الرجل العائد من هناك

الجديد  أحمد سعيد نجم [نُشر في 01/02/2017، العدد: 25، ص(44)]

لوحة: عمار عزوز
كانت “صفورية” عروساً في الجليل، في أرضٍ تفيض عسلاً ولبناً، في حالات الرخاء والأمن، وما أقلها. وفوق هضبتها التي تضربها الشمس من كلِّ الاتجاهات انتشرت بيوتها الكالحة. بيوتٌ كانت في غابر الأزمان مدينة كبرى، وعاصمةً يراها الرحالة في طريقهم من عكا إلى الناصرة، أو إلى قانا الجليل، ومنها إلى طبرية، يرونها ويتجنّبونها رغم أنها ملتقى الدروب.

وعندما فتح الرومان فلسطين عام 64 قبل الميلاد جعلوها مقرّ واحدٍ من السنهدرينات (المجالس) الخمسة التي قسّموا فلسطين من خلالها إدارياً، مما عنى أنها كانت في الفترة الهلنستية التي سبقت مجيئهم بلدة كبيرة وعامرة، ولربما كانت القلعة الموجودة فيها إلى الآن من بناء اليونانيين. فقد عُرف عن هؤلاء مقتهم للإمبراطوريات الشاسعة، كفعل مَنْ سبقهم من الحضارات، المصرية والحثّيّة والكلدانية والآشورية والبابليية والميدية الفارسية، وأخيراً الرومانية، وفضّلوا بدلاً عن ذلك دُوَلَ المدن، يحصّنونها بالأسوار، وبقلعة في أعلى نقطة فيها، تكون ملاذاً لأهلها، ساعة يجري حصارها.

ويوم أن تسلّم هيرود أنتيباس رئاسة رُبع الجليل، عقب وفاة والده هيرود الكبير سنة 4 ق. م، جعل منها عاصمةً له. وبناها بأبّهة، كأحسن ما يكون البناء على الطراز الروماني: الشوارع المحفوفة بالأعمدة والساحة الرئيسية (الإيغورا)، والحمّامات العامة، والمسرح، والفيلاّت، وأقنية الماء المشقوقة في قلب الجبال، حتى استحقّت عن جدارة لقب “جوهرة الجليل”، أو عروسه.

وقد أطلق الرومان عليها أكثر من اسم. فهي في القرن الأول الميلادي (Autocratoris)، أي “مدينة السلام”، وذلك بسبب رفض أهلها الإسهام في الانتفاض العام ضد النير الروماني. وفي القرن الثاني من الزمن العمومي (Commen Era) الذي نعيشه حتى الآن أسموها (Dio Caesarea)، أي مدينة الإله “زيوس»، كبير الآلهة، وهو الإله الحامي للإمبراطور هادريان، أحد أعظم أباطرة الرومان.

وإليها، كما يرى كثيرون، أشار “المسيح”، بحسب رواية الإنجيلي “متّى”، عندما قال “لا يمكن أن تُخفى مدينةٌ موضوعةٌ فوق جبل”. ومن العمل في بناء أبنيتها، ومسرحها التقط كلمة (Hippocret) وتعني في اليونانية ممثلا على خشبة المسرح، فجعلها في استخدامه تَدُلُّ على المنافق. وإلى فيلاّتها وأبنيتها الشامخة أشار عندما كان شريداً مطارداً “للثعالبِ أوجِرةٌ، ولطيور السماء أوكارٌ، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسندُ رأسَه”!

وأما أهلُها، وأهل القرى المجاورة لها فقد عرفوها باسمها الآرامي، السرياني القديم “صفورية”. وهو الاسم الذي عرفها به العرب الجاهليون. ذلك أنها كانت واحدة من المحطّات الأساسية في تجارتهم مع الشام. هي في الشمال، و”غزّة” هاشم في الجنوب. وهي البلدة التي نسج الموروث التاريخي الشفاهي للعرب علاقةً شائقةً، تضخّمت عبر تتابع القرون، بينها وبين “أميّة بن عبد شمس»، جدُّ الخلفاء الأمويين.

