تنويعات‭ ‬روائية‭ ‬لعبقرية‭ ‬النذالة

تبنى‭ ‬الروايات‭ ‬عادة‭ ‬باستعارات‭ ‬مضيئة،‭ ‬لا‭ ‬تلبث،‭ ‬أن‭ ‬ترتوي‭ ‬وتنمو‭ ‬وتكتسب‭ ‬أجسادا،‭ ‬وتتنقل‭ ‬بين‭ ‬فضاءات‭ ‬وأوقات‭ ‬منسية،‭ ‬تونع‭ ‬كنيازك‭ ‬لتضيء‭ ‬العابر‭ ‬والساكن‭ ‬في‭ ‬تلافيف‭ ‬الروح،‭ ‬وتتكثف‭ ‬عبر‭ ‬نثر‭ ‬بصير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬القبض‭ ‬والبسط،‭ ‬وترك‭ ‬التفاصيل‭ ‬تتداعى‭ ‬دون‭ ‬حد،‭ ‬ثم‭ ‬لملمتها‭ ‬كحبات‭ ‬ضوء‭ ‬في‭ ‬شريط‭ ‬حي‭.‬

الجديد  شرف الدين ماجدولين [نُشر في 01/01/2017، العدد: 24، ص(140)]

على ‭ ‬هذا‭ ‬المنوال‭ ‬بنيت‭ ‬محكية‭ ‬‮«‬هوت‭ ‬ماروك‮»‬‭ ‬لياسين‭ ‬عدنان‭ ‬‭(‬منشورات‭ ‬الفنك،‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء،‭ ‬2016‭)‬‭ ‬مستلّة‭ ‬استعارة‭ ‬‮«‬القرين‮»‬‭ ‬من‭ ‬معتقد‭ ‬قديم،‭ ‬لتطريز‭ ‬مفارقات‭ ‬مجتمع‭ ‬ومدينة‭ ‬وحداثة‭ ‬معطوبة،‭ ‬حشد‭ ‬فيها‭ ‬الكاتب‭ ‬كل‭ ‬براعاته‭ ‬الشعرية‭ ‬والقصصية،‭ ‬ورصيده‭ ‬من‭ ‬منبت‭ ‬مسكون‭ ‬بالدعابة‭ ‬لإنجاز‭ ‬نص‭ ‬مرح‭ ‬عن‭ ‬النذالة‭ ‬البشرية‭.‬

تحكي‭ ‬الرواية‭ ‬مسار‭ ‬‮«‬رحال‭ ‬لعوينة‮»‬‭ ‬الشخص‭/‬السنجاب،‭ ‬فرد‭ ‬ملتبس‭ ‬وغير‭ ‬نمطي،‭ ‬وقلق‭ ‬ومثير‭ ‬للخيال،‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬صورته‭ ‬روافد‭ ‬مزرية‭ ‬شتى،‭ ‬تفقده‭ ‬الكنه‭ ‬الإيجابي،‭ ‬لكن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تحوله‭ ‬لشرير‭ ‬بسيط،‭ ‬يتمثل‭ ‬بالأحرى‭ ‬كمركّب‭ ‬عاطفي‭ ‬وظيفي‭ ‬لتناقض‭ ‬الشر‭ ‬وعبثيته،‭ ‬لهذا‭ ‬فهو‭ ‬يشخّص‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬صورة‭ ‬جميلة‭ ‬للنذل،‭ ‬أيمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬النذل‭ ‬جميلا؟‭ ‬ربما،‭ ‬فهي‭ ‬المعادلة‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬للشّر‭ ‬أزهارا‭ ‬‭(‬عند‭ ‬بودلير‭)‬،‭ ‬لنقل‭ ‬إنه‭ ‬‮«‬نذل‭ ‬خاص‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يحقد‭ ‬على‭ ‬الآخرين،‭ ‬ويتأمل‭ ‬وجودهم‭ ‬دون‭ ‬ضغينة،‭ ‬ويأسف‭ ‬أحيانا‭ ‬لنزوعات‭ ‬النهش‭ ‬والقطم‭ ‬والجندلة،‭ ‬التي‭ ‬تنتابه‭ ‬بالرغم‭ ‬عنه،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬الشيء‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يركبه‭ ‬إحساس‭ ‬غير‭ ‬نزيه‭ ‬يتجسد‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬عبر‭ ‬صور‭ ‬‮«‬المغص‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يطحن‭ ‬الأحشاء‭ ‬بإزاء‭ ‬كل‭ ‬النجاحات‭ ‬العابرة‭ ‬للأهل‭ ‬والخلان‭ ‬والبشرية‭ ‬جمعاء؛‭ ‬النذل‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬نتاج‭ ‬محيط‭ ‬ومسار‭ ‬حياتي‭ ‬وقيم‭ ‬اجتماعية‭ ‬ترخي‭ ‬بظلالها‭ ‬على‭ ‬الطبائع‭ ‬والأهواء،‭ ‬وجغرافيا‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬الخصاصة‭ ‬والصراع‭ ‬البدائي‭ ‬للبقاء‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬عبقرية‭ ‬للنذالة،‭ ‬يبدو‭ ‬الاستعمال‭ ‬مرتبكا‭ ‬ومازحا‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬ما،‭ ‬لكنه‭ ‬يضمر‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬يسعى‭ ‬إليه‭ ‬الروائي،‭ ‬فنحن‭ ‬أمام‭ ‬عجن‭ ‬لشظايا‭ ‬الهشاشة‭ ‬الطبعية‭ ‬والجبن‭ ‬المتأصل،‭ ‬والتملص‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬التزام‭ ‬أخلافي‭ ‬لربح‭ ‬موطئ‭ ‬قدم‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحياة،‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬حولته‭ ‬الرواية‭ ‬المستندة‭ ‬إلى‭ ‬الالتباس‭ ‬واللّغزية‭ ‬والتمدد‭ ‬الأفقي‭ ‬المتوتّر،‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬روائية‭ ‬ذات‭ ‬عمق‭ ‬شيطاني‭ ‬محبب‭.‬

