صورة‭ ‬المرأة‭ ‬العربية

سوسيولوجيا‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬وإبستمولوجيا‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح

الجديد  ماهر عبدالمحسن [نُشر في 01/01/2017، العدد: 24، ص(72)]

لوحة: مايسة محمد
يشهد‭ ‬التاريخ‭ ‬الإنساني‭ ‬بأنّ‭ ‬المرأة،‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ،‭ ‬قد‭ ‬تعرّضت‭ ‬لظلم‭ ‬بيّن‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬دأب‭ ‬على‭ ‬حصرها‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬ضيقة‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬تبعيتها‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬خدمتها‭ ‬له‭.‬

كما‭ ‬يشهد‭ ‬أيضاً‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬قيام‭ ‬بعض‭ ‬الرجال‭ ‬بالسباحة‭ ‬ضد‭ ‬هذا‭ ‬التيار‭ ‬الجارف،‭ ‬ومحاولتهم‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬المرأة‭ ‬وردّ،‭ ‬ولو‭ ‬جزء‭ ‬يسير‭ ‬من‭ ‬حقوقها‭ ‬المهدرة‭ ‬كي‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬مواصلة‭ ‬دورها‭ ‬الحضاري‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬طمسه‭ ‬بفعل‭ ‬فاعل‭ ‬لا‭ ‬قلب‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬رحمة‭.‬

يورد ‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬آراء‭ ‬المفكرين‭ ‬الغربيين‭ ‬الذين‭ ‬انتصروا‭ ‬للمرأة‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬المرأة‭ ‬الجديدة‮»‬‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭: ‬قال‭ ‬سيملس‭ ‬‮«‬للمرأة‭ ‬في‭ ‬تهذيب‭ ‬النوع‭ ‬الإنساني‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬لأيّ‭ ‬أستاذ‭ ‬فيه،‭ ‬وعندي‭ ‬منزلة‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬النوع‭ ‬منزلة‭ ‬المخ‭ ‬من‭ ‬البدن‭ ‬ومنزلة‭ ‬المرأة‭ ‬منه‭ ‬منزلة‭ ‬القلب‮»‬،‭ ‬وقال‭ ‬شيلر‭ ‬‮«‬كلما‭ ‬وجد‭ ‬رجل‭ ‬وصل‭ ‬بعمله‭ ‬إلى‭ ‬غايات‭ ‬المجد‭ ‬وجدت‭ ‬بجانبه‭ ‬امرأة‭ ‬محبوبة‮»‬،‭ ‬وقال‭ ‬روسو‭ ‬‮«‬يكون‭ ‬الرجال‭ ‬كما‭ ‬تريد‭ ‬النساء،‭ ‬فإذا‭ ‬أرادت‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬الرجل‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الهمة‭ ‬والفضيلة‭ ‬فعلّم‭ ‬النساء‭ ‬الهمة‭ ‬والفضيلة‮»‬،‭ ‬وقال‭ ‬فنلون‭ ‬‮«‬إن‭ ‬الواجبات‭ ‬التي‭ ‬تطالب‭ ‬بها‭ ‬النساء‭ ‬هي‭ ‬أساس‭ ‬الحياة‭ ‬الإنسانية‮…»‬،‭ ‬وقال‭ ‬لامارتين‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬قرأت‭ ‬المرأة‭ ‬كتاباً‭ ‬فكأنما‭ ‬قرأ‭ ‬زوجها‭ ‬وأولادها؟‮»‬‭.‬‮ ‬‭(‬قاسم‭ ‬أمين،‭ ‬المرأة‭ ‬الجديدة،‭ ‬القاهرة‭: ‬مطبعة‭ ‬الشعب،‭ ‬1911،‭ ‬ص‭ ‬ص123‭ ‬‭-‬124‭)‬‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬جون‭ ‬ستيوارت‭ ‬ميل‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬قدم‭ ‬دراسة‭ ‬تنتصر‭ ‬لحرية‭ ‬المرأة‭ ‬وتتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬الآراء‭ ‬المتشذرة‭ ‬التي‭ ‬يوردها‭ ‬الفلاسفة‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬هناك،‭ ‬ربما‭ ‬لحفظ‭ ‬ماء‭ ‬الفكر‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬اللائق‭ ‬به‭ ‬التفكير‭ ‬ضد‭ ‬الحريات‭ ‬عموماً‭ ‬وحرية‭ ‬المرأة‭ ‬بنحو‭ ‬خاص،‭ ‬فإن‭ ‬أبرز‭ ‬المحاولات‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬إنما‭ ‬قد‭ ‬جاءت‭ ‬على‭ ‬يدي‭ ‬المفكر‭ ‬ورجل‭ ‬القانون‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كتابيه‭ ‬الشهيرين‭ ‬‮«‬تحرير‭ ‬المرأة‮»‬‭ ‬و‮»‬المرأة‭ ‬الجديدة‮»‬،‭ ‬واللذين‭ ‬يؤرخ‭ ‬بهما‭ ‬لبداية‭ ‬عصر‭ ‬جديد‭ ‬للمرأة‭ ‬يفصلها‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬العبودية‭ ‬سادت‭ ‬فيه‭ ‬النزعة‭ ‬الذكورية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مناحي‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والفكرية‭. ‬كما‭ ‬جاءت‭ ‬المحاولة‭ ‬الأكثر‭ ‬معاصرة‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الألفية‭ ‬الثانية‭ ‬على‭ ‬يدي‭ ‬المفكر‭ ‬العربي‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬إمام‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مشروع‭ ‬فلسفي‭ ‬يضم‭ ‬أربعة‭ ‬كتب‭ ‬حتى‭ ‬الآن هي‭ ‬علي‭ ‬الترتيب‭: ‬‮«‬أفلاطون‭ ‬والمرأة‮»‬‭ ‬و‮»‬أرسطو‭ ‬والمرأة‮»‬‭ ‬و‮»‬الفيلسوف‭ ‬المسيحي‭ ‬والمرأة‮»‬‭ ‬و‮»‬نساء‭ ‬فلاسفة‮»‬‭. ‬‭(‬وقد‭ ‬وعد‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬نساء‭ ‬فلاسفة‮»‬‭ ‬بتقديم‭ ‬كتاب‭ ‬يتضمن‭ ‬نساء‭ ‬فلاسفة‭ ‬من‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭)‬‭. ‬هذا‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬آرائه‭ ‬حول‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬أوردها‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المقالات‭ ‬ضمن‭ ‬مقالات‭ ‬أخرى‭ ‬تم‭ ‬جمعها‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬أفكار‭ ‬ومواقف‮»‬‭.‬

والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه،‭ ‬لماذا‭ ‬أقدم‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬على‭ ‬كتابي‭ ‬قاسم‭ ‬أمين؟

الإجابة‭ ‬لا‭ ‬تخرج‭ ‬عن‭ ‬أحد‭ ‬احتمالين‭: ‬إما‭ ‬أن‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬قد‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬العربية‭ ‬لم‭ ‬تزل‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬إهدار‭ ‬لحقوقها‭ ‬وكبت‭ ‬لحرياتها‭ ‬رغم‭ ‬مرور‭ ‬هذه‭ ‬السنين‭ ‬الطويلة‭. ‬وإما‭ ‬أنه‭ ‬وجد‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬قصوراً‭ ‬ما،‭ ‬فعمل‭ ‬على‭ ‬استكمال‭ ‬هذا‭ ‬القصور‭ ‬حتى‭ ‬يكتمل‭ ‬بذلك‭ ‬المشروع‭ ‬الفكري‭ ‬العربي،‭ ‬الملقى‭ ‬على‭ ‬عاتقه‭ ‬مهمة‭ ‬تحرير‭ ‬المرأة‭ ‬العربية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المستجدات‭ ‬التي‭ ‬طرأت‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭.‬

وعلى‭ ‬أيّ‭ ‬الأحوال‭ ‬لا‭ ‬يحاول‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬القصير‭ ‬أن‭ ‬يجيب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التساؤل،‭ ‬وإنما‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يبرز‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬عالج‭ ‬بها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬وإمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬إشكاليات‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬فهو‭ ‬بحث‭ ‬فلسفي‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬يعنى‭ ‬بالمناهج‭ ‬والنظريات‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يعنى‭ ‬بالمضامين‭ ‬التي‭ ‬تحملها‭ ‬هذه‭ ‬المناهج‭ ‬وتلك‭ ‬النظريات‭. ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬يترك‭ ‬للقارئ‭ ‬مساحة‭ ‬للتفسير‭ ‬والتأويل،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬صياغة‭ ‬الإجابة‭ ‬التي‭ ‬يراها‭.‬

