أصابع قدميك وصوتي المخنوق

حكاية لجميع الأعمار

الجديد  آراء عابد الجرماني [نُشر في 01/02/2017، العدد: 25، ص(30)]

لوحة: ريم يسوف
صوتي ممدّد هناك بجانب جذعك المطمور داخل الركام؛ بينما ساقاك خارجه، أحاول إخراج صوتي ذاك، أبحث عن الثقب، الذي خرجت منه شهقة روحك الأخيرة، لعلّي أجده بين حجارة البناء المدمر، التي هشّمت صدرك الضعيف.

انهار البناء سريعاً فور سقوط البرميل فوقه، وتفتّت حجارة البناء الثقيلة، وباتت الأسقف المتينة قطعاً كبيرة.

قبل أن تولدي يا صغيرتي بسنتيْن تقريباً، كان “المعمرجي” أبو إسماعيل يعمِّر حجارة البناء ذاته ويطمئن والدك بأنه لن يبخل مطلقاً بالبيتون والحديد والبلوك، وأنه سيجعله سميكاً كفاية بما لا يسمح لبرد الشتاء أن يخترق الجدران. لم يحسب “المعمرجي” يومها حساب البراميل المتفجرة، التي ستسقط من سماء لم يتعرفها سابقاً.

الانهيار كان سريعا كهبوط البرميل الثقيل المدكوك بالحقد.

كانت “دوما” يومها تسير بخطى الصباح نحو البداية فإذا بها نهاية ضحكتك، ضحكتك المخنوقة بجوع الفقر والحصار.

حبيبتي..

أنا لا أسرد قصةً.

شاردةٌ أنا بكل تفاصيل الموت هناك، شرودٌ ذهنيٌّ ممدَّدٌ بجانب أصابع قدميك، يراقب الركام الذي يطمر بقية جذعك.

أطالع أصابع القدمين الصغيرة التي لم تهنأ بعد بحذاء دافئ، أقبِّلها برموش عيني، أتشعرين بدفء قبلاتي؟ وهل كان دمعي المنسكب عليهما كافياً ليغسلهما من غبار كثيف، بعد أن اختلط غبار الحجارة بفحيح النار المتفجرة!

أتساءل: ما حاجتك لِغَسْلٍ وتنظيفٍ؟ فعيناك لن تغازل قدميك بعد الآن، هما مغمضتان تحت الركام، أراهما تحلمان بوجه أمك؟ أتراك التقيتها أم لا؟

كَمْ اعتقدتُ أنّ صوت المؤذنين العذب، ذاك الشجيّ الصادر عن الجامع الأموي قادر على غسل قلوب الشياطين التي اقتحمت دمشق يوماً، فتوهمتُ أنهم لن يقووا على إيذاء نملة.

صغيرتي..

لا تجزعي إن تمدّدتِ تحت الركام، دون قدميك الصغيرتين، فساقاك ستركضان ذات صباح مشمس. تركضان بحثاً عن جسد طفلة أخرى شبعان ودافئ!

ستبحثان عن حديقة وأزهار.

عن أرجوحة لتتدلّيا منها وتهتزّا، وربما يدغدغهما النسيم.

عند أول عتبة لبيت فارهٍ، تنعم به طفلة بنفس عمرك، ستتذكر قدماك حلمك الطويل بجزمة وتنورة، فتدسا نفسيهما في جزمة أنيقة نظيفة، وتدور، تدور قدماك حول نفسها حتى ترتفع التنورة بالهواء، كتلك الرقصة (المولوية) والتي لم تعرفي مغزاها، لكنك تهجّأت اسمها على شاشة التلفاز.

ستحزن قدماك الصغيرتان لأنك لم تذهبي إلى المدرسة، وربما ستحزنين لأنك لم تتعلمي معنى الرقص والموسيقى، ستمشي قدماك الصغيرتان على درب المدرسة القريب وتمارسان لعبة (السَكَّة)، كما أحببت التسكع بهذه الطريقة في حارات “دوما”.

حبيبتي..

تلك الغصة التي تسمعينها في صوتي ليست ضعفاً، فصوتي مطمور بجانبك تحت الركام. كيف لي أن أخرجه؟ دلّيني.

ما رأيك بأن يقصّ صوتي عليك حكاية لتنامي، ضجيج صمت العالم يؤذي دماغك الصغير المهشم؟

سأقص عليك قصة لا تملها طفلتي،

قصة “القطة ذات الجزمة الحمراء”،

كانت هناك أميرة مسحورة على شكل قطة، وكان يؤرقها حبسها في حجم قطة لا تستطيع استعادة عرشها المسلوب، لا سيما بعد أن رفع الملك المزيف سوراً عالياً خانقاً حول البلاد أسماه “سور الممانعة”، منع الرعية عبوره إلا بدفع رسوم خروج مكلفة، أما رسوم الدخول فلا حاجة لها لأن من يخرج غالباً لم يفكر بالعودة.

ستسألينني يا طفلتي كيف حصلت القطة الأميرة على جزمة حمراء؟ -وربما كان اللون الأحمر قبل اليوم هو لونك المفضل- سأخبرك بما حصل، كانت لدى القطة صديقة جميلة بمثل عمرك تقريباً، لم تغادر بيتها يوما لأن أمها عاجزة ولأن ملك البلاد المزيف حذّر الشعب من مندسين قتلة وأمر بالتزام البيوت وعدم الخروج منها.

في صباح يوم عيد استيقظت الطفلة، فوجدت جزمة حمراء بجانب وسادتها، حزنت لأنها لا تستطيع العدْو والتباهي بها في الشوارع والحدائق.

أطالت الطفلة النظر في جزمتها، ضمتها وبكت مراراً، وكانت القطة الأميرة تواسيها وتدغدغ خديها بذيلها، تفرحها بلهوها. فكرت الطفلة بفائدة أن يكون لديها جزمة لا تلبسها، وقررت أن تهبها إلى صديقتها القطة اللطيفة.

عندما وضعت القطة قدميها الخلفيتين في الجزمة الحمراء شعرت بقوة تسري تحت فروها الأبيض، وأنها ترتدي جزمة سحرية، فإذا بها تعود إلى هيئتها البشرية التي كانت عليها سابقاً.

في ذلك اليوم خرجت الأميرة من منزل الطفلة، ولم تنس أن تعدها بأنها ستعيد الأمان إلى البلاد، وتنهي الخوف الذي نشره الملك المزيف فيها، حيث سيتمكن الأطفال من اللعب آمنين في الشوارع والحدائق.

أشاع الملك المزيف خبراً مفاده أن الأميرة هي مشعوذة مندسّة تمددت مؤامرتها في كل المدن والقرى والحارات، وأن الملك سيعيد الأمان للمنطقة، لذا سيقوم بالتدخل بطائراته وبراميله المتفجرة، فيقضي على كل مظاهر الحياة في البلاد التي تتيح للأميرة الاستمرار بالحياة.

في الحقيقة يا صغيرتي، الأميرةُ ما زالت تحاول أن تفي بوعدها للطفلة بتحقيق الأمان في البلاد وإنهاء العنف والخوف، لكنّها بحاجة لمن يساعدها.

وأنا بحاجة لصوتي فهلّا دللتني على الثقب الذي خرجت منه روحك، لعلّ صوتي المخنوق الممدّد بجانبك يخرج ويخبر الله بكل الحكاية.


كاتبة‭ ‬وأكاديمية‭ ‬من‭ ‬سوريا