يضعنا‭ ‬الكاتب،‭ ‬منذ‭ ‬الوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬أمام‭ ‬لعبة‭ ‬مماثلة‭ ‬تستهوي‭ ‬القارئ،‭ ‬وتجعله‭ ‬يتمادى‭ ‬في‭ ‬تصديق‭ ‬الأحداث‭ ‬المتداعية‭ ‬بنفس‭ ‬مشوّق،‭ ‬لحياة‭ ‬صغيرة‭ ‬للبطل‭ ‬صاحب‭ ‬العين‭ ‬الحسية‭ ‬المضاعفة‭ ‬والمتشعبة،‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬وسط‭ ‬هامشي‭ ‬لأب‭ ‬عاطل‭ ‬يعيش‭ ‬على‭ ‬تلاوة‭ ‬القرآن‭ ‬في‭ ‬المقابر،‭ ‬وأمّ‭ ‬تنتظر‭ ‬ما‭ ‬يدخله‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬كفاف‭ ‬يومي،‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يرتقي‭ ‬في‭ ‬مراتب‭ ‬الفاقة‭ ‬والحرمان‭ ‬بعد‭ ‬انتقال‭ ‬الأسرة‭ ‬للسكن‭ ‬مع‭ ‬العم‭ ‬الأعزب،‭ ‬في‭ ‬حيّ‭ ‬بالمدينة‭ ‬القديمة،‭ ‬وهناك‭ ‬ناضل‭ ‬الولد‭ ‬لاستكمال‭ ‬دراساته‭ ‬الجامعية،‭ ‬حيث‭ ‬يتعرف‭ ‬على‭ ‬النضال‭ ‬الطلابي‭ ‬بفصائله‭ ‬اليسارية‭ ‬والإسلامية،‭ ‬الثورية‭ ‬والإصلاحية،‭ ‬الشرعية‭ ‬والمحظورة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يستقر‭ ‬به‭ ‬الحال‭ ‬متزوجا‭ ‬من‭ ‬زميلته‭ ‬‮«‬حسنية‮»‬،‭ ‬ومشرفا‭ ‬على‭ ‬محل‭ ‬للإنترنت‭ ‬في‭ ‬حيّ‭ ‬مراكشي‭ ‬شعبي‭.‬