1-‬الخلفيات‭ ‬الفكرية

قد‭ ‬تتقارب‭ ‬الغايات‭ ‬وتتشابه‭ ‬الوسائل،‭ ‬لكن‭ ‬النظرة‭ ‬المدققة‭ ‬تكشف‭ ‬لنا‭ ‬عن‭ ‬اختلافات‭ ‬جذرية‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬قدمه‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬وإمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬في‭ ‬مقاربتهما‭ ‬لموضوع‭ ‬المرأة‭.‬

وإذا‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬المقدمات‭ ‬التي‭ ‬وضعها‭ ‬المفكران‭ ‬لمؤلفاتهما‭ ‬لأمكننا‭ ‬أن‭ ‬نضع‭ ‬أيدينا‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬معقول‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الاختلافات‭. ‬فقاسم‭ ‬أمين‭ ‬يحدد‭ ‬هدفه‭ ‬من‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬تحرير‭ ‬المرأة‮»‬‭ ‬بأنه‭ ‬هدف‭ ‬إصلاح‭ ‬اجتماعي،‭ ‬فيقول‭ ‬‮«‬إني‭ ‬أدعو‭ ‬كل‭ ‬محب‭ ‬للحقيقة‭ ‬أن‭ ‬يبحث‭ ‬معي‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬النساء‭ ‬المصريات،‭ ‬وأنا‭ ‬على‭ ‬يقين‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬وحدة‭ ‬إلي‭ ‬النتيجة‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬إليها،‭ ‬وهي‭ ‬ضرورة‭ ‬الإصلاح‭ ‬فيها‮»‬‮ ‬‭(‬قاسم‭ ‬أمين،‭ ‬تحرير‭ ‬المرأة،‭ ‬القاهرة‭: ‬كلمات‭ ‬عربية‭ ‬للترجمة‭ ‬والنشر،‭ ‬2012،‭ ‬ص9‭)‬‭.‬

‬شعور‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬بحاجة‭ ‬الأمة‭ ‬عامة‭ ‬للإصلاح‭ ‬وحاجة‭ ‬المرأة‭ ‬بنحو‭ ‬خاص‭ ‬للإصلاح،‭ ‬إنما‭ ‬يأتي‭ ‬كنتيجة‭ ‬طبيعية‭ ‬لانخراطه‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬لهذه‭ ‬الأمة‭. ‬فقاسم‭ ‬أمين‭-‬‭ ‬بهذه‭ ‬المثابة‭-‬‭ ‬يبدو‭ ‬كمصلح‭ ‬اجتماعي‭. ‬يفكر‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المشكلة

ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬الإصلاح‭ ‬ضمن‭ ‬حاجة‭ ‬إلي‭ ‬إصلاح‭ ‬أشمل‭ ‬ينال‭ ‬الأمة‭ ‬بأسرها‭ ‬‮«‬لا‭ ‬أظن‭ ‬أنه‭ ‬يوجد‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬المصريين‭ ‬المتعلمين‭ ‬يشك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬أمته‭ ‬في‭ ‬احتياج‭ ‬شديد‭ ‬إلى‭ ‬إصلاح‭ ‬شأنها‮»‬‮ ‬‭(‬المرجع‭ ‬السابق،‭ ‬ص8‭)‬‭.‬

ويحدثنا‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬موضع‭ ‬عن‭ ‬حاجة‭ ‬الأمة‭ ‬للإصلاح‭ ‬والوسائل‭ ‬المؤدية‭ ‬إليه،‭ ‬وكيف‭ ‬أنها‭ ‬شعور‭ ‬داخلي‭ ‬يدفع‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬فكرة‭ ‬تطرأ‭ ‬على‭ ‬ذهنه‭ ‬لتخرج‭ ‬إلى‭ ‬النور‭ ‬وتسهم‭ ‬في‭ ‬تقدم‭ ‬الأمة‭.‬

والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬شعور‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬بحاجة‭ ‬الأمة‭ ‬عامة‭ ‬للإصلاح‭ ‬وحاجة‭ ‬المرأة‭ ‬بنحو‭ ‬خاص‭ ‬للإصلاح،‭ ‬إنما‭ ‬يأتي‭ ‬كنتيجة‭ ‬طبيعية‭ ‬لانخراطه‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬لهذه‭ ‬الأمة‭. ‬فقاسم‭ ‬أمين‭-‬‭ ‬بهذه‭ ‬المثابة‭-‬‭ ‬يبدو‭ ‬كمصلح‭ ‬اجتماعي‭. ‬يفكر‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المشكلة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وبوحي‭ ‬من‭ ‬أزماتها،‭ ‬لا‭ ‬كمجرد‭ ‬منظّر‭ ‬يتأمل‭ ‬الظاهرة‭ ‬ويعالجها‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬سنرى‭ ‬في‭ ‬مقاربة‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭. ‬وليس‭ ‬أدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬قول‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬نفسه‭ ‬‮«‬إني‭ ‬أكتب‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ ‬وذهني‭ ‬مفعم‭ ‬بالحوادث‭ ‬التي‭ ‬وردت‭ ‬على‭ ‬بالتجربة،‭ ‬وأخذت‭ ‬بمجامع‭ ‬خواطري‮»‬‮ ‬‭(‬المرجع‭ ‬السابق،‭ ‬ص22‭)‬‭.‬

ولعل‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬الخلفية‭ ‬الفكرية‭ ‬لقاسم‭ ‬أمين،‭ ‬والتي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تشكيلها‭ ‬عمله‭ ‬بالقضاء‭ ‬وبالقانون،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعله‭ ‬قريباً‭ ‬من‭ ‬المشكلات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬الأمة‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬وهي‭ ‬نفس‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬سوف‭ ‬تمكّنه‭ ‬من‭ ‬إيجاد‭ ‬الحلول‭ ‬القانونية‭ ‬لهذه‭ ‬المشاكل‭. ‬وعلى‭ ‬ذلك‭ ‬فلا‭ ‬يستغرب‭ ‬أن‭ ‬نعثر‭ ‬لديه‭ ‬على‭ ‬مباحث‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬‮«‬الزواج‮»‬‭ ‬و‮»‬الطلاق‮»‬‭ ‬و‮»‬تعدد‭ ‬الزوجات‮»‬‭ ‬و‮»‬الحجاب‮»‬‭.‬

وإذا‭ ‬انتقلنا‭ ‬إلى‭ ‬مقاربة‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬المرأة،‭ ‬فيمكننا‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬الغاية‭ ‬من‭ ‬المشروع‭ ‬بأكمله‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬السطور‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬وضعها‭ ‬في‭ ‬المدخل‭ ‬العام‭ ‬لكتابه‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬‮«‬أفلاطون‭ ‬والمرأة‮»‬‭ ‬فيقول‭ ‬‮«‬تسعى‭ ‬هذه‭ ‬السلسلة‭ ‬إلي‭ ‬دراسة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الفيلسوف‭ ‬والمرأة‮»‬،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لتأكيد‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬الصورة‭ ‬السيئة‭ ‬عن‭ ‬المرأة‭ ‬الشائعة‭ ‬بيننا‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬رسمها‭ ‬الفيلسوف‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬اليونان،‭ ‬ثم‭ ‬وجدت‭ ‬عندنا‭ ‬أرضاً‭ ‬خصيبة،‭ ‬حتى‭ ‬أنها‭ ‬ارتدت‭ ‬ثوباً‭ ‬دينياً،‭ ‬وأصبحت‭ ‬فكرة‭ ‬مقدسة،‭ ‬لا‭ ‬يأتيها‭ ‬الباطل‮»‬‮ ‬‭(‬د‭. ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح،‭ ‬أفلاطون‭ ‬والمرأة،‭ ‬القاهرة‭: ‬مكتبة‭ ‬مدبولي،‭ ‬ط2،‭ ‬1996،‭ ‬ص5‭)‬‭.‬

