لماذا يفشل المصريون دائما في كتابة الشعر

حين كنت تلميذا في الدراسات الأولية في الأدب العربي، استعرت كتاب «الشوقيات» للشاعر أحمد شوقي من مكتبة قسم اللغة العربية وأخذته معي إلى البيت وبعد عطلة نهاية الأسبوع كان عليّ أن أرجعه إلى المكتبة. بعد أسبوعين استعرت الكتاب الضخم نفسه وبقي معي كل نهاية الأسبوع. وهكذا دواليك عدة مرات. كنت أدأب على العودة إلى «الشوقيات» لأني كنت أؤنب نفسي على إخفاقي في العثور ولو على قصيدة جيدة لأمير الشعر العربي. أظل كل مرة أفتش بين مئات القصائد عن الشعر وأفشل دائما وأعود أبدا إلى القراءة فمحال ألاّ يكون هناك شعر مستجاد بين دفتي هذا الكتاب وهو لأحمد شوقي أمير الشعراء. أخيرا، يئست . هذا الشاعر ليس مقلدا فقط وإنما لا يعرف كيف يكتب قصيدة فنية تخاطب وجدان القارئ أو عقله.

الجديد  أثير عادل شواي [نُشر في 01/02/2017، العدد: 25، ص(52)]

لوحة: معتز الإمام
لا إمارة للشعر في قصائد شوقي ولا شعر بالمرة بل هو، كما وصفه عباس محمود العقاد، كومة تراب! لمن يشك في كلامي أن يطالع شعر أحمد شوقي ولا أعتقد أن هناك من يطالعه أو يكتب عنه الآن ولكنه يبقى أمير الشعراء لأن نخبة مصرية معينة في لحظة معينة ارتأت ذلك. رغم أن شعره لا يعدو أن يكون شعر مناسبات كتب بقوالب جامدة. كذلك الحال مع لقب عميد الأدب العربي الذي أطلق على طه حسين فعلى الرغم من أن الرجل كان ناقدا ولم يكتب من الأدب سوى سيرته الشخصية وسرديات ذاوية غير مهمة فقد صار ولا يزال عميد الأدب العربي. كذلك الحال مع جابر عصفور الناقد المصري المعروف فقد فاز بـ»جائزة القذافي العالمية للآداب» رغم أنه لم يكتب من الأدب شيئا. ألقاب وجوائز، «وكلٌ عن المعنى الصحيح محرف» كما يقول الشاعر معروف الرصافي. ذكرت قبل قليل عباس محمود العقاد ومن اللازم الإشارة هنا إلى أنه كتب ثماني مجاميع شعرية ولا يوجد أحد، لحسن الحظ، يصفه بالشاعر لأن دواوينه تخلو هي الأخرى من الشعر ولم تقرر النخبة أن تجعل منه شاعرا.

حين كنت أنبش في «الشوقيات» عن الشعر بلا طائل، ذهبت إلى معاصره «شاعر النيل» حافظ إبراهيم الذي لم ينشأ مع الباشوات كما هي الحال مع أحمد شوقي الذي أفاد من ذلك وجاهة وصدارة بل عاش حافظ إبراهيم مع عامة الشعب وكتب قريضا أكثر التصاقا بالحياة وأكثر زخما وعنفوانا من حيث اللغة الهادرة والمرونة في تطويع الأوزان والمفردات والصور. ولكن، بعيدا عن هذه الفروق كان شعر حافظ إبراهيم هو الآخر تقليديا خاويا خاليا من الإجادة الفنية والصور الخلاقة والقدرة على خلق التأثير بالقارئ والتواصل معه تواصلا إنسانيا خلاقا بغض النظر عن الشكل الشعري الذي يكتب فيه. حافظ إبراهيم هو الآخر لم يبق منه شيء للأجيال المقبلة وقصائده مثل نصوص طائفة كبيرة ممن كتبوا القريض في عصره مثل الشاعرين العراقيين معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي ولدت لصيقة بقضايا سياسية واجتماعية وزالت بزوالها.

