النظرة الواحدة وجنايتها على عصر النهضة

يلتقي النقد مع الإبداع في قلة التجرد الذي يدفع للتحكيك والمراجعة وهي مشكلة تواجه الإبداع أولا؛ فلم يقدم النص النقدي -في أغلب الأحيان- البوصلةَ الحقيقية التي تجيب عن تساؤلات أولية؛ فصار الوقوع على مفهوم للشعر عملا صعبًا، فضلًا عن تحول أسماء بعض النقاد إلى ما يشبه “الماركات” التي يكفي وجودها على “المنتج” لضمان قبوله و”تسويقه”. ناهيك عن السلوك الشائن الذي يصرف أغلب الأقلام إلي التسلق للوصول إلي أعمدة الجرائد والمجلات على جثث دواوين أصحاب الحظوة فصارت بعض الأقلام محسوبة على “متعهدي الدواوين” على غرار “متعهدي الحفلات”. لا يختلف هذا السلوك عن تصيد أخطاء الأسماء الكبيرة، والراحلين منهم بشكل خاص، طلبا لشهرة زائفة، أو توهما لنضج يطرح مراجعة.

الجديد  علاء الجابري [نُشر في 01/02/2017، العدد: 25، ص(58)]

لوحة: معتز الإمام
نريد هنا أن نتوقف مع فترة النهضة، سواء على مستوى الشعر أو النقد، وما شهدته من تباين في وجهات النظر حولها، وأن نضع -في الوقت ذاته- بعض ظواهرها في السياق العام للإبداع العربي، أو الوعي بالصورة الكلية التي -لاشك- تفيد الأمر حضورا ووضوحا.

الأسفار الحديثة

لكل عصر بعض مقولاته التي تؤثر فيه، وبعض “لافتات” يجيد البعض الطنطنة بها، أو بعض مؤلفات يدور البعض حولها كعباد الشمس حيث دارت. لا يستطيعون أن يتبنّوا ما يخرج عنها، يقيمون فيها وكأنها بيت الطاعة من خرج عنه فهو “شاذ” ينبذه المجتمع الأدبي، ويبدو ساعتها غير مواكب للصيحات الجديدة.

يبدو هذا الأمر في تقديس الكثيرين لرؤية كتاب “الثابت والمتحول” لأدونيس. وعلى الرغم من أهمية هذا السّفر فإن توهم أنه محيط بالشعر العربي هو نوع من الأصنام الجديدة.

على سبيل المثال، كان عزوف “الثابت والمتحول” عن شعر شوقي والبارودي، وحافظ -من شعراء عصر النهضة- سببا في رمي البعض شعر شوقي بقلة الأهمية، وهلهلة القصيدة، وأنها -بتعبير العقاد قديما- “كمرقعة الدراويش”. والحق أن إجراء معايير البحث الحداثي على قصيدة كلاسيكية أمر لا يخلو من مغامرة، تماما كبعض أولئك الذين يكتبون قصيدة النثر بروح طرفة بن العبد. ربما كانت قصيدة شوقي -أو حافظ- واضحة. ولا نقول مباشرة، وننسى أن شاعر ذلك العصر كان يتوجه إلى جمهور أميّ في أغلبه، حتى وإن كانت القصيدة تُذاع من القصور. الشعر في الشارع هكذا كان وهذا الجيل يؤمن ويحاجج. إن هناك مباشرة تحس بجمالها، ومباشرة تحس بسطحيتها. المباشرة -هنا- نوع من الغنائية التي اقترنت بالصراخ. هل نذكر -مثلا- قصيدة “عابرون في كلام عابر”؟ ألا تراها مباشرة؟ فهل نفت المباشرة ما لها من جمال؟

ربما كانت قصيدة شوقي مفككة، ولكنها مفككة وفقا لأيّ معنى؟ وفقا للتركيب الحداثي؟ أم تبعا لعمود الشعر العربي القديم؟ لعل ما أقصده هنا هو محاسبة المنجز الشعري في مجمله عوض التوقف أمام النقائص، فلا ريب تتنوع قصيدة شوقي بين الغنائية والقصيدة الحوارية والشعر العاطفي والثوري. تباينات عدة على مستوى الغرض والبناء، فضلا عن الشعر المسرحي الذي اجترحه شوقي في وقت لم يكن العالم العربي يتصور إمكانية تحويل الشعر إلى حكايات على ألسنة شخوصه. ولا ريب -أيضا- في قدرات شوقي اللغوية، ولعل ذلك مردود لطبيعة العصر من جهة، ودأب شوقي من جهة أخرى؛ فيؤثر عنه أنه كان يقرأ “لسان العرب” كل شهر، فضلا عن تطويره للغة وليس أدل على ذلك من القصائد التي كتبها بمرونة بالغة لكي تُغنّى، وبعضها كان بالعامية.

