سيد‭ ‬القمني‭ ‬صريحاً‭ ‬وشجاعاً

يثير‭ ‬الحوار‭ ‬الذي‭ ‬أجرته‭ ‬مجلة‭ ‬الجديد،‭ ‬في‭ ‬عددها‭ ‬الصادر‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬‭/‬كانون‭ ‬الأول‭ ‬2016‭ ‬مع‭ ‬المفكر‭ ‬المصري‭ ‬الدكتور‭ ‬سيد‭ ‬القمني،‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬الساخنة‭ ‬والمركزية‭ ‬وفي‭ ‬صدارتها‭ ‬خطر‭ ‬الأصوليات‭ ‬الدينية‭ ‬المتطرفة‭ ‬aغيرنا‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬المعاصر‭. ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬قضية‭ ‬الأصوليات‭ ‬الأرثوذكسية‭ ‬يطرح‭ ‬حوار‭ ‬الدكتور‭ ‬القمني‭ ‬مشكلة‭ ‬البداوة‭ ‬التي‭ ‬تغرق‭ ‬فيها‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬إلى‭ ‬الخليج‭ ‬والسدود‭ ‬التي‭ ‬تقيمها‭ ‬وتحول‭ ‬دوننا‭ ‬ودون‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬الحضارة‭ ‬والحداثة‭.‬

الجديد  أزراج عمر [نُشر في 01/01/2017، العدد: 24، ص(113)]

تخطيط: نهاد الترك
لاشك ‭‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬قضايا‭ ‬أخرى‭ ‬يعج‭ ‬بها‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬مثل‭ ‬حكم‭ ‬العسكر‭ ‬بالقوة‭ ‬وبشكل‭ ‬أشبه‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬بالوراثة‭ ‬المزمنة،‭ ‬كما‭ ‬يطرح‭ ‬أيضا‭ ‬أزمة‭ ‬الفكر‭ ‬التوفيقي‭ ‬وربما‭ ‬التلفيقي،‭ ‬والفهم‭ ‬الأسطوري‭ ‬والخرافي‭ ‬للدين‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يضع‭ ‬العقل‭ ‬في‭ ‬زنزانة‭ ‬مغلقة‭. ‬إنه‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المساحة‭ ‬الضيقة‭ ‬مناقشة‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬الكبرى‭ ‬والحساسة‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬مطلوب‭ ‬فعلا‭ ‬وقد‭ ‬تسعف‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬بالقيام‭ ‬بذلك‭. ‬سأكتفي‭ ‬هنا‭ ‬بوقفة‭ ‬قصيرة‭ ‬مع‭ ‬أفكار‭ ‬الدكتور‭ ‬القمني‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬أحد‭ ‬منارات‭ ‬النقد‭ ‬الفكري‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭.‬

إن‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬استوقفني‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬أيضا‭ ‬هو‭ ‬موقف‭ ‬الدكتور‭ ‬القمني‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬العرب‭ ‬بالجملة‭ ‬تقريبا‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يشكلون‭ ‬طليعة‭ ‬التغيير‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬المجتمع‭ ‬ما‭ ‬عدا‭ ‬القلة‭ ‬التي‭ ‬تهمش‭ ‬أو‭ ‬تعزل‭ ‬أو‭ ‬تطرد‭ ‬أو‭ ‬تنفى‭ ‬أو‭ ‬تصفى‭ ‬جسديا‭. ‬يرى‭ ‬الدكتور‭ ‬القمني‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬بلداننا‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬العلم‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬مثقفيها‭ ‬للدين‭ ‬ولمختلف‭ ‬الظواهر‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والثقافية،‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فهو‭ ‬يحاجج‭ ‬أن‭ ‬الحكومات‭ ‬العربية‭ ‬الحالية‭ ‬”‭ ‬تثبت‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬شيئا‭ ‬عن‭ ‬العلم‭ ‬ولا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬به”‭. ‬وزيادة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬فإن‭ ‬الدكتور‭ ‬القمني‭ ‬يرفض‭ ‬رفضا‭ ‬قاطعا‭ ‬تثبيت‭ ‬التراتبية‭ ‬المطلقة‭ ‬بين‭ ‬المفكرين‭ ‬والمثقفين‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وبين‭ ‬العامة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬حيث‭ ‬نجده‭ ‬يدعو‭ ‬بوضوح‭ ‬إلى‭ ‬إشراك‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬الخاص‭ ‬حول‭ ‬أمهات‭ ‬القضايا‭ ‬الملحة‭ ‬والمطروحة‭ ‬على‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬“فالعامة‭ ‬إن‭ ‬استخدموا‭ ‬عقولهم‭ ‬سيكونون‭ ‬من‭ ‬البارزين‭ ‬في‭ ‬عملهم‭. ‬عندما‭ ‬يخاطب‭ ‬المفكر‭ ‬أو‭ ‬المثقف‭ ‬رجل‭ ‬الشارع‭ ‬فإنه‭ ‬يخاطب‭ ‬عقله‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يخاطبون‭ ‬سوى‭ ‬مشاعره‭ ‬وعواطفه‭. ‬الناس‭ ‬تمَ‭ ‬إلغاء‭ ‬عقولها‭ ‬ولا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نستسلم‭ ‬ونقضي‭ ‬عليهم”‭. ‬يبدو‭ ‬واضحا‭ ‬أن‭ ‬تاريخ‭ ‬إلغاء‭ ‬عقول‭ ‬رجال‭ ‬ونساء‭ ‬الشارع‭ ‬الذي‭ ‬يتحدث‭ ‬عنهم‭ ‬الدكتور‭ ‬القمني‭ ‬ليس‭ ‬جديدا‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ذو‭ ‬تاريخ‭ ‬قديم‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬مهيمنا‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭. ‬فالعربي‭ ‬المعاصر‭ ‬يعيش‭ ‬الحاضر‭ ‬بقيم‭ ‬الماضي‭ ‬المثبت‭ ‬واللاغي‭ ‬للتطور‭ ‬والتحديث‭ ‬والعصرنة‭ ‬باستمرار‭. ‬فابن‭ ‬رشد‭ ‬نفسه‭ ‬قد‭ ‬أوصى‭ ‬بعدم‭ ‬السماح‭ ‬للعامة‭ ‬أن‭ ‬تؤول‭ ‬القرآن‭ ‬حيث‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬مهمة‭ ‬تأويله‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬منوطة‭ ‬بخاصة‭ ‬الخاصة‭ ‬ولا‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭. ‬إذن‭ ‬هناك‭ ‬انقطاع‭ ‬مستمر‭ ‬بين‭ ‬المفكرين‭ ‬‭(‬النخبة‭)‬‭ ‬وبين‭ ‬العامة،‭ ‬ولقد‭ ‬رسمت‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬وأصبحت‭ ‬تنتج‭ ‬بدورها‭ ‬التراتبية‭ ‬بين‭ ‬العامة‭ ‬وبين‭ ‬أهل‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭.‬

تلك‭ ‬هي‭ ‬أهم‭ ‬المحاور‭ ‬التي‭ ‬ركز‭ ‬عليها‭ ‬حوار‭ ‬الدكتور‭ ‬القمني‭ ‬الشجاع‭ ‬والصريح‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬سأبدي‭ ‬بعض‭ ‬الملاحظات‭ ‬التالية‭ ‬وأبدأ‭ ‬أولا‭ ‬من‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬طغيان‭ ‬الفهم‭ ‬الخرافي‭ ‬والأسطوري‭ ‬للدين‭ ‬وتحويل‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬قمع‭ ‬وتصفيح‭ ‬للذهنيات‭. ‬ففي‭ ‬الحقيقة‭ ‬فإن‭ ‬الدكتور‭ ‬القمني‭ ‬يطرح‭ ‬مشكلة‭ ‬كبيرة‭ ‬وتتمثل‭ ‬في‭ ‬السؤال‭ ‬التالي‭: ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تقدر‭ ‬بلداننا‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان‭ ‬العلمي‭ ‬الذي‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الكون‭ ‬والعلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وفق‭ ‬رؤية‭ ‬عقلانية‭ ‬نقدية‭ ‬رغم‭ ‬مرور‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬70‭ ‬سنة‭ ‬على‭ ‬استقلال‭ ‬بلداننا‭ ‬ولو‭ ‬شكليا؟‭ ‬عمليا‭ ‬فإن‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬برمتها‭ ‬محكومة‭ ‬بالخرافة‭ ‬وتستند‭ ‬إلى‭ ‬الفهم‭ ‬الأسطوري‭ ‬لكل‭ ‬شيء‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سوّغ‭ ‬لبعض‭ ‬النقاد‭ ‬القول‭ ‬بانعدام‭ ‬الذاتية‭ ‬المستقلة‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬حيث‭ ‬نجد‭ ‬داخل‭ ‬كل‭ ‬شخص‭ ‬عندنا‭ ‬تراكما‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يصنها‭ ‬هو‭ ‬وربما‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الذي‭ ‬يتحدث‭ ‬من‭ ‬داخلنا‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬هو‭ ‬الطائفة‭ ‬أو‭ ‬القبيلة‭ ‬أو‭ ‬العشيرة‭ ‬علما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الثالوث‭ ‬مصفح‭ ‬بتراكم‭ ‬من‭ ‬الثقافية‭ ‬الشعبية‭ ‬المتخلفة‭ ‬،‭ ‬والفلكلوريات‭ ‬التي‭ ‬أسست‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تؤسس‭ ‬للشخصية‭ ‬القاعدية‭ ‬الانفعالية‭ ‬والعاطفية‭.‬

أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نبقى‭ ‬أسرى‭ ‬الدوران‭ ‬حول‭ ‬أعراض‭ ‬العلل‭ ‬بل‭ ‬فإنه‭ ‬ينبغي‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نحفر‭ ‬عميقا‭ ‬في‭ ‬الأسباب‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬فرضت‭ ‬التأويل‭ ‬الخرافي‭ ‬والأسطوري‭ ‬للدين‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬تأويله‭ ‬ثم‭ ‬استخدامه‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬التقدم‭ ‬والديمقراطية‭ ‬والإنسان‭ ‬الحداثي‭.‬

ألاحظ‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يشر‭ ‬إليها‭ ‬الدكتور‭ ‬القمني‭ ‬في‭ ‬حواره‭ ‬هي‭ ‬فشل‭ ‬مؤسسات‭ ‬النظام‭ ‬الثقافي‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬تحديث‭ ‬مناهجها‭ ‬ورؤاها‭ ‬ونظرياتها‭ ‬لجعلها‭ ‬مؤسسة‭ ‬على‭ ‬الوازع‭ ‬العقلي‭ ‬والعلمي‭. ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬ومنظومتنا‭ ‬التعليمية‭ ‬مغلق‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬قفص‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالمرجعيات‭ ‬التراثية‭ ‬والكتب‭ ‬الصفراء‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يغلب‭ ‬عليها‭ ‬التقديس‭ ‬الأعمى‭. ‬وهكذا‭ ‬فإن‭ ‬منظومتنا‭ ‬التعليمة‭ ‬هي‭ ‬المسؤولة‭ ‬أساسا‭ ‬على‭ ‬تدريس‭ ‬الدين‭ ‬تدريسا‭ ‬متخلفا‭ ‬ورجعيا‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬الأجيال‭ ‬التي‭ ‬تخرجت‭ ‬من‭ ‬المدارس‭ ‬والثانويات‭ ‬والمعاهد‭ ‬والجامعات‭ ‬صارت‭ ‬مصفحة‭ ‬تصفيحا‭ ‬دينيا‭ ‬رجعيا‭ ‬ومتخلفا‭ ‬حقا‭. ‬وفضلا‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬تقسيم‭ ‬التعليم‭ ‬ببلداننا‭ ‬إلى‭ ‬تعليم‭ ‬ديني‭ ‬له‭ ‬مؤسساته‭ ‬الكهنوتية‭ ‬والمغرقة‭ ‬في‭ ‬النسخ‭ ‬الأعمى‭ ‬وترديد‭ ‬ما‭ ‬يحفظ‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تحليل‭ ‬ونقد،‭ ‬وتعليم‭ ‬شبه‭ ‬دنيوي،‭ ‬بل‭ ‬متخلف‭ ‬عن‭ ‬العصر‭ ‬وقضاياه،‭ ‬وعن‭ ‬المناهج‭ ‬والنظريات‭ ‬العلمية‭ ‬الحديثة‭ ‬قد‭ ‬ساهم‭ ‬جذريا‭ ‬في‭ ‬تفريخ‭ ‬نشء‭ ‬انفعالي‭ ‬وعاطفي‭ ‬يفسر‭ ‬وجوده‭ ‬وعلاقاته‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬رجعي‭ ‬تماما‭. ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬المحيط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬ليس‭ ‬محيطا‭ ‬علميا‭ ‬أو‭ ‬حضاريا‭ ‬بل‭ ‬فهو‭ ‬محيط‭ ‬موبوء‭ ‬فعلا،‭ ‬وغارق‭ ‬في‭ ‬الجهل‭ ‬والأمية‭ ‬المهنية‭ ‬والفكرية‭ ‬والعلمية‭ ‬والفنية‭ ‬والسياسية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الدين‭ ‬فيه‭ ‬ينحصر‭ ‬في‭ ‬الطقوس‭ ‬والعبادات‭ ‬الشكلية‭ ‬وهو‭ ‬أبعد‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬فضاء‭ ‬تنمو‭ ‬وتزدهر‭ ‬فيه‭ ‬الأخلاقيات‭ ‬والسلوك‭ ‬المنتج‭ ‬والمؤسس‭ ‬للعلاقات‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬تحترم‭ ‬فيها‭ ‬الخصوصيات‭ ‬والفرادات‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬مجتمعة‭ ‬قد‭ ‬أدت‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تفريخ‭ ‬سلطات‭ ‬سياسية‭ ‬متماهية‭ ‬مع‭ ‬القيم‭ ‬المتخلفة‭ ‬تعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬الطقوس‭ ‬والقيم‭ ‬الدينية‭ ‬المحافظة‭ ‬حينا‭ ‬والمنغلقة‭ ‬أحيانا‭ ‬أخرى‭. ‬إنه‭ ‬ينبغي‭ ‬القول‭ ‬هنا‭ ‬بأن‭ ‬رجال‭ ‬ونساء‭ ‬السياسية‭ ‬الذين‭ ‬يحكموننا‭ ‬لم‭ ‬يأتوا‭ ‬إلينا‭ ‬من‭ ‬أستراليا‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬شيكاغو‭ ‬بل‭ ‬هم‭ ‬جزء‭ ‬عضوي‭ ‬من‭ ‬تخلفنا‭ ‬العضوي‭ ‬العام‭ ‬وفي‭ ‬صدارة‭ ‬ذلك‭ ‬التخلف‭ ‬الديني‭ ‬أو‭ ‬لنقل‭ ‬تخلفنا‭ ‬النابع‭ ‬من‭ ‬تحويل‭ ‬الدين‭ ‬إلى‭ ‬طقوس‭ ‬خرافية‭ ‬والانغلاق‭ ‬داخل‭ ‬شرنقتها‭.

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬محاولات‭ ‬لتحليل‭ ‬ونقد‭ ‬الجوانب‭ ‬الدينية‭ ‬المظلمة‭ ‬سواء‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬تراثنا‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬السلوك‭ ‬الذي‭ ‬ينعكس‭ ‬فيه‭ ‬ذلك‭ ‬التراث‭ ‬دون‭ ‬وعي‭ ‬بذلك‭ ‬في‭ ‬الغالب،‭ ‬ولكن‭ ‬هذه‭ ‬الدراسات‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬أن‭ ‬تحدث‭ ‬تغييرا‭ ‬ملموسا‭ ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬تخترق‭ ‬الطبقات‭ ‬اللاواعية‭ ‬لمواطنينا‭ ‬ومواطناتنا‭ ‬ولهذا‭ ‬أسباب‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬أن‭ ‬النسبة‭ ‬الكبيرة‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬تعتصم‭ ‬بالغموض‭ ‬الأكاديمي‭ ‬وتستخدم‭ ‬المفاهيم‭ ‬والمصطلحات‭ ‬المبهمة‭ ‬والصعبة‭ ‬تقيم‭ ‬جدارا‭ ‬سميكا‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬الشعب‭ ‬البسيط‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقرأ‭ ‬ولا‭ ‬يكتب‭ ‬ويفتقد‭ ‬إلى‭ ‬التكوين‭ ‬الثقافي‭ ‬والفكري‭.‬‭

على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬ودور‭ ‬النشر‭ ‬ببلداننا‭ ‬تنشر‭ ‬كتبا‭ ‬تنتقد‭ ‬أسطرة‭ ‬الدين‭ ‬وكذا‭ ‬“تخريفه”‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المؤلفات‭ ‬الموجهة‭ ‬للنخبة‭ ‬القليلة‭ ‬لا‭ ‬تنفذ‭ ‬إلى‭ ‬وجدان‭ ‬وعقول‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬يشكلون‭ ‬أغلبية‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬الأرياف‭ ‬وفي‭ ‬المدن‭. ‬إنه‭ ‬لحد‭ ‬الآن‭ ‬يجهل‭ ‬المواطنون‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬فصل‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية‭ ‬الدنيوية‭ ‬وبين‭ ‬إلغاء‭ ‬الدين‭ ‬كبعد‭ ‬روحي‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭. ‬وبهذا‭ ‬الصدد‭ ‬فإن‭ ‬مثقفينا‭ ‬لم‭ ‬يلعبوا‭ ‬أي‭ ‬دور‭ ‬جاد‭ ‬في‭ ‬شرح‭ ‬هذا‭ ‬الفرق‭ ‬وإقناع‭ ‬الناس‭ ‬به‭.

وهنا‭ ‬نتساءل‭: ‬هل‭ ‬تصل‭ ‬كتب‭ ‬الدكاترة‭ ‬سيد‭ ‬القمني‭ ‬ومحمد‭ ‬أركون‭ ‬وعبد‭ ‬الله‭ ‬العروي‭ ‬وصادق‭ ‬جلال‭ ‬العظم‭ ‬وحسن‭ ‬مروة‭ ‬ونصر‭ ‬حامد‭ ‬أبوزيد‭ ‬ومحمود‭ ‬أمين‭ ‬العالم‭ ‬وجورج‭ ‬طرابيشي‭ ‬مثلا،‭ ‬إلى‭ ‬نفوس‭ ‬مواطنينا‭ ‬ومواطناتنا‭ ‬في‭ ‬الأرياف‭ ‬وفي‭ ‬المدن‭ ‬الصغيرة‭ ‬والكبيرة؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬صنعها‭ ‬مؤلفات‭ ‬هؤلاء‭ ‬مع‭ ‬طلابنا‭ ‬وطالباتنا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مستويات‭ ‬وأنماط‭ ‬منظومة‭ ‬التعليم‭ ‬عندنا‭. ‬أجزم‭ ‬بالقول‭ ‬بأن‭ ‬90‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬بلداننا‭ ‬لا‭ ‬يفقهون‭ ‬شيئا‭ ‬عن‭ ‬كتابي‭ ‬العهد‭ ‬القديم‭ ‬والإنجيل‭ ‬ومتن‭ ‬القرآن‭ ‬والسنة‭ ‬النبوية‭ ‬والإنتاج‭ ‬الفكري‭ ‬الذي‭ ‬أنتجته‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬الشخصيات‭ ‬الإسلامية‭ ‬بكل‭ ‬فرقها‭ ‬ومللها‭ ‬ونحلها‭ ‬وينتجه‭ ‬الآن‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬دارسينا‭ ‬ونقادنا‭ ‬ومفكرينا‭.

هناك‭ ‬دائما‭ ‬جدار‭ ‬الأمية‭ ‬بالمرصاد،‭ ‬كما‭ ‬هناك‭ ‬دائما‭ ‬الشخصية‭ ‬القاعدية‭ ‬لمواطنينا‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تنشأ‭ ‬على‭ ‬الفكر‭ ‬النقدي‭ ‬وطرح‭ ‬الأسئلة،‭ ‬وتوظيف‭ ‬المنهج‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬مقاربة‭ ‬النصوص‭ ‬الدينية‭ ‬المختلفة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬النصوص‭. ‬على‭ ‬أساس‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬فإن‭ ‬انعدام‭ ‬المثقفين‭ ‬المنخرطين‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬المواطنين‭ ‬والحاملين‭ ‬لقضية‭ ‬تغيير‭ ‬الذهنيات‭ ‬وتربية‭ ‬الفكر‭ ‬النقدي‭ ‬العلمي‭ ‬لدى‭ ‬هؤلاء‭ ‬يطرح‭ ‬مشكلة‭ ‬كبيرة‭ ‬أمامنا،‭ ‬وهي‭ ‬تعوق‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬أفق‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭.‬


شاعر من الجزائر