ويلاحظ‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬الإشكالية‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬لإنجاز‭ ‬مشروعه‭ ‬الكبير‭ ‬حول‭ ‬المرأة‭ ‬إنما‭ ‬كانت‭ ‬إشكالية‭ ‬نظرية‭ ‬بالأساس،‭ ‬تنحصر‭ ‬في‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬الفلاسفة‭ ‬في‭ ‬شيوع‭ ‬الصورة‭ ‬السيئة‭ ‬عن‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭. ‬ولأن‭ ‬الإشكالية‭ ‬نظرية،‭ ‬فيلاحظ‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬المرأة‭ ‬بإطلاق،‭ ‬أي‭ ‬بصفة‭ ‬عامة،‭ ‬ودون‭ ‬أن‭ ‬يقصد‭ ‬جنسا‭ ‬معينا‭ ‬من‭ ‬النساء،‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬المرأة‭ ‬المصرية‭ ‬تحديداً،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬استعان‭ ‬بالتاريخ‭ ‬ورجع‭ ‬بالبحث‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬أو‭ ‬استعان‭ ‬بالجغرافيا‭ ‬وانتقل‭ ‬إلى‭ ‬بلدان‭ ‬أوروبية‭ ‬أخرى‭.‬

ولا‭ ‬ينفي‭ ‬ذلك‭ ‬كون‭ ‬المرأة‭ ‬المصرية‭ ‬والعربية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬ذهنه‭ ‬أثناء‭ ‬طرحه‭ ‬لإشكاليات‭ ‬مشروعه‭ ‬النظري‭. ‬ويؤكد‭ ‬هذا‭ ‬الاستنتاج‭ ‬عبارته‭ ‬التي‭ ‬وردت‭ ‬في‭ ‬الفقرة‭ ‬السابقة‭ ‬‮«‬ثم‭ ‬وجدت‭ ‬عندنا‭ ‬أرضاً‭ ‬خصيبة‮»‬،‭ ‬فالصورة‭ ‬السيئة‭ ‬للمرأة‭ ‬نشأت‭ ‬لدى‭ ‬فلاسفة‭ ‬اليونان‭ ‬ثم‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬البيئة‭ ‬العربية‭ ‬واكتسبت‭ ‬مسحة‭ ‬مقدسة‭ ‬بفعل‭ ‬الدين،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭-‬‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬يعني‭-‬‭ ‬أن‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬شرع‭ ‬في‭ ‬تناول‭ ‬الظاهرة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انفصلت‭ ‬عن‭ ‬بيئتها‭ ‬الأصلية‭ ‬وصارت‭ ‬–‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬الدين‭-‬‭ ‬ظاهرة‭ ‬محلية‭.‬

هذا‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تصريحه‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الكتاب‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬السلسلة‭ ‬قائلاً‭ ‬‮«‬هذا‭ ‬الكتاب‭.. ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬المرأة‭ ‬العربية‭ ‬لتستعيد‭ ‬الثقة‭ ‬بنفسها،‭ ‬وتنفض‭ ‬عنها‭ ‬غبار‭ ‬السنين‭ ‬الطويلة‭ ‬من‭ ‬الجهل‭ ‬والتخلف‮»‬‭ ‬‭(‬قاسم‭ ‬أمين،‭ ‬المرأة‭ ‬الجديدة،‭ ‬ص1‭)‬‭.‬

وكما‭ ‬أشرنا‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬الخلفية‭ ‬الفكرية‭ ‬لقاسم‭ ‬أمين‭ ‬في‭ ‬توجيهه‭ ‬إلى‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تناول‭ ‬بها‭ ‬قضايا‭ ‬المرأة،‭ ‬يمكننا‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬نفس‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبته‭ ‬خلفية‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬الفكرية،‭ ‬كأستاذ‭ ‬للفلسفة،‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬مشروعه‭ ‬النظري‭ ‬حول‭ ‬علاقة‭ ‬الفلاسفة‭ ‬بالمرأة‭.‬

لوحة: جبران هداية

2-‬المنهج

‮ ‬يلجأ‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬وإمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬إلى‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إبراز‭ ‬وجهتي‭ ‬نظرهما‭ ‬في‭ ‬المسائل‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمرأة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬وضعية‭ ‬المرأة‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬وفي‭ ‬التاريخ‭. ‬فيستدعى‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬الماضي‭ ‬‭(‬العربي‭ ‬أو‭ ‬الغربي‭)‬‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يلقي‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬الضوء‭ ‬الكاشف‭ ‬على‭ ‬أوضاع‭ ‬المرأة‭ ‬الحالية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الصّدد‭ ‬يقول‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬معرفة‭ ‬حال‭ ‬المرأة‭ ‬اليوم‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬معرفة‭ ‬حالها‭ ‬في‭ ‬الماضي‭. ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬قاعدة‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬المسائل‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فإنّنا‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نقف‭ ‬على‭ ‬حقيقة‭ ‬حالنا‭ ‬في‭ ‬شأن‭ ‬من‭ ‬شؤوننا‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬استقراء‭ ‬الحوادث‭ ‬الماضية‭ ‬والإلمام‭ ‬بالأدوار‭ ‬التي‭ ‬تقلبت‭ ‬فيها‭ ‬وبعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬يلزم‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬نقطة‭ ‬ابتدأنا‭ ‬حتى‭ ‬نعلم‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬نقطة‭ ‬نصل‮»‬‮ ‬‭(‬د‭. ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح،‭ ‬نساء‭ ‬فلاسفة‭ ‬القاهرة‭: ‬مكتبة‭ ‬مدبولي،‭ ‬ط1،‭ ‬1996،‭ ‬ص13‭)‬‭.‬

ويعبّر‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬عن‭ ‬نفس‭ ‬المعنى‭ ‬قائلاً‭ ‬‮«‬إننا‭ ‬إذا‭ ‬أثبتنا‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬شواهد‭ ‬التاريخ‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬امرأة‭ ‬واحدة‭ ‬تفلسفت،‭ ‬أو‭ ‬برهنت‭ ‬على‭ ‬رجاحة‭ ‬العقل‭ ‬وصواب‭ ‬الفكر‭ ‬عندها،‭ ‬فإننا‭ ‬نهدم‭ ‬بذلك‭ ‬آلاف‭ ‬الأمثلة‭ ‬الإيجابية‭ ‬التي‭ ‬يقول‭ ‬بها‭ ‬أصحاب‭ ‬الفكرة‭ ‬الأورسطية‭ ‬المتخلفة‭ ‬التي‭ ‬تغمض‭ ‬العين‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬نماذج‭ ‬مضيئة‭ ‬لنساء‭ ‬راجحات‭ ‬العقل‭: ‬صائبات‭ ‬التفكير،‭ ‬سديدات‭ ‬الرأي‮»‬‮ ‬‭(‬المرجع‭ ‬السابق،‭ ‬ص14‭)‬‭.‬

ويلاحظ‭ ‬أنه‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬غلبة‭ ‬المنهج‭ ‬التاريخي‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬المفكّريْن،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬عند‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬شكله‭ ‬التقليدي‭. ‬فالتاريخ‭ ‬عنده‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الوقائع‭ ‬المتصلة‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬بزمن‭ ‬خطيّ‭ ‬له‭ ‬بداية‭ ‬ونهاية،‭ ‬بحيث‭ ‬تؤدي‭ ‬معرفة‭ ‬البدايات‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬أكثر‭ ‬بالنهايات‭. ‬أو‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬تؤدي‭ ‬معرفة‭ ‬الماضي‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬أعمق‭ ‬للحاضر‭.‬

وبالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬يمضي‭ ‬في‭ ‬بحثه‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬النهج‭ ‬تقريباً‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬خلفيته‭ ‬الفلسفية‭ ‬الهيجلية‭ ‬تجعله‭ ‬يعنى‭ ‬بالأفكار‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يعنى‭ ‬بالحوادث‭. ‬فالتاريخ‭ ‬عنده‭ ‬ليس‭ ‬تاريخاً‭ ‬للوقائع‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬تاريخ‭ ‬للوعي،‭ ‬وبهذا‭ ‬الاعتبار‭ ‬فإن‭ ‬دراسته‭ ‬للمرأة‭ ‬هي‭ ‬بالأحرى‭ ‬دراسة‭ ‬عن‭ ‬تطور‭ ‬فكرة‭ ‬المرأة‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭. ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬يميل‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬المرأة‭ ‬بإطلاق‭ ‬ودون‭ ‬حرص‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬جنسيتها‭.‬