إننا نحترف رمي المواهب بسرعة دون أدنى تمحيص. لعل شوقي كان يحدس بشيء من ذلك حين قال مرة “خمسة أشياء تعجبني في الفرنجة جعلتني أقدرها لهم، وأنظر لهم بالإكبار عندما دخلت بلادهم وهي تقديرهم للنوابغ، ونظافتهم، وحبهم للنظام، ورفقهم بالحيوان، وقلة الغيبة في مجالسهم، ولا فرق بين أغنيائهم وفقرائهم في احترام هذه الأشياء”.

غياب الموضوعية في الحكم على الرواد

وعلى العكس من النقطة السابقة فقد تهجم على أيّ مفكر أو ناقد تبعا لتوجهك أنت غير أن قليلا من الموضوعية يفترض أن تحكم عليه وفقا لسياق إنتاجه، فتنظر إلى “مجمل أعماله” عوض أن تتصلب رؤيتك على زاوية واحدة تظن معها أنها الوحيدة التي تصح وما عداها افتراضات خبالى. انظر -مثلا- لطه حسين الذي قد لا تراه بحجمه الحقيقي؛ إذ كان الرجل علامة في الدرس النقدي يصح معها أن تنظر إلى طرائق (مناهج) إنتاج النقد قبل طه حسين وبعده ليظهر أنه -وبشكل يكاد يكون منفردا- مناهج لدرس الأدب العربي دراسة حديثة، وهي التي سيطرت على الدراسات الأدبية والنقدية من منتصف العشرينات إلى بدايات ثمانينات القرن العشرين، وهو إنجاز يعزّ تقييمه وأنت واضع قدما على أخرى، تبصر وتسمع في عصر صار الحصول على المعلومة أيسر من الحصول على زجاجة ماء. هذا عمل مؤسسة كاملة غير أن من الناس أمما. هذه المتابعة لديه كانت تنصرف -في جانب منها- إلى الجديد في الأدب الغربي؛ فكتب الرجل عن الوجودية من منتصف الأربعينات، كما كتب عن بعض كتاب الخمسينات من القرن الماضي. ناهيك عن إنجازه في قراءة التراث العربي أدبا وفكرا وتاريخا، ومجهودات تربوية في تقديم صياغة “مذهلة” لكيفية صناعة التعليم ودوره في تشكيل الهوية “المصرية” الحديثة في كتابه الرائد “مستقبل الثقافة في مصر”، حتى تحولت بعض عبارته إلى دستور تربوي كامل، وهل ننسى “التعليم كالماء والهواء”، والتي تعلّم بفضلها الكثيرون في مصر، سواء من المصريين أو غيرهم. إن الحقول المعرفية له متعددة فمن الآداب إلى النقد التاريخي والنقد النفسي، والرواية الاجتماعية، والمذكرات الشخصية، وعلى المستوى السياسي أحد أهم من شكلوا ملامح ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين.

لقد كان الرجل ذا ريادة لمختلف التوجهات الحديثة في مختلف -أو معظم- مجالات الثقافة العربية، تجاور معها كتابته -بانتظام- في الجرائد اليومية في موضوعات اجتماعية وأدبية وسياسية، وبوصفه كاتب عمود صحافي كان مؤثرًا إلى حد أن تعبير åالسهل الممتنعò، نُحت لوصف أسلوب كتابته بالأساس. وللموضوعية، فربما كانت تطبيقاته على النصوص والظواهر الحديثة فيها قدر من “الخفة” كونها مقالات صحافية، لكنّ جانبا من تميزها يعود إلى مقارناته بين هذه الظواهر وما يشابهها في الثقافة الأوروبية.

يمكنك مراجعة إنجازات النقاد والمفكرين عربا كانوا أم مصريين من مرحلة الأربعينات حتى نهاية الثمانينات من القرن الماضي على الأقل لترى امتداد آثار طه حسين الفكرية فيهم.

إن تسمية طه حسين بعميد الأدب العربي ليست مبالغة، وقد تراها ألقابا مجانية، تآمر البعض فيها على ذائقتك التي تراها مقياسا للأمة العربية! فترى شوقي ليس أميرا للشعر ولا يحزنون، وطه حسين ليس أكثر من كاتب سيرة فاشل، ومرتزق على موائد الغرب. قليل من الإنصاف قد يقينا هذه الشرور. ربما جاء الاضطراب من التصاق هذا اللقب بـ”الأدب”، تماما كجوائز التصقت بالأدب وتم منحها لمن لم يكتبوا قصة واحدة. ربما كان الأمر تشريفا للجائزة بنسبتها للأدب، أو تبنيا لوجهة النظر القديمة التي كانت ترى الأدب أخذا من كل علم بطرف، أو بتعبير جاكبسون “متعدد حِرف”.