عندما عدت في الزمن قليلا إلى الوراء لم أجد من الشعراء المهمّين في مصر ممن انبثقوا على إثر الحملة الفرنسية ومحمد علي سوى محمد سامي البارودي. فالبارودي شاعر جزل جيد السبك يحسن اختيار العبارة ولا سيما إذا قارناه بجيله وأجيال كثيرة قبله سادت فيها المحسنات البديعية الفارغة والخوار الجمالي في القصائد. بيد أن من يدقق جيدا في شعر البارودي يدرك أنه ما هو إلا سطو مسلح على شعر الشريف الرضي. البارودي لم يكن يستلهم الرضي بل يستنسخه بطريقة لا حياء فيها. وناهيك عن ذلك، فهو لم يقدم، بعد كل شيء، سوى شعر تقليدي لا نشعر فيه بخواصه النفسية والاجتماعية بل هو شاعر عمودي مقلد يكتب الشعر كما كان يكتبه أسلافه قبل قرون طويلة غابرة. أين البارودي؟ البارودي غير موجود! الموجود هو صدى للأقدمين لا أكثر ولا أقل.

كانت القرون التي سبقت البارودي في مصر وفي معظم البلدان الناطقة بالعربية أزمنة جفاف شعري بسبب الفقر وتفشي الأمية والانحطاط السياسي والحضاري. في هذه القرون، ولا سيما في مصر، ساد الشعر الذي يصفه بعض الدارسين بشعر العصور المظلمة حيث اضمحلت تقريبا القيمة الفنية للأدب وبات يعالج موضوعاته معالجة سطحية هزيلة مع اختفاء الابتكار والموهبة والانقطاع عن الموروث وغياب التفاعل مع بقية أصقاع العالم. في بعض الأحيان، كان ينشط ضرب من القريض مثل قصائد المديح النبوي والتي تدور حول تقليد قصائد قديمة ولا تتجاوزها لا بالمعاني ولا بالشكل الفني.

لا إمارة للشعر في قصائد شوقي ولا شعر بالمرة بل هو، كما وصفه عباس محمود العقاد، كومة تراب! لمن يشك في كلامي أن يطالع شعر أحمد شوقي ولا أعتقد أن هناك من يطالعه

أما القرون التي تلت البارودي فبعد جيل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، حاول شعراء أن يجددوا ضمن رؤى شعرية حملتها مدارس شعرية مثل الديوان وأبولو ولكنها لم تكن سوى بدايات متواضعة قياسا بالحركة الشعرية الجديدة الجارفة التي انطلقت بفضل الشاعرين بدر شاكر السياب ونازك الملائكة بعد الحرب العالمية الثانية في ما يعرف بالشعر الحر، أو شعر التفعيلة بتعبير أدق. وعلى نحو ما تأثر الشعر العربي بمجمله بهذه الحركة الشعرية الجديدة، تأثر الأدباء المصريون بها ولكنها انطبعت عليهم أكثر من غيرهم ولم ينجحوا في الخروج منها حتى اللحظة.

بعد هذا العرض التأريخي الموجز، سأعرض ها هنا لأهم الأسباب وراء ما اعتبره فشل المصريين في كتابة الشعر.

أولا: غياب الحاضنة اللغوية

مصر غير متصلة جغرافيا بشبه الجزيرة العربية. الأراضي المصرية قياسا بالعراق وبلاد الشام بعيدة عن شبه الجزيرة هذه ومفصولة عنها بموانع جغرافية كبرى مثل البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء الوعرة. بُعد المسافة هذا جعل اللغة العربية أمرا وافدا على مصر إبان انتشار الإسلام في القرن السابع الميلادي. في المقابل، كانت القبائل العربية بحكم الاتصال الجغرافي قد استوطنت العراق وبلاد الشام، ولا سيما سوريا منذ قرون عديدة قبل الإسلام وحين انتشر الإسلام هناك كانت له أرضية كبيرة وحاضنة ملائمة من العرب هناك والمستعربين، لذلك ازدهرت بسرعة مدن ثم الكوفة والبصرة ودمشق وبغداد فضلا عن حواضر أخرى احتضنت الثقافة العربية وآدابها.

