وداعاً لبراءة الطفل

الجديد  هيثم الزبيدي [نُشر في 01/01/2017، العدد: 24، ص(160)]

لوحة: رندة حجازي
قريبا تنتهي الطفولة البريئة. مشاهد القسوة التي تحيط بأطفال اليوم ستسرق براءتهم مبكرا جدا. القسوة التي يشاهدونها لا علاقة لها بتلك التي عانى منها الأجداد عندما كانوا صغارا والمرتبطة بضيق ذات اليد والفقر وانعدام التعليم وشظف العيش.

أطفال هذا الزمان ضحايا قسوة فكرية وإعلامية.

الكبار يريدون أن يؤدلجوا حياة الطفل وأن يضعوه على طريقهم، بدلا من تركه لخياراته المستقبلية. نظريا، ينبغي أن يذهب الطفل إلى فصل دراسي محايد يعلّمه الأساسيات من دون تحيز أو تمييز ويتدرج به في حقول المعارف ليصل به إلى مرحلة الاختيارات. الأحقاد والأفكار المسبقة والتوجيه المعنوي يجب أن تكون آخر ما يفكر به المربون، الآباء منهم أو المدرسون، عندما يتعاملون مع الطفل. عقله الغض يحتاج إلى المعرفة والعلوم، لا إلى الأيديولوجيا والأفكار، مهما كانت عظيمة في أعين المربين.

باسم الدين وباسم القبيلة ضاعت براءة الطفولة. خذ مثلا تلك الأفواج من الأطفال التي أرسلت إلى حقول الألغام خلال الحرب العراقية الإيرانية باسم الدفاع عن المذهب والثورة. أو ما نشاهده من عمليات تجنيد للأطفال في أفريقيا باسم القبيلة أو العرق تنتهي بهم إلى أن يصبحوا جزءا من ماكنة قتل هم ضحاياها الأوائل. هذه قسوة ما بعدها قسوة ولا تقارن بمعاناة الطفل العامل في بلد فقير. الفقر أعمى، ولكن من يحوّل الأطفال إلى قتلة بصير ويدرك تماما ما يفعله.

الصراع السياسي-الطائفي الذي يجري في منطقتنا اليوم لم يكتف بالبالغين. ثمة حروب كبيرة وكثيرة قادمة صار من الضروري الاستعداد لها مبكّرا بتشكيل وعي الطفل بعيدا عن المستقبل وأبعد بكثير عن البراءة. أنت بحاجة إلى زرع الأحقاد مبكّرا لكي تتمكن من أن تحصدها في الوقت الذي تحتاجها فيه. زراعة الأفكار في الصغر أفضل من غسيل العقول في الكبر.

المشاهد التي رأيناها مؤخرا مرعبة. أطفال يعذّبون ويقتلون أعداء الكبار. وإذا كان الطفل الجندي في أفريقيا، المخطوف من أهله غالبا، يدرّب على القتل أولا بتعصيب عينيه ثم إزالة العصابة بعد إطلاق النار ومشاهدة الضحية، فإن الطفل في الشرق يعدّ مبكّرا من قبل أبيه وأمه. "الجهاد" يبدأ بعمر الحضانة. الحقد قبل الحب في عالمنا. حقد عمره قرون.

لا شك أن ليس كل ما يحدث يأتي بتحريض من الأهل. الأب والأم، في العموم، قد يقبلان على نفسيهما ما لا يقبلانه على الابن. الآباء العاقلون ينأون بأبنائهم بعيدا عن التهلكة. هنا يأتي دور الإعلام. فالطفل يفتح عينه على بيت مشحون. غاب الترفيه عن شاشة التلفزيون واستبدل بقنوات الوعظ الديني أو الوعظ الإعلامي. إما شيخ يردّد دعواته العنيفة، أو مذيع ينقل أخبار المآسي والمذابح.

صور الموت على شاشاتنا أكثر من صور الحياة. تكرار المشاهد مرة بعد أخرى وفي كل ساعة، يخلق هذا الجو الغاضب الذي يلتقطه الطفل انتقائيا بحكم براءته. سينتبه سريعا إلى ميول الأب والأم، وستراه جزءا من تلك الميول بعد فترة بحكم التطبّع والتقليد. لا حاجة لإعداده بشكل مباشر، بل تترك المهمة للفضائيات.

