جدل‭ ‬الفلسفة‭ ‬النسوية‭ ‬والدراسات‭ ‬الثقافية بين‭ ‬الوردي‭ ‬والغذامي

يلاحظ‭ ‬المتأمل‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬العراقي‭ ‬الراحل‭ ‬علي‭ ‬الوردي،‭ ‬كيف‭ ‬استأثرت‭ ‬عليها‭ ‬إشكالية‭ ‬نقد‭ ‬البنية‭ ‬الذكورية‭/‬والهيراركية‭ ‬المسيطرة‭ ‬والمشكلة‭ ‬لهوية‭ ‬وجسد‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الثقافة‭ ‬العراقية‭**‬،‭ ‬تلك‭ ‬الهوية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتعرض‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬قراءة‭ ‬ونقد‭ ‬وتفكيك‭ ‬وتأويل‭ ‬منذ‭ ‬الخمسينات‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭. ‬ويعود‭ ‬السّبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬سيادة‭ ‬‮«‬النزعة‭ ‬الحرفية‭ ‬والأرثوذكسية‮»‬‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬قضايا‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬الوردي‭ ‬وحصرها‭ ‬ضمن‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬التحرر‭ ‬المطلق‭ ‬والدعوة‭ ‬إلى‭ ‬التمدن‭ ‬الشكلاني‭ ‬للمرأة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاقتصار‭ ‬على‭ ‬أحداث‭ ‬تحوّلات‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المظهر‭ ‬الخارجي‭ ‬للمرأة.

الجديد  حيدر علي سلامة [نُشر في 01/01/2017، العدد: 24، ص(66)]

لوحة: رندة حجازي
أغلب ‭ ‬القراءات‭ ‬التي‭ ‬قُدمت‭ ‬ولا‭ ‬زالت‭ ‬تُقدم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬خاصة‭ ‬والمثقفين‭ ‬عامة،‭ ‬لم‭ ‬تتحرر‭ ‬وتتحوّل‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬سلطة‭ ‬الأفكار‭ ‬الحرفية‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬التأويل‭ ‬الفلسفية‭. ‬ربما‭ ‬يعود‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬علوم‭ ‬القراءة‭ ‬والتأويل‭ ‬للغة‭ ‬السوسيولوجيا‭/‬وسوسيولوجيا‭ ‬اللغة‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬استحداثهما‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬خطابنا‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬استمرار‭ ‬منطق‭ ‬الاجترار‭ ‬والتكرار‭ ‬لطروحات‭ ‬الوردي‭ ‬بطرق‭ ‬إنشائية‭ ‬مبسّطة‭ ‬ومجرّدة‭ ‬من‭ ‬أبعادها‭ ‬الثقافية‭ ‬واللسانية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬طروحات‭ ‬الوردي‭ ‬حول‭ ‬المرأة‭ ‬والفلسفة‭ ‬النسوية‭ ‬تبدو‭ ‬تقليدية‭ ‬جدا،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنها‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬تمثّل‭ ‬في‭ ‬بنيتها‭ ‬حركة‭ ‬راديكالية‭ ‬ونقدية‭ ‬ضد‭ ‬الموقف‭ ‬والسلوك‭ ‬البطريركي‮ ‬‭(‬anti-patriarchal‭ ‬attitude‭)‬‮ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬سوسيولوجيا‭ ‬معتادة‭ ‬ومسيطرة‭ ‬وسائدة‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والعلمية‭ ‬آنذاك‭. ‬وعليه‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬موقف‭ ‬الوردي‭ ‬من‭ ‬نقد‭ ‬النزعة‭ ‬البطريركية‭ ‬في‭ ‬جينالوجيا‭/‬وأنتيكا‭ ‬الثقافة‭ ‬العراقية؛‭ ‬وبين‭ ‬نقد‭ ‬الاستبدادية‭/‬والسلطوية‭ ‬‭(‬anti-authoritarianism‭)‬‮ ‬في‭ ‬مناهج‭ ‬ونظريات‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬خاصة‭ ‬المناهج‭ ‬الإمبريقية‭/‬التجريدية‭ ‬والوضعية‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭/‬وإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬أجيال‭ ‬ثقافية‭ ‬توتولوجية‭ ‬بالضرورة‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نعتبر‭ ‬قضية‭ ‬المرأة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الإشكالات‭ ‬السوسيو‭-‬نسوية‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬الوردي‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فدعوة‭ ‬الوردي‭ ‬لم‭ ‬تختصر‭ ‬على‭ ‬تحرير‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬سيطرة‭ ‬القيم‭ ‬البالية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬كان‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تفكيك‭ ‬جينالوجيا‭ ‬المتخيل‭ ‬الأنتيكي‭ ‬العثماني‭ ‬القديم‮»‬؛‭ ‬قبل‭ ‬تفكيك‭ ‬الوجود‭ ‬الإيتيقي‭ ‬والتواصلي‭ ‬القيمي‭ ‬التقليدي‭ ‬المسيطر‭ ‬على‭ ‬ذهنية‭ ‬ولغة‭ ‬حياة‭ ‬المرأة،‭ ‬فالمتخيل‭ ‬السردي‭ ‬الأنتيكي‭ ‬القديم‭ ‬عمل‭ ‬على‭ ‬مأسسة‭ ‬معظم‭ ‬أنظمة‭ ‬اللغة‭ ‬والعلامات‭ ‬التي‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭/‬وإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬الوجود‭ ‬الإيتيقي‭/‬القيمي‭ ‬للمرأة،‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬يمثل‭ ‬نظام‭ ‬الأنظمة‭ ‬القبلي‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬شرط‭ ‬شروط‭ ‬الحياة‭ ‬الإيتيقية‭ ‬للمرأة‭.‬