ويوم أن ولد أجدادنا، ومن بعدهم آباؤنا الراهنون، كانوا يمشون على دروبها، ويحرثون ويزرعون تراباً اهترأ لكثرة ما داسته سنابك الجيوش المتقاتلة. وغدا أرجوانيّاً مما ارتوى من دماء المتحاربين.

وكان طَحنَ البلدة تاريخا لم يكن رحيماً. فجعلها في كُلِّ حقبةٍ غير ما كانته في حقبتها السابقة. فتارة هي بلدة كبيرةٌ “جوهرة الجليل”. وأخرى صغيرة. وتارةً يهوديةً وأخرى مسيحية أو إسلامية، وكثيراً، كما يخبرنا بعض الرحالة الذين تجرّؤوا، ومرّوا فيها، أو قريباً منها، كانت “بين بين”. فسكانها خليط من أديانٍ شتّى!

وبعد خمسمئة عام من عمر الإسلام، لا نعرف فيها عن “صفورية” سوى أنها كورة من كُوَرِ الأردن إذ بها تصبحُ خلال حقبة الاحتلال الفرنجي لفلسطين في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين مرتعاً لفرسان الغرب اللاتيني وموطن حلم من أحلامهم المجنونة، التي كلّفتهم وكلّفت المنطقة الكثير من الدم وخرائب المدن.

وأيامها كان بمقدور المرء إن تصادف له المرور في أحد شوارع “صفورية” أن يسمع رجالاً ونساءً يتحدّثون في شوارعها لغة الشمال الفرنسي Langue D,oeil وأن يرى نساءً إفرنجيّات، ذاهبات أو آتيات من جهة كاتدرائية “ستّنا حنّة”، أو “صند حنّة”، كما أسماها المؤرخون العرب، الواقعة قرب البيادر، يتبخترن في شوارعها سافرات كما لو كُنَّ يتنزّهن على ضفاف السين في باريس.

وإذ بها تغدو بعد نصر حطين خاويةً على عروشها. أو على حدّ تعبير العماد الأصفهاني في “الفتح القسيّ “وصفرت ‘صفورية’ من أهلها فلم يبق فيها صافر، وكان فيها من الذخائر مالٌ وافر!”.

ثُمَّ، ودون أن تُمحى كليَّةً أصبحت “صفورية” كومةً من بيوتٍ متداعيةٍ تُزَنِّرُ تَلّةً جثمت فوقَ، وتحتَ، وبينَ، خرائب الزمن. ولكأن الناظر إليها من بعيد، ولا سيما إن كان رحّالةً يدفعهُ الفضولُ ويُبْعِدُه الوجلُ، يحسبها أطلالاً هجرتها الأنفاسُ الحيّةُ، فإن عثر على بعضٍ من سكانها في البساتين القريبة من الطرقات العامة، لشدّة ما ارتسم من بؤسٍ على وجوههم وثيابهم، مخلوقاتٍ تفلّتت لتوّها من صفحات العهد القديم، تحصد القمح ذاتَهُ الذي أوحى للسيد المسيح بأروع أمثاله (مَثَلُ الزارع).

كانت تبدو للناظر إليها من بعيد مهجورة. أعمدة وقناطر وعقود. شواهد أخفاها تراب السنين. ولم يبق منها سوى فوهات المغاور. وهي التي يتبين فيها معدن الرجال. ومَن يجرؤ على دخولها سوى الجان. إن دخلتها العجول والأغنام تخرج من طرفها الآخر بيضاء مِنْ شدة رعبها؟

من كان بمقدوره أن يقترب من البيوت الطرفانيّة منها؟ فإن أراهم الرحّالةُ الفرمانَ السلطاني يطلبون منه أن ينقعه ويشرب ماءه. وأيام الإمبراطور الروماني “قسطنطين”، حينما أصبحت المسيحية ديناً رسميّاً للإمبراطورية الرومانية احتاج الكونت “يوسف”؛ كونت طبرية، إلى ثُلّةً من الحرس كي يبني فيها كنيسة للدين الجديد. فكُلُّ جديدٍ بالنسبة إليهم، ديناً كان أم أي شيء آخر، كان بحاجةٍ إلى ثلة الحرس تلك!