الأمر على النقيض من ذلك في مصر فحين دخلها عمرو بن العاص كان مع كتائبه غريبا في أرض غريبة لها دينها وثقافتها ولغتها وعرقها المختلف. لم تكن مصر بعد ذلك بقرون عربية إلا في مدنها الجديدة التي بقيت صغيرة الحجم ومصممة لأغراض عسكرية لم تتجاوزها ومعزولة عن أجزاء مصر الأخرى مثل مدينة الفسطاط. القرى المصرية كانت قبطية وتتحدث بالمصرية القديمة ولا تكترث بمن يحكم هذه المدن الصغيرة. كان التحول إلى اللغة العربية والإسلام يجري بوتيرة بطيئة جدا وبقي إلى الآن ملايين المصريين الأقباط على المسيحية. وعندما أصبحت مصر تتحدث في أغلبها اللغة العربية كان الأدب العربي في أعظم إبداعاته قد كتبته أقلام عراقية وسورية بالدرجة الأساس.

عاش الأدباء المصريون مثلهم مثل أدباء الأندلس أسرى هاجس التقدم الشعري الكبير لدى شعراء العراق والشام ولم يستطيعوا أن يجاروهم ولا أن يطوّعوا اللغة العربية كما طوعها أدباء توارثوا لغتها جيلا بعد جيل وتناقلوا ثقافتها ابنا عن أب. حينما كانت اللغة العربية غريبة في مصر في القرن الأول الهجري، كان شعراء مثل الفرزدق وجرير والأخطل ينظمون شعرا يتداوله الناس ضمن النقائض وغيرها في حواضر العراق وبلاد الشام. هؤلاء ورثهم الشعراء العباسيون الذين نهلوا منهم ومن حركة نقد الشعر التي ظهرت علاماتها على شكل كتب نقدية وأدبية كابن سلام في كتابه طبقات فحول الشعراء والبديع لابن المعتز، والأغاني وكتب الحماسات وغيرها كثير جدا تخلو منه مصر بشكل عام.

لوحة: معتز الإمام

ثانيا: غياب الحاضنة الأدبية

وفرّ الخلفاء والأمراء والأدباء والعلماء مجالس ومحافل أدبية بلغت غاية متقدمة جدا من الرقي والذوق والعناية بالأدب، وتحولت جنبا إلى جنب مع المساجد إلى مراكز أدبية واجتماعية وفكرية مثلت حواضن أدبية وعلمية في كثير من مدن العراق والشام وأدت إلى تطور اتجاهات أدبية وفكرية كثيرة منها مدارس اللغة والمعتزلة وإخوان الصفا وغيرهم كثير.

كانت أغلب المدن السورية والعراقية تشهد حراكا أدبيا كبيرا أدى إلى ظهور أهم الشعراء العرب في العصر العباسي الأول مثل أبي نواس وأبي تمام والبحتري وسواهم ثم لاحقا المتنبي والمعري والشريف الرضي. في مصر، كان المشهد مختلفا.

كان البلاط على الدوام منعزلا عن النخبة ناهيك عن عموم الناس. كان الحاكم وحاشيته على الأغلب من المماليك أو الحكام الطارئين المتصارعين على السلطة. كافور، مثلا، استقدم المتنبي كي يمدحه، وأحس الشاعر الكبير بعزلة هائلة في مصر التي افتقدت مجالس سيف الدولة الأدبية رغم ما فيها من مشاحنات لم يكن منها بد. حين بنى الفاطميون القاهرة كانوا منكفئين على مطامحهم العسكرية ولم يفكروا حتى في نشر مذهبهم في الأوساط العربية المسلمة في مصر التي كانت تمتد نحو القرى القبطية البعيدة شيئا فشيئا.

غياب الحاضنة الأدبية منع الأدب أن يتفشى في مصر ويتطور مع حركة المجتمع إذ ظل البلاط منعزلا عن عامة الناس التي كانت منشغلة بالزراعة ولا تعد اللغة العربية إلا لغة طارئة لا تزال في طور تعلمها وتبنيها وسيلة للتفكير والتعبير. لذلك، كان الشعر العربي غريبا في مصر منذ انتشار الإسلام فيها ولم يتوافر له على حواضن لغوية ولا أدبية تعنى بغرس منابته وصقل مواهبه من خلال التلاقح الثقافي بين النخب المتعلمة والأدباء والنقاد المتخصصين.

ثالثا: الفقر الديموغرافي

مصر هبة النيل ولكنها أسيرته أيضا. خلافا للطبيعة السكانية العراقية والشامية التي تسمح بالانتشار على مساحة واسعة، فإن مصر مقيدة بشريط مائي ضيق يعيش فيه الناس بكثافة كبيرة. هذا الانحشار في منطقة واحدة يجعل الناس بعد مرور مدة قصيرة متشابهين جدا إلا في الأطراف النائية. لذلك، مصر تهرس كل الثقافات بثقافة واحدة ولغة واحدة ومزاج واحد عموما.