فهل‭ ‬الوجود‭ ‬الأنتيكي‭ ‬الرمزي‭/‬اللغوي‭ ‬سابق‭ ‬على‭ ‬الوجود‭ ‬الإيتيقي‭ ‬القيمي‭ ‬والأخلاقي‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬المرأة‭ ‬خاصة‭ ‬والإنسان‭ ‬عامة‭ ‬عند‭ ‬الوردي؟‭ ‬وهل‭ ‬كانت‭ ‬دعوة‭ ‬الوردي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أسبقية‭ ‬الوجود‭ ‬الإيتيقي‭ ‬السيمانتيكي‭ ‬الذي‭ ‬يشكّل‭ ‬المعنى‭ ‬والفعل‭ ‬الإنساني؛‭ ‬على‭ ‬الوجود‭ ‬الإيتيقي‭ ‬التداولي‭ ‬والتواصلي‭ ‬القيمي‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬القيم‭ ‬التقليدية‭ ‬النسوية؟‭ ‬وهل‭ ‬مثّل‭ ‬الوجود‭ ‬الأنتيكي‭ ‬عند‭ ‬الوردي‭ ‬نظاما‭ ‬من‭ ‬الشيفرات‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬يُستبطن‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬لغة‭ ‬الحياة‭ ‬النسوية‭ ‬الميتافورية؟

‮ ‬‮ ‬الوردي‭/‬الغذامي‭:‬ جدل‭ ‬إبيستمولوجيا‭ ‬الفحولة‭ ‬وتاريخ‭ ‬الأفكار‭ ‬النسوي

قد‭ ‬لا‭ ‬نبالغ‭ ‬في‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬جينالوجيا‭ ‬فلسفة‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والإنسانية‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬العلامة‭ ‬الوردي‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية،‭ ‬كانت‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر‭ ‬مواجهة‭ ‬عنيفة‭ ‬ضد‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـسيطرة‭ ‬برادايم‭ ‬إبيستمولوجيا‭ ‬الفحولة‭ ‬النخبوية‭/‬والطبقية‭ ‬المتحكمة‭ ‬بإنتاج‭ ‬سياسات‭ ‬اللغة‭/‬وهندسة‭ ‬نظام‭ ‬العلامات‭ ‬وتشكيلها‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬المجتمع‭ ‬التراتبية‭. ‬وبهذا‭ ‬يكون‭ ‬الوردي‭ ‬قد‭ ‬عمل‭ ‬على‭ ‬تأسيس‭ ‬ممارسة‭ ‬فلسفية‭ ‬تتثمل‭ ‬في‭ ‬تدشينه‭ ‬لحقل‭ ‬نقد‭ ‬الأيديولوجيا‭/‬وأيديولوجيا‭ ‬النقد‮ ‬‭(‬Criticism‭ ‬of‭ ‬ideology‭)‬‮ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬تقويض‭ ‬منطق‭ ‬وسلطة‭ ‬إبيستمولوجيا‭ ‬الفحولة‭ ‬الطبقية‭ ‬الكلية‭/‬والمطلقة‭ ‬المسيطرة‭ ‬والمهيمنة‭ ‬على‭ ‬صيرورة‭ ‬وحركة‭ ‬الأفكار‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬السائدة‭. ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬مفهوم‭ ‬نقد‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬مفهوما‭ ‬مزدوجا،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬يمثل‭ ‬نقدا‭ ‬لمناهج‭ ‬ونظريات‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والأكاديمية‭ ‬الوضعية‭ ‬من‭ ‬جهة؛‭ ‬ويبشّر‭ ‬بولادة‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بتاريخ‭ ‬الأفكار‮ ‬‭(‬history‭ ‬of‭ ‬ideas‭)‬‮ ‬في‭ ‬المنطق‭ ‬والفلسفة‭ ‬والعلوم‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬تخطى‭ ‬الوردي‭ ‬المفاهيم‭ ‬الأفلاطونية‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬الواحدة‭ ‬والكلية‭ ‬ذات‭ ‬الصلاحية‭ ‬والمعيارية‮ ‬‭(‬Validity‭)‬‮ ‬الأبدية‭. ‬وقد‭ ‬انعكس‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬رؤيته‭ ‬للفلسفة‭ ‬النسوية‭ ‬عامة‭ ‬وخطاب‭ ‬الأنوثة‭ ‬خاصة،‭ ‬فلم‭ ‬يعتمد‭ ‬الوردي‭ ‬على‭ ‬نظريات‭ ‬ومبادئ‭ ‬وضعية‭ ‬وصفية‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬واقع‭ ‬المرأة‭ ‬اليومي،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬سعى‭ ‬الوردي‭ ‬إلى‭ ‬ربط‭ ‬الخطاب‭ ‬النسوي‭ ‬بتاريخ‭ ‬الأفكار‭ ‬السياسي‭/‬والثقافي‭/‬والطبقي‭ ‬الذي‭ ‬يشكل‭ ‬هوية‭ ‬وكينونة‭ ‬جسد‭ ‬المرأة‭ ‬ويعمل‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬انتاجها‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬وسياسيا‭ ‬بطريقة‭ ‬مستمرة‭ ‬وثابتة‭ ‬بثبات‭ ‬المنطق‭ ‬الأكاديمي‭ ‬الوضعي‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬الإطار‭ ‬الرسمي‭ ‬لاستمرار‭ ‬صناعة‭ ‬وهم‭ ‬الأنوثة‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭.‬

مشروع‭ ‬الغذامي‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬اكتشاف‭ ‬تاريخية‭ ‬الوجود‭ ‬النسوي‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رصد‭ ‬تحولات‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬تمثلها‭ ‬بوصفها‭ ‬موضوعاً‭ ‬لغوياً‭ ‬محدداً‭ ‬ضمن‭ ‬فضاء‭ ‬النص‭ ‬المكتوب