وكهيئته الآن في حيّ الميدان من دمشق الشام، هكذا وجدت خيول الفاتحين العرب قبل مئات السنين، عمّنا “رشيد” يختبئ بين أكوام القمح، والشعير، في بيادر بلدته “صفورية”، ينتظر نتيجة النزال بين العرب والروم. ويومها لم يطلّ عمّنا برأسه، من خلف تلك الأكوام، إلاّ بعد أن سمع “اسطفان” منادي القرية، ينادي على الناس بالأمان، وبأن الفاتحين العرب يُعطون العهد، لأنفُسِ الناس، وأموالهم، وكنائسهم، وسقيمهم، وبريئهم، وسائر ملّتهم.

ذلك هو “رشيد”، باستثناء أنه ومنذ أن عرف، قبل غيره، طريق الشُغل إلى بساتين غوطة دمشق، وصار ضمّاناً في أحدها، اطَّرِح القمباز والكوفية والعقال، وأخذ يلبش الشراويل السود، كفلاحي هذه البلاد، وصار واحداً منهم: لباساً، حكياً.

وكان “العم رشيد” مِنْ قِلّةٍ طال بهم الزمن؛ مئة عام، وبعض المؤرخين يقولون مئتين أو ثلاثمئة حتى قَبِلَ الدينَ الذي جاء به الفاتحون العرب، إن كان ما يفعله الآن في غربته، أو ما كان يفعله عندما كان وسط خيرات أرضه، وما تركه له الأسلافُ، يمكن، وضمن أيِّ تساهُل كان، أن يُدعى إيماناً وصلوات!

هو، ومثلُه مثايل، ممن لا يعلم إلاّ الله أين طَبّوا في هذه اللجأة اللعينة، كان “رشيد” لا يُصدِّق متى تنتهي صلاة الجماعة، من يوم الجمعة، فتراه يخرج وما تزال الناس تركع، راكضاً كلّ مرة في اتجاهٍ من الاتجاهات الأربعة، لكأنما، كان ومن قبل أن يشرعَ في الوضوء والصلاة، قد نسي شيئاً فوق مرجل الحياة، يوشك أن ينضُجَ وتُقطَفَ ثمارُهُ. إقبالٌ محمومٌ على شهوات الدنيا وأطايبها ذلك هو عمنا “رشيد” باختصارِ، إن كان لكلمات قليلة أن تُلخِّص واحداً من بني البشر.

وكان والدنا، بتراخي الحِقب والآماد، قد صار مثل أخيه “رشيد”، بحيث ما عاد هو الآخر بقادرٍ على فَكِّ الحرف، بعد عِلمٍ توزن به الجبال. فقد كان ذات يومٍ مع “سليمان بن سعدٍ الخشني”، وكلاهما من جُندِ الأردُن، يوم أن قاموا بنقل دواوين الدولة من اللسان الرومي إلى اللسان العربي.

كما وصدف في مرّةٍ من المرار أن ضمّه مجلسٌ مع الخليفة الأموي “عبد الملك بن مروان”، فأُعجِبَ الخليفةُ بفصاحته فقال يسأله:

- “فمن العرب أنتَ أم من الموالي؟”.

فأجابه والدُنا:

- “يا أمير المؤمنين. إن كانت العربيةُ أباً فلستُ منها، وإن تكن لساناً فإنّي منها”.

وإليه، وإلى النابهين من أمثاله، من أهل البلاد ونِبْطِها، أشار الخليفة العباسيُّ المهدي، عندما تحدّث عن أربعة أشياءٍ سبقَ فيها الأمويّون خصومَهم العباسيين، وكان ثالثُها:

- “فإنَّ لهم موالي ليس لنا مثلهم”.

وأتت على الوالد أوقاتٌ كان فيها عالماً وفقيهاً ومتصوفاً يسوح في بلاد الله الواسعة. وكان معدوداً في النابهين، وقليلٌ ما هُم، إلى أن أدركته الوفاة في القرن الحادي عشر الهجري في”دمشق”. وكان ممّن ترجم لهم المحبّي في “خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر”، وقال “إن قبره موجود بظاهر ‘دمشق’، ويُزار، وله في الشام ذُرّية صالحة.

ثم تراخت الحِقَب والآماد، وتراكم على الأرض المقدّسة وساكنيها غبارٌ طمس ما كانوه، وما بنوه في كينونتهم الماضية، بحيث أن أمهر النسّابين ما عاد بمقدوره أن يعود بنسب أيٍّ منهم إلى أبعد من الجد العاشر.

