‬والزواج‭ ‬كما‭ ‬تشهدُ‭ ‬بذلك‭ ‬سيرتُها‭ ‬الذاتية‭.‬


ناقدة من مصر