هذه‭ ‬هي‭ ‬الحكاية‭ ‬الإطار‭ ‬التي‭ ‬خططها‭ ‬الروائي‭ ‬لتحقيق‭ ‬مآربه‭ ‬الروائية،‭ ‬تتصل‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬في‭ ‬الارتكاز‭ ‬على‭ ‬استعارة‭ ‬‮«‬القرين‮»‬‭ ‬وتخييلها‭ ‬لعبقرية‭ ‬النذالة،‭ ‬تبدأ‭ ‬بالمماثلة‭ ‬الرمزية‭ ‬وتنتهي‭ ‬بالتجاور‭ ‬الفضائي‭ ‬مرورا‭ ‬بالتحاكي‭ ‬الاسمي‭ ‬والكلامي‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬والافتراض‭.‬

ويتصل‭ ‬أول‭ ‬هذه‭ ‬المآرب‭ ‬بآلية‭ ‬التخييل،‭ ‬وبلاغة‭ ‬النوع‭ ‬الروائي،‭ ‬حيث‭ ‬يلتجئ‭ ‬الكاتب‭ ‬إلى‭ ‬توظيف‭ ‬‮«‬الأمثولة‭ ‬الحيوانية‮»‬؛‭ ‬ليس‭ ‬بوصفها‭ ‬نسقا‭ ‬رمزيا،‭ ‬تنوب‭ ‬فيه‭ ‬أصناف‭ ‬الحيوانات‭ ‬عن‭ ‬البشر،‭ ‬ولا‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬بنية‭ ‬حكائية‭ ‬مغلقة،‭ ‬قصاراها‭ ‬إجزاء‭ ‬الحِكم،‭ ‬والمفارقات‭ ‬السلوكية‭. ‬ولكن‭ ‬بوصفها‭ ‬مرجعا‭ ‬لبناء‭ ‬صور‭ ‬الذوات‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬انفعالها‭ ‬الغريزي‭ ‬وتصرفها‭ ‬المكتسب‭.‬

وتدريجيا‭ ‬يضعنا‭ ‬السارد‭ ‬أمام‭ ‬تفاصيل‭ ‬مدونة‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬القرائن‭ ‬والنظائر‭ ‬والصّور‭ ‬البلاغية‭ ‬المتقابلة،‭ ‬تؤصل‭ ‬لأخلاقيات‭ ‬الاحتيال‭ ‬والحسد‭ ‬والضغينة‭ ‬والوصولية‭ ‬والكذب‭ ‬والغباء‭ ‬والتوحش‭.. ‬أي‭ ‬لمنظومة‭ ‬النذالة‭ ‬العبقرية،‭ ‬في‭ ‬أبهى‭ ‬تجلياتها‭. ‬يقول‭ ‬السارد‭ ‬في‭ ‬مقطع‭ ‬تمهيدي‭ ‬‮«‬رحال‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬السنجاب‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬أيّ‭ ‬حيوان‭ ‬آخر‭ ‬وكل‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬القرد‭ ‬والفأر‭ ‬والجرذ‭.. ‬يفتقد‭ ‬للعين‭ ‬اللاقطة‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬كيف‭ ‬تتنقل‭ ‬بنفاذ‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬ملامح‭ ‬البشر‭ ‬ونظيراتها‭ ‬عند‭ ‬الحيوانات‭.. ‬الفرق‭ ‬الأكبر‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬الأخلاق‭ ‬والسلوك‭ ‬وفن‭ ‬العيش،‭ ‬وكذا‭ ‬في‭ ‬التطلعات‭ ‬العميقة‭ ‬للحيوان،‭ ‬مما‭ ‬يؤثر‭ ‬بشكل‭ ‬لا‭ ‬شعوري‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬الإنسان‭ ‬المرادف‭ ‬له،‭ ‬وأدائه‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬والحياة‮»‬‭ ‬‭(‬ص‭ ‬19‭)‬‭.‬