وهكذا، أدركت نهاية القرن التاسع عشر والدَنا، في الولادة المتجدّدة له، وهو ابن سنوات قليلة. وكان من فضل الله عليه أن جدّنا محمّد كان أرسله، في تلك الأيّام، إلى كُتّاب البلدة الذي قام عليه الشيخ “أحمد عبد القادر سعد الدين”. وفي فترةٍ زمانية قصيرة، صار بمقدور والدنا، ومن جديد، أن يستظهر كثيراً من سُور القرآن الكريم، وبعضاً من أشعار العرب.

وظلَّ في ذلك الكُتّاب إلى أن نادى “أحمد العصمان”، منادي البلدة، مِنْ على سطح الجامع:

لوحة: عمار عزوز

- يا أهل البلد. يا سامعين الصوت. أجا رجل من جهة الجنوب، بواسطة الحكومة التركية، اسمه الشيخ “إسماعيل النابلسي”، ونزل في منزول المواعدة، وفتح هناك مدرسة للّي بِدّو يبعث ابنه لعنده.

ويومها، احتاج الأمر إلى قرار من الجد “محمّد”، وكيسٍ خيّطته له جدّتنا “فاطمة”، وذهب والدنا دوناً عن إخوته الخمسة، إلى منزول المواعدة، وظلّ هناك مع صُربة أولاد في مدرسة، مقدار ثلاث أو أربع أوض، بُنيت على عجل، فوق ظهر القلعة الهلنستية، والتي كان الشيخ “ظاهر العمر” قد أعاد ترميمها.

وهكذا، فما مضت أربع أو خمس سنوات إلاّ واشتدّ عود الوالد، وعاد له الكثير من نباهته التي فقدها بِكَرّ السنين وفَرِّها، وغدا، وقد بلغ مبلغ الرجال، أهلاً لإمساك دفاتر الحسبة التي أسّسها مع شركاء له في حيفا.

وما كان أثناء شُغْلِه فيما مضى كاتب خراج في دواوين الدول التي تعاقبت على حُكمِ فلسطين، أو عندما أتاحت له أموالُ جدّنا محمّد، ووالدنا ابنه البكر، أن يصبح شريكاً في حسبة الخضار في “حيفا”، يُسَوِّقُ بشكلٍ رئيسيٍّ ما تُنتجه أرض البلدة وأشجارها، ما كان، وقد صار وتصوّر، ويرفض أن يلبس في يومه ما لبِسه في أمسه، يرغب بأن يرى أخاه “رشيد” يزوره في مكان عمله، أيّاً كان ذلك المكان.

وكان “رشيدٌ” يأتيه، إلى الدّواوين، وقصور الحكام، ومجالس القضاء، وغُرَفِ الدرس في الجوامع والتكايا والخوانق، أو في موقعه الجديد في الحسبة، والباعة ينادون، والزبائن تفحص، وتنتقل من مخزنٍ إلى آخر، بحثاً عن الأجود والأرخص، وسط فلاّحين وأبناء مُدُن، أفندية وخواجات، عرب وأعاجم، وقد غبّره الجلوس فوق ظهر الباص، بشعرِهِ المشعّثِ، وقمبازه الزريِّ، لكأنّ يد التهذيب لم تتعهده منذ قرون، كان قد قضاها، في أرضه، التي لم يكن يُسمح له بمغادرتها، حتى لا ينكسر خراج الدولة، أو أن ينقص البلص الذي يتحصّلُهُ المقاطعجيون من تَعَبِ وعَرَق الفلاحين وفقط، في النازلات والجوائح وهجمات الأعداء الداخليين والخارجيين كان الإخوة يكونون إخوةً عن حقٍّ وحقيق، فيصمدون جنب بعضهم البعض، أو يفرّون في أعقاب بعضهم البعض، لا يلوون على شيء، ولحظتها، كان يتساوى غنيُّهم وفقيرهم، عالمُهم وجاهلهم. ثم، ما أن تعود الأمور إلى مجاريها حتى تراهما من جديدٍ: والدُنا رجلٌ، وعمّنا “رشيد” رجل، ووالدنا ينتهر أخاه، طالباً منه أن يتصرف إن تصادف وجودهما في مكانٍ واحد كأنه لا يعرفه البتّة.