وعندما‭ ‬نحاول‭ ‬عقد‭ ‬مقاربة‭ ‬بين‭ ‬طريقة‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬إشكالية‭ ‬المرأة‭ ‬لكل‭ ‬من‭: ‬العلّامة‭ ‬الراحل‭ ‬علي‭ ‬الوردي‭ ‬والمفكر‭ ‬الدكتور‭ ‬عبدالله‭ ‬الغذامي‭. ‬سنلاحظ‭ ‬كيف‭ ‬أنها‭ ‬ستعكس‭ ‬لنا‭ ‬طبيعة‭ ‬الصراع‭ ‬الدائر‭ ‬بين‭ ‬التناول‭ ‬الأكاديمي‭ ‬الوضعي‭/‬الرسمي‭ ‬اللاتاريخي‭ ‬عند‭ ‬الغذامي؛‭ ‬والتحليل‭ ‬الثقافي‭ ‬التاريخي‭ ‬عند‭ ‬الوردي‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬اهتمام‭ ‬الغذامي‭ ‬بنقد‭ ‬وتحليل‭ ‬إشكالية‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المرأة‭ ‬واللغة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يؤخذ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النقد‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يتعرض‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬المنطق‭ ‬الخفيّ‭ ‬المتحكّم‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬إبيستمولوجيا‭ ‬الفحولة‭ ‬المسيطرة‭ ‬على‭ ‬خطاب‭ ‬الأنوثة‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬كتابه‭ ‬‭(‬المرأة‭ ‬واللغة‭)‬‭ ‬الذي‭ ‬اشتغل‭ ‬على‭ ‬المرأة‭ ‬بوصفها‭ ‬منتجة‭ ‬وكاتبة‭ ‬للنص‭ ‬الإبداعي‭/‬والأدبي؛‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬كتابه‭ ‬‭(‬ثقافة‭ ‬الوهم‭ ‬مقاربات‭ ‬حول‭ ‬المرأة‭ ‬والجسد‭ ‬واللغة‭)‬‭ ‬الذي‭ ‬تناول‭ ‬فيه‭ ‬ثيمة‭ ‬المرأة‭ ‬بوصفها‭ ‬موضوعا‭ ‬للنص‭ ‬التراثي‭/‬اللغوي‭/‬الصوفي‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬في‭ ‬هذين‭ ‬النصين‭ ‬يتضح‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬معالجة‭ ‬الغذامي‭ ‬لم‭ ‬ترتقِ‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬التحليل‭ ‬المنهجي‭ ‬وإعادة‭ ‬صياغة‭/‬وتأويل‭ ‬النظرية‭ ‬النسوية‭ ‬وبما‭ ‬ينسجم‭ ‬وتحولات‭ ‬النظرية‭ ‬الأدبية‭ ‬والدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬واللسانية‭ ‬المتخصص‭ ‬فيها‭. ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬سنرى‭ ‬بوضوح‭ ‬كيف‭ ‬سيطرت‭ ‬‮«‬إبيستمولوجيا‭ ‬الفحولة‭ ‬الوضعية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬حاول‭ ‬الغذامي‭ ‬نقدها‭ ‬وتفكيكها‭ ‬في‭ ‬مؤلفاته‭ ‬سابقة‭ ‬الذكر،‭ ‬ذلك‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬مقاربات‭ ‬نقدية‭ ‬مبتكرة‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬من‭: ‬النقد‭ ‬النسوي؛‭ ‬والنقد‭ ‬الأكاديمي؛‭ ‬ونقد‭ ‬منطق‭ ‬المناهج‭ ‬والنظريات‭ ‬الأصولية‭ ‬السائدة‭ ‬والمعتمدة‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬وتحليل‭ ‬بنية‭ ‬الوجود‭ ‬النسوي‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الثقافي‭ ‬السائد‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬نقد‭ ‬الأيديولوجيا‮»‬‭ ‬غائبا‭ ‬ومغيبا‭ ‬في‭ ‬مؤلفاته‭ ‬سابقة‭ ‬الذكر‭ ‬لاعتماده‭ ‬على‭ ‬منطق‭ ‬الوصف‭ ‬والتوصيف‭ ‬وليس‭ ‬النقد‭ ‬والتفكيك،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬يمثل‭ ‬روح‭ ‬وجوهر‭ ‬مشروعه‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬الثقافي‭.‬

لهذا،‭ ‬غَلُبت‭ ‬اللغة‭ ‬الوصفية‭/‬الوضعية‭ ‬على‭ ‬معظم‭ ‬مؤلفات‭ ‬الغذامي،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بعلاقة‭ ‬المرأة‭ ‬بكل‭ ‬من‭: ‬اللغة‭ ‬والوجود‭ ‬والتاريخ‭. ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬سيطرت‭ ‬عليها‭ ‬‮«‬إبيستمولوجيا‭ ‬الكتابة‭ ‬الفحولية‭ ‬الوضعية‮»‬،‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬إن‭ ‬الغذامي‭ ‬اعتمد‭ ‬على‭ ‬سياسة‭ ‬هذه‭ ‬الكتابة‭ ‬في‭ ‬نقده‭ ‬وتفكيكه‭ ‬لواقع‭ ‬المرأة،‭ ‬ولم‭ ‬يعمد‭ ‬إلى‭ ‬نقد‭ ‬سلطة‭ ‬المنطق‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬تغييب‭ ‬الأنوثة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭. ‬وذلك‭ ‬لأنه‭ ‬وكما‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬كل‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬هو‭ ‬غياب‭ ‬الأنوثة‭ ‬التام‭ ‬عن‭ ‬التاريخ‭ ‬لأنها‭ ‬غابت‭ ‬عن‭ ‬اللغة‭ ‬وعن‭ ‬كتابة‭ ‬الثقافة،‭ ‬وتفرّدت‭ ‬الفحولة‭ ‬باللغة‭ ‬فجاء‭ ‬الزمن‭ ‬مكتوبا‭ ‬ومسجّلا‭ ‬بالقلم‭ ‬المذكر‭ ‬واللفظ‭ ‬الفحل‭. ‬وظلت‭ ‬الحال‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المنوال‭ ‬حتى‭ ‬جاء‭ ‬زمن‭ ‬امتلكت‭ ‬فيه‭ ‬المرأة‭ ‬يد‭ ‬الكتابة،‭ ‬وكتبت‭.. ‬فهل‭ ‬تراها‭ ‬تملك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تأنيث‭ ‬اللغة‭ ‬أو‭ ‬أنسنتها‭ ‬لتكون‭ ‬للجنسين‭ ‬معا،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬قد‭ ‬بلغت‭ ‬منها‭ ‬الفحولة‭ ‬مبلغا‭ ‬لا‭ ‬سبيل‭ ‬إلى‭ ‬مدافعته؟‭ ‬وهذا‭ ‬العمل‭ ‬ليس‭ ‬بحثا‭ ‬في‭ ‬أدب‭ ‬المرأة‭ ‬وليس‭ ‬دراسة‭ ‬فنية‭ ‬جمالية،‭ ‬ولكنه‭ ‬بحث‭ ‬وسؤال‭ ‬عن‭ ‬المنعطفات‭ ‬والتمفصلات‭ ‬الجوهرية‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬المرأة‭ ‬مع‭ ‬اللغة‭ ‬وتحوّلها‭ ‬من‭ ‬‭(‬موضوع‭)‬‭ ‬لغوي‭ ‬إلى‭ ‬‭(‬ذات‭)‬‭ ‬فاعلة،‭ ‬تعرف‭ ‬كيف‭ ‬تفصح‭ ‬عن‭ ‬نفسها،‭ ‬وكيف‭ ‬تدير‭ ‬سياق‭ ‬اللغة‭ ‬من‭ ‬‭(‬فحولة‭)‬‭ ‬متحكّمة‭ ‬إلى‭ ‬خطاب‭ ‬بياني‭ ‬يجد‭ ‬فيه‭ ‬الضمير‭ ‬المؤنث‭ ‬فضاء‭ ‬للتحرك‭ ‬والتساوق‭ ‬مع‭ ‬التعبير‭ ‬ووجوه‭ ‬الإفصاح‮»‬‭ ‬‭(‬د‭. ‬عبدالله‭ ‬الغذامي،‭ ‬المرأة‭ ‬واللغة،‭ ‬المركز‭ ‬الثقافي‭ ‬العربي،‭ ‬ط‭ ‬3،‭ ‬2006،‭ ‬ص‭ ‬11‭)‬‭.‬