لماذا علينا أن نتخيل عكس هذا؟ لماذا نخاف أن يتأثر الطفل بألعاب الفيديو القتالية التي تجعل العنف مقبولا بالنسبة إليه، ولا نخاف على أطفالنا من مشاهد الدم والدمار والجثث؟ القسوة عبر المشهد التلفزيوني واحدة بالنسبة إلى عقل غض. النتيجة يمكن أن تكون واحدة. وهذه النتيجة واحدة أيضا سواء لطفل عربي في بلد عربي أو طفل عربي مسلم في بلد المهجر. مهاجرونا لا يفارقون شاشات القنوات الإخبارية أو الوعظية ولا يتوقفون عن الحديث عن عالمهم السابق طالما يعجزون عن الاندماج في العالم الجديد.

الإعلام بعشوائيته وتحريضه وتمتعه بالإثارة المصاحبة للأزمات، إنما يشكل عقول الأطفال بشكل غير مباشر، على هامش إدمان الآباء لتلك المشاهد. وبالنسبة إلى الطفل، يبدو الأمر سواء، سواء تأثر بأدلجة فكرية من الآباء، أو لأنه كان يجلس بجانبهم وهم يستمعون إلى الوعظ أو يشاهدون الأخبار. تنمية الغضب والأحقاد تمر على براءته بنفس الطريقة.

ثمة أبعاد كثيرة في تنشئة الأجيال. ما تم التركيز عليه كثيرا هو التعليم ودوره الخطير في التربية والتوجيه، وهذا شيء مهم ولكنه لا يقدم الصورة الكاملة. هناك أبعاد أسرية واجتماعية وإعلامية كثيرة تبدو مغفلة، لكنها لا تقل أهمية عن التعليم. الأطفال العرب في الغرب لا يذهبون إلى مدارس تعلّمهم التشدد، ولكن المئات منهم يذهبون سنويا إلى حروب تأثروا بما سمعوه عنها ورأوه بعيدا عن مقاعد الدراسة.

ثمة مسؤولية كبرى أمام المثقفين في ألا ينسوا هذه الجوانب من القضية. لا تستطيع أن تسعى لإصلاح الكبار وتترك الأطفال نهبا للخراب.


كاتب من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • كتلة حرجة
  • مطلوب أدب نسوي
  • لا تظلموا المثقفين ولا يظلمون وزراء الثقافة
  • مأزق اسمه الفكر النقدي
  • قلق المستقبل
  • السؤال الضائع
  • هل نملك غير الثقافة ردّا على العنف؟
  • تيه المجتمعات يبدأ من تيه المرأة
  • احتفاء‭ ‬بالبلدة‭ ‬المغربية‭ ‬شيء‭ ‬تناساه‭ ‬المشرق‭ ‬العربي
  • أدب الشغف
  • بوصلة‭ ‬شعبوية
  • المدينة العربية
  • المصدومون
  • المثقف‭ ‬كاتباً
  • ‬المتعة‭ ‬الغائبة
  • الصحفيون ألسنتهم طويلة
  • يقظة‭ ‬ثقافية‭ ‬لا‭ ‬‮\'‬ثورة‭ ‬ثقافية‮\'‬
  • ثقافة‭ ‬غربية‭ ‬ومنتجات‭ ‬شرقية
  • حادثة سعيدة حقا: المطالعة
  • الأسيران، المثقف والمفكر
  • مثقف‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة
  • لماذا‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬مسرح
  • الهوية‭ ‬المستبدلة
  • أهلا‭ ‬بكم‭ ‬إلى عالم الرواية الممل
  • دع‭ ‬الثقافة‭ ‬وشاهد‭ ‬التلفزيون
  • كلام‭ ‬في‭ ‬الصحافة
  • غيتو إسلامي
  • عام أول من المحاولة
  • تحية‭ ‬متأخرة‭ ‬للأسطى
  • قصيدة‭ ‬حقد‭ ‬واحدة
  • ثقافة الرخيص، ثقافة \'القط بسبعة أرواح\'
  • نحو‭ ‬مثقف‭ ‬جديد‬‬‬‬
  • الدولة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة لصاحبها ‬‮\'‬ماد‭ ‬ماكس‮\'‬
  • أيها النقد لا تكن موضوعيا أبداً
  • حكاية‭ ‬فيديو‭ ‬عقلي
  • تلك الأدوات التي تغيرنا
  • عقول‭ ‬سطحية لا‭ ‬تستطيع‭ ‬التركيز
  • تكنولوجيا‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬أيدٍ‭ ‬متخلفة