وكيف يعملُ عمُّنا “رشيد” أنه لا يعرف أخاه البكر “سعيد”، وهو، ومنذ أن عَمِلَ جدُّنا “محمّد” بشرع الله، فأطلع له من بساتين العائلة في جبلة النُصّ حُصّة، ومن بساتين الخلاّدية حصّةً لأخيه من أمه “سليمان”، وأوصاهما خيراً بأختيهما “زهرة” و”ريمة”، وذلك كله رغم أنف عمّنا “سليم” الذي كان، ومن تحت لتحت، أداة جدّتنا “فاطمة”، في إبقاء أولاد ضُرّتها “الناطحية” عند عتبة الباب، رغم أن قلب البيت كان في العادة يكون للدخيل عليهم، فإن صار في قلبه امتنعوا عن تسليمه إلى طالبيه حتى لو ثارت من أجل ذلك حروبٌ وحروب!

وكيف يعمل “رشيد” ذلك، وهو قد بات لا يؤمّن أن تسافر سحاحير خضرته وسِلالُ فواكهه وحدها فوق ظهر الباص من “صفورية” إلى “حيفا”، وأن يقعد في البيت في انتظار أن يأتيه الكونترول بثمنها، فتراه كما الأطفال، يتشعبط فوق ظهر الباص، وسط الخضرة، والدواجن، شغوفاً بتلك العجيبة التي أتت إلى البلدة، فأراحت الدواب، وقلبت حياتهم رأساً على عقب، فأنهت السروات الموحشة، وما اعترضها من لصوص مُشَلِّحين، وأولاد حرام، كمثل السروة التي أماتت “سليم” في ميعة الصبا، فأراحت العائلة من شروره المخيفة!

إنه “رشيد”، ومَنْ غيره، وهو الذي، من أجل أن يعيش هو وعائلته الصغيرة كان على استعداد لأن يعمل كحمار، ويهوش كثور، وأن يصيح متى رأى أخاه عند رصيف ميناء “حيفا”، صيحةَ من يرى أمّاً افتقدها منذ زمن:

- “مرحبا خَيّا”.

وحينها، كان والدنا يعضُّ على شفتيه طارداً أخاه “رشيد”، كما لو أنه رجسٌ من عمل الشيطان، محاولاً في الوقت ذاته ألاّ يلفت انتباه الأفندية والخواجات من حوله. أما عمّنا فكان يواجه ذلك كله بابتسامته المعهودة، ابتسامة الحبّ والازدراء، والإصرارٍ الأكيد على العيش، ولكأنه كان هو وهي صنوان. مادّاً لساناً ساخراً، وناطقاً بسُبابٍ لاذعٍ يطال الجميع!

ذلك هو ما كانت وفّرته له خصاله الموروثة من أسلحةٍ، في وجهِ ما كانت التجربة المُرّة والموغلة في زمنٍ لا تعرَفُ له بداية في العيش على ظهر هذا الكوكب، قد أرته إياه؛ مِن أنه دوماً، ودوماً، موجودٌ، غير أنه في موجوديّته: لم يكن أكثر من قَشَّةٍ في مهبِّ الريح.

وهنا، في مكانهم الجديد، في القلب من دمشق الشام، اصطدمت السرمدية التي غَلّفت حياتهم السابقة بحائطٍ سميك. وصاروا لعبة زمنٍ يمضى بهم صُعُداً، وما عاد بمقدورهم، كما في أزمنتهم الغابرة، أن يلبسوا الأيام أرديةَ تأجيل، يخلعونها متى عَنَّ على بالهم. فيكونون: أمويّين، وعباسيّين، وفاطميّين، وأيوبيّين، ومملوكيّين، وعثمانيّين، أو إن شئتَ فإلى الحجر والبرونز والحديد، رفقاء للإسكندر المقدوني، حواريين مع المسيح عيسى بن مريم، أو جنود الإسلام، وحَمَلةَ رسالته في الخافقين.