لوحة: جبران هداية

يتضح‭ ‬من‭ ‬النص‭ ‬أعلاه‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬الوصفية‭ ‬قد‭ ‬أحكمت‭ ‬بقبضتها‭ ‬على‭ ‬ناصية‭ ‬مجمل‭ ‬مفاهيمه،‭ ‬فلم‭ ‬يخبرنا‭ ‬الغذامي‭ ‬عن‭ ‬كيفية‭ ‬تحول‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬‮«‬موضوع‭ ‬لغوي‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬ذات‭ ‬فاعلة‮»‬؟‭ ‬ولم‭ ‬يفكك‭ ‬الحلقة‭ ‬المنطقية‭ ‬المفقودة‭ ‬بين‭ ‬جدل‭ ‬الموضوع‭/‬الذات‭/‬الفعل؟‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحوّل‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬موضوع‭ ‬لغوي‭ ‬إلى‭ ‬ذات‭ ‬فاعلة‭ ‬دون‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬جينالوجيا‭ ‬الذاكرة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والمؤسساتية‭ ‬المتحكّمة‭ ‬في‭ ‬صيرورة‭ ‬إنتاج‭ ‬كتل‭ ‬نسوية‭ ‬لاتاريخية؟‭ ‬وكيف‭ ‬أمكن‭ ‬للغذامي‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الأبعاد‭ ‬الإستيطيقية‭ ‬واللغوية‭ ‬والثقافية‭ ‬الضرورية‭ ‬لإعادة‭ ‬اكتشاف‭ ‬بلاغة‭ ‬القول‭ ‬النسوي‭ ‬المكبوت‭ ‬والمسكوت‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬متخيل‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية؟

وإذا‭ ‬كان‭ ‬مشروع‭ ‬الغذامي‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬اكتشاف‭ ‬تاريخية‭ ‬الوجود‭ ‬النسوي‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رصد‭ ‬تحولات‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬تمثلها‭ ‬بوصفها‭ ‬موضوعاً‭ ‬لغوياً‭ ‬محدداً‭ ‬ضمن‭ ‬فضاء‭ ‬النص‭ ‬المكتوب؛‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬تصيّرها‭ ‬إلى‭ ‬ذات‭ ‬فاعلة‭ ‬ضمن‭ ‬الفضاء‭ ‬التاريخي‭. ‬فلماذا‭ ‬لم‭ ‬يعمد‭ ‬الغذامي‭ ‬إذن،‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬ونقد‭ ‬‮«‬فلسفة‭ ‬اللسانيات‭ ‬الشكلانية‭/‬الوضعية‮»‬‭ ‬ومن‭ ‬ثمّة‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬تأويل‭ ‬مفهوم‭ ‬الذات‭ ‬النسوية‭ ‬الفاعلة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مفاهيم‭ ‬الشعرية‭ ‬ومناهجها‭ ‬الثقافية‭ ‬والأسلوبية‭ ‬والبلاغية‭ ‬والسردية،‭ ‬بهدف‭ ‬التحرّر‭ ‬من‭ ‬النزعة‭ ‬الحتمية‭ ‬المسيطرة‭ ‬على‭ ‬لسانيات‭ ‬الفعل‭ ‬أحادية‭ ‬التوجه؟

بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬إن‭ ‬تعاطي‭ ‬الغذامي‭ ‬مع‭ ‬مفهوم‭ ‬المرأة‭ ‬كـ‮»‬موضوع‭ ‬لغوي‮»‬‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تثبيت‭ ‬أنموذج‭ ‬متعالٍ‭ ‬للمرأة‭ ‬وتحديدها‭ ‬ضمن‭ ‬فلسفة‭ ‬لغة‭ ‬وضعية‭/‬ولسانيات‭ ‬شكلانية؛‭ ‬وإلى‭ ‬تجريد‭ ‬مفهوم‮ ‬act‮ ‬من‭ ‬وظيفته‭ ‬في‭ ‬الإنجاز‭/‬والفعل‭ ‬ليغدو‭ ‬مجرد‭ ‬قانون‭/‬ومعيار‭ ‬‭(‬normative‭)‬‮ ‬قارّ‭ ‬وثابت‭ ‬ومحصور‭ ‬ضمن‭ ‬حدود‭ ‬عمل‭ ‬اللغة‭ ‬وتمفصلها‭ ‬مع‭ ‬الجانب‭ ‬المعجمي‭ ‬أو‭ ‬القاموسي‮ ‬‭(‬lexical‭)‬‮ ‬والنحوي‮ ‬‭(‬grammatical‭)‬‮ ‬والسنتاكسي‮ ‬‭(‬syntactical‭)‬‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬سيجعل‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬من‭ ‬شكل‭ ‬اللسانيات‭ ‬المسيطر‭ ‬والسائد على‭ ‬طروحات‭ ‬الغذامي‭ ‬هو‭ ‬‭(‬linguistic‭ ‬act‭)‬،‮ ‬أي‭ ‬اللسانيات‭ ‬التي‭ ‬تتمركز‭ ‬حول‭ ‬التحليل‭ ‬الشكلاني‭ ‬والنظري‭ ‬للتاريخ‭ ‬والثقافة‭. ‬لهذا‭ ‬فإن‭ ‬قضية‭ ‬الانتقال‭ ‬بالمرأة‭ ‬من‭ ‬مجرّد‭ ‬كونها‭ ‬‮«‬موضوع‭ ‬لغوي‭ ‬وضعي‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬كونها‭ ‬‮«‬ذات‭ ‬فاعلة‭ ‬متكلمة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬دون‭ ‬تفكيك‭ ‬بنية‭ ‬تاريخ‭ ‬المنطق‭ ‬التي‭ ‬سيطرت‭ ‬على‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭ ‬واللسانيات‭. ‬وبالتالي‭ ‬شكّلت‭/‬ووجّهت‭ ‬مسار‭ ‬فلسفة‭ ‬التاريخ‭ ‬المحدد‭ ‬بأطر‭ ‬وغايات‭ ‬وضعية‭ ‬وقطعية‭ ‬تتجاوز‭ ‬المتخيل‭ ‬البلاغي‭ ‬والثقافي‭ ‬لأنطولوجيا‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭.‬‭ ‬ولاستعادة‭ ‬هذا‭ ‬المتخيل‭ ‬كان‭ ‬ينبغي‭ ‬على‭ ‬الغذامي‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬قطيعة‭ ‬إبيستمولوجية‭ ‬ومنهجية‭ ‬ونظرية‭ ‬لاكتشاف‭ ‬المرأة‭ ‬الفاعلة،‭ ‬وهذه‭ ‬القطيعة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬شعرية‭ ‬الفعل‭ ‬التاريخي‭ ‬المتخيل‮ ‬‭(‬poetic‭ ‬act‭)‬‭ ‬‭-‬للتوسع‭ ‬حول‭ ‬مجمل‭ ‬المفاهيم‭ ‬المذكورة‭ ‬أعلاه‭ ‬‭(‬ينظر‭:‬Hayden‭ ‬White،Metahistory،The‭ ‬historical‭ ‬imagination‭ ‬in‭ ‬nineteenth‭ ‬century‭ ‬Europe،pp‭.‬3o‭-‬31‭)-‬‭.‬

وكما‭ ‬يبدو‭ ‬واضحا،‭ ‬أن‭ ‬قضية‭ ‬تحوّل‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬موضوع‭ ‬لغوي‭ ‬إلى‭ ‬ذات‭ ‬فاعلة،‭ ‬هي‭ ‬قضية‭ ‬إشكالية‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لنا‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬بواسطة‭ ‬أسلوبيات‭ ‬الـ‮»‬كن‭ ‬فيكون‮»‬‭ ‬حيث‭ ‬يحصل‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬السياقات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬والرمزية‭ ‬القارة‭ ‬والثابتة‭ ‬والمؤكدة‭ ‬والمكررة‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬التاريخ‭. ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬أولى‭ ‬أن‭ ‬يتمّ‭ ‬حصر هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬ضمن‭ ‬فضاء‭ ‬أسلوبياتها‭ ‬الثقافية‮ ‬‭(‬cultural‭ ‬styles‭)‬‭ ‬بهدف‭ ‬رصد‭ ‬وتشخيص‭ ‬مجمل‭ ‬الأشكال‭ ‬الهرمية‭ ‬والتراتبية‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬عمل‭ ‬التاريخ‭ ‬الشكلاني‮ ‬الذي‭ ‬يعكس‭ ‬نماذج‭ ‬مثالية‭ ‬ومطلقة تتمثّلها‭ ‬المرأة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬ذات‭ ‬فاعلة‭. ‬لهذا‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬ربط‭ ‬حركة‭ ‬تحول‭ ‬المرأة‭ ‬وانتقالها‭ ‬من‭ ‬‮«‬موضوع‭ ‬لغوي‭ ‬مكتوب‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬ذات‭ ‬فاعلة‭ ‬متكلّمة‮»‬‭ ‬بسلطة‭ ‬النص‭ ‬الرسمي‭ ‬المكتوب،‭ ‬وتجاوز‭ ‬بلاغتها‭ ‬الفولكلورية‭ ‬ومنظومة‭ ‬الآراء‭ ‬القيمية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬التي‭ ‬تُهيكل‭ ‬ذهنية‭ ‬وكيان‭ ‬المرأة‭ ‬وتشكل‭ ‬أحكامها‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬وجودها‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬وهنا‭ ‬يتوجب‭ ‬علينا‭ ‬تفعيل‭ ‬منطق‭ ‬البحث‭ ‬والتحري‮ ‬‭(‬inquiry‭)‬‮ ‬في‭ ‬بنية ونظام‭ ‬الطوبولوجيا‭ ‬الأسلوبية‭ ‬‭(‬stylistic‮ ‬topology‭)‬‮ ‬ليتسنّى‭ ‬لنا‭ ‬إعادة‭ ‬فهم‭ ‬وتأويل‭ ‬إشكالية‭ ‬تحول‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬موضوع‭ ‬لغوي‭ ‬إلى‭ ‬ذات‭ ‬فاعلة‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬الذات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تكتشف‭ ‬وجودها‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬النص‭ ‬الرسمي‭/‬العقلاني‭ ‬المكتوب‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬المرأة‭ ‬المتكلّمة‭ ‬المتجسّدة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬والوجود‭ ‬الواقعي‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬فهي‭ ‬هنا‭ ‬تنتج‭ ‬نصوصا‭ ‬اجتماعية‭ ‬وثقافية‭ ‬لامتناهية‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬فضاء‭ ‬الرأي‭ ‬الثقافي‭ ‬العام‭ ‬‭(‬public‭ ‬opinion‭)‬‭ ‬‮ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬شروط‭ ‬النص‭ ‬الإبداعي‭ ‬الشكلانية‭. ‬واللافت‭ ‬أن‭ ‬الغذامي‭ ‬عندما‭ ‬حاول‭ ‬إعادة‭ ‬قراءة‭ ‬خرائط‭ ‬الجسد‭ ‬النسوي‭ ‬المتمفصلة‭ ‬بين‭ ‬ثنايا‭ ‬الخطاب‭ ‬الديني،‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬تمركزه‭ ‬المنهجي‭ ‬حول‭ ‬سلطة‭ ‬التراث‭ ‬من‭ ‬جهة؛‭ ‬وسلطة‭ ‬اللاهوت‭ ‬المثالي‮ ‬‭(‬theological‭ ‬idealism‭)‬‮ ‬الرسمي‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬والذي‭ ‬طالما‭ ‬عكس‭ ‬‮«‬هيمنة‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬دولة‭ ‬البرهان‭ ‬والعقلنة‭ ‬المطلقة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تصادر‭ ‬كل‭ ‬لغة‭ ‬لا‭ ‬تجيد‭ ‬التكلم‭ ‬بلغة‭ ‬البرهنة‭ ‬والسستمة‭ ‬المنطقية‭ ‬الدقيقة‭.‬

كما‭ ‬يبدو‭ ‬واضحا،‭ ‬أن‭ ‬قضية‭ ‬تحوّل‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬موضوع‭ ‬لغوي‭ ‬إلى‭ ‬ذات‭ ‬فاعلة،‭ ‬هي‭ ‬قضية‭ ‬إشكالية‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لنا‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬بواسطة‭ ‬أسلوبيات‭ ‬الـ‮»‬كن‭ ‬فيكون‮»‬

فليس‭ ‬من‭ ‬الغريب‭ ‬إذن‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬تغييب‭ ‬لغة‭ ‬الأديان‭ ‬الفولكلورية‭/‬الشفاهية‮ ‬‭(‬oral‭ ‬folkloric‮ ‬religions‭)‬‮ ‬التي‭ ‬تخترق‭ ‬لغة‭ ‬أديان‭ ‬الفحولة‭ ‬الطبقية‭ ‬المسيطرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عصر‭. ‬إذن‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للمرأة‭ ‬أن‭ ‬تقهر‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬الفحولة‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬زالت‭ ‬خاضعة‭ ‬تحت‭ ‬سلطة‭ ‬فحولة‭ ‬اللاهوت‭ ‬المثالي‭/‬الرسمي،‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬إن‭ ‬مفهوم‭ ‬التحول‭ ‬الذي‭ ‬طرحه‭ ‬الغذامي‭ ‬لم‭ ‬يشكل‭ ‬أيّ‭ ‬قطيعة‭ ‬للانتقال‭ ‬بالمرأة‭ ‬من‭ ‬سيطرة‭ ‬الجماعات‭ ‬الرسمية‭ ‬‭-‬الفحولة‭ ‬التي‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬المرأة‭ ‬بوصفها‭ ‬موضوعا‭ ‬لغويا‭-‬‭ ‬إلى‭ ‬جماعات‭ ‬الفضائل‭ ‬والشعائر‭ ‬‭(‬ritual‮ ‬groups‭)‬‭ ‬‭-‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬المرأة‭ ‬إلى‭ ‬ذات‭ ‬فاعلة‭ ‬ومنفعلة‭ ‬باللغة‭ ‬الرمزية‭ ‬الميتافورية‭ ‬ليست‭ ‬البرهانية‭ ‬والعقلانية‭-‬‭. ‬ربما‭ ‬لأن‭ ‬الغذامي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معنيا‭ ‬بتفكيك‭ ‬بنية‭ ‬الوجود‭ ‬النسوي‭ ‬بقدر‭ ‬اهتمامه‭ ‬باستمرار‭ ‬استقرار البنية‮ ‬stable‭ ‬structure‮ ‬خاصة‭ ‬البنية‭ ‬التقليدية‭ ‬الشكلية‭ ‬‭(‬formal‭ ‬structures‭)‬‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬لم‭ ‬تحفل‭ ‬حفرياته‭ ‬عن‭ ‬جينالوجيا‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬بأدنى‭ ‬اهتمام‭ ‬بالأطر‭ ‬الذهنية‭ ‬والمفاهيمية‭ ‬التي‭ ‬يشكّلها‭ ‬الوجود‭ ‬الأنتيكي‭/‬الأثري‭ ‬القديم‮ ‬‭(‬antiquarian‭)‬‮ ‬المتحول‭ ‬إلى‭ ‬أشكال‭ ‬سردية‭ ‬وشفاهية‭ ‬تشكل‭ ‬صيرورة‭ ‬الخطاب‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬سيطرة‭ ‬النزعة‭ ‬الإمبريقية‭ ‬والوضعية‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬قضايا‭ ‬المرأة‭ ‬والتراث،‭ ‬في‭ ‬منهجية‭ ‬الغذامي‭ ‬خاصة‭ ‬وبعض‭ ‬المفكرين‭ ‬العرب‭ ‬عامة،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬فصل‭ ‬النص‮ ‬text‮ ‬عن‭ ‬مجمل‭ ‬أبعاده‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والسوسيو‭-‬‭ ‬ثقافية‭ ‬واللسانية‭ ‬والتي‭ ‬تؤثر‭ ‬جميعها‭ ‬على‭ ‬عملية‭ ‬تكوين‭ ‬وتشكيل‭ ‬النص،‭ ‬وإلى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬السبب‭ ‬كما‭ ‬رأينا‭ ‬سابقا‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬توجيه‭ ‬الغذامي‭ ‬أيّ‭ ‬اهتمام‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬بعلاقة‭ ‬اللغة‭ ‬والكلام‭ ‬النسوي‮ ‬بسلطة‭ ‬الطراز‭ ‬البدائي‮ ‬‭(‬archetypes‭)‬‮ ‬المتمثل‭ ‬بالأشكال‭ ‬الشعائرية‭ ‬والميثية‭ ‬والاعتقادية‭ ‬الراسخة‭ ‬في‭ ‬لغة‭ ‬وبلاغة‭ ‬الوجود‭ ‬اليومي‭ ‬للمرأة‭. ‬فكيف‭ ‬أمكن‭ ‬لمختص‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬النقد‭ ‬الثقافي‭ ‬والدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬أن‭ ‬يتخطّى‭ ‬مجمل‭ ‬تلك‭ ‬الأشكال‭ ‬السردية‭ ‬والشعرية‭ ‬التي‭ ‬تأسّست‭ ‬عليها‭ ‬مناهج‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬الغربية‭ ‬والدراسات‭ ‬الأدبية‭ ‬والنقدية‭ ‬والنصيّة‭ ‬والأسلوبية‭ ‬وما‭ ‬شابه؟‭ ‬وكيف‭ ‬أمكن‭ ‬تجريد‭ ‬هذه‭ ‬الدراسات‭ ‬من‭ ‬وظيفتها‭ ‬في‭ ‬الإنجاز‭/‬والفعل‮ ‬act‮ ‬وتحديد‭ ‬مواقع‭ ‬اشتغالها‭ ‬ضمن‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬النظرية‭/ ‬والأيديولوجيا،‭ ‬لتتحول‭ ‬في‭ ‬خطابنا‭ ‬الثقافي‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأسس‭ ‬والمبادئ‭ ‬المنطقية‭ ‬الوضعية‭ ‬والإمبريقية‭ ‬الشكلانية‭ ‬والمنغلقة‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الحقائق‭ ‬والمعايير‭ ‬المطلقة‭ ‬ذات‭ ‬الصلاحية‭ ‬الأبدية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنها‭ ‬تأسست‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الغربي‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬تقويض‭ ‬ميتافيزيقا‭ ‬المنطق‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الفلسفة‭ ‬والثقافة‭ ‬الغربية؟‭ ‬ولماذا‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬ثمّة‭ ‬تعددا‭ ‬في‭ ‬استعمال‭ ‬مناهج‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬عند‭ ‬دراسة‭ ‬أيّ‭ ‬ظاهرة‭ ‬ثقافية‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الغربي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أننا‭ ‬نجد‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الضيق‭ ‬والانحسار‭ ‬في‭ ‬التعدد‭ ‬المنهجي‭ ‬وفي‭ ‬نقد‭ ‬النظرية‭ ‬المتعالية‭ ‬والفقر‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬المفاهيم‭ ‬والعوز‭ ‬الأبدي‭ ‬في‭ ‬إبداع‭ ‬القراءة‭ ‬والتأويل؟

