الذات‭ ‬المؤنثة‭ ‬موضوعاً‭ ‬للكتابة

تجارب‭ ‬روائيات‭ ‬مغربيات

الجديد  أحمد ضحية [نُشر في 01/01/2017، العدد: 24، ص(80)]

لوحة: أمل بشير
من‭ ‬خلال‭ ‬اطّلاعنا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬توفر‭ ‬لدينا‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬قصصية‭ ‬ومجموعات‭ ‬نسوية‭ ‬مغربية‭ ‬تنتمي‭ ‬لأجيال‭ ‬مختلفة‭ ‬‭(‬الستينات‭ ‬مرورا‭ ‬بالثمانينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وصولا‭ ‬للراهن‭)‬‭ ‬نلاحظ‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬فوارق‭ ‬قطعية‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المراحل‭ ‬فالقصة‭ ‬عند‭ ‬مليكة‭ ‬مستظرف،‭ ‬نجاة‭ ‬السرار،‭ ‬عائشة‭ ‬بورجيلة‭ ‬أو‭ ‬فاطمة‭ ‬بوزيان‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬انطوت‭ ‬عليه‭ ‬القصة‭ ‬عند‭ ‬خناثة‭ ‬بنونة‭ ‬بشكل‭ ‬من‭ ‬الأشكال‭.. ‬ربما‭ ‬ثمة‭ ‬بُعد‭ ‬عن‭ ‬التقريرية‭ ‬والمباشرة‭ ‬كما‭ ‬عند‭ ‬مستظرف‭ ‬بورجيلة‭ ‬وبوزيان‭.. ‬ربما‭ ‬ثمة‭ ‬تطور‭ ‬في‭ ‬أسئلة‭ ‬الكتابة،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬لا‭ ‬ينفي‭ ‬أنه‭ ‬متصل‭ ‬بما‭ ‬سبق‭ ‬لا‭ ‬منفصل‭ ‬عنه،‭ ‬مع‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬القاصة‭ ‬المغربية‭ ‬استطاعت‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مراحل‭ ‬تطور‭ ‬سردها‭ ‬‭(‬شكلا‭ ‬ومضمونا‭)‬‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬جريئة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالخلل‭ ‬البنيوي‭ ‬الذي‭ ‬يعتري‭ ‬البنى‭ ‬الاجتماعية‭ ‬كما‭ ‬عند‭: ‬خناثة‭ ‬والسرار،‭ ‬وتمكنت‭ ‬من‭ ‬اقتفاء‭ ‬أثر‭ ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬كما‭ ‬عند‭ ‬مليكة‭ ‬والسرار‭ ‬وبورجيلة‭ ‬وتتبع‭ ‬تجلياته‭ ‬على‭ ‬الشخوص‭ ‬المهمشين‭ ‬غالبا‭ ‬وانعكاساته‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬الإنسانية‭ ‬بعامة،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬المضطرب‭ ‬سريع‭ ‬التحولات‭ ‬كما‭ ‬عند‭ ‬بوزيان‭.‬

في ‭ ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬من‭ ‬بحثنا‭ ‬عن‭ ‬القصة‭ ‬النسائية‭ ‬المغربية‭ ‬اخترنا‭ ‬نماذج‭ ‬محددة‭ ‬لنشتغل‭ ‬عليها‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬‮«‬العزلة‭ ‬الموقوتة‮»‬‭ ‬لخناثة‭ ‬بنونة‭ ‬و‮»‬ذبابة‮»‬‭ ‬لمليكة‭ ‬مستظرف‭ ‬و‮»‬الزغاريد‭ ‬المؤجلة‮»‬‭ ‬لنجاة‭ ‬السرار‭ ‬و‮»‬لنرسو‭ ‬على‭ ‬شاطئ‭ ‬الحلم‮»‬‭ ‬لعائشة‭ ‬بورجيلة‭ ‬و‮»‬يوم‭ ‬استثنائي‮»‬‭ ‬لفاطمة‭ ‬بوزيان‭.‬

القصة‭ ‬النسائية‭ ‬المغربية‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬منها‭ ‬كما‭ ‬ذكرنا‭ ‬سابقا‭ ‬تنهض‭ ‬في‭ ‬الخلل‭ ‬البنيوي‭.. ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬خلال‭ ‬رصدها‭ ‬لتفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬عبر‭ ‬شخصيات‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬كشخصيات‭ ‬سايكوباتية،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬شخوص‭ ‬مجموعة‭ ‬مليكة‭ ‬مستظرف‭ ‬‮«‬ترانت‭ ‬سيس‮»‬‭ ‬‭(‬http‭:‬‭//‬www‭.‬doroob‭.‬com‭/?‬p‭=‬1746‭)‬‭ ‬ لكنها‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬شخصيات‭ ‬مهمشة‭ ‬ومسحوقة‭ ‬سلوكها‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬لخلل‭ ‬جوهري‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬فهم‭ ‬كشخوص‭ ‬ليس‭ ‬لديهم‭ ‬تصور‭ ‬مضاد‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مضاد‭ ‬للمجتمع،‭ ‬وما‭ ‬يصدر‭ ‬عنهم‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬انعكاس‭ ‬لتعاطيهم‭ ‬مع‭ ‬الأبنية‭ ‬المختلة‭ ‬نفسها،‭ ‬بقوانينها‭ ‬الضاغطة‭ ‬وما‭ ‬ينتج‭ ‬عن‭ ‬اشتغال‭ ‬هذه‭ ‬القوانين‭ ‬من‭ ‬تمزقات‭ ‬تعتري‭ ‬وتشمل‭ ‬كل‭ ‬جوانب‭ ‬الحياة،‭ ‬بحيث‭ ‬تبدو‭ ‬الذات‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التمزق‭: ‬مختطفة‭.. ‬مهضومة،‭ ‬تحاول‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬قبضة‭ ‬اليومي‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬الإنساني‭ ‬المتمزق‭ ‬والممزق‭ ‬للفرد‭ ‬تبدو‭ ‬المدينة‭ ‬المغربية‭ ‬كمجمّع‭ ‬كبير‭ ‬للقمامة،‭ ‬يحتوي‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يصعب‭ ‬تصوره‭ ‬من‭ ‬سقط‭ ‬السلوك‭ ‬البشري،‭ ‬والأفكار‭ ‬المريضة‭ ‬‭(‬انظر‭: ‬مليكة‭ ‬مستظرف‭-‬ترانت‭ ‬سيس‭)‬‭ ‬لا‭ ‬تعبر‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬المدينة‭ ‬المغربية‭ ‬الكبيرة‭ ‬فحسب،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تعبر‭ ‬بها‭ ‬وفيها‭ ‬كرمز‭ ‬للمدينة‭ ‬عموما،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬التحولات‭ ‬المتسارعة‭ ‬التي‭ ‬شملت‭ ‬كل‭ ‬العالم‭ ‬دون‭ ‬استثناء،‭ ‬وكانت‭ ‬إفرازاتها‭ ‬السالبة‭ ‬على‭ ‬عالمنا‭ ‬النامي‭ ‬تحديداً‭ ‬أشد‭ ‬قسوة‭ ‬وتمزيقا‭ ‬للذات‭ ‬الإنسانية‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬العوالم‭ ‬التي‭ ‬اكتمل‭ ‬نموها‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬للاكتمال‭.‬