***

وهكذا، وفي غمضة عينٍ اكتنفها الكثير من الغموض وعمى البصيرة، كانت الأخبار قد اتسقت بأن العم “رشيد” استحال في أرض الشام، ووسط حطام الناس، كبيرهم وصغيرهم، فقيرهم وغنيهم، وبعد لجأةٍ أذلّت الجميع، وأفقرت الجميع، تحوّل إلى عاشقٍ مدنفٍ، أحبّ، ووجد، هو الأب لأربعة أبناء شياطين، فتاةً يافعةً أرادته كما أرادها، سواءً بسواء.

ومثل قيسٍ جديدٍ، قيس البلطجة، والغربة التي تساوى فيها الكُلُّ أخذ ينفض عن جسده، الذي لم تُفْنِهِ الأيامُ الأحجارَ ، حجراً حجرا، وينبذ العلاقات التي بناها مع بني جنسه من البشر، علاقةً علاقةً، حتى غدا وحيداً. هاجراً ومهجوراً، مُحِبّاً ومحبوباً.

ويومها كان بمستطاع المرء لو تيسّر له أن يفتح ثغرةً في قلب البستان الذي ضَمِنَهُ العم “رشيد” من أصحابه اليلادنة، أن يراه وقد استلقى في القلب من مَنْطَرَتِهِ (عرزالِهِ)، وسط أشجار المشمش الكلابي، الحامل من عيونه. وكان، في حالته تلك، أشبه بآدمَ المنتظر لحوائه، القادمة على حصان الزفّة، ظهره العاري إلى خشبٍ خشنٍ، وصدره الكثّ إلى السماء، وطوفان الأفكار يأخذه هنا، ويرميه هناك، إلى أن أحالَهُ إلى إنسيٍّ، رقيق الحواشي، وغيرَ العم “رشيد” ذلك الذي عرفه الناس فيما سلف لهم من أيام.

وكأيّ مُولّهٍ، مُترقِّبٍ، راح حال العشق يأتي لعمّنا على هيئة صحوٍ دائمٍ، يضع الكلام، الذي كان يجد فيما مضى صعوبة كبيرة في إدارته وسط حلقة، فيقطش أكثره، يضعه في لهاته، بين أسنانه، وعلى لسانه، وصار يأتيه بمناسبةٍ، ودون مناسبة. ومن الأشعار التي أُثِرت عنه في فترته العُذريّة تلك قوله:

- عَ الجرجير وعَ الجرجير…… واللي ببالي بِدّو يصير!

وراح يخاطب الماء والهواء، والأشجار، والأطيار، يؤلّف الأشعار، يستذكر بعضها، ويكسر أكثرها، وأرادها مستودعاً للشكوى، واستحضر من خلالها الأب، والأم، والأنثى، زوجةً ومحبوبةً. وكان يقسو، ويقبّل الأقدام، يجأر وقد أقبل على حياة أرادها بكامل جوارحه، رغم مخاطِرِها التي عَمِيَ عنها.

وفي نظر نفسه وفي نظر مَن عرفوه، فقد كان فارسها، ذيبَها الذي لا يبارى، متى تعلّق الأمر بالنساء وأحوالهن. ومَن في البلد لا يتذكر يوم “عيون صفّوري”. يوم نظر حتى الشبع أجساد بنات عاريات. ولا أحلى مِن هيك. سرق ملابسهن. وكُنّ قد سقين قطيع الماعز، وشلحن يتحمّمن. ومَع مَن عَلِق “رشيد”، صعلوك “صفورية”، ملكها الضلّيل، الذي لم يعقر للعذارى مطيّته. واكتفى من عجيب صنع الله بخلائقه بالنظر!

وكان ساعتها هرّيباً. نجا بجلده. تاريخ يعيد التاريخ. مرّات ومرّات. بطولات. وهزائم. وفي المرّتين كان كليهما. الهازم والمهزوم. الشيء ونقيضه. والبشر يحكون. ويسمعون الحكايات. والنُكَت التي يحكيها ولا أحلى. كأطياف النساء اللواتي رآهن. تملّى حتى الشبع. نكات تأتي من فمِ لا ينطق الحروف كما ينبغي للحروف أن تُنطق. وعندما يُحاصره الأهل. الناس السامعون. يطلبون كلاماً مفهوماً، فتراه يهرب إلى الشتائم.