لوحة: رندة حجازي

في‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك،‭ ‬سعى‭ ‬العلّامة‭ ‬الوردي‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬تفكيك‭ ‬سلطة‭ ‬المنطق‭ ‬الأفلاطو‭-‬أرسطي‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬التي‭ ‬تحوّلت‭ ‬بفضل‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬إلى‭ ‬علوم‭ ‬وضعية‭ ‬إستاتيكية‭ ‬راكدة‭ ‬وقارة‭ ‬في‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬القوانين‭ ‬الكلية‭ ‬والإمبريقية‭ ‬العامة،‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬نقد‭ ‬اللغة‭ ‬وتقويض‭ ‬المنطق‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬تجاوز‭ ‬تاريخ‭ ‬الحتمية‭ ‬اللسانية‭ ‬والسوسيولوجية‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬استمرار‭ ‬سياسة‭ ‬لسانية‭ ‬وأسلوبية‭ ‬واحدية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الثقافة‭ ‬عامة‭ ‬وتاريخ‭ ‬المرأة‭ ‬خاصة،‭ ‬والتي‭ ‬لطالما‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬تهميش‭ ‬ومصادرة‭ ‬الكلام‭ ‬الرمزي‮ ‬‭(‬figures‭ ‬of‭ ‬speech‭)‬‮ ‬للكائن‭ ‬النسوي‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬نعود‭ ‬بصورة‭ ‬مستمرة‭ ‬وضرورية‭ ‬للغاية‭ ‬إلى‭ ‬طروحات‭ ‬العلّامة‭ ‬الوردي‭. ‬لكن،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬الطروحات‭ ‬ومعاصرتها‭ ‬المستمرة‭ ‬لمسلسل‭ ‬الانقلابات‭ ‬الثقافية‭ ‬والتحوّلات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬واقعنا‭ ‬اليوم،‭ ‬إلا‭ ‬أننا‭ ‬نلاحظ‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاهتمام‭ ‬الجدي‭ ‬بأدبيات‭ ‬الوردي‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ونظرياته‭ ‬في‭ ‬المنطق‭ ‬والفلسفة‭ ‬والكتابة‭ ‬التاريخية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬وهذا‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬سيطرة‭ ‬إبيستمولوجيا‭ ‬مشاريع‭ ‬الفحولة‭ ‬الوضعية‭ ‬العربية‭/‬الإمبريقية‭ ‬ذات‭ ‬الأبعاد‭ ‬الواحدية‭ ‬والتوجهات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬فهرستها‭ ‬الفحولية‭ ‬الميتافيزيقية‭ ‬لتتوجه‭ ‬إليه‭ ‬أنظار‭ ‬المختصين‭ ‬ويجري‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬بوصفه‭ ‬صاحب‭ ‬مشروع‭ ‬ثقافي‭ ‬حاله‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬حال‭ ‬المفكرين‭ ‬العرب‭ ‬الآخرين‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكتب‭ ‬بلغتم‭ ‬ويفكّر‭ ‬بمنطقهم‭. ‬فلم‭ ‬يتصف‭ ‬الوردي‭ ‬بخاصية‭ ‬معيارية‭ ‬منغلقة‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬المنهج‭ ‬أو‭ ‬النقد‭ ‬أو‭ ‬التفكير‭ ‬أو‭ ‬التنظير،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬كان‭ ‬اول‭ ‬من‭ ‬قوّض‭ ‬سلطة‭ ‬النزعات‭ ‬الوضعية‭ ‬والإمبريقية‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والدراسات‭ ‬التاريخية‭ ‬والتراثية‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬العراق‭ ‬الأكاديمية‭. ‬ولم‭ ‬يعمد‭ ‬إلى‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬التفاعلية‭ ‬المنهجية‭/‬التخصصية‭(‬interdisciplinary‭)‬‮ ‬والتفاعلية‭ ‬الرمزية‭ ‬والثقافية،‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬سيساهم‭ ‬في‭ ‬تحوّل‭ ‬مناهج‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والفلسفية‭ ‬إلى‭ ‬علوم‭ ‬لتأويل‭ ‬التاريخ‭ ‬الثقافي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬للوجود‭ ‬الإنساني‭.‬