القصة‭ ‬القصيرة‭ ‬المغربية‭ ‬المكتوبة‭ ‬بأقلام‭ ‬نسائية‭ ‬تتبدى‭ ‬لا‭ ‬كنصوص‭ ‬غارقة‭ ‬في‭ ‬همومها‭ ‬المحلية‭ ‬رهينة‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭ ‬والسياسي،‭ ‬فهي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬حالة‭ ‬تسام‭ ‬إنساني‭ ‬كوني‭ ‬يعكس‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يموج‭ ‬به‭ ‬حاضرنا‭ ‬المضطرب‭ ‬الموبوء‭ ‬بأمراض‭ ‬عصرنا‭ ‬بوتائر‭ ‬إيقاعه‭ ‬المتسارع‭ ‬الموتور‭ ‬الذي‭ ‬يتشيأ‭ ‬فيه‭ ‬الإنسان‭ ‬ويتسلَّع‭ ‬بل‭ ‬ويتعلَّب‭ ‬عبر‭ ‬الإسفير‭ ‬الماسنجر،‭ ‬وهي‭ ‬إشارة‭ ‬مزعجة‭ ‬كسؤال‭ ‬عن‭ ‬دفء‭ ‬المشاعر‭ ‬والعواطف‭ ‬الإنسانية‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬الكبير‭ ‬نجد‭ ‬أسئلة‭ ‬عديدة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالمنسي‭ ‬والمهمل‭ .. ‬تتعلق‭ ‬بالغاضب‭ ‬والساخط‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬ونجد‭ ‬لغة‭ ‬الشعر‭ ‬المبثوثة‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬عذوبة،‭ ‬كما‭ ‬نجد‭ ‬النثر‭ ‬الجميل‭ ‬يتشذر‭ ‬في‭ ‬السردي‭ ‬المتواصل‭.. ‬الأيديولوجيا‭ ‬أيضا‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬نصيب‭ ‬فيما‭ ‬هيمنت‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬جيل‭ ‬خناثة‭ ‬بنونة‭ ‬فهتافاتها‭ ‬هنا‭ ‬منذ‭ ‬غروب‭ ‬شمس‭ ‬الثمانينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬النماذج‭ ‬التسعينية‭ ‬ونماذج‭ ‬الألفية‭ ‬الجديدة،‭ ‬كرجع‭ ‬لصدى‭ ‬بعيد‭ ‬متلاش‭ ‬في‭ ‬اللانهاية‭ ‬السردية،‭ ‬أشبه‭ ‬بالتموجات‭ ‬التي‭ ‬يخلّفها‭ ‬حجر‭ ‬يلقى‭ ‬على‭ ‬بركة‭ ‬ساكنة،‭ ‬حيث‭ ‬تتبدى‭ ‬التموّجات‭ ‬الدائرية،‭ ‬كتلويحة‭ ‬غريق‭ ‬في‭ ‬ظلمة‭ ‬ماض‭ ‬أشد‭ ‬عتمة‭ ‬من‭ ‬غبرة‭ ‬الأفق‭ ‬في‭ ‬روايات‭ ‬ماركيز‭.. ‬إنها‭ ‬نصوص‭ ‬الجيل‭ ‬التسعيني‭ ‬والألفي‭ ‬الجديد‭ ‬التي‭ ‬تنكر‭ ‬الأيديولوجيا،‭ ‬لا‭ ‬كإنكار‭ ‬يهوذا‭ ‬ولكن‭ ‬كإنكار‭ ‬التجاوز‭ ‬والتخطي،‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬السقوط‭ ‬المدوي‭ ‬للأفكار‭ ‬الكبرى‭.. ‬وبعد‭ ‬هذه‭ ‬نصوص‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تبشر‭ ‬بسوى‭ ‬الإنسان‭ ‬المتطلع‭ ‬لتحقيق‭ ‬ذاته‭ ‬المحاصرة،‭ ‬بأسئلة‭ ‬السلطة‭ ‬المربكة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يتداعى‭ ‬على‭ ‬رومانسيتنا‭.. ‬وشاعريتنا‭ ‬وبراءتنا‭ ‬التي‭ ‬نفتقدها‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬تداعيه‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الإحساسات‭ ‬والقيم‭ ‬الجمالية‭ ‬النبيلة‭ ‬تداعي‭ ‬الأكلة‭ ‬إلى‭ ‬القصعة‭ ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬حصلنا‭ ‬عليه‭ ‬سوى‭ ‬أشياء‭ ‬نبيلة‭ ‬شكلا‭ ‬لكنها‭ ‬أفرغت‭ ‬من‭ ‬محتويات‭ ‬عزيزة‭ ‬علينا،‭ ‬محتويات‭ ‬تبعثرت‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الواسع‭ ‬والمتعدد‭ ‬تعدد‭ ‬وسائط‭ ‬التكنولوجيا‭.. ‬فالتكنولوجيا‭ ‬احتلت‭ ‬عالمنا‭ ‬الشاعري‭ ‬الجميل‭ ‬لنصبح‭ ‬مجرد‭ ‬ملفات‭ ‬مرفقة‭ ‬تفتح‭ ‬وفقا‭ ‬لبرامج‭ ‬الوندوز‭ ‬أو‭ ‬الفيستا‭ ‬الكومبيوترية‭.. ‬وبعد‭ ‬هذا‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬رحلة‭ ‬النص‭ ‬القصصي‭ ‬النسوي‭ ‬المغربي‭ ‬القصير،‭ ‬رحلة‭ ‬شبيهة‭ ‬برحلة‭ ‬جلجامش‭ ‬في‭ ‬اللانهاية‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬والحب‭ ‬والجمال‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬الإنسان‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬إنسان‭..‬

‬القاصة‭ ‬المغربية‭ ‬استطاعت‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مراحل‭ ‬تطور‭ ‬سردها‭ ‬‭(‬شكلا‭ ‬ومضمونا‭)‬‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬جريئة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالخلل‭ ‬البنيوي‭ ‬الذي‭ ‬يعتري‭ ‬البنى‭ ‬الاجتماعية‭ ‬كما‭ ‬عند‭: ‬خناثة‭ ‬والسرار،‭ ‬وتمكنت‭ ‬من‭ ‬اقتفاء‭ ‬أثر‭ ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬كما‭ ‬عند‭ ‬مليكة‭ ‬والسرار‭ ‬وبورجيلة‭ ‬وتتبع‭ ‬تجلياته‭ ‬على‭ ‬الشخوص