والعمّ “رشيد” لسانٌ زفرٌ. منبوذ. مرغوب في السهرات. يضحكون منه. وعليه. ومِنْ أين أتى بتلك الرزالة إن لم يكن من ” علي المحمّد ” و”سعيد الحاجّ” و”محمّد الكاملة”. رفاق السوء وغزوات الليل على أخمام الدجاج. يسرقون البيض. ويقلونه في مغارة الويسي. والويل لهم مِن ثأر البدو. ومع واحد مثله كان البدو القريبون من “صفورية” بحاجةٍ إلى صُربة خيّالة. يتحدّونه أن يطلّ برأسه عند أطراف “مرج ابن عامر”. وهو يتحداهم أن يظهروا عند بيادر “صفورية”: في الفسحة الفسيحة أمام دير “ستّنا حنّة”، دستور من خاطرها.

والآن بحب العم “رشيد” العذري لابنة “سليمان الحاج” كان يكسر قاعدةً. يمزّق سيرةً سلفت. يترجّل. يقول وداعاً ما بعده لقاء لسيرة الماضي. السيرة التي عاشها صغيراً وكبيراً؟ زوجةٌ وضُرّة. آمرة ومأمورة. أبناءٌ للستّ وآخرون للجارية.

وهاهو المولود من نارٍ لافحةٍ، ابن الضرورة القاسية وضحيّتها، يعتزم أن ينجز ما فشل في إنجازه على الدوام، وقد انبعثت في أتونه؛ وفي القلب مما جعله حيّاً وسط عواصف الغربة، كتلةً غرائز، عرفها الجميع، وخشوها خشيتهم لحوادث الطبيعة الهوجاء.

فهل انتهت، إلى غير عودة، سيرة عاشها مهزوماً، ابنا لعتبة البيت، وللنير متى عزّ وجود البهائم؟ وها هو، وقد رنّق العشق على روحه، وما من قوةٍ بدا أنّ بمقدورها وقف انحداره، وانحدار عائلتنا معه، نحو الكارثة، والفضيحة المؤكّدة. وبالسيل الفتيِّ، الطافح، الذي ما يزال، في صُلبه، وبين جانبيه، هناك في القلب مما لا يُرى كان “رشيد” قرّر، إن لم تكن ابنة “سليمان الحاج” عاقراً، أن يرفد عالم البشر بمواليدَ جدد.

وبالقديمة، أم البنين، أو بالبكر، الجديدة، المطلقة، وبغيبةٍ طالت فأقلقت عاد العم “رشيد” من بساتين يلدا إلى بيته في مقام “الشيخ موسى” في حيّ الميدان، بعد أن كان قد أدار ظهر المجنِّ للعالم من حوله. ولم ير أثناء غيبته تلك عن بني البشر غير وجه محبوبته. وهو الوجه الذي أصرّ على رؤيته، ولو خطفاً، أو من وراء حجابٍ، قبل أن ينطق بكلمة نعم. وعندما نظر إلى الوجه الملائكيّ لـ”غزالة” سبّح بآيات الله وحمده، وقرأ الفاتحة، هو ووالد البنت، ثم، أغمِيَ عليه!

ولكن، من أين أتى ذلك البياض، وزراق العينين، وشقار الشعر، والقامة الفارهة لـ”غزالة”، ابنة العشرين ربيعاً، وفي الصفّوريّات عموماً، لكأنما هنّ اسكندنافياتٍ لا يختلفن عنهن إلا في مدارج التحضّر؟ أتقدر صحراء العرب، وشمسها اللافحة، على غير النباهة، والدهاء، والسمرة، والملامح الدقيقة، تهبها على سواء، للظباء، وللصقور، وللفتيات، والفتيان، وهو ما كان لـ”رشيد”، وآل “رشيد” نصيبٌ وافرٌ منه؟

نِبطٌ أم بُداةٌ أعرابٌ؟ أقوام شتى، أم بقايا حضاراتٍ سادت ثمّ بادت؟ أذلك، إذن، ما أتاهم من الحواضر الكبرى؟ مدنٌ قصّرت الأعمار، ورقّقت الأمزجة، حتى غدا الأخ دنيا، وأخاه الآخر دنيا أخرى. هذا نارٌ. وذاك رمادٌ؟ وكمِثْلِ اقتراب العم “رشيد” من أبناء جنسه، من بني البشر، كان ابتعاده عنهم، في الأسابيع الأخيرة، مثار قيلٍ وقالٍ لا يتوقف. وما عاد أمامه من مهربٍ إلاّ أن يرجع إلى ناسه وأهل حارته الجديدة. وأن يعود كي يواجه الكلام الذي ما عاد غيره على ألسنة الكلّ.