هذا‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نعثر‭ ‬في‭ ‬تحليلات‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬على‭ ‬ملامح‭ ‬فوكوية‭ ‬أركيولوجية‭ ‬تتبدى‭ ‬في‭ ‬محاولاته‭ ‬الدؤوبة‭ ‬للحفر‭ ‬في‭ ‬الجذور،‭ ‬فرجوعه‭ ‬إلى‭ ‬أفلاطون‭ ‬وأرسطو‭ ‬والفلسفة‭ ‬المسيحية‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬بهدف‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬لما‭ ‬يتم‭ ‬الترويج‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الحديثة‭ ‬عموماً،‭ ‬والثقافة‭ ‬العربية‭ ‬بنحو‭ ‬خاص،‭ ‬حول‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬عليها‭ ‬المرأة‭ ‬الآن‭. ‬وأخطر‭ ‬ما‭ ‬توصل‭ ‬إليه‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬‭-‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظرنا‭-‬‭ ‬هو‭ ‬نجاحه‭ ‬في‭ ‬إثبات‭ ‬أن‭ ‬الصورة‭ ‬السلبية‭ ‬عن‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬نجد‭ ‬لها‭ ‬تدعيماً‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬هي‭ ‬ليست‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬شيء‭. ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬أورده‭ ‬عن‭ ‬فلسفة‭ ‬أرسطو‭ ‬حول‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬أساساً‭ ‬نظرياً‭ ‬للصورة‭ ‬الشائهة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يراها‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬تدنّ‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬ونقص‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬وعدم‭ ‬اتزان‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬الأشياء‭ ‬وعدم‭ ‬صلاحية‭ ‬للسياسة‭ ‬أو‭ ‬القيادة‭ ‬أو‭ ‬إدارة‭ ‬لشؤون‭ ‬البلاد،‭ ‬وكيف‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬المسيئة‭ ‬للمرأة‭ ‬قد‭ ‬تسربت‭ ‬للثقافة‭ ‬العربية‭ ‬‭(‬الرفيعة‭ ‬منها‭ ‬والشعبية‭)‬‭ ‬وارتدت‭ ‬ثوباً‭ ‬دينياً،‭ ‬والدين‭ ‬منها‭ ‬براء‭. ‬فنجده‭ ‬يقول‭ ‬عن‭ ‬أفكار‭ ‬أرسطو‭ ‬‮«‬تجدها‭ ‬متناثرة‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬يرتدى‭ ‬بعضها‭ ‬‭-‬للأسف‭-‬‭ ‬زياً‭ ‬دينياً‭ ‬ليكون‭ ‬أكثر‭ ‬عمقاً‭ ‬ونفاذاً،‭ ‬أقحموه‭ ‬على‭ ‬الإسلام‭ ‬الذي‭ ‬رفع‭ ‬المرأة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬حضيض‭ ‬الجهل‭ ‬والتخلف،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬تورث‭ ‬مع‭ ‬ممتلكات‭ ‬الرجل‭ ‬إلي‭ ‬أعلى‭ ‬المراتب‭ ‬الاجتماعية‭ ‬عندما‭ ‬جعلها‭ ‬قيّمة‭ ‬على‭ ‬نفسها‭ ‬ومالها‭ ‬وزوجها‭.. ‬ألخ‮»‬‮ ‬‭(‬د‭.‬إمام‭ ‬عبدالفتاح،‭ ‬أرسطو‭ ‬والمرأة،‭ ‬القاهرة‭: ‬مكتبة‭ ‬مدبولي،‭ ‬ط1،‭ ‬1995،‭ ‬ص9‭)‬‭.‬

ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نعثر‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬النتيجة‭ ‬لدى‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬الذي‭ ‬تناول‭ ‬قضية‭ ‬الحجاب‭ ‬‭-‬ضمن‭ ‬مسائل‭ ‬أخرى‭-‬‭ ‬باستفاضة‭ ‬ليثبت‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬صورته‭ ‬العملية‭ ‬لا‭ ‬يعدو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عادة‭ ‬اجتماعية‭ ‬تمّت‭ ‬المغالاة‭ ‬فيها‭ ‬حتى‭ ‬جاوزت‭ ‬ما‭ ‬أمر‭ ‬به‭ ‬الإسلام،‭ ‬فيقول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬‮«‬إن‭ ‬الحجاب‭ ‬الموجود‭ ‬عندنا‭ ‬ليس‭ ‬خاصاً‭ ‬بنا،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬المسلمين‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬استحدثوه،‭ ‬ولكنه‭ ‬كان‭ ‬عادة‭ ‬معروفة‭ ‬عند‭ ‬كل‭ ‬الأمم‭ ‬تقريباً‭ ‬ثم‭ ‬تلاشت‭ ‬طوعاً‭ ‬لمقتضيات‭ ‬الاجتماع،‭ ‬وجرياً‭ ‬على‭ ‬سنة‭ ‬التقدم‭ ‬والترقي‮»‬‮ ‬‭(‬قاسم‭ ‬أمين،‭ ‬تحرير‭ ‬المرأة،‭ ‬ص38‭)‬‭.‬

‬يلجأ‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬وإمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬إلى‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إبراز‭ ‬وجهتي‭ ‬نظرهما‭ ‬في‭ ‬المسائل‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمرأة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬وضعية‭ ‬المرأة‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬وفي‭ ‬التاريخ‭. ‬فيستدعى‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬الماضي‭

ويفسر‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬مغالاة‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬التمسك‭ ‬بالحجاب‭ ‬بأنه‭ ‬كان‭ ‬وليداً‭ ‬للمغالاة‭ ‬في‭ ‬الاحتشام‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬مغالاة‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬التكشف‭. ‬وهنا‭ ‬يلتقي‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬بإمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬في‭ ‬أنهما‭ ‬يردّان‭ ‬صورة‭ ‬المرأة‭ ‬السيئة‭ ‬ووضعيتها‭ ‬المتدنية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬إلى‭ ‬الغرب‭. ‬ودون‭ ‬محاولة‭ ‬التعرض‭ ‬بالنقد‭ ‬لهذه‭ ‬الفكرة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬محاولة‭ ‬تجاوزها،‭ ‬يمكننا‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬ثمة‭ ‬هاجساً‭ ‬متغلغلاً‭ ‬في‭ ‬اللاوعي‭ ‬العربي‭ ‬يجعلنا‭ ‬دائماً‭ ‬نشعر‭ ‬بأن‭ ‬الخطر‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬الداخل‭. ‬وخطورة‭ ‬هذا‭ ‬الهاجس‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬مسألة‭ ‬من‭ ‬مسائلنا‭ ‬أو‭ ‬قضية‭ ‬من‭ ‬قضايانا‭ ‬قد‭ ‬ترد‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬تعرض‭ ‬هناك،‭ ‬وإنما‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬الهوية‭ ‬والمصير‭ ‬ليجعل‭ ‬منهما‭ ‬كيانات‭ ‬مائعة‭ ‬تنتظر‭ ‬الآخر‭ ‬ليضع‭ ‬لها‭ ‬الحدود‭ ‬ويرسم‭ ‬لها‭ ‬الأشكال‭.‬

لا‭ ‬نقول‭ ‬بخطأ‭ ‬هذه‭ ‬التفسيرات‭ ‬التي‭ ‬يقدّمها‭ ‬مفكرانا‭ ‬الكبيران،‭ ‬فنحن‭ ‬نؤمن‭ ‬بتعددية‭ ‬الفكر‭ ‬وبانفتاح‭ ‬التأويل،‭ ‬لكننا‭ ‬نقول‭ ‬بأن‭ ‬المضي‭ ‬إلى‭ ‬نهاية‭ ‬التحليل‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬النتائج،‭ ‬فعذراً‭ ‬إن‭ ‬بدت‭ ‬صادمة‭.‬

‮ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نختم‭ ‬هذه‭ ‬الجزئية‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬البعد‭ ‬المعرفي‭ ‬لا‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬تحليلات‭ ‬قاسم‭ ‬أمين،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬البعد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لا‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬تحليلات‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬إلا‭ ‬أننا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬التوجه‭ ‬العام‭ ‬والطابع‭ ‬المميز‭ ‬لفكر‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬المفكّريْن‭.‬

ففي‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الفيلسوف‭ ‬المسيحي‭ ‬والمرأة‮»‬‭ ‬يستهل‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬الكتاب‭ ‬بمقدمة‭ ‬يوضح‭ ‬فيها‭ ‬كيف‭ ‬أنه‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬الكتابين‭ ‬السابقين‭ ‬‮«‬أفلاطون‭ ‬والمرأة‮»‬‭ ‬و‮»‬أرسطو‭ ‬والمرأة‮»‬‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬‮«‬الفيلسوف‭.. ‬المرأة‮»‬‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬يطرح‭ ‬مسائل‭ ‬عملية‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬الآراء‭ ‬النظرية‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬فلاسفة‭ ‬اليونان،‭ ‬فيقول‭ ‬‮«‬في‭ ‬كتابنا‭ ‬الحالي‭ ‬نعرض‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬الفيلسوف‭ ‬المسيحي‭ ‬والمرأة‭.. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬فلاسفة‭ ‬اليونان‭ ‬قد‭ ‬عبّروا،‭ ‬نظرياً،‭ ‬عن‭ ‬التراث‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬مجتمعهم‮…‬‭ ‬فسوف‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬كتابنا‭ ‬هذا‭ ‬مثالاً‭ ‬جيداً‭ ‬لسيطرة‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬وطغيانها‭ ‬علي‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‮»‬‮ ‬‭(‬د‭.‬إمام‭ ‬عبدالفتاح،‭ ‬الفيلسوف‭ ‬المسيحي‭ ‬والمرأة،‭ ‬القاهرة‭: ‬مكتبة‭ ‬مدبولي،‭ ‬الطبعة‭ ‬الأولى،‭ ‬سنة‭ ‬1996،‭ ‬ص‭ ‬7‭)‬‭.‬

ويشرع‭ ‬في‭ ‬استعراض‭ ‬وتحليل‭ ‬آراء‭ ‬علماء‭ ‬الأنثربولوجيا‭ ‬والجغرافيا‭ ‬والاجتماع‭ ‬ليكشف‭ ‬عن‭ ‬ملامح‭ ‬المجتمع‭ ‬الذكوري‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعمد‭ ‬إلى‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬المرأة‭ ‬واعتبارها‭ ‬في‭ ‬مرتبة‭ ‬أدنى‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬يقدم‭ ‬تفسيراً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬للحجاب‭ ‬متأسساً‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الآراء‭ ‬الأنثربولوجية‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬الملكية‭ ‬الخاصة‭ ‬ووضع‭ ‬المرأة‭. ‬فالمرأة‭ ‬‭-‬وفقاً‭ ‬لهذا‭ ‬التفسير‭-‬‭ ‬وباعتبارها‭ ‬ملكية‭ ‬خاصة‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬حجبها‭ ‬عن‭ ‬الأنظار‭ ‬حتى‭ ‬تضمن‭ ‬سلالة‭ ‬من‭ ‬صلب‭ ‬الزوج‭ ‬صاحب‭ ‬هذه‭ ‬الملكية‭. ‬وهو‭ ‬أيضاً‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬عدم‭ ‬أهمية‭ ‬الحجاب‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تسود‭ ‬فيها‭ ‬الشيوعية‭ ‬الجنسية‭.‬

‮ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬نلمح‭ ‬لدى‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬بعداً‭ ‬علمياً‭ ‬ومعرفياً‭ ‬في‭ ‬كتاباته‭ ‬حول‭ ‬المرأة،‭ ‬ويتبدى‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬معالجته‭ ‬لمسألة‭ ‬‮«‬نقصان‭ ‬عقل‭ ‬المرأة‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يقوم‭ ‬باستعراض‭ ‬وتحليل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الآراء‭ ‬العلمية‭ ‬التي‭ ‬قال‭ ‬بها‭ ‬علماء‭ ‬الطبيعة‭ ‬والفسيولوجيا‭ ‬والتشريح‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يستبعد‭ ‬رأي‭ ‬العامة‭ ‬الذي‭ ‬تأسست‭ ‬عليه‭ ‬هذه‭ ‬المقولة‭ ‬المجافية‭ ‬للصواب،‭ ‬فيقول‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬سألنا‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬فالجواب‭ ‬سهل‭ ‬معلوم‭. ‬ولكن‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬لا‭ ‬يصح‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬صوت‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬علمية‭ ‬كهذه‭. ‬لأن‭ ‬مبنى‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬القضايا‭ ‬المشهورة‭ ‬التي‭ ‬صاغتها‭ ‬العادة‭ ‬وقررتها‭ ‬الألفة‭ ‬بدون‭ ‬بحث‭ ‬ولا‭ ‬تنقيب‭.. ‬والرأي‭ ‬العام‭ ‬يعتبر‭ ‬تغيير‭ ‬كل‭ ‬عادة‭ ‬ألفها‭ ‬مخالفة‭ ‬للطبيعة‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يفرّق‭ ‬بين‭ ‬العادة‭ ‬والطبيعة‭ ‬حيث‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬حاصل‭ ‬الآن‭ ‬كان‭ ‬كذلك‭ ‬وسيبقي‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‮»‬‮ ‬‭(‬قاسم‭ ‬أمين،‭ ‬المرأة‭ ‬الجديدة،‭ ‬مرجع‭ ‬سابق،‭ ‬ص‭ ‬42‭)‬‭.‬

‮ ‬وينطلق‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬بعد‭ ‬هذا‭ ‬التحديد‭ ‬الدقيق‭ ‬للمصطلحات‭ ‬الذي‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عادة‭ ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬طبيعة،‭ ‬ليقوم‭ ‬ببحث‭ ‬طبيعة‭ ‬عقل‭ ‬المرأة،‭ ‬وهل‭ ‬هو‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬عقل‭ ‬الرجل‭ ‬أم‭ ‬مساوٍ‭ ‬له‭ ‬أم‭ ‬متفوق‭ ‬عليه؟‭ ‬وذلك‭ ‬كله‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬طرح‭ ‬علمي‭ ‬يتناول‭ ‬المسألة‭ ‬من‭ ‬جوانبها‭ ‬المختلفة،‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬نهائية‭ ‬مؤداها‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬تساوي‭ ‬الرجل‭ ‬رغم‭ ‬الاختلافات‭ ‬الطبيعية‭ ‬الكثيرة‭ ‬التي‭ ‬بينهما،‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬المساواة‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬خاص‭. ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬مساواة‭ ‬في‭ ‬الأجزاء‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬مجموع‭ ‬القوى‭ ‬والملكات‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬إن‭ ‬مجموع‭ ‬قواها‭ ‬وملكاتها‭ ‬تكافئ‭ ‬مجموع‭ ‬قواه‭ ‬وملكاته‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬يوجد‭ ‬خلاف‭ ‬كبير‭ ‬بينهما،‭ ‬لأن‭ ‬مجرد‭ ‬الخلاف‭ ‬لا‭ ‬يوجب‭ ‬نقص‭ ‬أحد‭ ‬المتخالفين‭ ‬على‭ ‬الآخر‮»‬‮ ‬‭(‬المرجع‭ ‬السابق‭ ‬ص‭ ‬47‭)‬‭.‬

3-‬الإشكالية‭ ‬والحل

الإشكالية‭ ‬واحدة‭ ‬‭-‬تقريباً‭-‬‭ ‬عند‭ ‬المفكرين،‭ ‬وهي‭ ‬الوضع‭ ‬المتردي‭ ‬للمرأة‭ ‬العربية‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الإشكالية‭ ‬واحدة،‭ ‬فإن‭ ‬الحلول‭ ‬أو‭ ‬المعالجة‭ ‬مختلفة‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الدور‭ ‬الإصلاحي‭ ‬الذي‭ ‬يلعبه‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وخلفيته‭ ‬القانونية‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬يجعلانه‭ ‬حريصاً‭ ‬علي‭ ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬خطة‭ ‬أو‭ ‬برنامجاً‭ ‬محدداً‭ ‬للعلاج‭. ‬وهو‭ ‬برنامج‭ ‬تربوي‭ ‬بالأساس،‭ ‬يحاول‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬بناء‭ ‬الشخصية‭ ‬النسائية‭ ‬بأن‭ ‬يمنحها‭ ‬فرصة‭ ‬مماثلة‭ ‬لما‭ ‬أتيح‭ ‬للرجل‭ ‬حتى‭ ‬تستكمل‭ ‬جميع‭ ‬مؤهلاتها‭ ‬وترقى‭ ‬بملكاتها‭ ‬النفسية‭ ‬والعقلية‭ ‬والروحية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬لها‭ ‬الباب‭ ‬على‭ ‬مصراعيه‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬نهضة‭ ‬الأمة‭ ‬وصلاحها‭. ‬أي‭ ‬يمكننا‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬يشخّص‭ ‬العلة‭ ‬ويحدد‭ ‬أسباب‭ ‬المشكلة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الرجوع‭ ‬إلى‭ ‬الماضي،‭ ‬إنما‭ ‬كان‭ ‬يفعل‭ ‬ذلك‭ ‬وعيناه‭ ‬على‭ ‬المستقبل،‭ ‬وبالتالي‭ ‬أتت‭ ‬معالجته‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬أفكار‭ ‬عملية‭ ‬صالحة‭ ‬للتطبيق‭.‬

وفي‭ ‬المقابل‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الخلفية‭ ‬الفكرية‭ ‬لإمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬وميله‭ ‬للبحث‭ ‬والتنظير‭ ‬جعل‭ ‬الحل‭ ‬لديه‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬إيجاده‭ ‬المبرر‭ ‬لنهضة‭ ‬المرأة‭ ‬ومشاركة‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬والتفكير‭ ‬والبناء،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مقاربات‭ ‬نظرية‭ ‬عديدة‭ ‬ومتنوعة‭ ‬ترمى‭ ‬كلها‭ ‬‭-‬في‭ ‬النهاية‭-‬‭ ‬إلى‭ ‬إثبات‭ ‬وتأكيد‭ ‬قدرة‭ ‬المرأة‭ ‬على‭ ‬الإسهام‭ ‬الحضاري‭ ‬والإنساني،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الإبداع‭ ‬والتفكير‭ ‬‭(‬التفلسف‭)‬‭.‬

فإمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬‭-‬خاصة‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬نساء‭ ‬فلاسفة‮»‬‭-‬‭ ‬يحاول‭ ‬تأكيد‭ ‬وضع‭ ‬قائم‭ ‬بالفعل،‭ ‬وهو‭ ‬وجود‭ ‬نساء‭ ‬مارسن‭ ‬التفكير‭ ‬الفلسفي‭ ‬وتركن‭ ‬آثاراً‭ ‬فلسفية‭ ‬جديرة‭ ‬بالتقدير،‭ ‬لكن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬لنا‭ ‬الآلية‭ ‬المنهجية‭ ‬العملية‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬المرأة‭ ‬‭-‬خاصة‭ ‬العربية‭-‬‭ ‬تعبر‭ ‬الفجوة‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬بين‭ ‬وضعها‭ ‬الحالي‭ ‬المتخلف‭ ‬‭(‬وحيث‭ ‬ازدياد‭ ‬نسبة‭ ‬الأمية‭ ‬بين‭ ‬النساء‭)‬،‭ ‬وبين‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬يرمي‭ ‬إليها،‭ ‬والتي‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المتخلفة‭ ‬فيلسوفة‭ ‬تنافس‭ ‬الفلاسفة‭ ‬الرجال‭.‬

فهل‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬قد‭ ‬حقق‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬منذ‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الزمان،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬مبرراً‭ ‬لإعادة‭ ‬المحاولة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الأمة‭ ‬الآن‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬فكر‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬الإصلاحي‭ ‬التربوي‭ ‬قدر‭ ‬حاجتها‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬معرفي‭ ‬أعلى‭ ‬يناسب‭ ‬تعقيدات‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬بثوراته‭ ‬الاتصالية‭ ‬والمعلوماتية؟

لوحة: مايسة محمد

لن‭ ‬تتضح‭ ‬الإجابة‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬اطلعنا‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬فكر‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬الإصلاحي،‭ ‬وفكر‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬التأملي،‭ ‬فما‭ ‬هي‭ ‬ملامح‭ ‬النظرية‭ ‬التربوية‭ ‬عند‭ ‬قاسم‭ ‬أمين؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬الفلسفة‭ ‬النسوية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تشارك‭ ‬بها‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬نهضتنا‭ ‬المعاصرة؟

يفرد‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬لمبحث‭ ‬التربية‭ ‬فصلاً‭ ‬مستقلاً‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬تربية‭ ‬المرأة‮»‬‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬تحرير‭ ‬المرأة‮»‬‭. ‬ويستهل‭ ‬هذا‭ ‬الفصل‭ ‬بالتأكيد‭ ‬على‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭ ‬في‭ ‬الأعضاء‭ ‬والإحساس‭ ‬والفكر‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬كون‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬‮«‬إنسان‮»‬‭ ‬ولا‭ ‬يختلفان‭ ‬إلا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يستدعيه‭ ‬اختلافهما‭ ‬في‭ ‬الصنف،‭ ‬وأن‭ ‬تفوّق‭ ‬الرجل‭ ‬إنما‭ ‬جاء‭ ‬نتيجة‭ ‬لاشتغاله‭ ‬بالعمل‭ ‬والفكر‭ ‬أجيالاً‭ ‬طويلة‭ ‬كانت‭ ‬المرأة‭ ‬فيها‭ ‬محرومة‭ ‬من‭ ‬استعمال‭ ‬القوتين‭. ‬وعلى‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬المرأة‭ ‬إلى‭ ‬ملكات‭ ‬وقدرات‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬التربية‭ ‬التي‭ ‬تبرز‭ ‬هذه‭ ‬الملكات‭ ‬وتعوض‭ ‬هذا‭ ‬الفارق‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬نتيجة‭ ‬لتعطلها‭ ‬عن‭ ‬العمل‭.‬

ويبدأ‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬من‭ ‬الصفر‭ ‬في‭ ‬نظريته‭ ‬التربوية‭ ‬حيث‭ ‬ينبغي‭ ‬للمرأة‭ ‬ابتداءً‭ ‬أن‭ ‬تتعلم‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬‮«‬فإذا‭ ‬تعلمت‭ ‬المرأة‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬واطلعت‭ ‬على‭ ‬أصول‭ ‬الحقائق‭ ‬العلمية،‭ ‬وعرفت‭ ‬مواقع‭ ‬البلاد،‭ ‬وأجالت‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الأمم،‭ ‬ووقفت‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬علم‭ ‬الهيئة‭ ‬والعلوم‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وكانت‭ ‬حياة‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬نفسها‭ ‬عرفانها‭ ‬العقائد‭ ‬والآداب‭ ‬الدينية‭ ‬استعد‭ ‬عقلها‭ ‬لقبول‭ ‬الآراء‭ ‬السليمة‭ ‬وطرح‭ ‬الخرافات‭ ‬والأباطيل‭ ‬التي‭ ‬تفتك‭ ‬بعقول‭ ‬النساء‮»‬‮ ‬‭(‬قاسم‭ ‬أمين،‭ ‬تحرير‭ ‬المرأة،‭ ‬مرجع‭ ‬سابق،‭ ‬ص‭ ‬18‭)‬‭.‬

وبعد‭ ‬هذا‭ ‬العرض‭ ‬المجمل‭ ‬لرؤية‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬التربوية‭ ‬يقوم‭ ‬بطرح‭ ‬مفصّل‭ ‬لهذه‭ ‬العناصر‭ ‬التربوية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الوظيفة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والعائلية‭. ‬ففي‭ ‬الأولى‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬المصرية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تشتغل‭ ‬مثل‭ ‬الغربية‭ ‬بالعلوم‭ ‬والفنون‭ ‬والآداب‭ ‬والتجارة‭ ‬والصناعة‭ ‬إذا‭ ‬أُحْسِنت‭ ‬تربيتها،‭ ‬فإنه‭ ‬‮«‬لو‭ ‬أخذ‭ ‬بيدها‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬الأحياء،‭ ‬ووجّهت‭ ‬عزيمتها‭ ‬إلى‭ ‬مجاراتهم‭ ‬في‭ ‬الأعمال‭ ‬الحيوية‭ ‬واستعملت‭ ‬مداركها‭ ‬وقواها‭ ‬العقلية‭ ‬والجسمية‭ ‬لصارت‭ ‬نفسها‭ ‬حية‭ ‬تنتج‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تستهلك،‭ ‬لا‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬اليوم‭ ‬عالة‭ ‬لا‭ ‬تعيش‭ ‬إلا‭ ‬بعمل‭ ‬غيرها‭. ‬ولكان‭ ‬ذلك‭ ‬خيراً‭ ‬لوطنها‭ ‬لما‭ ‬ينتج‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬ازدياد‭ ‬الثروة‭ ‬العامة‭ ‬والثمرات‭ ‬العقلية‭ ‬فيه‮»‬‭.‬‮ ‬‭(‬المرجع‭ ‬السابق،‭ ‬نفس‭ ‬الصفحة‭)‬‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬العملي‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الوظيفة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬مؤكداً‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬أن‭ ‬تخرج‭ ‬المرأة‭ ‬للعمل‭ ‬وتكون‭ ‬عضواً‭ ‬فاعلاً‭ ‬ومنتجاً‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬فإنه‭ ‬يركز‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الوظيفة‭ ‬العائلية‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬إعداد‭ ‬المرأة‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الذي‭ ‬يجعلها‭ ‬قادرة‭ ‬علي‭ ‬إدارة‭ ‬شؤون‭ ‬البيت‭ ‬وتربية‭ ‬الأطفال‭ ‬وتهيئة‭ ‬الجوّ‭ ‬المناسب‭ ‬لزوجها،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الرجال‭ ‬الذين‭ ‬يتخذون‭ ‬من‭ ‬العلم‭ ‬والفكر‭ ‬مهنة‭ ‬ووظيفة،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬المنزل‭ ‬صارت‭ ‬فناً‭ ‬واسعاً‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬معارف‭ ‬كثيرة‭ ‬مختلفة،‭ ‬فعلى‭ ‬الزوجة‭ ‬وضع‭ ‬ميزانية‭ ‬الإيراد‭ ‬والمصرف‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬التدبير،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬مالية‭ ‬العائلة،‭ ‬وعليها‭ ‬مراقبة‭ ‬الخدم‭.. ‬وعليها‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬بيتها‭ ‬محبوباً‭ ‬إلى‭ ‬زوجها،‭ ‬فيجد‭ ‬فيه‭ ‬راحته‭ ‬ومسرّته‭ ‬إذا‭ ‬أوى‭ ‬إليه‭.. ‬وعليها‭.. ‬وهو‭ ‬أول‭ ‬الواجبات‭ ‬وأهمها‭ ‬تربية‭ ‬الأولاد‭ ‬جسماً‭ ‬وعقلاً‭ ‬وأدباً‮»‬‮ ‬‭(‬نفسه،‭ ‬ص27‭)‬‭.‬

ويلاحظ‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬برغم‭ ‬دعوته‭ ‬الإصلاحية‭ ‬الثورية‭ ‬في‭ ‬تحرير‭ ‬المرأة‭ ‬ومطالبته‭ ‬بمساواتها‭ ‬بالرجل‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يقصر‭ ‬دورها‭ ‬على‭ ‬الأعمال‭ ‬المنزلية‭ ‬وتربية‭ ‬الأولاد‭. ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬يدعوها‭ ‬للخروج‭ ‬للعمل‭ ‬فإنما‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬بمثابة‭ ‬العون‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬مهمتها‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬خلقت‭ ‬من‭ ‬أجلها‭. ‬وليس‭ ‬أدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬عبارته‭ ‬‮«‬ولست‭ ‬ممن‭ ‬يطلب‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬المرأة‭ ‬والرجل‭ ‬في‭ ‬التعليم،‭ ‬فذلك‭ ‬غير‭ ‬ضروري،‭ ‬وإنما‭ ‬أطلب‭ ‬الآن‭ ‬‭-‬ولا‭ ‬أتردد‭ ‬في‭ ‬الطلب‭-‬‭ ‬أن‭ ‬توجد‭ ‬هذه‭ ‬المساواة‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬الابتدائي‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬وأن‭ ‬يعتنى‭ ‬بتعليمهن‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬مثل‭ ‬ما‭ ‬يعتنى‭ ‬بتعليم‭ ‬البنين‮»‬‭ ‬‮ ‬‭(‬نفسه،‭ ‬ص‭ ‬32‭)‬‭.‬

والحقيقة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نندهش‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬نتهمه‭ ‬بالتناقض،‭ ‬لأن‭ ‬الظروف‭ ‬التاريخية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬كتب‭ ‬فيها‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬كتابيه‭ ‬حول‭ ‬المرأة،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬جعلته‭ ‬لا‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يعلي‭ ‬من‭ ‬سقف‭ ‬دعوته‭ ‬الإصلاحية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬الأوّلي‭ ‬والإعداد‭ ‬للمهارات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والعائلية‭ ‬كمرحلة‭ ‬أولى‭ ‬في‭ ‬التربية‭ ‬والإصلاح‭. ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يبرر‭ ‬لنا‭ ‬ذلك‭ ‬الشعور‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬ينتابنا‭ ‬بأن‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬فكر‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬لم‭ ‬تتخل‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬تبعيتها‭ ‬للرجل‭ ‬وأن‭ ‬حريتها‭ ‬‭-‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفكر‭-‬‭ ‬مازالت‭ ‬منقوصة‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يمنعنا‭ ‬‭-‬في‭ ‬المقابل‭-‬‭ ‬من‭ ‬اتخاذ‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬المبكر‭ ‬لقضية‭ ‬المرأة‭ ‬‭-‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭-‬‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬أساساً‭ ‬أو‭ ‬مبرراً‭ ‬لمحاولة‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬الفلسفية‭. ‬فقاسم‭ ‬أمين‭ ‬لم‭ ‬يحدثنا‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬إبداعي،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فلسفياً‭ ‬للمرأة‭. ‬فلم‭ ‬ينشغل‭ ‬بالبحث‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬امرأة‭ ‬أديبة‭ ‬أو‭ ‬عالمة‭ ‬أو‭ ‬فيلسوفة‭ ‬قدر‭ ‬اهتمامه‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬امرأة‭ ‬تجيد‭ ‬إدارة‭ ‬البيت‭ ‬وتربية‭ ‬الأولاد‭ ‬بنحو‭ ‬عصري‭ ‬مستنير‭. ‬والحقيقة‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬إنكار‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬المبدعة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬تجيد‭ ‬فن‭ ‬إدارة‭ ‬البيت‭ ‬وتربية‭ ‬الأولاد‭. ‬فإذا‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬فيلسوفات‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬فلا‭ ‬أعتقد‭ ‬أننا‭ ‬سنعثر‭ ‬على‭ ‬فاشلات‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية‭ ‬والاجتماعية‭.‬

ولكن‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬ملامح‭ ‬الفلسفة‭ ‬النسوية‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬القديمة‭. ‬أي‭ ‬البدايات‭ ‬الأولى‭ ‬للتفلسف‭ ‬التي‭ ‬يقدمها‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬للتأكيد‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬المرأة‭ ‬على‭ ‬التفلسف‭ ‬مثلها‭ ‬مثل‭ ‬الرجل‭ ‬تماماً؟

قاسم‭ ‬أمين‭ ‬لم‭ ‬يحدثنا‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬إبداعي،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فلسفياً‭ ‬للمرأة‭. ‬فلم‭ ‬ينشغل‭ ‬بالبحث‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬امرأة‭ ‬أديبة‭ ‬أو‭ ‬عالمة‭ ‬أو‭ ‬فيلسوفة‭ ‬قدر‭ ‬اهتمامه‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬امرأة‭ ‬تجيد‭ ‬إدارة‭ ‬البيت‭ ‬وتربية‭ ‬الأولاد‭ ‬بنحو‭ ‬عصري‭ ‬مستنير

يستعرض‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الرابع‭ ‬والأخير‭ ‬من‭ ‬مشروعه‭ ‬الكبير‭ ‬حول‭ ‬الفلسفة‭ ‬والمرأة،‭ ‬والمعنون‭ ‬بــ‮»‬نساء‭ ‬فلاسفة‮»‬،‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬الفلاسفة‭ ‬اليونانيات‭. ‬ويبدأ‭ ‬تاريخهن‭ ‬‭-‬كما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬الفلسفة‭ ‬الغربية‭ ‬عموماً‭-‬‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭ ‬بالمدرسة‭ ‬الفيثاغورية‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬حظيت‭ ‬المرأة‭ ‬الفيثاغورية‭ ‬بفرص‭ ‬هامة‭ ‬مكنتها‭ ‬من‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬وقبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬والمناقشة‭ ‬وإعمال‭ ‬العقل،‭ ‬ووقفت‭ ‬على‭ ‬قدم‭ ‬المساواة‭ ‬مع‭ ‬الرجل‭. ‬وكان‭ ‬الاعتقاد‭ ‬السائد‭ ‬عند‭ ‬الجماعة‭ ‬الفيثاغورية‭ ‬أنه‭ ‬علي‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬المرأة‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬الرجل،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬عنه‭ ‬أبداً،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القدرة،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القيمة‮»‬‮ ‬‭(‬د‭.‬إمام‭ ‬عبدالفتاح،‭ ‬نساء‭ ‬فلاسفة،‭ ‬مرجع‭ ‬سابق،‭ ‬ص‭ ‬25‭)‬‭.‬

ويحذر‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬من‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬النساء‭ ‬الفيثاغوريات‭ ‬كتبن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المنزلي،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬الموضوعات‭ ‬التي‭ ‬كتبن‭ ‬فيها‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬رعاية‭ ‬الطفل‭ ‬وتربيته،‭ ‬ودور‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬المنزل‭ ‬والمجتمع‭. ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬نقدية‭ ‬فاحصة‭ ‬ومدققة‭ ‬للشذرات‭ ‬التي‭ ‬تركنها‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفيلسوفات‭ ‬حتى‭ ‬نخرج‭ ‬بنتيجة‭ ‬هامة‭ ‬مؤداها‭ ‬قدرة‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفيلسوفات‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬مفاهيم‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬الهارمونيا‮»‬‭ ‬و‮»‬التناغم‮»‬‭ ‬و‮»‬الانسجام‮»‬‭ ‬لتطبيقها‭ ‬على‭ ‬بنية‭ ‬الدولة‭ ‬وإدارتها‭ ‬وعلى‭ ‬بنية‭ ‬الأسرة‭ ‬وإدارتها‭. ‬‮«‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬فلاسفة‭ ‬الفيثاغورية‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬قد‭ ‬اتجهوا‭ ‬بجهودهم‭ ‬نحو‭ ‬تفسير‭ ‬العالم‭ ‬الكبير،‭ ‬تفسيراً‭ ‬رياضياً‭ ‬يجعل‭ ‬نسيجه‭ ‬العدد‭ ‬والنعم،‭ ‬فإن‭ ‬فلاسفة‭ ‬الفيثاغورية‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬اقتصرت‭ ‬جهودهن‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬الصغير،‭ ‬أعني‭: ‬علي‭ ‬الفلسفة‭ ‬بالمعنى‭ ‬الواسع‭ ‬للفظ‭ ‬الذي‭ ‬يشمل‭ ‬الأسرة‭ ‬والدولة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬معاً‮»‬‮ ‬‭(‬نفسه،‭ ‬ص‭ ‬26‭)‬‭.‬

‮ ‬‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬يستمر‭ ‬في‭ ‬استعراض‭ ‬النساء‭ ‬الفيلسوفات‭ ‬مبرزاً‭ ‬تنوع‭ ‬موضوعاتهن‭ ‬التي‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬نظريات‭ ‬الحب‭ ‬وخلود‭ ‬النفس،‭ ‬ووصلت‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬إلى‭ ‬الكتابة‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الثورة‮»‬‭ ‬وعن‭ ‬‮«‬العنف‮»‬‭ ‬وعن‭ ‬‮«‬الحرية‮»‬،‭ ‬وعن‭ ‬‮«‬حياة‭ ‬العقل‮»‬‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يستوقفنا‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬تراث‭ ‬الفيلسوفة‭ ‬الفيثاغورية‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬حياتها‭ ‬اليومية‭:‬

أولاً‭: ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تشترك‭ ‬فيها‭ ‬امرأة‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬مع‭ ‬امرأة‭ ‬قاسم‭ ‬أمين،‭ ‬والفرق‭ ‬بينهما‭ ‬هو‭ ‬فارق‭ ‬تاريخي‭ ‬وهو‭ ‬أيضاً‭ ‬فارق‭ ‬في‭ ‬الوعي‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬قد‭ ‬اهتم‭ ‬بتقديم‭ ‬نظرية‭ ‬تربوية‭ ‬تؤهل‭ ‬المرأة‭ ‬للقيام‭ ‬بواجباتها‭ ‬المنزلية‭ ‬والعائلية،‭ ‬فإنه‭ ‬لم‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬إعداد‭ ‬امرأة‭ ‬تقدم‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬نظرية‭ ‬في‭ ‬التربية‭.‬

ثانياً‭: ‬إن‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬النساء‭ ‬الفيثاغوريات‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬مجرد‭ ‬اقتحام‭ ‬لمجال‭ ‬الفلسفة‭ ‬‭-‬أياً‭ ‬كان‭ ‬موضوعها‭-‬‭ ‬وإنما‭ ‬تلك‭ ‬الروح‭ ‬والعقلية‭ ‬النسائية‭ ‬عندما‭ ‬تنشط‭ ‬وتعمل‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬التأمل‭ ‬والتنظير‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬النسوية‭ ‬المعاصرة‭ ‬‭-‬الأكثر‭ ‬نضجاً‭-‬‭ ‬والتي‭ ‬تجاوزت‭ ‬فكرة‭ ‬مجرد‭ ‬محاكاة‭ ‬الرجل‭ ‬وإثبات‭ ‬الذات‭ ‬والوجود‭ ‬في‭ ‬مواجهته‭ ‬بالقيام‭ ‬بذات‭ ‬الأعمال‭ ‬والإبداعات‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭. ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬تقديم‭ ‬إبداع‭ ‬مواز‭ ‬يصطبغ‭ ‬بالصبغة‭ ‬النسوية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬الرجل‭ ‬إليها‭ ‬مهما‭ ‬بلغ‭ ‬من‭ ‬قدره‭ ‬ومن‭ ‬عبقرية‭. ‬وليس‭ ‬أدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬مجال‭ ‬العلم‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬يقدم‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬محايد‭ ‬لا‭ ‬دين‭ ‬ولا‭ ‬جنس‭ ‬له،‭ ‬حتى‭ ‬ظهر‭ ‬مؤخراً‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بأنثوية‭ ‬العلم‭. ‬وهو‭ ‬اتجاه‭ ‬جديد‭ ‬يأتي‭ ‬موازياً‭ ‬لاتجاه‭ ‬العلم‭ ‬الذكوري‭ ‬الذي‭ ‬أسسه‭ ‬الرجل‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬التاريخ‭.‬

ونحن‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬ضد‭ ‬المحاولات‭ ‬النسائية‭ ‬التي‭ ‬تريد‭ ‬التشبه‭ ‬بالرجال‭ ‬لمجرد‭ ‬إثبات‭ ‬مساواة‭ ‬سطحية‭ ‬وساذجة‭ ‬كأن‭ ‬تقوم‭ ‬المرأة‭ ‬بالدخول‭ ‬في‭ ‬حلبات‭ ‬المصارعة‭ ‬أو‭ ‬حمل‭ ‬الأثقال‭ ‬أو‭ ‬كمال‭ ‬الأجسام،‭ ‬أو‭ ‬محاولتها‭ ‬خوض‭ ‬مجال‭ ‬الاستشارات‭ ‬الزوجية‭ ‬لتقديم‭ ‬الدروس‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬لزبائنها‭ ‬من‭ ‬الرجال‭.‬

وعلي‭ ‬أيّ‭ ‬الأحوال،‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬نقولها‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬القصير،‭ ‬فهي‭ ‬أن‭ ‬أفكار‭ ‬قاسم‭ ‬أمين‭ ‬كانت‭ ‬ثورية‭ ‬في‭ ‬زمانها‭ ‬وقد‭ ‬أدت‭ ‬دورها،‭ ‬وأن‭ ‬أفكار‭ ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬ثورية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭ ‬وسوف‭ ‬تؤدي‭ ‬دورها‭. ‬وستحتفظ‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭ ‬جميعها‭ ‬‭-‬كتراث‭ ‬فكري‭ ‬عربي‭ ‬أصيل‭-‬‭ ‬بثرائها‭ ‬وخصوصيتها‭ ‬على‭ ‬الدوام،‭ ‬بحيث‭ ‬تمثل‭ ‬لنا‭ ‬الزاد‭ ‬الذي‭ ‬سيعيننا‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬نحو‭ ‬النهضة‭ ‬ونحو‭ ‬الحرية‭ ‬ونحو‭ ‬الكرامة‭.‬


كاتب من مصر