حين‭ ‬يفكر‭ ‬التخييل‭ ‬الروائي‭ ‬بشخصياته‭ ‬حيوانيا،‭ ‬فإنه‭ ‬يحول‭ ‬المنبى‭ ‬السردي‭ ‬إلى‭ ‬حقل‭ ‬لتبيين‭ ‬المشابهات‭ ‬التي‭ ‬تصوغ‭ ‬الظاهر‭ ‬والوجدان‭ ‬والذهنية،‭ ‬فينساق‭ ‬قائد‭ ‬المماثلة‭ ‬مع‭ ‬اللعبة‭ ‬إلى‭ ‬مداها‭ ‬المعري‭ ‬لمحيط‭ ‬القاع،‭ ‬ويتحول‭ ‬‮«‬رحال‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬عين‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الخارج‭ ‬والسطحي،‭ ‬وإنما‭ ‬بالأحرى‭ ‬على‭ ‬الداخل‭ ‬المستكين‭ ‬في‭ ‬زوايا‭ ‬معتمة‭ ‬من‭ ‬وعي‭ ‬الشخصيات؛‭ ‬من‭ ‬وفيق‭ ‬الدرعي‭ ‬‭(‬الشاعر‭)‬،‭ ‬إلى‭ ‬المخلوفي‭ ‬‭(‬الأستاذ‭ ‬التقليدي‭)‬،‭ ‬إلى‭ ‬مراد‭ ‬والمختار‭ ‬وغيرهما‭ ‬من‭ ‬رفاق‭ ‬النضال‭ ‬الطلابي،‭ ‬إلى‭ ‬التجار‭ ‬وضباط‭ ‬الأمن‭ ‬والفتوّات،‭ ‬ومرتادي‭ ‬محل‭ ‬الإنترنت‭ ‬من‭ ‬العاطلين‭ ‬والعابرين‭ ‬ومسلوبي‭ ‬الإرادة‭.

تخطيط: حسين جمعان

وسرعان‭ ‬ما‭ ‬يضحى‭ ‬‮«‬القرين‮»‬‭ ‬هو‭ ‬عنوان‭ ‬جدل‭ ‬الإعلان‭ ‬والإضمار‭ ‬في‭ ‬فصول‭ ‬الرواية‭ ‬وفقراتها،‭ ‬ولا‭ ‬تدرك‭ ‬التصرفات‭ ‬والسلوكات‭ ‬الفردية،‭ ‬ولا‭ ‬المقاصد‭ ‬والمطامح‭ ‬الجماعية،‭ ‬بدون‭ ‬إدراك‭ ‬جوهرها‭ ‬الحيواني‭ ‬المقابل‭ ‬والمتعالي،‭ ‬وهو‭ ‬المبدأ‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬استبطن‭ ‬أغلبية‭ ‬نهج‭ ‬التمثيل‭ ‬السردي‭ ‬عبر‭ ‬عالم‭ ‬الحيوان؛‭ ‬من‭ ‬الخرافة‭ ‬‭(‬‮«‬كليلة‭ ‬ودمنة‮»‬‭ ‬مثلا‭)‬‭ ‬إلى‭ ‬الرسالة‭ ‬‭(‬‮«‬الصاهل‭ ‬والشاحج‮»‬‭ ‬للمعري‭)‬‭ ‬إلى‭ ‬الرواية‭ ‬المرتكزة‭ ‬على‭ ‬مجتمع‭ ‬الحيوان‭ ‬‭(‬‮«‬حديقة‭ ‬الحيوان‮»‬‭ ‬لجورج‭ ‬أورويل‭)‬،‭ ‬إلى‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة‭ ‬الناهضة‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬القرين‭ ‬‭(‬‮«‬القرين‮»‬‭ ‬لمجيد‭ ‬طوبيا‭ ‬مثلا‭)‬‭.‬

وتنفتح‭ ‬مرجعية‭ ‬القرين‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬أوسع‭ ‬حين‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬الرواية‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬تأويل‭ ‬للوجود‭ ‬المتشظي‭ ‬للفرد‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬نسمّيه‭ ‬‮«‬افتراضيا‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬اسميا‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬صوريا‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬أيّ‭ ‬توصيف‭ ‬آخر‭ ‬دال‭ ‬على‭ ‬مفارقة‭ ‬الوقائع‭ ‬الموضوعية‭ ‬والالتباس‭ ‬بالصفحة‭ ‬الضوئية،‭ ‬وابتداع‭ ‬واقع‭ ‬وهمي‭ ‬يتصل‭ ‬بالأسماء‭ ‬والصور‭ ‬والكلام‭ ‬فقط،‭ ‬وكأن‭ ‬اقتران‭ ‬الفرد‭ ‬بالقرين‭ ‬الحيواني‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬لتمثيل‭ ‬الكلبية‭ ‬البشرية،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬يضحى‭ ‬الوجود‭ ‬الاسمي‭/‬الصوري‭ ‬أكثر‭ ‬براعة‭ ‬في‭ ‬تمثيل‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬جبلة‭ ‬البشر،‭ ‬إلى‭ ‬قدر‭ ‬الفأرة‭ ‬المجازية‭ ‬للحاسوب،‭ ‬وهو‭ ‬المأرب‭ ‬الثاني‭ ‬الذي‭ ‬تحققه‭ ‬الرواية‭.‬