أصحيحٌ ذلك الذي كان يُحكى، صباحَ، مساءَ، ويدور بأكثرَه عن تلك الصبيّة الواضعِ عينيه عليها، البكرِ، التي لم يقوَ “يوسف المحمّد” على افتضاض بكارتها فأعادها إلى أهلها، واستعاد منهم ابنته التي كان بادَلهم عليها. وأن هذه “الغزالة”، التي ظلّت مرميّة في بيت أهلها، مقدار أربع سنوات زمانية، قد صارت، حقّاً، ليلاه التي ما أن رآها حتى طار لُبّه إلى غير رجعةٍ؟ وإنه لن يمضِي أسبوعٌ، أو أسبوعان بالكثير، إلاّ ويكون قد ضمّ إلى صدره جسداً بكراً، بطناً لم يشوّهه، لا التعشيب في الحقول، ولا الولادات؟

وبالدبكة، والمناسف، وأكياس الرز، وتنكات السمن العربي، بالدَيْنة، والدَينة المردودة، حتى لو أتت من أطراف حوران، أو من قلب بادية الشام، مستودع الأقارب الأبعدين كان “رشيد” قد بنى، فيما مضى من أزمان بزوجته “نجمة عبدالغني”، ووجدَ يومها من أعطاه ابنته، وقبل به صهرا. وكان ذلك، بالضبط، هو ما أنام “نجمة”على حرير الراحة، والاستحالة، وحسبت أنّ كلام زوجها عن “غزالة سليمان الحاج”، لا يعدو أن يكون كلام رجالٍ، في مجالس فراغ الرجال، هنالك عند زاوية “جامع الدقّاق”، وقت أن يحلو لهم، لا سيما إن أطلّت من بعيدٍ أجساد أنثويّة ملفّعة بالسواد، أن يطلقوا الكلام على عواهنه. أن يبسملوا، يكتموا آهة، ويكونوا عناتر زمانهم، عُشّاقَه المولّهين، المفلسين، واللاجئين إلى بلادِ ليست بلادهم!

إنها، وليست غيرها، صرّة النقود، الحيلة والفتيلة، كان قد حشرها، ليلة عاد من غيبته في بستان المشمش في “يلدا”. وكان ذلك في ساعةٍ قصيّة من نوم الجميع. خبّأ صُرّة النقود، التي كان يخفي وجودها عن الجميع في جيب قمبازه، وعاد إلى مطرح نومه، في الفراغ الضئيل المتروك له بينه وبين الأولاد. استلّ صُرّة النقود لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت!

وكان في فعلته خفيفاً، كخِفّته يوم أن كان يتسلل في الليالي الموحشة، هو وصحبته الشريرة، إلى مقام الويسي في “صفورية”، يسلبون ما كان قد تجمّع لوليّ الله من نذور، وهدايا. وكانت “نجمة” رأته رأي العين، ينقب الحائط، ويعيده كمثلما كان، بعد أن أوهمته أنها تكون ساعتها في سابع نومها. وبعينٍ نصف مغمضة وأنفاس محبوسة، راقبت فعلة زوجها: هادماً، بانياً، ومُعيداً بخفّةٍ مدهشة الزاويةً التي نقبها، فصيّرها كمثلما كانت.

وصبرت “نجمة”. جمدت مكانها. وماذا تستطيع واحدةٌ مثلها أن تفعل مع واحدٍ مثل العم “رشيد”، وهو الذي إن هاج فما من قوّة بإمكانها وقف هيجانه المدمّر؟ وإنما لحظتها فقط أخرجت صيحتها التي استغاثت فيها بوالدنا، الذي كان ساعتها نائماً في عِليّة “المقام”:

- “إلحقني. هيه خيّا يا سعيد!”.


كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات