ثقافة‭ ‬فهم‭ ‬النص‭ ‬الأدبي

كثر‭ ‬الحديث‭ ‬والتعريف‭ ‬والمناقشة‭ ‬والجدال‭ ‬حول‭ ‬مفهوم‭ ‬النصّ‭ ‬وأهميته‭ ‬وكيفية‭ ‬انبثاقه‭.. ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬السؤال‭ ‬المهم‭: ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬ثقافةٌ‭ ‬محدّدةٌ‭ ‬ومعينةٌ‭ ‬لفهم‭ ‬النصّ‭ ‬الأدبي؟‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬علاقة‭ ‬النص‭ ‬بالمنتج‭ ‬والمتلقي‭ ‬كمفهومٍ‭ ‬أو‭ ‬كدلالةٍ‭ ‬أو‭ ‬أيّ‭ ‬مصطلحٍ‭ ‬آخر؟‭ ‬وهل‭ ‬بطرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نستدلّ‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬الإجابة‭ ‬لفهم‭ ‬النصّ‭ ‬الأدبي؟

الجديد  علي‭ ‬لفته‭ ‬سعيد [نُشر في 01/01/2017، العدد: 24، ص(136)]

لوحة: محمد ظاظا
لا شيء ‭ ‬منتجٌ‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الأدبي‭ ‬كنصٍّ‭ ‬مكتوب‭ ‬مثلاً‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مقدرةٍ‭ ‬قادرةٍ‭ ‬على‭ ‬فهمه‭ ‬وهذه‭ ‬المقدرة‭ ‬هي‭ ‬المنظومة‭ ‬الكتابية‭ ‬التي‭ ‬يتمتّع‭ ‬بها‭ ‬هذا‭ ‬النصّ‭ ‬عن‭ ‬سواه‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬الأدبية،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬اعتبرنا‭ ‬إن‭ ‬النصّ‭ ‬المكتوب‭ ‬الذي‭ ‬تتمُّ‭ ‬قراءته‭ ‬يشبه‭ ‬أسئلة‭ ‬الامتحان‭ ‬التي‭ ‬تتطلّب‭ ‬فهماً‭ ‬مسبقاً‭ ‬لقصدية‭ ‬السؤال،‭ ‬حتى‭ ‬قيل‭ ‬إن‭ ‬معرفة‭ ‬السؤال‭ ‬نصف‭ ‬الإجابة‭.. ‬فإن‭ ‬النصّ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬لا‭ ‬يعدّ‭ ‬رسالةً‭ ‬موجهةً‭ ‬فقط‭ ‬لاحتوائها‭ ‬على‭ ‬منظوماتٍ‭ ‬معرفيةٍ‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬أصبح‭ ‬مركّباً‭ ‬من‭ ‬الفهم‭ ‬والرسالة‭ ‬وطرح‭ ‬أسئلةٍ‭ ‬جديدةٍ‭ ‬تتطابق‭ ‬مع‭ ‬حالة‭ ‬القارئ‭ ‬من‭ ‬جهةٍ‭ ‬وثقافته‭ ‬ومعرفته‭ ‬بالمستويات‭ ‬الكتابية‭ ‬أو‭ ‬خلاصة‭ ‬التجربة‭ ‬الكتابية‭ ‬من‭ ‬جهةٍ‭ ‬أخرى‭.. ‬وكما‭ ‬قيل‭ ‬في‭ ‬تعريف‭ ‬النصّ‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬ذو‭ ‬منظومة‭ ‬معرفيّة‭ ‬تتأسّس‭ ‬على‭ ‬المعرفة،‭ ‬والجانب‭ ‬النفسيّ‭ ‬والعاطفيّ،‭ ‬ويعرف‭ ‬النصّ‭ ‬الأدبيّ‭ ‬بأنه‭ ‬متن‭ ‬الكلام‭ ‬الذي‭ ‬يعبر‭ ‬الأديب‭ ‬عن‭ ‬مشاعره،‭ ‬وما‭ ‬يجول‭ ‬بخاطره،‭ ‬ويكون‭ ‬ذلك‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬الأدبية‭ ‬المتنوعة،‭ ‬وهي‭: ‬القصة،‭ ‬والرواية،‭ ‬والشعر‭ ‬بجميع‭ ‬أشكاله،‭ ‬والخاطرة،‭ ‬والمقال،‭ ‬والمسرحية،‭ ‬والخطب‭ ‬بجميع‭ ‬أنواعها‮»‬‭ ‬فهنا‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬متلقّي‭ ‬النصّ‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ثقافةٍ‭ ‬قادرةٍ‭ ‬على‭ ‬سبر‭ ‬أغوار‭ ‬النصّ‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬اعتبرها‭ ‬بديهية‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬المنتج‭ ‬له‭ ‬ثقافةٌ‭ ‬واعيةٌ‭ ‬بأهمية‭ ‬ما‭ ‬أنتجه‭ ‬من‭ ‬نصٍّ‭ ‬لأنه‭ ‬يريد‭ ‬إزاحة‭ ‬تراكم‭ ‬الغبار‭ ‬عن‭ ‬منظومة‭ ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬يريد‭ ‬إيصالها‭ ‬إلى‭ ‬المتلقي‭ ‬لأنه،‭ ‬أي‭ ‬المنتج،‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬المتلقي‭ ‬لكي‭ ‬يشده‭ ‬ويجعله‭ ‬متماهياً‭ ‬معه،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬المعاصرة‭ ‬كما‭ ‬يقال‭ ‬قد‭ ‬حولت‭ ‬النصّ‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬انطلاقه‭ ‬الكتابي‭ ‬إلى‭ ‬محطّة‭ ‬عبورٍ‭ ‬إلى‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬المعنى‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬له‭ ‬وجود‭ ‬وصار‭ ‬مكانه‭ ‬اللامعنى‭.. ‬لكنها،‭ ‬أي‭ ‬الفلسفة،‭ ‬تقرّ‭ ‬من‭ ‬جهتها‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬وجودَ‭ ‬المعنى‭ ‬أصبحَ‭ ‬يعني‭ ‬البحثَ‭ ‬والمغايرةَ‭ ‬والاختلافَ‭ ‬المستمرَّ،‭ ‬فالنّصوصُ‭ ‬‭-‬أياً‭ ‬كانتْ‭-‬‭ ‬نسيجٌ‭ ‬من‭ ‬الاستعاراتِ‭ ‬والتشبيهاتِ،‭ ‬فهي‭ ‬شفراتُ‭ ‬مفاهيمٍ‭ ‬وليستْ‭ ‬بمفاهيم،‭ ‬وتراكماتٌ‭ ‬مجازيةٌ‭ ‬وليست‭ ‬بحقائق‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬بذلك‭ ‬تستشهد‭ ‬برأي‭ ‬نيتشه‭.‬