يوم‭ ‬استثنائي‭ ‬لفاطمة‭ ‬بوزيان

النقد‭ ‬الجذري‭ ‬لواقع‭ ‬الانهيار‭ ‬والهزيمة‭ ‬والأحلام‭ ‬باستخدام‭ ‬ضمير‭ ‬المتكلم‭ ‬بما‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬أغرمت‭ ‬بها‭ ‬بوزيان،‭ ‬تستهل‭ ‬راوية‭ ‬يوم‭ ‬استثنائي‭ ‬حكايتها‭ ‬معه‭ ‬‮«‬أنظر‭ ‬إليه‭ ‬يتكلم‭ ‬يخيل‭ ‬إليّ‭ ‬أني‭ ‬أسمع‭ ‬بعيني‭ .. ‬ألا‭ ‬تتكلم‮…‬‭ ‬العيون‭..‬‮»‬‭. ‬‭(‬http‭:‬‭//‬www‭.‬syrianstory‭.‬com/f-bozayanne‭.‬htm‭)‬‭ ‬فهذه‭ ‬الراوية‭ ‬الجالسة‭ ‬إلى‭ ‬خطيبها‭ ‬الذي‭ ‬لطالما‭ ‬اعتقدت‭ ‬أنه‭ ‬استثنائي،‭ ‬بحكم‭ ‬أن‭ ‬حياته‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬تركت‭ ‬طابعها‭ ‬على‭ ‬مظهره‭ ‬وسلوكه‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬مراقبة‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬فيه‭ ‬‮«‬بمحبة‭ ‬وإعجاب‭.. ‬وودّ‭.. ‬بدأت‭ ‬أشيده‭ ‬بداخلي‭ ‬قطعة‭ ‬قطعة،‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أعجبني،‭ ‬رأيت‭ ‬وتخيلت‭ ‬رجالا،‭ ‬منذ‭ ‬خالط‭ ‬ذلك‭ ‬السيل‭ ‬الهرموني‭ ‬الحارق‭ ‬دمي‮»‬،‭ ‬فهي‭ ‬تظن‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬عصري‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬مظهره‭ ‬فقط‭.. ‬كان‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬مغامرات‭ ‬تفوق‭ ‬خيال‭ ‬تلك‭ ‬القنوات‭ ‬التي‮…‬‭ ‬والأفلام‭ ‬التي‮…‬‭ ‬للتو‭ ‬كان‭ ‬حديثه‭ ‬يفيض‭ ‬بغزوات‭ ‬نهود‭ ‬وظمأ‭ ‬وارتواء‭..‬‮»‬‭. ‬كانت‭ ‬مقهورة‭ ‬بتصورها‭ ‬له‭ ‬فهذا‭ ‬التصور،‭ ‬يستحوذ‭ ‬عليها‭ ‬فتتفهم‭ ‬أو‭ ‬تدعي‭ ‬تفهم‭ ‬فوضاه‭ ‬الجنسية،‭ ‬فهي‭ ‬مشوشة‭ ‬تظن‭ ‬أنه‭ ‬آخر‭.. ‬كمنتج‭ ‬غربي‭ ‬يتم‭ ‬تسويقه‭ ‬لدى‭ ‬المغيبين‭ ‬العالمثالثيين،‭ ‬لذا‭ ‬تتصور‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬بينهما‭ ‬حوار‭ ‬حضارات‭ ‬أو‭ ‬ثقافات‭.. ‬إلخ‭ ‬من‭ ‬إكليشيهات‭ ‬لا‭ ‬تسمي‭ ‬الأشياء‭ ‬بأسمائها‭ ‬الحقيقية،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬بينهما‭ ‬هو‭ ‬تأكيد‭ ‬أو‭ ‬موافقة‭ ‬على‭ ‬‮«‬أسروداته‮»‬‭ ‬البائسة‭ ‬التي‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬فلسفة‭ ‬عميقة‭ ‬للحياة‭ ‬كما‭ ‬يدعي‭ ‬كخبير‭ ‬غربة‭ ‬واغتراب‭ ‬وتغرب‭.. ‬كانت‭ ‬تسمع‭ ‬فقط‭ ‬وتكرر‭ ‬‮«‬عادي،‭ ‬عادي‭ ‬جدا‭ ..‬‮»‬،‭ ‬بوزيان‭ ‬تورط‭ ‬القارئ‭ ‬في‭ ‬النص،‭ ‬إذ‭ ‬تحاول‭ ‬ربطه‭ ‬بحوارات‭ ‬سحقها‭ ‬تعاقب‭ ‬الزمن،‭ ‬لكن‭ ‬ظل‭ ‬تاريخنا‭ ‬المعاصر‭ ‬ينطوي‭ ‬عليها،‭ ‬فالإعجاب‭ ‬منذ‭ ‬لحظة‭ ‬تمرحله‭ ‬إلى‭ ‬مودة‭ ‬وارتباط‭ ‬هذه‭ ‬المودة‭ ‬بالحسي‭ ‬فيما‭ ‬بعد،‭ ‬بمعنى‭ ‬الحنان‭.. ‬والحب‭ ‬ببعده‭ ‬الجنسي‭.. ‬هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬المختلفة‭ ‬تصطرع‭ ‬في‭ ‬دخيلة‭ ‬حبيب‭ ‬الراوية،‭ ‬فهو‭ ‬كما‭ ‬تصفه‭ ‬كلاسيكيات‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬الأيديولوجي‭.. ‬هذا‭ ‬الشخص‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬العائلة‭ ‬البطريركية‭ ‬النموذجية،‭ ‬وبما‭ ‬أنه‭ ‬سيؤدي‭ ‬واجبه‭ ‬الزوجي‭ ‬‭-‬إذا‭ ‬تزوجها‭-‬‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يطمئن‭ ‬منذ‭ ‬الآن‭ ‬بالتأكد‭ ‬من‭ ‬ماضيها‭ ‬الغابر،‭ ‬والواجب‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬مفردة‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬قيمة‭ ‬عميقة‭ ‬الجذور‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مفهوما‭ ‬مرتبطا‭ ‬بالأديان‭ ‬السماوية‭ ‬المألوفة‭ ‬والمعروفة،‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬مفردات‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬عادي‭ ‬،عادي‭ ‬جدا‮»‬‭ ‬تخلخل‭ ‬كيانه‭.. ‬لذلك‭ ‬عندما‭ ‬حكت‭ ‬له‭ ‬الراوية‭ ‬عن‭ ‬حب‭ ‬عذري‭ ‬عبر‭ ‬حياتها‭ ‬وهي‭ ‬طالبة،‭ ‬أصيب‭ ‬بما‭ ‬يشبه‭ ‬الصدمة،‭ ‬فالمرأة‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬واجبه‭ ‬أن‭ ‬يتزوجها‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬الشريفة‭ ‬الخالية‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬رغبات‭ ‬جنسية،‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬مر‭ ‬حلة‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬حياتها‭.. ‬مع‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يحكي‭ ‬لها‭ ‬عن‭ ‬مغامراته،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرته‭ ‬الجنسية‭ ‬في‭ ‬نظرها‭.. ‬فالمجتمع‭ ‬يغض‭ ‬الطرف‭ ‬عن‭ ‬ممارسات‭ ‬الرجل‭ ‬لكنه‭ ‬يقف‭ ‬للمرأة‭ ‬بالمرصاد،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬التطورات‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التصورات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تسبق‭ ‬التطورات‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬سلوك‭ ‬الناس‭ ‬الواقعي‭ ‬اليومي،‭ ‬المرتبط‭ ‬بأبنيتهم‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية‭.. ‬إذن‭ ‬تركها‭ ‬ومضى‭ ‬بسبب‭ ‬قصة‭ ‬الحب‭ ‬العذري‭ ‬اليتيمة‭ ‬التي‭ ‬عبرت‭ ‬حياتها‭ ‬أيام‭ ‬الجامعة‭ ‬‮«‬أجبت‭: ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬أيام‭ ‬الجامعة‭ ‬زميلي‮…‬‭ ‬كنا‭ ‬نتبادل‭ ‬البوح‭ ‬وأشعار‭ ‬نزار‭ ‬والأحلام‮…‬‭ ‬أخرج‭ ‬الخاتم‭ ‬من‭ ‬إصبعه‭. ‬وضعه‭ ‬جنب‭ ‬الفنجان‭. ‬أعطى‭ ‬النادل‭ ‬حسابه‭. ‬حمل‭ ‬هاتفه‭ ‬اللوزي‭ ‬الصغير‭. ‬حاسوبه‭ ‬الشخصي‭ ‬الذي‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬حقيبة‭ ‬يدي‭.. ‬تزوجي‭ ‬زميلك‭ ‬إذن‭.. ‬قالها‭ ‬وانصرف‮»‬‭. ‬ليس‭ ‬مستغربا‭ ‬حرصه‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬الحساب‭ ‬للنادل‭.. ‬تحاول‭ ‬الراوية‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬الرجل‭ ‬هو‭ ‬الرجل،‭ ‬سواء‭ ‬عاش‭ ‬في‭ ‬مجتمعه‭ ‬المحلي‭ ‬أو‭ ‬تغرّب‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬تظل‭ ‬بنية‭ ‬وعيه‭ ‬الذكوري‭ ‬والتناسلي‭ ‬هي‭ ‬خلاصة‭ ‬محرك‭ ‬وعيه‭ ‬بذاته،‭ ‬كأسلافه‭ ‬يبيح‭ ‬لنفسه‭ ‬ما‭ ‬يحرمه‭ ‬على‭ ‬المرأة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التخلف‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الإنساني‭ ‬بالمرأة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬لن‭ ‬يزيله‭ ‬تبني‭ ‬الشرق‭ ‬لنمط‭ ‬الحياة‭ ‬الغربي‭ ‬أو‭ ‬الاندراج‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬العولمة‭ ‬شكليا‭ ‬دون‭ ‬أيّ‭ ‬مضامين‭ ‬إنسانية‭ ‬تتجذر‭ ‬في‭ ‬وعينا‭ ‬الإنساني‭ ‬والكوني،‭ ‬فعلا‭.. ‬فالتحديث‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الحداثة‭ ‬مضمونان‭ ‬عزيزان‭ ‬ونبيلان‭ ‬على‭ ‬الروح‭ ‬العالمثالثية‭ ‬المنهكة‭ ‬الباحثة‭ ‬عن‭ ‬قيمة‭ ‬العدل‭ ‬والتحرر‭ ‬من‭ ‬موابق‭ ‬الماضي‭ ‬بأخطائه‭ ‬الفادحة،‭ ‬فالتحديث‭ ‬والحداثة‭ ‬والعولمة‭ ‬كمفاهيم‭ ‬متحولة‭ ‬تتعدى‭ ‬الشكل‭ ‬إلى‭ ‬الجوهر،‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬استهلاك‭ ‬لكل‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والتقنية،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬ارتياد‭ ‬كافتيريات‭ ‬كمفهوم‭ ‬للفضاء‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬فضاء‭ ‬خاص،‭ ‬بمعنى‭ ‬ليس‭ ‬تحضريا‭ ‬استقبال‭ ‬أحدهم‭ ‬في‭ ‬بيتك‭ ‬فهذا‭ ‬فضاءك‭ ‬الخاص‭.. ‬أو‭ ‬اقتناء‭ ‬موبايل‭ ‬من‭ ‬ماركة‭ ‬البلاك‭ ‬بيري،‭ ‬أو‭ ‬حاسوب‭ ‬لاب‭ ‬توب‭ ‬من‭ ‬ماركة‭ ‬دل‭ ‬أو‭ ‬سيارة‭ ‬همر‭.. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬قرونا‭ ‬من‭ ‬المواعظ‭ ‬الإلهية،‭ ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬أساليب‭ ‬حيوات‭ ‬القديسين‭ ‬فشلت‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬ملاكا‭.. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬المثال‭ ‬السلبي‭ ‬يتم‭ ‬تقليده‭ ‬حالا،‭ ‬فهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الفسق‭ ‬طبيعي،‭ ‬وأن‭ ‬الخطيئة‭ ‬أولية‭ ‬وأصلية‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نفعل‭ ‬تجاهها‭ ‬أيّ‭ ‬شيء‮»‬‭(‬‭ ‬إ‭. ‬س‭. ‬كون‭. ‬الجنس‭ ‬والثقافة‭. ‬ترجمة‭ ‬منير‭ ‬شحود‭. ‬دار‭ ‬الحوار‭. ‬اللاذقية‭. ‬ط‭ ‬ثانية‭. ‬2001ص‭: ‬84‭)‬‭. ‬والإنسان‭ ‬بطبعه‭ ‬يستوعب‭ ‬من‭ ‬وسائط‭ ‬الاتصال‭ ‬ما‭ ‬يروقه‭ ‬فقط‭ ‬،لأن‭ ‬ذلك‭ ‬يجيب‭ ‬على‭ ‬حاجاته‭ ‬الداخلية‭ ‬ونظرته‭ ‬للقيم‭ ‬وتجربته‭ ‬المسبقة‭.‬

لوحة: جبران هداية

خناثة‭ ‬بنونة‭ ‬من‭ ‬مواليد‭ ‬فاس‭ ‬في‭ ‬أربعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬أبرز‭ ‬أعمالها‭ ‬‮«‬يسقط‭ ‬الصمت‮»‬‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬سبعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مجموعتها‭ ‬الأخرى‭ ‬‮«‬النار‭ ‬و‭ ‬الاختيار‮»‬‭ ‬ومجموعتها‭ ‬الموسومة‭ ‬‮«‬بالصوت‭ ‬والصورة‮»‬‭ ‬تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬المغربية‭ ‬مؤخرا‭ ‬أصدرت‭ ‬أعمالها‭ ‬الكاملة،‭ ‬كما‭ ‬صدرت‭ ‬لها‭ ‬مؤخرا‭ ‬أيضا‭ ‬مجموعة‭ ‬‮«‬الحب‭ ‬الرسمي‮»‬‭.. ‬تعتبر‭ ‬خناثة‭ ‬بنونة‭ ‬من‭ ‬الجيل‭ ‬الرائد،‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬القصة‭ ‬النسائية‭ ‬القصيرة‭ ‬بالمغرب،‭ ‬ويلاحظ‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬بينما‭ ‬بدأ‭ ‬الغرب‭ ‬يتحدث‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬ونصف‭ ‬عن‭ ‬الكتابة‭ ‬النسوية،‭ ‬وعن‭ ‬بناء‭ ‬الخصوصيات‭ ‬الجمالية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1840‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬بدأت‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬الكتابة‭ ‬نفسها‭ ‬منذ‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬تحديدا‭ ‬مع‭ ‬بدايات‭ ‬ظهور‭ ‬الصحافة‭ ‬النسوية‭ ‬عام‭ ‬1892،‭ ‬بظهور‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬الفتاة‮»‬‭ ‬لمنشئتها‭ ‬هند‭ ‬نوفل‭ ‬بالقاهرة‮»‬‭ ‬‭(‬http‭:‬‭//‬www‭.‬arab-ewriters‭.‬com‭/?‬action=ShowItem‭&&‬id‭=‬5330‭)‬‭.‬