‮ ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬الرئيس‭ ‬جرى‭ ‬إقصاؤه‭ ‬واستبعاده،‭ ‬لأن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الطروحات‭ ‬لا‭ ‬تخدم‭ ‬فحول‭ ‬الأكاديمية‭ ‬وتوجهاتها‭ ‬الهيراركية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وفحول‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬وبالفعل‭ ‬تمّت‭ ‬المحاربة‭ ‬من‭ ‬الجانبين،‭ ‬وتم‭ ‬توجيه‭ ‬‮«‬ضربة‭ ‬فحولية‭ ‬واحدة‮»‬‭ ‬إليه‭. ‬فعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الأكاديمي‭ ‬والثقافي‭ ‬شهدت‭ ‬أغلب‭ ‬الكتابات‭ ‬والمؤلفات‭ ‬التي‭ ‬كتبت‭ ‬عن‭ ‬طروحات‭ ‬العلّامة‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬‮«‬الجفاف‭ ‬الوضعي‮»‬‭ ‬و‮»‬التمركز‭ ‬التوتولوجي‮»‬‭ ‬على‭ ‬طروحات‭ ‬الوردي‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والتعامل‭ ‬معها‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المنعزِلة‭ ‬عن‭ ‬أيّ‭ ‬تفاعل‭ ‬بين‭ ‬منهجي‭/‬وأسلوبي،‭ ‬وهذا‭ ‬أدّى‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬تكريس‭ ‬‮«‬أسلوبيات‭ ‬فحولية‮»‬‭ ‬وضعية‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬حتى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬ما‭ ‬اصطلحنا‭ ‬عليه‭ ‬بـ‮»‬الأسلوبيات‭ ‬الأيكولوجية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬تنقية‭ ‬وتأويل‭ ‬مفاهيم‭ ‬ونظريات‭ ‬الوردي‭ ‬من‭ ‬جهة؛‭ ‬وإلى‭ ‬تقويض‭ ‬النزعات‭ ‬الحرفية‭ ‬والأرثوذكسية‭ ‬التي‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬معايير‭ ‬ثابتة‭ ‬ومطلقة‭ ‬الصلاحية‮»‬‭ ‬لدى‭ ‬أساتذة‭ ‬وعلماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬طبيعي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬ثقافة‭ ‬تأويل‭ ‬المناهج‭ ‬والتفاعل‭ ‬مع‭ ‬حقول‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬الأخرى‭ ‬المسيطرة‭. ‬ويمكننا‭ ‬أن‭ ‬نعتبر‭ ‬موقف‭ ‬الوردي‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬تحديث‭ ‬وتحويل‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬المثال‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬مصداقية‭ ‬ما‭ ‬طرحناه‭ ‬أعلاه‭.‬

ختاما‭ ‬ألم‭ ‬يُفعّل‭ ‬الوردي‭ ‬منطق‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية‭ ‬والنقد‭ ‬الثقافي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقويضه‭ ‬لسلطة‭ ‬المنطق‭ ‬القديم‭ ‬وتأويله‭ ‬لمفاهيم‭ ‬الثقافة‭ ‬والمجتمع‭ ‬والوجود‭ ‬والتاريخ؟‭ ‬ألم‭ ‬يكن‭ ‬أكثر‭ ‬راديكالية‭ ‬من‭ ‬الغذامي‭ ‬في‭ ‬نقده‭ ‬وتفكيكه‭ ‬‮«‬لأيديولوجيا‭ ‬المثالية‭ ‬الدينية‭ ‬الأفلاطونية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬شكّلت‭ ‬شخصيات‭ ‬مزدوجة‭ ‬ومنشطرة‭ ‬على‭ ‬نفسها‭ ‬بين‭ ‬عالمين‭: ‬عالم‭ ‬يفترض‭ ‬وجود‭ ‬فضائل‭ ‬منطقية‭ ‬مفارقة‭ ‬ومحايثة‭ ‬في‭ ‬آن؛‭ ‬وعالم‭ ‬‮«‬الوجود‭ ‬الأنتيكي‮»‬‭ ‬القديم‭ ‬المتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬وأنظمة‭ ‬وشيفرات‭ ‬أخلاقية‭ ‬مستبطنة‭ ‬في‭ ‬شخصيتنا‭ ‬ولاشعورنا‭ ‬وتوجّه‭ ‬مجمل‭ ‬ممارساتنا‭ ‬وسلوكنا؟‭ ‬ألم‭ ‬يكن‭ ‬الوردي‭ ‬ومن‭ ‬قبله‭ ‬المفكر‭ ‬السعودي‭ ‬عبدالله‭ ‬القصيمي‭ ‬هما‭ ‬الأكثر‭ ‬راديكالية‭ ‬من‭ ‬الغذامي‭ ‬وهشام‭ ‬شرابي‭ ‬الذين‭ ‬مأسسوا‭ ‬قضايا‭ ‬وإشكالات‭ ‬النقد‭ ‬النسوي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬لغتهم‭ ‬الفوقية‭/‬الوضعية‭ ‬التي‭ ‬تصف‭ ‬وتفترض‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬تُفكّك‭ ‬وتُقوّض؟‭ ‬أليس‭ ‬حريّ‭ ‬بنا‭ ‬أن‭ ‬نعدّ‭ ‬الوردي‭ ‬والقصيمي‭ ‬من‭ ‬المؤسسين‭ ‬الأوائل‭ ‬لفلسفة‭ ‬الدراسات‭ ‬الثقافية؟

**‬ للاطلاع‭ ‬حول‭ ‬تطور‭ ‬واقع‭ ‬وحياة‭ ‬المرأة‭ ‬العراقية،‭ ‬ضمن‭ ‬جغرافية‭ ‬وثقافة‭ ‬محيطها‭ ‬وتاريخها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭ ‬ينظر‭ ‬كتاب‭ ‬علي‭ ‬الوردي‭ ‬‮«‬شخصية‭ ‬الفرد‭ ‬العراقي‭: ‬بحث‭ ‬في‭ ‬نفسية‭ ‬الشعب‭ ‬العراقي‭ ‬على‭ ‬ضوء‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الحديث‮»‬،‭ ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الوردي‭ ‬حاول‭ ‬البحث‭ ‬والتحري‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬اصطلحنا‭ ‬عليه‭ ‬بـ‮»‬الاقتصاد‭ ‬الشعبي‭ ‬لبنية‭ ‬الحياة‭ ‬البطريركية‭ ‬للمرأة‭ ‬المتمفصلة‭ ‬مع‭ ‬بنية‭ ‬الحياة‭ ‬الدينية‭ ‬والوعظية‭/‬المثالية‭/‬الازدواجية‭. ‬نظرية


كاتب من العراق