عند مقارنة مصر بالعراق والشام، تجد أن المدن العراقية والشامية تكتظ بطيف واسع من الأديان والمذاهب والقوميات والثقافات واللغات في حين أن مصر تفتقر لذلك كله. الاختلاف يوسع الخيال ويفتح الذهن أمام تجارب شتى ويغني التجربة الإنسانية في حين أن التشابه الشديد يحرم الأديب والفنان عموما من كل هذا. لذلك تجد أن الأدب العربي المكتوب في العراق وبلاد الشام يحتفل بالتنوع وينهل من ثقافات وآداب شتى ما أسهم في ارتقائه فنيا، قياسا بالأدب العربي المكتوب في مصر.

رابعا: الثقافة الممنهجة

حين نهضت مصر في القرن التاسع عشر، نهضت بخطة إصلاح اعتمدتها دولة محمد علي. أرسلت البعثات العلمية للنهل من العلوم الأوروبية الحديثة من أجل بناء جيش قوي ما أدى إلى بناء مصر الحديثة عمرانيا وعلميا بالشكل المعروف. الثقافة المصرية بل الإنسان المصري الحديث بنيا على هذا الأساس الذي يقوم على إشاعة التعليم من خلال رسالة تنوير سهر عليها مصلحون في مجالات شتى.

الشعر المصري منذ ذلك العهد نشأ ضمن هذه البيئة التي توجهها الدولة لغاية تعليمية واضحة ولم تكن له فرصة أن يتطور تطورا طبيعيا ويختط لنفسه مسارات مختلفة وفق طبيعة المجتمع وطبقاته وإشكالاته. لذلك يرى المرء أن الشعر لدى الأديب والناقد المصري لا بد أن يحمل رسالة مباشرة إلى القارئ هي في الأساس رسالة إصلاحية تدعو إلى التغيير نحو الأفضل. المباشرة ليست جلية فقط في مضمون الرسالة وإنما أيضا في الشكل. فالشعر العربي في مصر في الغالب يفصح عن رسالته إفصاحا مباشرا أيضا. الإسراف في المباشرة يحول دون كتابة قصيدة غنية وعميقة ومتعددة الدلالات.

وفضلا عن ذلك، لم يستطع أن يستثمر الأدباء المصريون الآداب الأوروبية استثمارا فعالا إذ لم يكن لمصر آنذاك ظهير قويّ من التراث لكي يتلاقح به التأثر الكبير بهذه الآداب الأجنبية. كان أدباء مصر يتعرفون على الأدب العربي لا من الأجيال التي سبقتهم وإنما من المخطوطات وهم يقرأون أيضا ضمن توجيه حكومي الفلسفات والآداب العالمية.

لم تكن في مصر بحبوحة أدبية ولا فكرية ولا حواضن علمية وفنية لكي تستوعب هذا الانفتاح على الغرب وتدخله في عملية مراجعة كبرى للتراث. جاء الانفتاح لأناس بدوا بلا سند سابق فتأثروا به تأثرا غير خلاق ولم يستطيعوا أن يمزجوه بما لديهم فيثيروا به كوامن الإبداع لديهم. لذلك، ترى الأديب المصري مطبوعا بميسم الانفتاح الغربي و خاضعا له.

اعتراضات محتملة

قد يعترض بعضهم قائلا: لا يعقل ألاّ تكون اللغة العربية قد تجذرت في مصر بعد أربعة عشر قرنا من دخول الإسلام لمصر، ومن ثم فلا بد أن يكون ذلك انسحب انسحابا محمودا على كتابة شعر ذي مستوى فني لافت. والجواب هنا هو أن هذا التجذر حينما وقع كانت الأوضاع -كما أسلفت- في حال من التردي لم يسمح بأن توجد حواضن أدبية تسمح ببلورة مثل هذا الشعر الفني. وحين دبت الحضارة في عروق مصر بعد عصور المماليك كانت هذه الحضارة موسومة بتوجهات عملية للغاية دفعت الآداب نحو مسارات تعليمية أضرت بمستوى الشعر إضرارا بالغا.

بعد انتشار التعليم المدرسي في مصر، ظل الشعراء المصريون تابعين فنيا لأقرانهم في العراق وبلاد الشام وكذلك الحال مع الصحافة وحركة الترجمة والكتابة السردية والنشاطات التمثيلية التي أذاعها بين المصريين وافدون من بلاد الشام تحديدا. شعراء ما بعد الحرب العالمية الثانية في مصر ظلوا أيضا مقلدين بصورة عامة لرواد قصيدة التفعيلة. لا تجد في صلاح عبدالصبور مثلا إلا تقليدا لا يكل ولا يمل للسياب. الشعراء المعاصرون مثل أحمد عبدالمعطي حجازي لم يستطيعوا للأسف الخروج عن قصيدة التفعيلة في حين فعل ذلك شعراء العراق وبلاد الشام منذ ستينات القرن الماضي.

هناك شعراء آخرون مثل فاروق جويدة لا يكتبون في الغالب العام إلا خواطر شعرية فقيرة الخيال والموضوعات والأشكال الفنية الجيدة. هؤلاء الشعراء لم تتح لهم مواكبة جيل سابق صاحب خبرة محكمة في كتابة الشعر وهذا الجيل السابق لم تتح له أيضا مثل هذه الفرصة، وهكذا دواليك. في العراق وبلاد الشام تجد هذا التفاعل بين الأجيال موجودا وشائعا. الشعراء هناك لا يأخذون فقط عن سطور الكتب وإنما أيضا من صدور من سبقهم. حين خبت جذوة الشعر في العصور التي توصف بالمظلمة، كانت في العراق مثلا أجيال شعرية ممتدة استمرت للمئات من السنين وكتبت شعرا وإن ضعف فنيا لكنه حافظ على الحد الأدنى من الكتابة الشعرية الجيدة كشعراء الغري، على سبيل المثال.

مصر هبة النيل ولكنها أسيرته أيضا. خلافا للطبيعة السكانية العراقية والشامية التي تسمح بالانتشار على مساحة واسعة، فإن مصر مقيدة بشريط مائي ضيق يعيش فيه الناس بكثافة كبيرة

من الاعتراضات المحتملة أن مصر شهدت على الدوام موجات من هجرة القبائل العربية إليها، وهذا، من ثم، أثرى اللغة العربية فيها. في واقع الأمر، هذه الهجرات لم تكن بالكثافة والكثرة التي تحدث تغييرا ديموغرافيا سريعا في مصر. معظم القبائل المهاجرة استوطنت في الصعيد وفي أطراف مصر البعيدة كسيناء، وأخذ تأثيرها منحى بطيئا للغاية وهكذا لم يؤثر ثقافيا ولغويا إلا بعد أن خف زخمه.

هذه القبائل لم تهاجر إلى الحواضر التي ظلت لمدة طويلة جدا أشبه بثكنات عسكرية لا تحوي سوى العسكر ومساجد اقتصر دورها على التعليم الديني مثل الأزهر. القاهرة ظلت لزمان طويل مركزا للسلطان وقواته مع عدد قليل من الحرفيين وتلامذة الأزهر، مثلها في ذلك مثل مدينة سامراء في العراق التي لم تقدم رغم اختيارها عاصمة للدولة العباسية في أوج قوتها شيئا يذكر في العلوم والمعارف والآداب لأنها كانت عاصمة إدارية وعسكرية فقط.

وفضلا عن ذلك، فإن كثيرا من هذه القبائل كانت تأتي من المغرب العربي وليس من المشرق لأسباب تتعلق بالمواجهة مع الأوربيين في القرون الوسطى. ولا تحمل القبائل العربية الآتية من الغرب المستوى اللغوي والأدبي العربي نفسه الذي يمكن أن تأتي به القبائل العربية المشرقية التي -رغم ذلك- لم تعد تحمل المخزون اللغوي الذي حمله أسلافها إبان ظهور الإسلام. ومع ذلك، كان يمكن لمصر أن تفيد كثيرا من القبائل العربية القادمة من المغرب العربي بما تكتنزه من روافد معرفية انبثقت من علاقتها بالأقوام غير العربية ولكن طبيعة هجرتها وملابسات إقامتها في الأراضي المصرية -كما ذكرت- أجهضت إلى حد كبير مثل هذه الإمكانية.

اعتراض آخر أكثر وجاهة قد يُثار وهو أن الأسباب المذكورة هنا لا تفسر ضعف الشعر الشعبي المصري، فهذا الشعر يشكو، هو الآخر، من جميع الآفات التي تستشري في الشعر المصري الفصيح من ضعف المستوى الفني وقلة التجديد وغياب العمق على مستوى الأفكار والأشكال وشح الموهبة واستفحال المباشرة والتعليمية. وردا على هذا الاعتراض أقول إن بعض الأسباب المذكورة في هذا المقال تجيب ولو جزئيا عن ذلك، فالعامية المصرية لغة عربية تدور على ألسن الناس وحين يتأخر انتشارها وتوطدها في بلد يتأثر الشعر المكتوب بها نتيجة لذلك. وكذلك الحال مع الحاضنة الأدبية والتأثر بالصبغة التعليمية التي صاغت الأدب المصري على نحوٍ عام. ومع ذلك، توجد أسباب خاصة وراء ضعف الشعر الشعبي المصري أولها هو أن شعراء العامية يكتبون غالبا الشعر الشعبي وهم يفكرون بالشعر الفصيح كما يلاحظ الشاعر المصري الراحل أحمد فؤاد نجم.

يكشف هذا التأثر الطاغي بالشعر الفصيح أن الشعر العامي المصري لم يبلور نفسه بنفسه وإنما ارتبط بأفراد كانوا يكتبونه على هامش الشعر العربي الفصيح. في بلدان عربية أخرى، يظهر الشعر الشعبي عادة من الأوساط الشعبية والقروية ويرتقي تدريجيا حتى يظهر شعراء ينسجون نصوصهم من مادته بصورة منظمة حين تكون الظروف مهيأة لهم. أما حين يقرر أفراد أن يكتبوا شعرا شعبيا بعد أن تكونوا أدبيا ضمن سياق آخر فهم على الأغلب لن يكتبوا شيئا ذا بال ولا سيما إذا كان الشعر الشعبي بين أوساط الناس لم يتطور بعد لدرجة يسهل النهل منها.

هناك في مصر، في أطراف قصية، شعر شعبي جيد لم نعرف عنه إلا القليل بسبب الأمية وقلة العناية بتدوينه لاحقا. هذا الشعر جيد على نحو استثنائي قياسا بالتجربة المصرية العامة. والملاحظ أن هذا الشعر نما ضمن قبائل تعيش، نوعا ما، بمعزل عن بقية الإقليم المصري ولها ثقافتها ولهجتها المختلفتان. ومن أمثال هذا الشعر قصيدة «في عشق البنات- نعناع الجنينة». هذه القصيدة ذات البنية الفلكلورية والمكتوبة بلهجة نوبية تخلو بشكل أو بآخر من كثير من عيوب الشعر الشعبي المكتوب في مصر، فهي على الرغم من بساطتها نمت في وسطها بصورة تلقائية وحملت عناصر من طبيعتها وثقافتها بطريقة سلمت من القسر والفذلكة والمباشرة والتعليمية. تجد هذه القصيدة لا تشبه السواد الأعظم من الشعر الشعبي المصري الذي يفتقر إلى بنية فنية جيدة وصور شعرية أخاذة بل يضيع في سرد مهلهل وتداع لفظي لا أول له ولا آخر أو يستهلك نفسه في الخوض بموضوعات سياسية بطريقة مباشرة مفتعلة تخلو من الذكاء الشعري والعمق الإنساني.

ختاما، أود الإشارة إلى أنني تجنبت الاستشهاد بأيّ بيت شعري في هذا المقال لعدة أسباب أهمها تجنب الاتهام بالانتقائية في اختيار النصوص، فيمكن مع كل بيت أذكره أن تتم مواجهتي بأبيات رديئة كتبها شعراء من العراق وبلاد الشام. والحال أن الشعر الرديء المكتوب في هذه البلدان أكثر من الشعر الجيد ولكن مصر لم تكد تكتب شعرا جيدا في الغالب العام. وفضلا عن ذلك، فقد دفعني طلب الإيجاز إلى عدم الاستشهاد بالأبيات الشعرية التي هي في الواقع جلّ ما كتبه المصريون إن لم يكن كله. ليس علينا أن نتردد في تشخيص الوقائع بسبب خوفنا من هيمنة مصرية ثقافية لم تنتج شعرا جيدا لا بالفصحى ولا العامية.


ناقد من العراق مقيم في نيويورك