هكذا‭ ‬يمكن‭ ‬إدراك‭ ‬‮«‬هوت‭ ‬ماروك‮»‬‭ ‬ضمن‭ ‬ضفاف‭ ‬الرواية‭ ‬التفاعلية،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬موضوعها،‭ ‬وبإدراك‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الاستناد‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭ ‬التناظر‭ ‬الشبكي،‭ ‬المتفرع‭ ‬نصيا‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والمواقع‭ ‬الصحفية‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬إمكانية‭ ‬التعقيب‭ ‬والنقاش‭ ‬وصياغة‭ ‬فرقعات‭ ‬إعلامية‭ ‬تشغل‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭. ‬مع‭ ‬ما‭ ‬تستتبعه‭ ‬من‭ ‬الجدل‭ ‬الضروري‭ ‬للتخييل‭ ‬الروائي،‭ ‬وللرومانيسك‭ ‬المرح‭ ‬والهزلي،‭ ‬وما‭ ‬تنهي‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬محو‭ ‬للأسماء‭ ‬وإعدام‭ ‬للمسارات،‭ ‬السلوك‭ ‬الذي‭ ‬تتقنه‭ ‬عبقريات‭ ‬النذالة‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الأزرق‭.‬

هنا‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬تتكثّف‭ ‬تجليات‭ ‬النزوع‭ ‬الفطري‭ ‬للقرين‭ ‬اللاإنساني‭ ‬إلى‭ ‬افتراس‭ ‬الآخرين،‭ ‬وقضمهم‭ ‬والتنكيل‭ ‬بهم،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يجاوز‭ ‬ارتجالات‭ ‬الفضاء‭ ‬الجامعي‭ ‬الأحمر‭ ‬والأسود،‭ ‬المقيد‭ ‬باشتراطات‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ومحاذيره،‭ ‬يقول‭ ‬السارد‭ ‬في‭ ‬مقطع‭ ‬دال‭ ‬‮«‬حائط‭ ‬على‭ ‬الفيسبوك‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭. ‬لا‭ ‬حدود‭ ‬له،‭ ‬ليس‭ ‬مثل‭ ‬جدار‭ ‬المدرسة‭ ‬أو‭ ‬حائط‭ ‬التواليت‭. ‬اكتب‭ ‬يا‭ ‬رحال‭ ‬اكتب‭. ‬دبج‭ ‬ما‭ ‬شئت‭ ‬من‭ ‬رؤى‭ ‬وخواطر‭.. ‬هذا‭ ‬فضاء‭ ‬آخر‭ ‬أكثر‭ ‬اصطخابا‭. ‬بحر‭ ‬متلاطم‭ ‬الأمواج‭ ‬يصيب‭ ‬راكبه‭ ‬بالدوار‮»‬‭ ‬‭(‬ص‭ ‬215‭)‬‭.‬

ولأنه‭ ‬جدار‭ ‬مفتوح‭ ‬على‭ ‬أوهام‭ ‬العبقريات‭ ‬البشرية‭ ‬المتفاقمة‭ ‬فلن‭ ‬يمثّل‭ ‬في‭ ‬محطات‭ ‬التصوير‭ ‬الروائي‭ ‬إلا‭ ‬كتنويع‭ ‬على‭ ‬مرجعية‭ ‬‮«‬القرين‮»‬‭ ‬حيث‭ ‬تتماهى‭ ‬الأمثولة‭ ‬الحيوانية‭ ‬بتجليات‭ ‬التعالي‭ ‬الاسمي،‭ ‬فالجدار‭ ‬لن‭ ‬يكون،‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬ما،‭ ‬ملكا‭ ‬لذات‭ ‬فردية،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬كقناع‭ ‬لامتدادها‭ ‬الرمزي‭ ‬المتحايل،‭ ‬ومرتعا‭ ‬لتعرية‭ ‬النوازع‭ ‬الفطرية،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يطل‭ ‬منها‭ ‬التوحش‭ ‬الشرير‭ ‬ظهير‭ ‬البداوة‭ ‬الغريزية‭ ‬المتأصّلة‭ ‬في‭ ‬الأنفس‭.‬

ومن‭ ‬ثم‭ ‬فلن‭ ‬تشكل‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬تخييلها‭ ‬لعبقريات‭ ‬النذالة‭ ‬البشرية‭ ‬إلا‭ ‬مرثية‭ ‬لفضاء‭ ‬المدينة‭ ‬المزيفة‭ ‬‭(‬مراكش‭)‬،‭ ‬الآيلة‭ ‬بعد‭ ‬رحلات‭ ‬طويلة‭ ‬بين‭ ‬حنايا‭ ‬المدنية‭ ‬الوهمية،‭ ‬إلى‭ ‬استنبات‭ ‬الريف‭ ‬المقفر‭ ‬بين‭ ‬جنباتها،‭ ‬فتتخايل‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬أسطورة‭ ‬ملفقة‭ ‬تداري‭ ‬تشوهات‭ ‬الهشاشة‭ ‬المتأصلة‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬النضارة‭ ‬الطافية‭ ‬على‭ ‬السطح،‭ ‬بينما‭ ‬يكمن‭ ‬القرين‭ ‬الحيواني‭ ‬البدائي‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬وبين‭ ‬الثنايا‭. ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬يزدحم‭ ‬السطح‭ ‬المبهر‭ ‬ذاته،‭ ‬بفائض‭ ‬البشاعة‭ ‬الممتد‭ ‬في‭ ‬النسوغ‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬تتجاوز‭ ‬استعارة‭ ‬‮«‬القرين‮»‬‭ ‬لحظتيها‭ ‬السابقتين،‭ ‬تتجاوز‭ ‬‮«‬الحيوان‮»‬‭ ‬و‮»‬الصفحة‭ ‬الزرقاء‮»‬‭ ‬لتستوطن‭ ‬الفضاء‭ ‬البدوي‭ ‬الموازي‭ ‬الساكن‭ ‬في‭ ‬العمق،‭ ‬مكثفة‭ ‬عبقرية‭ ‬النذالة‭ ‬البشرية‭ ‬ومشرعة‭ ‬حناياها‭ ‬على‭ ‬أوسع‭ ‬الحدود‭.‬

والشيء‭ ‬الأكيد‭ ‬أن‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬هوت‭ ‬ماروك‮»‬‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬مهارة‭ ‬تخييلية‭ ‬ظاهرة،‭ ‬وحبك‭ ‬أسلوبي‭ ‬أخاذ،‭ ‬وبراعة‭ ‬في‭ ‬تبطين‭ ‬السخرية،‭ ‬كما‭ ‬تستند‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬جمالية‭ ‬بالعربية‭ ‬لافتة،‭ ‬واستثمار‭ ‬متوازن‭ ‬لطاقتها‭ ‬النثرية،‭ ‬وإمكانياتها‭ ‬التعبيرية‭ ‬عن‭ ‬النوازع‭ ‬والأهواء‭ ‬الإنسانية،‭ ‬أودع‭ ‬فيها‭ ‬الكاتب‭ ‬كلّ‭ ‬مهاراته‭ ‬الذهنية‭ ‬والحسية‭ ‬المغتنية‭ ‬بسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الممارسة‭ ‬الشعرية‭ ‬والقصصية‭ ‬والصحفية،‭ ‬وانخراطه‭ ‬المهووس‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬المجتمعي،‭ ‬ليفلح‭ ‬في‭ ‬المحصلة‭ ‬في‭ ‬التقاط‭ ‬راهن‭ ‬بلد‭ ‬تتقاذفه‭ ‬الإخفاقات‭ ‬السياسية‭ ‬والثقافية‭ ‬وتكلس‭ ‬القيم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المتحكمة‭ ‬فيها،‭ ‬كما‭ ‬تطحنه‭ ‬النوازع‭ ‬البدائية‭ ‬المتأصلة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تفلح‭ ‬يوما‭ ‬أنوار‭ ‬السطح‭ ‬الملفقة‭ ‬في‭ ‬تبديد‭ ‬أثرها‭ ‬من‭ ‬العمق‭ ‬الراسخ‭.‬


كاتب وأكاديمي من المغرب