إن‭ ‬النصّ‭ ‬الأدبي‭ ‬أصبح‭ ‬متداخلاّ‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬لأنه‭ ‬نصٌّ‭ ‬معرفيٌّ‭ ‬ذائقي‭ ‬الهدف،‭ ‬يتمتّع‭ ‬بلذّة‭ ‬التلقّي‭ ‬ودهشة‭ ‬المعنى‭ ‬وإصرار‭ ‬المنظومة‭ ‬على‭ ‬رسم‭ ‬ملامحها‭ ‬المتخيّلة،‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يفرق‭ ‬ولا‭ ‬يفترق‭ ‬عن‭ ‬النصّ‭ ‬السردي‭ ‬الذي‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬كلّ‭ ‬ملاذات‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬الأسلوب‭ ‬من‭ ‬جهةٍ،‭ ‬وما‭ ‬يلي‭ ‬الأسلوب‭ ‬من‭ ‬معرفة‭ ‬الجانب‭ ‬التأويلي‭ ‬والتحليلي‭ ‬والفلسفي‭ ‬الذي‭ ‬يتمتّع‭ ‬به‭ ‬النصّمن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.. ‬وهو‭ ‬أيضا،‭ ‬أي‭ ‬النصّ‭ ‬الجيّد،‭ ‬قادرٌ‭ ‬على‭ ‬إملاء‭ ‬فراغات‭ ‬ثقافة‭ ‬المتلقّي‭ ‬الباحث‭ ‬عن‭ ‬شيءٍ‭ ‬جديدٍ‭ ‬في‭ ‬علاقات‭ ‬مع‭ ‬القراءة‭ ‬باعتبار‭ ‬إن‭ ‬النصّ‭ ‬هو‭ ‬مهمةٌ‭ ‬قرائيةٌ‭ ‬يبحث‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬عن‭ ‬معنىً‭ ‬له‭ ‬ذاتٌ‭ ‬محدّدةٌ‭ ‬وتفكيرٌ‭ ‬له‭ ‬اتجاه‭ ‬مرسومٌ‭ ‬وتقصّ‭ ‬له‭ ‬حفريات‭ ‬موثقة‭ ‬وولادةٌ‭ ‬لها‭ ‬تنمية‭ ‬مستدامة‭ ‬واكتمالٌ‭ ‬له‭ ‬عناصر‭ ‬جذبٍ‭ ‬أخرى‭ ‬مهمتها‭ ‬طرح‭ ‬أسئلةٍ‭ ‬موازيةٍ‭ ‬لمعنى‭ ‬النصّ‭.. ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬أخذنا‭ ‬قول‭ ‬بارت‭ ‬باعتبار‭ ‬النصّ‭ ‬يشبه‭ ‬الجسد‭ ‬فإننا‭ ‬نذهب‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬النصّ‭ ‬جزءٌ‭ ‬من‭ ‬مكنونٍ‭ ‬حياتيٍّ‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬شهيته‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬الجمال‭ ‬ويريد‭ ‬بفهمه‭ ‬إزالة‭ ‬القبح‭ ‬فيما‭ ‬يواجهه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكون،‭ ‬باعتبار‭ ‬النصّ‭ ‬كذلك‭ ‬منظومةً‭ ‬جماليةً‭ ‬معرفيةً‭ ‬ثقافيةً‭.. ‬ولهذا‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬قول‭ ‬بارت‭ ‬إن‭ ‬النصّ‭ ‬يشبه‭ ‬الجسد‭ ‬وتحديداً‭ ‬الجسد‭ ‬الأنثوي‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬وجود‭ ‬اللّذّة‭ ‬فيه‭ ‬فإنه‭ ‬بهذا‭ ‬يخلص‭ ‬إلى‭ ‬مخيّلةٍ‭ ‬مشبعةٍ‭ ‬بالغرائز‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنه‭ ‬نصٌّ‭ ‬مشبّعُ‭ ‬بالدلالات‭ ‬الجمالية‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬ناقش‭ ‬موضوعةً‭ ‬دينيةً‭ ‬أو‭ ‬فهماً‭ ‬قبيحاً‭ ‬أو‭ ‬واقعاً‭ ‬مظلماً‭.‬

وهنا‭ ‬يتم‭ ‬طرح‭ ‬سؤالٍ‭ ‬أو‭ ‬أسئلةٍ‭ ‬أخرى:

إنّ‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬القول‭ ‬يعني‭ ‬وجود‭ ‬قارئٍ‭ ‬واحدٍ‭ ‬قابلٍ‭ ‬لتدارك‭ ‬كلّ‭ ‬هذه‭ ‬المصطلحات‭ ‬وبالتالي‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬معادلاً‭ ‬موضوعيّاً‭ ‬لكلّ‭ ‬القرّاء،‭ ‬وإنه،‭ ‬أي‭ ‬القارئ،‭ ‬لا‭ ‬يستقيم‭ ‬معه‭ ‬النصّ‭ ‬إلّا‭ ‬بحضوره،‭ ‬وإنه‭ ‬قارئٌ‭ ‬غير‭ ‬متعدّد‭ ‬وإنّ‭ ‬الجميع‭ ‬لهم‭ ‬ذات‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تفكيك‭ ‬المنصّات‭ ‬التي‭ ‬ينطلق‭ ‬منها‭ ‬النصّ‭ ‬الأدبي‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬مقولة‭ ‬أن‭ ‬النص‭ ‬الأدبي‭ ‬بالإمكان‭ ‬أن‭ ‬يتأثّر‭ ‬بالحقل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬يترك‭ ‬قدرته‭ ‬ومجسّاته‭ ‬وقابلياته‭ ‬التفكيكية‭ ‬وبالتالي‭ ‬بصمته‭ ‬على‭ ‬النصّ،‭ ‬لأنه‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النصّ‭ ‬الأدبي‭ ‬هو‭ ‬نصٌّ‭ ‬متخيّلٌ‭ ‬يريد‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الأشياء‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬صنع‭ ‬الجمال،‭ ‬لإعطاء‭ ‬بعدٍ‭ ‬اجتماعيٍّ‭ ‬جديدٍ‭ ‬يتأثّر‭ ‬بالبنية‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬حملها‭ ‬النصّ‭ ‬لإنتاج‭ ‬بنيةٍ‭ ‬جديدةٍ‭ ‬وبالتالي‭ ‬تأييداً‭ ‬لقول‭ ‬إن‭ ‬‮«‬البنية‭ ‬العقلية‭ ‬والثقافية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬للنصّ‭ ‬الأدبي‭ ‬منفصلةٌ‭ ‬ومختلفةٌ‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬المحيط‭ ‬الاجتماعي‮»‬‭.‬

إن‭ ‬النصّ‭ ‬الأدبي‭ ‬بطبيعته‭ ‬يريد‭ ‬التأثير‭ ‬بعد‭ ‬التأثّر‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬المغايرة‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬عدّه‭ ‬‮«‬فراغاً‮»‬‭ ‬لأن‭ ‬الفراغ‭ ‬لا‭ ‬ينتج‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬يبغيها‭ ‬بجماليةٍ‭ ‬جديدةٍ‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬مستوحاةً‭ ‬من‭ ‬الحزن‭ ‬أو‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬الكآبة‭ ‬أو‭ ‬التعاسة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الاشمئزاز،‭ ‬وحتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬النصّ‭ ‬ساخراً‭ ‬أو‭ ‬منتقداً‭ ‬أو‭ ‬منتقصاً،‭ ‬لأن‭ ‬مهمة‭ ‬النصّ‭ ‬تخيّل‭ ‬واقعٍ‭ ‬ورسمه‭ ‬من‭ ‬جديدٍ‭ ‬وتقديمه‭ ‬إلى‭ ‬القارئ‭ ‬بهدف‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬المقاصد‭ ‬والتأويلات‭ ‬من‭ ‬جديدٍ‭ ‬على‭ ‬وفق‭ ‬ثقافة‭ ‬ووعي‭ ‬المتلقي،‭ ‬وهو‭ ‬أمرٌ‭ ‬مختلفٌ‭ ‬ومتناوبٌ‭ ‬ونسبيٌّ‭ ‬بين‭ ‬قارئٍ‭ ‬وآخر‭.. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬ثقافة‭ ‬تلقّي‭ ‬النصّ‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬وجوباً‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأنه‭ ‬صار‭ ‬يؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬فراغٍ‭ ‬أو‭ ‬إنه‭ ‬صار‭ ‬محطّة‭ ‬عبورٍ‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬لاشيء‮»‬‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬المفهوم‭ ‬الآخر‭ ‬المستخلص‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المحطّة‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬لم‭ ‬يَعُد‭ ‬للمعنى‭ ‬وجودٌ‭ ‬أصلاً‮»‬‭ ‬وهنا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬النصّ‭ ‬تم‭ ‬تفريغه‭ ‬من‭ ‬المعنى‭ ‬وحصره‭ ‬وتضييق‭ ‬الخناق‭ ‬عليه،‭ ‬وأما‭ ‬أنه‭ ‬غير‭ ‬جيّدٍ‭ ‬أو‭ ‬إعطاء‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬للقارئ‭ ‬كي‭ ‬ينفرد‭ ‬بإملاء‭ ‬الفراغ‭ ‬أو‭ ‬إيجاد‭ ‬معنىً‭ ‬آخر‭ ‬له‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬كما‭ ‬نرى‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬متأثّراً‭ ‬بالنسق‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وهو‭ ‬نسقٌ‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬متأثّراً‭ ‬بالمجمل‭ ‬بالعواطف‭ ‬والدلالات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والأعراف‭ ‬والمُثل‭ ‬العليا‭ ‬والسفلى‭ ‬وحتى‭ ‬العداوات‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬مثالب‭ ‬مواجهة‭ ‬النصّ‭ ‬مع‭ ‬النسق‭ ‬الاجتماعي‭.. ‬وما‭ ‬ذهب‭ ‬إليه‭ ‬النقاد‭ ‬الأوربيون‭ ‬جاء‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬النسق‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬له‭ ‬وجودٌ‭ ‬في‭ ‬الكينونة‭ ‬الثقافية،‭ ‬ولهذا‭ ‬يمكن‭ ‬تطبيق‭ ‬النصّ‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬نسقٌ‭ ‬ثقافيٌّ‭ ‬له‭ ‬قابلية‭ ‬على‭ ‬التحكّم‭ ‬بطرائق‭ ‬العبور‭ ‬إلى‭ ‬المعنى‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إيصال‭ ‬نقطة‭ ‬المتخيّل‭ ‬في‭ ‬النصّ‭ ‬إلى‭ ‬خطّ‭ ‬الشروع‭ ‬في‭ ‬التلقّي‭ ‬لاستلهام‭ ‬مادة‭ ‬النصّ‭ ‬داخلياً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المعطيات‭ ‬التي‭ ‬يراد‭ ‬إعادة‭ ‬تركيبها‭ ‬من‭ ‬جديدٍ‭ ‬والتي‭ ‬مهّد‭ ‬لها‭ ‬الكاتب‭ ‬أو‭ ‬منتج‭ ‬النصّ‭ ‬لتكون‭ ‬قصدياته‭ ‬المتعدّدة‭ ‬وواحته‭ ‬الفلسفية‭ ‬المراد‭ ‬أن‭ ‬يضخّها‭ ‬في‭ ‬روح‭ ‬النصّ‭.. ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬أخذنا‭ ‬النصّ‭ ‬المقدّس‭ ‬كونه‭ ‬نصّاً‭ ‬سماوياً،‭ ‬فإنه‭ ‬بالتأكيد‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الأخذ‭ ‬بمقولة‭ ‬إنه‭ ‬يؤدي‭ ‬الى‭ ‬فراغ‭ ‬أو‭ ‬‮«‬لاشيء‮»‬‭ ‬لأن‭ ‬النصّ‭ ‬السماوي‭ ‬المنزّل‭ ‬كالقرآن‭ ‬مثلا‭ ‬هو‭ ‬ذاته‭ ‬قابلٌ‭ ‬للتأويل‭ ‬وتعدّد‭ ‬مصادر‭ ‬التفسير‭ ‬والفقه‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الدراسات‭ ‬الإسلامية‭ ‬اهتمت‭ ‬بالعلوم‭ ‬الدينية‭ ‬ولم‭ ‬تهتم‭ ‬بالنصّ‭ ‬كوعيٍ‭ ‬وثقافةٍ،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬المنطق‭ ‬دون‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬خاصيّة‭ ‬النصّ‭ ‬وثقافة‭ ‬تلقيه‭.

النصّ‭ ‬الأدبي‭ ‬أصبح‭ ‬متداخلاّ‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬لأنه‭ ‬نصٌّ‭ ‬معرفيٌّ‭ ‬ذائقي‭ ‬الهدف،‭ ‬يتمتّع‭ ‬بلذّة‭ ‬التلقّي‭ ‬ودهشة‭ ‬المعنى‭ ‬وإصرار‭ ‬المنظومة‭ ‬على‭ ‬رسم‭ ‬ملامحها‭ ‬المتخيّلة،‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يفرق‭ ‬ولا‭ ‬يفترق‭ ‬عن‭ ‬النصّ‭ ‬السردي‭ ‬الذي‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬كلّ‭ ‬ملاذات‭ ‬الهيمنة‭

وهذا‭ ‬يقودنا‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬أسئلةٍ‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬نوعٍ‭ ‬آخر‭: ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬براءةٌ‭ ‬في‭ ‬النصّ‭ ‬وإنتاجه؟‭ ‬وهل‭ ‬هناك‭ ‬براءةٌ‭ ‬في‭ ‬التلقّي؟‭ ‬أم‭ ‬إن‭ ‬النصّ‭ ‬يحمل‭ ‬أدوات‭ ‬اكتماله‭ ‬مثلما‭ ‬تتوافر‭ ‬هذه‭ ‬الاكتمالية‭ ‬في‭ ‬التلقّي؟‭ ‬وهل‭ ‬النصّ‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬توصيفه‭ ‬التعريفي‭ ‬إلى‭ ‬توصيفٍ‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬الخطاب‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬صار‭ ‬له‭ ‬متلقٍ‭ ‬يتلقّف‭ ‬دلالاته‭ ‬وعناصر‭ ‬تكوينه؟

لا‭ ‬بد‭ ‬لنا‭ ‬أولا‭ ‬من‭ ‬القول‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬نصّ‭ ‬بريءٌ‭ ‬مثلما‭ ‬لا‭ ‬تلقٍّ‭ ‬بريءٌ‭ ‬أيضا‭ ‬ولا‭ ‬تكمن‭ ‬البراءة‭ ‬في‭ ‬عناصر‭ ‬المواجهة‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬اختلاف‭ ‬التلقّي‭ ‬والوعي‭ ‬والثقافة‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬منتج‭ ‬النصّ‭ ‬أو‭ ‬متلقيه‭.. ‬البراءة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬بالجانب‭ ‬الأخلاقي‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬العوامل‭ ‬الاجتماعية‭ ‬متداخلة‭ ‬مع‭ ‬الوعي‭ ‬والثقافة‭ ‬من‭ ‬متلقٍ‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬ومن‭ ‬منتجٍ‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬لأن‭ ‬كليهما‭ ‬خرجا‭ ‬من‭ ‬بيئاتٍ‭ ‬مختلفةٍ‭ ‬لا‭ ‬تتساوى‭ ‬مع‭ ‬البيئات‭ ‬الأخرى‭.. ‬النصّ‭ ‬روح‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬جسدٍ‭ ‬كما‭ ‬قلنا‭ ‬ولكن‭ ‬المشكلة‭ ‬تمكن‭ ‬في‭ ‬آليات‭ ‬هذا‭ ‬النصّ‭ ‬بمعنى‭ ‬متى‭ ‬يكون‭ ‬نصّاً‭ ‬قابلا‭ ‬للتلقّي‭ ‬وكيف‭ ‬يكون‭ ‬خطاباً‭ ‬قبل‭ ‬التلقّي؟‭ ‬وهل‭ ‬إذا‭ ‬تحوّل‭ ‬من‭ ‬الإنتاج‭ ‬إلى‭ ‬المتلقّي‭ ‬صار‭ ‬خطاباً‭ ‬أم‭ ‬إن‭ ‬النصّ‭ ‬يبقى‭ ‬نصّاً‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬استلمه‭ ‬المتلقي؟

الأسئلة‭ ‬العديدة‭ ‬التي‭ ‬أرسلها‭ ‬النقاد‭ ‬عبر‭ ‬تعاريفهم‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الركون‭ ‬إليها‭ ‬وحدها‭ ‬لأنها‭ ‬بحسب‭ ‬المفهوم‭ ‬اللغوي‭ ‬لكلمة‭ ‬‮«‬نص‮»‬‭ ‬في‭ ‬لسان‭ ‬العرب‭ ‬‮«‬النَّصُّ‭: ‬رفْعُك‭ ‬الشيء‭. ‬نَصَّ‭ ‬الـحديث‭ ‬يَنُصُّه‭ ‬نصّاً‭: ‬رَفَعَه‭. ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬أُظْهِرَ،‭ ‬فقد‭ ‬نُصَّ‮»‬‭ ‬أما‭ ‬مفهوم‭ ‬النصّ‭ ‬اصطلاحا‭ ‬‮«‬الكلمات‭ ‬المطبوعة‭ ‬أو‭ ‬المخطوطة‭ ‬التي‭ ‬يتألف‭ ‬منها‭ ‬الأثر‭ ‬الأدبي‮»‬‭ ‬ولكنه‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬جهةٍ‭ ‬أخرى‭ ‬يقال‭ ‬إنه‭ ‬‮«‬عينة‭ ‬من‭ ‬السلوك‭ ‬الألسني‭ ‬وإن‭ ‬هذه‭ ‬العينة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مكتوبة‭ ‬أو‭ ‬منطوقة‮»‬‭. ‬وهنا‭ ‬يكون‭ ‬رأي‭ ‬من‭ ‬يتحدّث‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬النصّ‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬بين‭ ‬دفّتين‭ ‬دون‭ ‬متلقٍّ‭ ‬فهو‭ ‬نصٌّ‭ ‬وإذا‭ ‬استمله‭ ‬متلقٍّ‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬خطابٍ‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬النصّ‭ ‬هو‭ ‬تلك‭ ‬العلامات‭ ‬التي‭ ‬يراد‭ ‬لنا‭ ‬إرسالها‭ ‬عبر‭ ‬فكرةٍ‭ ‬ما‭ ‬أو‭ ‬تلخيصٍ‭ ‬لحالة‭ ‬استجوابٍ‭ ‬لموضوعةٍ‭ ‬معيّنة‭ ‬أو‭ ‬إنه‭ ‬بثّ‭ ‬أسئلةٍ‭ ‬جديدةٍ،‭ ‬والنصّ‭ ‬عبر‭ ‬عدم‭ ‬براءته‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬نصّاً‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬ويكون‭ ‬خطاباً‭ ‬أيضا‭ ‬لأن‭ ‬الخطاب‭ ‬رسالةٌ‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬للخطاب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بدون‭ ‬متلقٍّ‭ ‬ولا‭ ‬النصّ‭ ‬له‭ ‬فائدة‭ ‬دون‭ ‬متلقٍّ‭ ‬أيضا‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬بريئةً‭ ‬لأنها‭ ‬ربما‭ ‬تنحاز‭ ‬إلى‭ ‬منطقةٍ‭ ‬دون‭ ‬أخرى‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬تشكّل‭ ‬معياراً‭ ‬واضحاً‭ ‬لمفهوم‭ ‬الوعي‭ ‬والتلقّي‭ ‬في‭ ‬منهجها‭ ‬الثقافي‭ ‬لأن‭ ‬الانحياز‭ ‬يعني‭ ‬القفز‭ ‬على‭ ‬معيارية‭ ‬الثقافة‭ ‬وربما‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬محو‭ ‬نقطة‭ ‬الالتقاء‭ ‬بين‭ ‬النصّ‭ ‬كمفهومٍ‭ ‬منتجٍ‭ ‬وبينه‭ ‬كمفهوم‭ ‬تلقٍّ‭ ‬مثلما‭ ‬قتل‭ ‬روح‭ ‬النصّ‭ ‬الباحث‭ ‬عن‭ ‬جسدٍ‭ ‬لاكتمال‭ ‬بلوغه‭ ‬في‭ ‬وعي‭ ‬المتلقي‭.‬

إن‭ ‬النصّ‭ ‬هو‭ ‬الخطاب‭ ‬وقد‭ ‬عرّفه‭ ‬الكثيرون‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬رسالة‭ ‬تواصلية‭ ‬إبلاغية‭ ‬متعددة‭ ‬المعاني‭ ‬تصدر‭ ‬عن‭ ‬باث‭ ‬‭(‬المخاطب‭)‬‭ ‬موجهة‭ ‬إلى‭ ‬متلق‭ ‬معين‭ ‬عبر‭ ‬سياق‭ ‬محدد،‭ ‬وهي‭ ‬تفترض‭ ‬من‭ ‬متلقيها‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬سامعا‭ ‬لها‭ ‬لحظة‭ ‬إنتاجها،‭ ‬ولا‭ ‬تتجاوز‭ ‬سامعها‭ ‬إلى‭ ‬غيره‮»‬،‭ ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬لحظة‭ ‬التنوير‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تتوافر‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الاستلام‭ ‬والتلقّي‭ ‬وثقافة‭ ‬الفهم،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬أيّ‭ ‬عملية‭ ‬إزاحة‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬وفق‭ ‬المعادلة‭ ‬الآنفة‭ ‬تضرّ‭ ‬ليس‭ ‬بمفهوم‭ ‬النصّ‭ ‬بل‭ ‬بثقافة‭ ‬التلقّي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬بدونها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الرّوح،‭ ‬أيّ‭ ‬النص،‭ ‬قابلة‭ ‬على‭ ‬الديمومة‭ ‬والبقاء‭ ‬والتحليق‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬حالات‭ ‬التلقّي‭ ‬في‭ ‬تعدّد‭ ‬قراءتها‭ ‬واستلامها‭ ‬للشفرات‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬قيل‭ ‬عن‭ ‬النصّ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقال‭ ‬عن‭ ‬الخطاب،‭ ‬مع‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بعدم‭ ‬تشابه‭ ‬الولادة‭ ‬كتوأمٍ‭ ‬إنتاجي‭ ‬أو‭ ‬توأم‭ ‬تلقٍّ‭ ‬لأنهما‭ ‬وإن‭ ‬اختلافا‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬البذرة‭ ‬الأولى‭ ‬وحرثها‭ ‬لكنهما‭ ‬يلتقيان‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬التحلّي‭ ‬بوعي‭ ‬اللحظة‭ ‬المنتجة‭ ‬للمفهوم‭.‬

إن‭ ‬النص‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أخذناه‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬تلك‭ ‬الرسالة‭ ‬أو‭ ‬التتابع‭ ‬الجملي‭ ‬الذي‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬عرض‭ ‬تواصلي،‭ ‬ولكنه‭ ‬يوجه‭ ‬إلى‭ ‬متلق‭ ‬غائب،‭ ‬ويثبت‭ ‬بالكتابة،‭ ‬كما‭ ‬يتميز‭ ‬بالديمومة،ولهذا‭ ‬تتعدد‭ ‬قراءات‭ ‬النص،‭ ‬وتتجدد‭ ‬بتعدد‭ ‬قرائه،‭ ‬ووجهات‭ ‬النظر‭ ‬فيه،‭ ‬ووفق‭ ‬المناهج‭ ‬النقدية‭ ‬التي‭ ‬يقرأ‭ ‬بها،‭ ‬ويعنى‭ ‬بوصف‭ ‬العلاقات‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭ ‬لأبنية‭ ‬النص‭ ‬بكل‭ ‬مستوياتها‭ ‬علم‭ ‬النص‮»‬،‭ ‬وهنا‭ ‬يكون‭ ‬الارتباط‭ ‬بعلم‭ ‬النصّ‭ ‬تحديداً‭ ‬والذي‭ ‬تتفرّع‭ ‬منه‭ ‬الألسنية‭ ‬والأسلوبية‭ ‬والسيميائية‭ ‬لكنه‭ ‬أيضا‭ ‬يمكن‭ ‬له‭ ‬الخروج‭ ‬عن‭ ‬وحدة‭ ‬الصفّ‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬عرفنا‭ ‬أن‭ ‬المتلقّي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يودع‭ ‬النصّ‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬التأويل‭ ‬وليس‭ ‬شخصاً‭ ‬آخر‭ ‬حتى‭ ‬المنتج‭ ‬للنص‭ ‬نفسه،‭ ‬لأن‭ ‬المنتج‭ ‬صنع‭ ‬النصّ‭ ‬ونفخ‭ ‬روحه‭ ‬وتركه‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الدلالي‭ ‬له‭ ‬ويأتي‭ ‬القارئ‭ ‬هنا‭ ‬ليضع‭ ‬الروح‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬تلقّيه‭ ‬ويحوّله‭ ‬إلى‭ ‬خطابٍ‭ ‬قادرٍ‭ ‬على‭ ‬الاستمرارية‭ ‬أو‭ ‬قتله‭ ‬ووأده،‭ ‬لأنه‭ ‬المتحكّم‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الجسد‭ ‬والروح‭ ‬معا‭ ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬نعني‭ ‬المتلقّي‭ ‬البسيط‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬علامات‭ ‬النصّ‭ ‬ودلالاته‭ ‬ووفق‭ ‬أيّ‭ ‬اتجاهاتٍ‭ ‬كان‭ ‬ينتهج‭ ‬طرق‭ ‬صنعته‭.‬

ولهذا‭ ‬نرى‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬النصّ‭ ‬والخطاب‭ ‬يحملان‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التأويل‭ ‬وإنتاج‭ ‬القصد‭ ‬وبث‭ ‬الروح‭ ‬في‭ ‬المعنى‭ ‬ونقطة‭ ‬التقاء‭ ‬بين‭ ‬تفكيك‭ ‬الوعي‭ ‬وجمع‭ ‬المعنى‭ ‬ولكنهما‭ ‬أيضا‭ ‬لا‭ ‬يخرجان‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬البراءة‭ ‬وخاصة‭ ‬المتلقّي‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يبتعد‭ ‬عن‭ ‬قصديات‭ ‬النصّ‭ ‬التي‭ ‬ابتدعها‭ ‬المنتج‭ ‬ليزيّن‭ ‬بها‭ ‬مفعول‭ ‬التأويل‭ ‬وفلسفته‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬براءة‭ ‬النصّ‭ ‬لأن‭ ‬منتجه‭ ‬ربما‭ ‬أراد‭ ‬فيها‭ ‬مخاتلة‭ ‬الذائقة‭.‬

وإن‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬الوصول‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬النصّ‭ ‬أنه‭ ‬روحٌ‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬جسدٍ‭ ‬كي‭ ‬يكتمل،‭ ‬والجسد‭ ‬هنا‭ ‬متعدّد‭ ‬العقول‭ ‬مثلما‭ ‬هو‭ ‬النصّ‭ ‬متعدّد‭ ‬مفاتيح‭ ‬التأويل،‭ ‬لأننا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نعيش‭ ‬بمعزلٍ‭ ‬عن‭ ‬النصّ‭ ‬كونه‭ ‬الوسيلة‭ ‬الأكثر‭ ‬انفتاحاً‭ ‬على‭ ‬مفاهيمنا‭ ‬سواء‭ ‬منها‭ ‬الثقافية‭ ‬أو‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أو‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬الاقتصادية‭. ‬فكلّ‭ ‬ما‭ ‬حولنا‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬نصٍّ‭ ‬له‭ ‬روحٌ‭ ‬وما‭ ‬العقل‭ ‬المقابل‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬بتأويل‭ ‬أو‭ ‬تفكيك‭ ‬أو‭ ‬رسم‭ ‬ملامح‭ ‬القصدية‭ ‬إلّا‭ ‬باعتباره‭ ‬الجسد‭ ‬الذي‭ ‬يحوّل‭ ‬ما‭ ‬يقال‭ ‬عنه‭ ‬بالفراغ‭ ‬إلى‭ ‬كائنٍ‭ ‬حيٍّ‭ ‬تمكن‭ ‬الإشارة‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬القارئ‭ ‬ذاته‭ ‬والاحتفاظ‭ ‬بأسئلته‭ ‬التي‭ ‬قلنا‭ ‬عنها‭ ‬إنها‭ ‬تولد‭ ‬من‭ ‬النصّ‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬رسالةً‭ ‬موجهةً‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬باثٌّ‭ ‬لأسئلةٍ‭ ‬جديدةٍ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تولد‭ ‬نصوصاً‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬حقولٍ‭ ‬معرفيةٍ‭ ‬أخرى،‭ ‬موازيةً‭ ‬أو‭ ‬متشابكةً‭ ‬أو‭ ‬منفصلة‭ ‬لأن‭ ‬المعرفة‭ ‬أثرٌ‭ ‬يتبع‭ ‬أثراً‭.‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬يقودنا‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقوم‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬ثقافة‭ ‬النصّ،‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يتأسّس‭ ‬على‭ ‬اللامعنى‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬المعنى‭ ‬المراد‭ ‬الوصول‭ ‬إليه‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬غير‭ ‬متاحٍ‭ ‬لأن‭ ‬لا‭ ‬حقيقة‭ ‬ولا‭ ‬ثباتٍ‭ ‬في‭ ‬المعنى،‭ ‬ولكن‭ ‬وجود‭ ‬التضادات‭ ‬في‭ ‬النصّ‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬محمّلٌ‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬منظومةٍ‭ ‬فكريةٍ،‭ ‬ولهذا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬القول‭ ‬أخذ‭ ‬على‭ ‬كلّ‭ ‬النصوص‭ ‬وجمعها‭ ‬دفعةً‭ ‬واحدةً‭ ‬ونحن‭ ‬نتحدّث‭ ‬عن‭ ‬النصّ‭ ‬الواحد‭ ‬الذي‭ ‬تتمّ‭ ‬قراءته‭.. ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬يغيب‭ ‬تحصيل‭ ‬معنى‭ ‬النصّ‭ ‬ومنظومته‭ ‬الثقافية‭ ‬عن‭ ‬الفهم،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬أساء‭ ‬المنتج‭ ‬لمفهوم‭ ‬النصّ‭ ‬كان‭ ‬الحاصد‭ ‬سلبياً‭ ‬ومشوّهاً‭ ‬ومؤثّراً‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬وثقافة‭ ‬الاستلام‭ ‬لهذا‭ ‬النصّ‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭.‬


كاتب من العراق