وحول‭ ‬النسائية‭ ‬والنسوية‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬يجدر‭ ‬بنا‭ ‬هنا‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أوردته‭ ‬دكتورة‭ ‬رشيدة‭ ‬بنمسعود‭ ‬في‭ ‬‮«‬كتابها‭ ‬المرأة‭ ‬والكتابة‭ : ‬سؤال‭ ‬الخصوصية‭ ‬بلاغة‭ ‬الاختلاف‮»‬‭ ‬والذي‭ ‬اتخذ‭ ‬من‭ ‬خناثة‭ ‬بنونة‭ ‬نموذجا‭ ‬تطبيقيا‭ ‬‮«‬عن‭ ‬خصوصية‭ ‬هذه‭ ‬الكتابة‭ ‬انطلاقا‭ ‬مما‭ ‬تكتبه‭ ‬المرأة،‭ ‬وبذلك‭ ‬تشكل‭ ‬الخنساء‭ ‬المنطلق‭ ‬لتلمس‭ ‬البداية‭ ‬الأولى‭ ‬‭(‬‭..‬‭)‬‭ ‬وجود‭ ‬خصوصية‭ ‬جنينية‭ ‬تلقائية‭ ‬فيما‭ ‬تكتبه‭ ‬المرأة،‭ ‬وهي‭ ‬حساسية‭ ‬ناشئة‭ ‬عن‭ ‬عاملين‭ ‬الأول‭: ‬ما‭ ‬دام‭ ‬هناك‭ ‬إقرار‭ ‬بوجود‭ ‬اختلافات‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬في‭ ‬استعمالهما‭ ‬للغة‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أدبي‭ ‬عمّا‭ ‬هو‭ ‬لغوي،‭ ‬لأن‭ ‬الأدب‭ ‬لعبة‭ ‬لغوية،‭ ‬والثاني‭: ‬حضور‭ ‬الثقل‭ ‬التاريخي‭ ‬الذي‭ ‬يمايز‭ ‬بين‭ ‬الجنسين،‭ ‬باعتباره‭ ‬مكونا‭ ‬فاعلا‭ ‬فيما‭ ‬تكتبه‭ ‬المرأة‭ ‬القاصة‭ ‬‭(‬‭..‬‭)‬‭ ‬الحضور‭ ‬المطرد‭ ‬للبطل‭ ‬الأنثوي‭ ‬القلق‭ ‬العاجز‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬التجاوز‭ ‬نظرا‭ ‬لافتقاده‭ ‬لعنصر‭ ‬أساسي‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬القدرة‭/‬الفعل‮»‬‭ ‬‭(‬http‭:‬‭//‬www‭.‬doroob‭.‬com‭/?‬p‭=‬16223‭)‬‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬الاستنتاج‭ ‬يصعب‭ ‬تعميميه،‭ ‬إذ‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬نصوص‭ ‬مليكة‭ ‬مستظرف،‭ ‬التي‭ ‬ناقشناها‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭ ‬،أعني‭ ‬نص‭ ‬‮«‬البريوات‮»‬‭ ‬ونص‭ ‬‮«‬هذيان‮»‬‭ ‬كذلك‭ ‬نص‭ ‬‮«‬امرأة‭ ‬عاشقة‭.. ‬امرأة‭ ‬مهزومة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬سنشتغل‭ ‬عليه‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬من‭ ‬ورقتنا،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬نص‭ ‬زهور‭ ‬كرام‭ ‬الموسوم‭ ‬‮«‬ومضة‮»‬‭ ‬والذي‭ ‬عالجناه‭ ‬سابقا،‭ ‬ففيه‭ ‬تنقلب‭ ‬الأدوار،‭ ‬ولا‭ ‬تبدو‭ ‬المرأة‭ ‬كفاقدة‭ ‬للقدرة‭/‬الفعل‭.. ‬بل‭ ‬تبدو‭ ‬كذات‭ ‬تتخذ‭ ‬القرارات،‭ ‬وهو‭ ‬ذات‭ ‬ما‭ ‬نلاحظه‭ ‬على‭ ‬نص‭ ‬خناثة‭ ‬بنونة‭ ‬‮«‬العزلة‭ ‬الموقوتة‮»‬‭ ‬فبطلة‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬مناضلة‭ ‬تسهم‭ ‬مع‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬لملمة‭ ‬أطراف‭ ‬الهزيمة‭ ‬إزاء‭ ‬العدوان‭ ‬الأجنبي‭ ‬على‭ ‬الأمة‭.‬

العزلة الموقوتة.. خناثة بنونة: انهيار الأيديولوجيا والتبشير بالإرهاب

العنوان‭ ‬الذي‭ ‬انتقته‭ ‬خناثة‭ ‬بنونة‭ ‬بدقة‭ ‬ثورية‭ ‬‮«‬العزلة‭ ‬الموقوتة‮»‬‭ ‬‭(‬http‭:‬‭//‬www‭.‬syrianstory‭.‬com/banota‭.‬htm‭)‬‭ ‬دال‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬خلفه‭ ‬انهيار‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬التي‭ ‬تعتنقها‭ ‬بطلة‭ ‬القصة‭ ‬غير‭ ‬المسماة،‭ ‬ورفيق‭ ‬دربها‭ ‬وحزبها‭ ‬المناضل‭ ‬سعد،‭ ‬فمن‭ ‬ركام‭ ‬الأسى‭ ‬وأغبرة‭ ‬المرارة‭ ‬يحاول‭ ‬بطلا‭ ‬القصة‭ ‬أن‭ ‬يطلاّ‭ ‬برأسيهما‭ ‬ليتلمسا‭ ‬حدود‭ ‬هذا‭ ‬الانهيار‭ ‬المدوي‭ ‬الذي‭ ‬ضعضع‭ ‬نظام‭ ‬تفكيرهما‭ ‬الذي‭ ‬لطالما‭ ‬ظلا‭ ‬يريان‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬العالم‭ ‬والحياة‭ ‬والناس،‭ ‬بل‭ ‬مثّلت‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬كنظام‭ ‬تفكير‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليهما‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فهي‭: ‬الهواء‭ ‬الذي‭ ‬يتنفسانه،‭ ‬والطريقة‭ ‬التي‭ ‬يحلمان‭ ‬ويأكلان‭ ‬ويشربان‭ ‬ويمشيان‭ ‬بها،‭ ‬وعندما‭ ‬ينامان‭ ‬ويتوسدان‭ ‬أفكارهما‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬‮«‬المخدة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬ينتظم‭ ‬تنفسهما‭ ‬فوقها‭ .. ‬هذه‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬الرهيبة‭ ‬تنهار‭.. ‬فيفقدان‭ ‬معنى‭ ‬وجودهما‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكنهما‭ ‬تصوره‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬التصور‭ ‬الذي‭ ‬تمنحهما‭ ‬له‭ ‬الأيديولوجيا،‭ ‬فهذه‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬ككل‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليهما‭ ‬هي‭ ‬الوطن‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬كمشروع‭ ‬نهضوي‭ ‬يخلص‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭.‬
‬التخلف‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الإنساني‭ ‬بالمرأة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬لن‭ ‬يزيله‭ ‬تبني‭ ‬الشرق‭ ‬لنمط‭ ‬الحياة‭ ‬الغربي‭ ‬أو‭ ‬الاندراج‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬العولمة‭ ‬شكليا‭ ‬دون‭ ‬أيّ‭ ‬مضامين‭ ‬إنسانية‭ ‬تتجذر‭ ‬في‭ ‬وعينا‭ ‬الإنساني‭ ‬والكوني

‮«‬العزلة‭ ‬الموقوتة‮»‬‭ ‬لخناثة‭ ‬بنونة‭ ‬هي‭ ‬قصة‭ ‬الهزيمة‭ ‬والخسارة‭ ‬الفادحة‭ ‬للشعارات‭ ‬النبيلة‭ ‬التي‭ ‬لطالما‭ ‬تغنيا‭ ‬بها‭ ‬ويشاهدانها‭ ‬الآن‭ ‬تغيب‭ ‬خلف‭ ‬أفق‭ ‬غامض‭ ‬تملؤه‭ ‬الهواجس‭ ‬والمخاوف‭ ‬والظنون‭.. ‬أفق‭ ‬أغبر‭ ‬لا‭ ‬تفصح‭ ‬فيه‭ ‬الملامح‭ ‬عن‭ ‬نفسها،‭ ‬فكلاهما‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يملك‭ ‬إجابة‭ ‬بعد‭ ‬انهيار‭ ‬نظام‭ ‬تفكيريهما،‭ ‬بل‭ ‬لم‭ ‬يعودا‭ ‬قادرين‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬طرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬الصحيحة‭ ‬التي‭ ‬تجنبهما‭ ‬مزالق‭ ‬الغياب‭ ‬أو‭ ‬الإرهاب‭ ‬‮«‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ليفصحا‭ ‬فلقد‭ ‬استهلكا‭ ‬معا‭ ‬ما‭ ‬بنياه،‭ ‬وهما‭.. ‬أو‭ ‬واقعا‭: ‬التغيير‭.. ‬البناء‭ ‬الجديد‭.. ‬والانتماء‭ ‬للزمن‭ ‬المتحرك‭.. ‬كان‭ ‬قد‭ ‬سألها‭: ‬وما‭ ‬العمل‮»‬،‭ ‬فبطلة‭ ‬القصة‭ ‬المنشغلة‭ ‬بالقضية‭ ‬والمتفاعلة‭ ‬مع‭ ‬هموم‭ ‬شعبها‭ ‬وأمتها،‭ ‬وقبل‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬حزبها،‭ ‬تعبّئها‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬بالغبن،‭ ‬فتستجيب‭ ‬لما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬تفكير‭ ‬متداع‭ ‬داخلها،‭ ‬وتقرر‭ ‬تكوين‭ ‬خلية‭ ‬إرهابية‭ ‬‮«‬قالت‭: ‬إن‭ ‬العالم‭ ‬يلغينا‭ ‬فيجب‭ ‬أن‭ ‬نحاربه‭ ‬بنفس‭ ‬لغته‭: ‬الدمار،‭ ‬ثم‭ ‬حاولت‭ ‬تكوين‭ ‬خلية‭ ‬للإرهاب‭ ‬الأسود،‭ ‬فالموت‭ ‬لا‭ ‬يلغيه‭ ‬غير‭ ‬الموت‮»‬،‭ ‬ليمثل‭ ‬الإرهاب‭ ‬هكذا‭ ‬خيارها‭ ‬ومشروعها‭ ‬البديل‭ ‬وإجابتها‭ ‬على‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬عجز‭ ‬الواقع‭ ‬عن‭ ‬تفسيرها‭.. ‬فقد‭ ‬تداعى‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تؤمن‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬نهضة‭ ‬خلال‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬الحزب‭ ‬الذي‭ ‬تفرق‭ ‬أعضاؤه‭ ‬أيدي‭ ‬سبا،‭ ‬تتنازعهم‭ ‬خيارات‭ ‬التمزق‭ ‬والتيه،‭ ‬فسعيد‭ ‬اختار‭ ‬أن‭ ‬يغيّب‭ ‬نفسه‭ ‬عن‭ ‬الوعي‭ ‬بما‭ ‬حوله‭ ‬بالتدخين،‭ ‬وعبدالكريم‭ ‬اتخذ‭ ‬موقفا‭ ‬حادا‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬برمتها‭ ‬فانتحر،‭ ‬ونجيب‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬حظيرة‭ ‬الحزب‭ ‬المهشم‭ ‬يحاول‭ ‬ترميم‭ ‬ما‭ ‬انهار‭ ‬داخله‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬ورؤى،‭ ‬وعلي‭ ‬يترك‭ ‬المطلق‭ ‬الذي‭ ‬يتجسد‭ ‬أمامه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬حوله،‭ ‬ويمضي‭ ‬ليبحث‭ ‬عنه‭ ‬حيث‭ ‬لن‭ ‬يجده‭ ‬قطعا‭ ‬في‭ ‬الطرق‭ ‬التي‭ ‬تفضي‭ ‬للإرهاب‭ ‬الأسود،‭ ‬أو‭ ‬الانكفاء‭ ‬الصوفي‭.. ‬وسعد‭ ‬رفيق‭ ‬حزبها‭ ‬وحياتها‭ ‬تتآكله‭ ‬الحيرة،‭ ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬ماذا‭ ‬يفعل‭ ‬فقد‭ ‬فقد‭ ‬إيمانه‭ ‬بكل‭ ‬شيء‭ ‬وأصبح‭ ‬يشك‭ ‬فيها‭ ‬حتى‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭. ‬من‭ ‬قبل‭ ‬جهرا‭ ‬معا‭ ‬بالحنين‭ ‬والجوى‭ ‬والعذابات‭ ‬الكبرى،‭ ‬وحين‭ ‬أحبا‭ ‬بعضهما‭ ‬فلأجل‭ ‬أن‭ ‬يحبا‭ ‬العالم‭.. ‬أن‭ ‬يبنياه‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬بهندسة‭ ‬مغايرة،‭ ‬تعيد‭ ‬توزيع‭ ‬اللقم‭ ‬والابتسام‭ ‬فيه‭ ‬بالتساوي،‭ ‬ولذلك‭ ‬عرفا‭ ‬السجون‭ ‬بعد‭ ‬الأعمال‭ ‬السرية‭ ‬التي‭ ‬تقوض‭ ‬لتبني‭..‬‮»‬‭.‬

من‭ ‬خلال‭ ‬لغة‭ ‬تقريرية‭ ‬مباشرة‭ ‬يتبدى‭ ‬الزمن‭ ‬في‭ ‬‮«‬العزلة‭ ‬الموقوتة‮»‬‭ ‬قصيرا‭ ‬جدا‭ ‬فهو‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭.. ‬هي‭ ‬اللحظة‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬الاستهلال‭ ‬والخاتمة،‭ ‬ففي‭ ‬الاستهلال‭ ‬تهمس‭ ‬بطلة‭ ‬القصة،‭ ‬باسم‭ ‬رفيقها‭ ‬سعد‭ ‬‮«‬ألم‭ ‬تسافر‭. ‬أم‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬الجو‭ ‬منعك‮»‬‭ ‬وبدء‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬في‭ ‬الاستهلال‭ ‬تستخدم‭ ‬خناثة‭ ‬بنونة‭ ‬تقنية‭ ‬الاسترجاع‭ ‬والحوار‭ ‬الداخلي،‭ ‬فتتداعى‭ ‬بطلة‭ ‬القصة‭ ‬غير‭ ‬المسماة‭ ‬كما‭ ‬يتداعى‭ ‬رفيها‭ ‬سعد‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬سردي‭ ‬مختلف‭.. ‬ليشكل‭ ‬تداعيهما‭ ‬المتصل‭ ‬معا‭ ‬مستوى‭ ‬سرديا‭ ‬ثالثا‭ ‬حيث‭ ‬تمر‭ ‬في‭ ‬المستوى‭ ‬السردي‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬تمثله‭ ‬‭(‬البطلة‭ ‬غير‭ ‬المسماة‭)‬‭ ‬والمستوى‭ ‬السردي‭ ‬الثاني‭ ‬الذي‭ ‬يمثله‭ ‬‭(‬رفيقها‭ ‬سعد‭)‬‭ ‬أخيلتهما‭ ‬كشريط‭ ‬سينمائي‭ ‬في‭ ‬لمحة‭ ‬عابرة،‭ ‬هي‭ ‬لحظة‭ ‬الاستهلال‭ ‬التي‭ ‬تستمر‭ ‬حتى‭ ‬الخاتمة‭ ‬كمديات‭ ‬متنامية‭ ‬لهذا‭ ‬الاستهلال،‭ ‬حيث‭ ‬تتنامى‭ ‬كل‭ ‬الصور‭ ‬والأخيلة‭ ‬وأفكارهما‭ ‬وتصوراتهما،‭ ‬في‭ ‬الذكريات‭ ‬كدينامية‭ ‬مغلقة‭ ‬على‭ ‬مرارة‭ ‬الهزيمة،‭ ‬تمور‭ ‬دواخلها‭ ‬باعتلاجات‭ ‬وأشجان‭ ‬ومواجد‭ ‬وحنين‭ ‬لإيمان‭ ‬متناء‭.. ‬لعنفوان‭ ‬قضايا‭ ‬المصير‭ ‬العربي‭.

.. ‬فالأزمة‭ ‬التي‭ ‬خلفها‭ ‬انهيار‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬والحرب‭ ‬الأطلسية‭ ‬برعبها‭ ‬النفسي‭ ‬واسع‭ ‬النطاق،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يشهد‭ ‬له‭ ‬التاريخ‭ ‬مثيلا‭ ‬ينتهي‭ ‬بشخوص‭ ‬القصة‭ ‬إلى‭ ‬حيرة‭ ‬مدمرة،‭ ‬ففي‭ ‬داخلهما‭ ‬لا‭ ‬يصدقان‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬الأمور‭.. ‬لتنتهي‭ ‬القصة‭ ‬بذات‭ ‬الهمس‭ ‬الذي‭ ‬حمله‭ ‬استهلالها‭ ‬‮«‬وفاجأه‭ ‬صوتها‭ ‬وهي‭ ‬تنادي‭ ‬أيضا‭ ‬سعد،‭ ‬فانبغت‭ ‬وتوجه‭ ‬نحوها‭ ‬فوجدها‭ ‬تطل‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬المطبخ‮»‬،‭ ‬ففي‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭ ‬قصير‭ ‬‮«‬البرهة‮»‬‭ ‬تمر‭ ‬حياة‭ ‬بكاملها‭ ‬بأساها‭ ‬وأحزانها‭ ‬وتشتتها‭ ‬في‭ ‬مخيلتيهما،‭ ‬لتكشف‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬السريعة‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬التمزق‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬العقل‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ويعيشه‭ ‬الإنسان‭ ‬والواقع‭ ‬العربي‭ ‬المتمركز‭ ‬حول‭ ‬أزمته‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬ما‭ ‬يعيد‭ ‬السؤال‭ ‬الجديد‭ ‬القديم‭ ‬للطرح‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭: ‬هل‭ ‬ثمة‭ ‬أزمة‭ ‬واقع‭ ‬أم‭ ‬واقع‭ ‬أزمة‭.. ‬إنه‭ ‬سؤال‭ ‬سجالي‭ ‬مواز‭ ‬ومتقاطع‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه‭ ‬مع‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬انطوى‭ ‬عليها‭ ‬نص‭ ‬خناثة‭ ‬بنونة‭ ‬حول‭ ‬الإرهاب‭ ‬الأسود‭ ‬والآخر‭ ‬والصراع‭ ‬الثقافي‭ ‬إلخ‭ .. ‬

لوحة: أمل بشير

تمكنت‭ ‬بنونة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬من‭ ‬توظيف‭ ‬الحوار‭ ‬كأداة‭ ‬تعبير‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬الأسئلة‭ ‬القصيرة‭ ‬المتقطعة‭ ‬الدالة‭ ‬على‭ ‬المناخ‭ ‬النفسي‭ ‬المتوتر‭ ‬الذي‭ ‬تشيعه‭ ‬القصة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والدالة‭ ‬على‭ ‬المكان‭ ‬المحدود‭ ‬والمحدد‭ ‬كذاكرة‭ ‬مشتركة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬رفيقها‭ ‬سعد‭ ‬‭-‬أعني‭ ‬سكنهما‭/‬شقتهما‭-‬‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬كمكان‭ ‬يناسب‭ ‬بمحدوديته‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬الهاربة‭ ‬من‭ ‬عمرهما‭ ‬النضالي‭ ‬وتجاربهما‭ ‬الكفاحية‭ ‬التي‭ ‬قادتهما‭ ‬مرارا‭ ‬إلى‭ ‬المعتقلات‭.. ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬المشحونة‭ ‬بالقلق‭ ‬والتحفز‭ ‬والتوتر‭ ‬الفكري‭ ‬والتيه‭ ‬الإنساني‭ ‬إزاء‭ ‬أسئلة‭ ‬معقدة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬‮«‬المكان‮»‬‭ ‬دال‭ ‬على‭ ‬العزلة‭ ‬أو‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الانفصال‭ ‬عن‭ ‬التمزق‭ ‬الخارجي‭.. ‬إنه‭ ‬الشرنقة‭/‬الوطن‭ ‬البديل،‭ ‬والملاذ‭ ‬الآمن‭ ‬بما‭ ‬ينطوي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬ذكريات‭ ‬مشتركة‭ ‬لها‭ ‬خصوصيتها‭ ‬المعزولة‭ ‬عن‭ ‬العام‭.. ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬فضاء‭ ‬مسكونا‭ ‬بالهزيمة‭ ‬التي‭ ‬داخلهما‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬‮«‬كان‭ ‬مسؤولا‭ ‬أمامها‭ ‬الأنثى‭ ‬والوطن،‭ ‬فعليه‭ ‬أن‭ ‬يفعل‭ ‬شيئا،‭ ‬أن‭ ‬ينقذ‭ ‬ما‭ ‬تبقى،‭ ‬وأن‭ ‬يطرق‭ ‬أبوابا‭ ‬ويكسر‭ ‬صمتا،‭ ‬ويحرر‭ ‬حركة‭ ‬ويسمع‭ ‬أصواتا‭ ‬‭(‬‭..‬‭)‬‭ ‬فأحس‭ ‬بأنه‭ ‬يخونها‭ ‬لو‭ ‬توقف،‭ ‬لذلك‭ ‬وضع‭ ‬يده‭ ‬على‭ ‬سترته‭ ‬المعلقة‭ ‬وخرج‮»‬‭. ‬خرج‭ ‬عن‭ ‬ملاذه‭ ‬الآمن‭ ‬ليواجه‭ ‬تمزقه‭ ‬الداخلي‮…‬‭ ‬ينضاف‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬العزلة‭ ‬الموقوتة‭ ‬كنص‭ ‬قصصي‭ ‬قصير‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬الدور‭ ‬الإيجابي‭ ‬للمرأة‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬التغيير‭ ‬السياسية،‭ ‬فالمرأة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬موضوعا‭ ‬أو‭ ‬حريما‭ ‬سياسيا‭ ‬أو‭ ‬ربة‭ ‬خدر،‭ ‬فهي‭ ‬مناضلة‭ ‬جسورة‭ ‬لديها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الفعل‭ ‬وتحاول‭ ‬الإسهام‭ ‬مع‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬المعنى‭ ‬الاجتماعي‭ ‬العام‭ ‬لشعبها‭ ‬وأمتها،‭ ‬كما‭ ‬يلاحظ‭ ‬على‭ ‬النص‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يخل‭ ‬من‭ ‬مفردات‭ ‬الهتاف‭ ‬التعبوي‭ ‬التي‭ ‬ربما‭ ‬أملتها‭ ‬طبيعته‭ ‬كنص‭ ‬ملتزم‭.‬

المرأة: كذات مقهورة في "امرأة عاشقة امرأة مهزومة" لمليكة مستظرف

من‭ ‬خلال‭ ‬توظيفها‭ ‬لضمير‭ ‬المتكلم‭ ‬‮«‬أنا‮»‬‭ ‬وتوظيف‭ ‬لغة‭ ‬الحوار،‭ ‬تمضي‭ ‬مليكة‭ ‬مستظرف‭ ‬لتستعرض‭ ‬إحدى‭ ‬بنى‭ ‬المجتمع‭ ‬المنغلقة‭ ‬على‭ ‬ذاتها‭ ‬بالتقاطها‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬عنصر‭ ‬‮«‬العرافة‭ ‬‮«‬‭ ‬فالشخصية‭ ‬المحورية‭ ‬في‭ ‬‮«‬امرأة‭ ‬عاشقة‭.. ‬امرأة‭ ‬مهزومة‮»‬‭ ‬‭(‬http‭:‬‭//‬www‭.‬doroob‭.‬com‭/?‬p‭=‬1746‭)‬،‭ ‬لا‭ ‬تكفيها‭ ‬معاركها‭ ‬مع‭ ‬الإنس،‭ ‬فالعرافة‭ ‬تزعم‭ ‬أن‭ ‬الجن‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يسكن‭ ‬جسدها،‭ ‬وأن‭ ‬الجن‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬حبيبها‭ ‬يهرب‭ ‬منها‭ ‬‮«‬بيني‭ ‬وبينه‭ ‬سحر‭ ‬يجعله‭ ‬يهرب‭ ‬مني،‭ ‬أخبرتني‭ ‬أن‭ ‬جنيا‭ ‬‘أسود’‭ ‬يدعى‭ ‬ميمون‭ ‬يسكن‭ ‬في‭ ‬جسدي‮»‬،‭ ‬وهكذا‭ ‬تمضي‭ ‬لتقيم‭ ‬الطقوس‭ ‬المطلوبة‭ ‬‮«‬سيجارة‭ ‬كازا،‭ ‬ذبيحة‭ ‬كبيرة،‭ ‬ليلة‭ ‬كناوية‭ ‬وزيارة‭ ‬الولي‭ ‬بويا‭ ‬بوعمر‭ ‬لطرد‭ ‬ميمون‭ ‬الأسود‮»‬،‭ ‬ونلاحظ‭ ‬هنا‭ ‬لما‭ ‬للاسم‭ ‬‭(‬ميمون‭ ‬‭)‬‭ ‬وللون‭ ‬‭(‬الأسود‭)‬‭ ‬من‭ ‬دلالة‭ ‬مركزية‭ ‬‮ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدلالي‭ ‬العربي،‭ ‬فاسم‭ ‬‮«‬ميمون‮»‬‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يطلق‭ ‬على‭ ‬الجن‭ ‬والعبيد،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬اللون‭ ‬‮«‬الأسود‮»‬‭ ‬رمز‭ ‬للشر،‭ ‬ولكلّ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬بغيض‭.. ‬نلاحظ‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬الليلة‭ ‬الكناوية‭ ‬تقابل‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬‮«‬الزار‮»‬‭ ‬كملاذ‭ ‬للتفريغ‭ ‬النفسي‭ ‬بموافقة‭ ‬المجتمع،‭ ‬إذ‭ ‬يباح‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تتقبله‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬السائدة‭: ‬كتدخين‭ ‬النساء‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬طرد‭ ‬الجن،‭ ‬بخلق‭ ‬المناخ‭ ‬المناسب‭ ‬لعملية‭ ‬الطرد‭ ‬كما‭ ‬يعتقد‭.. ‬وفي‭ ‬الواقع‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الليالي‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬ملاذ‭ ‬مشروع‭ ‬صكته‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬المتخلفة‭ ‬وأعطته‭ ‬فرمانات‭ ‬المشروعية‭ ‬لإفراغ‭ ‬الحبيس‭ ‬والمكبوت‭.. ‬توظف‭ ‬مليكة‭ ‬أيضا‭ ‬رمزية‭ ‬‮«‬القطة‮»‬‭ ‬والقط‭ ‬كإشارة‭ ‬لعالم‭ ‬الجن،‭ ‬كعالم‭ ‬مواز‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬بطل‭ ‬القصة‭ ‬وبطلتها‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وبطلة‭ ‬القصة‭ ‬وجنها‭ ‬الأسود‭ ‬ميمون‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.. ‬وللقط‭ ‬رمزية‭ ‬أسطورية‭ ‬فهو‭ ‬حارس‭ ‬عالم‭ ‬أو‭ ‬مملكة‭ ‬الموتى‭ ‬في‭ ‬الديانات‭ ‬النوبية‭ ‬القديمة،‭ ‬وفي‭ ‬الواقع‭ ‬حياة‭ ‬بطلة‭ ‬القصة‭ ‬تنتمي‭ ‬لعالم‭ ‬الموتى‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تنتمي‭ ‬لعالم‭ ‬الأحياء‭ ‬‮«‬هو‭ ‬لا‭ ‬يحب‭ ‬نعيمة‭ ‬سميح‭ ‬وأم‭ ‬كلثوم،‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬النوعية‭ ‬من‭ ‬الأغاني‭ ‬تجعله‭ ‬يتثاءب‭.. ‬لا‭ ‬نخرج‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬يريد‭ ‬هو‭.. ‬لا‭ ‬نرتاد‭ ‬سوى‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬يرتاح‭ ‬لها‭ ‬هو‭.. ‬كيَّف‭ ‬حياتي‭ ‬حسب‭ ‬رغباته‭ ‬وأهوائه‭ ‬ومزاجه‭.. ‬رغباتي‭ ‬أنا‭.. ‬أهوائي‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬يهم‮»‬‭. ‬هذه‭ ‬البطلة‭ ‬ذات‭ ‬الوجود‭ ‬الملغى‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬هي‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬صورة‭ ‬المرأة‭ ‬المقهورة‭ ‬بما‭ ‬صاغته‭ ‬عليها‭ ‬الأبنية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المتخلفة،‭ ‬فهي‭ ‬امرأة‭ ‬حبيسة‭ ‬أنساق‭ ‬مغلقة‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬ومعتقدات‭ ‬بالية،‭ ‬تشدّها‭ ‬إلى‭ ‬الخلف‭ ‬وتضعها‭ ‬دوما‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬المستجدي،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬تحب‭. ‬فقيم‭ ‬الحب‭ ‬كمشاركة‭ ‬وتفهّم‭ ‬ومسؤولية‭ ‬تتحطم‭ ‬أمام‭ ‬حواجز‭ ‬الثقافة‭ ‬السائدة‭ ‬التي‭ ‬تشتغل‭ ‬بناها‭ ‬في‭ ‬سطوة‭ ‬الإرث‭ ‬الذكوري،‭ ‬كسلطة‭ ‬أنانية‭ ‬مستبدة‭ ‬عتيقة،‭ ‬فحتى‭ ‬الدين‭ ‬كممارسة‭ ‬يتبدى‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البنى‭ ‬المتفسخة‭ ‬مجرد‭ ‬ممارسة‭ ‬شكلية‭ ‬وزائفة‭ ‬تفتقر‭ ‬لجوهر‭ ‬الدين‭ ‬الأصيل‭.. ‬ففي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأبنية‭ ‬تبدو‭ ‬المرأة‭ ‬مقهورة‭ ‬ومنتهكة‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬حد،‭ ‬عاجزة‭ ‬قلقة‭ ‬مترددة‭ ‬مهزومة،‭ ‬كما‭ ‬أشارت‭ ‬بنمسعود‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬مختلف‭ ‬‮«‬زوجي‭ ‬الأول‭ ‬هرب‭ ‬تاركا‭ ‬لي‭ ‬خازوقا،‭ ‬وهذا‭ ‬الذي‭ ‬أحببته‭ ‬هرب‭ ‬وترك‭ ‬لي‭ ‬خازوقا‭ ‬آخر‮»‬،‭ ‬فهل‭ ‬تتمكن‭ ‬بطلة‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬من‭ ‬الانتصار‭ ‬لذاتها‭ ‬والتحرر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المأزق‭ ‬الوجودي‭ ‬الكبير‭.. ‬تطرح‭ ‬مليكة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بطلتها‭ ‬المهمشة‭ ‬أسئلة‭ ‬اجتماعية‭ ‬جريئة‭ ‬تؤشر‭ ‬على‭ ‬خصوصية‭ ‬الذات‭ ‬الأنثوية‭ ‬إزاء‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحاصرها‭ ‬من‭ ‬ضغوطات‭ ‬وتعسّف‭ ‬يشتغل‭ ‬في‭ ‬اليومي‭ ‬والحميمي‭ ‬والهاجسي‭ ‬الاجتماعي‭.‬

لوحة: أمل بشير

القهر‭ ‬والمقاومة‭ ‬في‭ ‬الراتب‭ ‬لنجاة‭ ‬السرار‭ ‬يمثل‭ ‬اختيار‭ ‬‮«‬الراتب‮»‬‭ ‬‭(‬http‭:‬‭//‬najat60‭.‬jeeran‭.‬com‭/)‬‭ ‬كعنوان‭ ‬دال‭ ‬على‭ ‬مصدر‭ ‬الدخل،‭ ‬بما‭ ‬يمنحه‭ ‬من‭ ‬استقلالية‭ ‬للمرأة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬الذي‭ ‬يتحول‭ ‬فيه‭ ‬الراتب‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬قهر‭ ‬إضافية،‭ ‬فالزوج‭ ‬المستبد‭ ‬يخير‭ ‬الزوجة‭ ‬المقهورة‭ ‬بين‭ ‬راتبها‭ ‬والطلاق،‭ ‬أو‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬تحت‭ ‬رحمته،‭ ‬أو‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬لكن‭ ‬بشرط‭ ‬إعطائه‭ ‬كل‭ ‬راتبها،‭ ‬بمعنى‭ ‬تجريدها‭ ‬من‭ ‬هامش‭ ‬الاستقلالية‭ ‬التي‭ ‬يمثلها‭ ‬الراتب‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليها،‭ ‬فتصبح‭ ‬كامرأة‭ ‬عاملة‭ ‬مفرغة‭ ‬من‭ ‬مضمون‭ ‬ما‭ ‬يمنحه‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬إحساس‭ ‬بالاستقلالية‭ ‬والتحرر‮…‬‭ ‬تعالج‭ ‬نجاة‭ ‬السرار‭ ‬هنا‭ ‬إذن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قصتها‭ ‬‮«‬الراتب‮»‬‭ ‬محاولات‭ ‬الزوج‭ ‬المستبد‭ ‬في‭ ‬النيل‭ ‬من‭ ‬مكتسبات‭ ‬المرأة‭ ‬بأساليب‭ ‬مختلفة‭ ‬كحرمانها‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المكتسبات،‭ ‬أو‭ ‬إفراغ‭ ‬هذه‭ ‬المكتسبات‭ ‬من‭ ‬مضمونها‭ ‬بتجريد‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬مردود‭ ‬العمل،‭ ‬بحيث‭ ‬يصبح‭ ‬عملها‭ ‬أشبه‭ ‬بحالة‭ ‬عبودية‭ ‬مقننة،‭ ‬هذه‭ ‬الزوجة‭ ‬التعسة‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬سوء‭ ‬المعاملة،‭ ‬يفيض‭ ‬بها‭ ‬الكيل‭ ‬فتقرر‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مكتسباتها،‭ ‬والتمرد‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬المأساوي‭ ‬الذي‭ ‬فرضه‭ ‬عليها‭ ‬زوجها‭ ‬‮«‬يجذب‭ ‬شعري‭ ‬يصفعني‭.. ‬يعيد‭ ‬الصفعة‭ ‬على‭ ‬الخد‭ ‬الأيسر‭.. ‬أقاوم‭ ‬الألم،‭ ‬الصفعة‭ ‬الثانية‭ ‬كانت‭ ‬أقسى‭.. ‬كنت‭ ‬لا‭ ‬أزال‭ ‬نفساء‭ ‬وقد‭ ‬انصرمت‭ ‬عطلة‭ ‬أمومتي‭ ‬سريعا‮»‬‭. ‬تحاول‭ ‬هذه‭ ‬المرأة‭ ‬المقهورة‭ ‬برغبة‭ ‬مديرها‭ ‬فيها،‭ ‬والمحاصرة‭ ‬بالعنف‭ ‬الزوجي‭ ‬والطلبات‭ ‬الأسرية‭ ‬ومطالب‭ ‬الأهل‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الإكراهات‭ ‬البغيضة،‭ ‬وكعادة‭ ‬السرار‭ ‬في‭ ‬قصصها‭ ‬تهتم‭ ‬بإبراز‭ ‬المشكل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬إذ‭ ‬تكشف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬عن‭ ‬صورة‭ ‬مشوهة‭ ‬للرجل،‭ ‬إذ‭ ‬يتبدى‭ ‬خلالها‭ ‬هذا‭ ‬الزوج‭ ‬أشبه‭ ‬بالحيوان‭ ‬الهائج،‭ ‬فهي‭ ‬قصة‭ ‬لغتها‭ ‬مشحونة‭ ‬بالعنف‭ ‬الذكوري‭ ‬المستمد‭ ‬من‭ ‬مفاهيم‭ ‬خاطئة‭ ‬‮«‬للقوامة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تحدها‭ ‬هنا‭ ‬أيّ‭ ‬شروط،‭ ‬هكذا‭ ‬يتكشف‭ ‬المجتمع‭ ‬بأكمله‭ ‬كتعبير‭ ‬فادح‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬الضمير‭ ‬الإنساني‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬المعتمة‭ ‬التي‭ ‬تراكمت‭ ‬عليها‭ ‬أغبرة‭ ‬الثقافة‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬نظرتها‭ ‬للمرأة‭. ‬فالزواج‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مملكة‭ ‬دافئة‭ ‬أو‭ ‬ملاذا‭ ‬آمنا‭ ‬وحميما‭ ‬للمرأة،‭ ‬إذ‭ ‬يتبدى‭ ‬كجحيم‭ ‬لا‭ ‬يطاق،‭ ‬لا‭ ‬تتحرر‭ ‬منه‭ ‬هذه‭ ‬الزوجة‭ ‬سوى‭ ‬بالطلاق‭ ‬‮«‬أنت‭ ‬طالق‭ ‬طالق‭ ‬طالق‭.. ‬أحسست‭ ‬حين‭ ‬أطلق‭ ‬سراح‭ ‬الحروف‭ ‬واستقرت‭ ‬في‭ ‬مسامعي‭.. ‬الكلمة‭ ‬قد‭ ‬أصبحت‭ ‬خبرا‭ ‬قوض‭ ‬عالما‭ ‬وأذن‭ ‬بتأسيس‭ ‬عالم‭ ‬آخر‮»…‬‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ضمير‭ ‬المتكلم‭ ‬أنا‭ ‬في‭ ‬سرد‭ ‬متواصل‭ ‬ومتصل‭ ‬يقطعه‭ ‬الحوار‭ ‬الداخلي،‭ ‬في‭ ‬تساؤلات‭ ‬قصيرة‭ ‬متوترة‭ ‬يتبدى‭ ‬المكان‭: ‬عشّ‭ ‬الزوجية‭ ‬كفضاء‭ ‬جحيمي،‭ ‬يتخلله‭ ‬زمن‭ ‬نفسي‭ ‬ممتد‭ ‬يؤرخ‭ ‬للقهر‭ ‬ومحاولات‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القهر‭.‬

عائشة‭ ‬بورجيلة الحلم‭ ‬كبديل‭ ‬للمجابهة

‮ ‬في‭ ‬قصتها‭ ‬‮«‬لنرسو‭ ‬على‭ ‬شاطئ‭ ‬الحلم‮»‬‭ ‬‭(‬http‭:‬‭//‬www‭.‬syrianstory‭.‬com/a‭.‬porgela‭.‬htm‭)‬‭ ‬وبتوظيفها‭ ‬لضمير‭ ‬المخاطب‭ ‬‮«‬أنت‮»‬‭ ‬تعلن‭ ‬عائشة‭ ‬تهربها‭ ‬من‭ ‬سؤل‭ ‬خصوصية‭ ‬السرد‭ ‬الأنثوي‭ ‬كتعبير‭ ‬عن‭ ‬ذاتية‭ ‬الذات‭ ‬الأنثوية،‭ ‬في‭ ‬إحالة‭ ‬أساسية‭ ‬منا‭ ‬للمفهوم‭ ‬البوزياني‭ ‬لعمق‭ ‬وتجذر‭ ‬ضمير‭ ‬الأنا‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬النسائية‭. ‬في‭ ‬نص‭ ‬‮«‬لنرسو‭ ‬على‭ ‬شاطئ‭ ‬الحلم‭ ‬‮«‬‭ ‬تحكي‭ ‬الراوية‭ ‬عن‭ ‬حلم‭ ‬أديبة‭ ‬ناشئة‭ ‬غارقة‭ ‬في‭ ‬تخيلاتها‭ ‬ككاتبة‭ ‬‮«‬مسابقة‭ ‬أدبية‭ ‬تلفت‭ ‬انتباهك‭.. ‬الجائزة‭ ‬آلاف‭ ‬الدولارات‮…‬‭ ‬تجيبينهم‭ ‬بسخرية‭ ‬مرة‭ ‬بأنك‭ ‬ستفوزين‭ ‬وتلتقين‭ ‬عمالقة‭ ‬الأدب‮»‬‭. ‬فهذه‭ ‬القصة‭ ‬المكتوبة‭ ‬بلغة‭ ‬الخواطر‭ ‬العذبة،‭ ‬ترحل‭ ‬بنا‭ ‬على‭ ‬أجنحة‭ ‬الحلم،‭ ‬فهي‭ ‬تحلم‭ ‬بكل‭ ‬كيانها‭.. ‬حتى‭ ‬قلبها‭ ‬ذاته‭ ‬يحلم‭ ‬بمن‭ ‬ينفض‭ ‬الغبار‭ ‬عن‭ ‬غرفاته‭ ‬وشرفاته‭.‬

وفي‭ ‬نصها‭ ‬‮«‬ألوان‮»‬‭ ‬تنتقل‭ ‬بنا‭ ‬لإعادة‭ ‬طرح‭ ‬موضوع‭ ‬قديم‭ ‬متجدد‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬المرأة‭ ‬كموضوع‭ ‬لأذى‭ ‬الرجل‭.. ‬فالراوية‭ ‬تتداعى‭ ‬‮«‬تجعلني‭ ‬أتصدى‭ ‬لكل‭ ‬الغاضبين،‭ ‬وغيرهم‭ ‬ممن‭ ‬قدر‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬ضحيتهم‮»‬‭ ‬فهذه‭ ‬العبارة‭ ‬مفتاحية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬نص‭ ‬‮«‬ألوان‮»‬‭ ‬فالراوي‭/‬الأنثى‭ ‬التي‭ ‬أدمنت‭ ‬مناجاة‭ ‬حبيبها‭ ‬الكامن‭ ‬في‭ ‬القلب،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الواقع‭.. ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬شخصية‭ ‬هذا‭ ‬الحبيب‭ ‬وموقفه‭ ‬غير‭ ‬محددين،‭ ‬وهو‭ ‬أشبه‭ ‬باستيهامي‭ ‬عابر‭ ‬كضيوف‭ ‬ماركيز‭ ‬في‭ ‬نصوصه‭ ‬الكبرى‭.. ‬عندما‭ ‬تجد‭ ‬هذا‭ ‬الحبيب‭ ‬يحاصر‭ ‬العوازل‭ ‬حبهما،‭ ‬ويتواطأ‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الضاغط‭ ‬عليهما‭ ‬‮«‬ولأن‭ ‬الغيورين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬وزمان‮…‬‭ ‬فسرعان‭ ‬ما‭ ‬تسرب‭ ‬الخبر‭.. ‬تأججت‭ ‬المشاعر‭ ‬فانسابت‭ ‬كلمات‭ ‬من‭ ‬قبيل‭: ‬دين‭ ‬سلف‭ ‬زمن‭ ‬صعب‭.. ‬تفهمت‭ ‬أن‭ ‬كاهله‭ ‬مثقل‭ ‬جدا‮»‬‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬تتداعى‭ ‬صورة‭ ‬المرأة‭ ‬كشخصية‭ ‬مستسلمة‭ ‬لقدر‭ ‬رهيب‭ ‬لا‭ ‬طاقة‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬مجابهته‭.‬

وفي‭ ‬نصها‭ ‬‮«‬وجهان‮»‬‭ ‬تغرق‭ ‬الراوية‭ ‬‮«‬ناظريها‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬الغابة‭ ‬الممتدة‭ ‬حد‭ ‬النظر‭ ‬شرقا‭ ‬وغربا‭ ‬وشمالا‭ ‬وجنوبا‭.. ‬واحة‭ ‬طروب‭.. ‬بساط‭ ‬رائع‭.. ‬فوقه‭ ‬صفت‭ ‬أزهار‭ ‬حمراء،‭ ‬وردية،‭ ‬صفراء،‭ ‬بيضاء،‭ ‬بنفسجية‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬بديع،‭ ‬تستمتع‭ ‬بأحلى‭ ‬نغم‭ ‬وتروي‭ ‬أجمل‭ ‬قصيد‭.. ‬تحاور‭ ‬الأطيار‭ ‬والفراشات‭ ‬وتتلذذ‭ ‬بالرحيق‭ ‬الذي‭ ‬يمتصه‭ ‬النحل‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬ويسيل‭ ‬لعابها‭ ‬عندما‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬ثمار‭ ‬أشجار‭ ‬الأركان‭ ‬المنتصبة‭ ‬بشموخ‮»‬،‭ ‬عند‭ ‬عائشة‭ ‬السرد‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬حكاية‭ ‬تكتنفها‭ ‬عقدتها‭ ‬وتنطوي‭ ‬على‭ ‬حلها،‭ ‬أو‭ ‬بنى‭ ‬حكائية‭ ‬صغيرة‭ ‬ترتص‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬البنية‭ ‬الكبيرة‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الروايات،‭ ‬فهو‭ ‬مزيح‭ ‬ينهض‭ ‬في‭ ‬الإشباع‭ ‬بالوصف‭ ‬لما‭ ‬حولنا‭ ‬من‭ ‬جمال،‭ ‬غالبا‭ ‬لا‭ ‬تلحظه‭ ‬عيوننا‭ ‬العابرة‭ ‬المرهقة‭ ‬الملاحقة‭ ‬والمختطفة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬إيقاع‭ ‬الحياة‭ ‬المعاصرة‭ ‬السريع‭ ‬التي‭ ‬اعتادت‭ ‬الزحام‭ ‬والقبح‭ ‬المديني‭ ‬المعنوي‭ ‬والمادي،‭ ‬فاستحالت‭ ‬الطبيعة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أشبه‭ ‬بالحلم‭ ‬لهذه‭ ‬العين‭ ‬التي‭ ‬أضناها‭ ‬الحنين‭ ‬إلى‭ ‬بيئات‭ ‬الشعر‭ ‬الغامضة‭ ‬التي‭ ‬اندثرت‭ ‬تحت‭ ‬وطء‭ ‬الرقميات‭ ‬وأرماث‭ ‬الإلكترونيات‭. ‬فالراوية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬تنتمي‭ ‬للطبيعة‭ ‬وتتفاعل‭ ‬معها‭ ‬فلا‭ ‬حقيقة‭ ‬للذات‭ ‬الإنسانية‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬التي‭ ‬تكسر‭ ‬قناع‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬لتسترد‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬الراهن‭ ‬براءته‭ ‬المفقودة‭ ‬‮«‬‭ ‬كسرت‭ ‬المرآة‭ ‬التي‭ ‬أتعبها‭ ‬السؤال‭.. ‬أين‭ ‬تكمن‭ ‬الحقيقة‮»‬‭.‬


كاتب من السودان مقيم في ميريلاند –أميركا

مقالات أخرى للكاتب:

  • تأملات‭ ‬شتوية