من التمس عيبا وجده. هكذا لا يُعد متصيد العيوب ناقدا، بحسن نية أو بسوء قصد؛ ذلك أن الحكم على أيّ عمل، أو رائد فني أو أدبي يقتضي النظر إلى سياق إنتاجه. السياق أكبر من النص كما يعرف طلاب الفرقة الأولى بالجامعة. على هذا فمن يغمض عينيه عن موسوعية العقاد -على سبيل المثال- ويركز بصره على شعره المتواضع فهو مملوء بالهوى، ومن ينكر دوره في الأدب والسياسة والتاريخ الإسلامي لا يختلف عن ذلك الذي يظن الكون قد توقف عنده، وأن ما بعده تفريعات عليه وعلى مدرسة الديوان التي دشنها الراحل الكبير. إن قليلا من الموضوعية -حتى في الحكم على شعره- يقتضي أن نتعاطف قليلا مع جفاف شعره، ونقف على تجديداته مهما كانت بسيطة، وأن نتابع الفلك في دورته الحتمية.

من مثل جريدة “جسور” أو تكسر الرهبة من التجريب، وتخرج من بيت طاعة الرواية فتخرج علينا “أخبار الأدب” بين الحين والآخر بملف عن شاعر لقصيدة النثر من مثل ما فعلته مؤخرا مع الشاعر

ومن الغريب أنك قد تهجم على شعر شوقي -مثلا- وفقا لنقد العقاد وهجومه على شوقي تبعا لمنطق “الوحدة العضوية” (وحقيقة المقصود وحدة موضوعية)، وهو رهان خاسر حين تجريه على قصيدة غنائية، وخصوصا في المطولات، فكأنك -ساعتها- تطلب سمكا من بائع اللحوم! المهم والشاهد هو اعتزازك بالعقاد ناقدا ثم تبحث في قصور شعره. مرة أخرى من التمس عيبا وحده.

عدم المتابعة وتوهم الخطاب الرسمي خطابا وحيدا

كانت القصائد في معظمها قصائد للمدح. حسنا سأتركك تحصي قصائد المدح في دواوين شعراء عصر النهضة، وأحدثك في موضوع لصيق بهذا الطرح الذي تراه.

هل تذكر “يُحال إلى لجنة النثر؟” تلك التي قابل بها المجلس الأعلى للفنون والآداب قصائد من الشعر الحر قُدمت إليه. هذا هو الموقف الرسمي بمعنى من المعاني. غير أن مياها كثيرة جرت في النهر، وظل الشعر الحر مكتوبا ومنتشرا ومتطورا في مصر التي ظلت لفترة ترفضه على المستوى الرسمي، وتفتح له أبوابها وندواته، وقبل ذلك قلبها. بمثل هذا الموقف الرسمي لا يؤرَّخ للشعر الحر، وبمثله كان لقصيدة التفعيلة أن تذهب للمقابر منذ زمن لو انصاع الشعراء له. ومنذ متى يسير الإبداع وفقا لجوقة السلطة. ينسحب الأمر على مواقف شعراء الجيل الأول على قصيدة النثر فترفضه نازك الملائكة وتتحول من أمّ للشعر الحر إلى الحماة “حماة” لقصيدة النثر*. ومع قصيدة النثر يعاني البعض من قلة الاعتراف بها. ولأن مؤتمر قصيدة النثر الأول قد تأخر حتى العام 2008 بمصر، ولأنه لم يحلّ ضيفا على المجلس الأعلى للثقافة -مثلا- فالكثيرون يرون أن الموقف الرسمي أقوى، والحقيقة أن مؤسسات المثقفين احتضنت هذا المؤتمر، وما تلاه، فأقيم بين أتيليه القاهرة، واتحاد الكتاب، ونقابة الصحافيين.

بين الحين والآخر تخرج بارقة أمل من مثل جريدة “جسور” أو تكسر الرهبة من التجريب، وتخرج من بيت طاعة الرواية فتخرج علينا “أخبار الأدب” بين الحين والآخر بملف عن شاعر لقصيدة النثر من مثل ما فعلته مؤخرا مع الشاعر رفعت سلام، في الوقت الذي تراجعت فيه مجلات رائدة. لا يريد شعراء قصيدة النثر المصرية نوعا من المباهاة أو المحاجاة أو الوقوف في أول الطابور، ولكن لا تحاسبوهم على الموقف الرسمي المعلن؛ فبعض من يحتلّونها هم شعراء أصحاب مواقف مضادة لقصيدة النثر يحولون بسببها بين الموقف الرسمي والطغيان الكبير لقصيدة النثر إبداعا ونقدا. هكذا كان السبق لبلد ترى -حتى الآن- قصيدة النثر عبثا، فيما خلت دول أخرى -فيما أعلم- من احتضان مؤتمرات لها.

البعد التاريخي ليس أقدمية ولكنه حضور

قد ترى بشيفونية مقيتة أن مصر بعيدة عن شبه الجزيرة العربية، وأنها ليست من مناطق الاحتجاج اللغوي. صحيح هذا على المستوى الجغرافي، غير أن مصر استطاعت أن تحضر البلاد العربية إلى حضنها الكبير. وفي العصور القديمة تميزت العراق والشام؛ لقربهما من بلاد العرب؛ فمصر لم تتعرّب كاملا إلا في القرن الرابع الهجري، كما أن قرب وجودهما من الخلفاء أيام العباسيين والشام أيام الأمويين قد جعل الشعر إليهما أقرب من وجوده بمصر.

سريعا اندمجت مصر في العرب، وتعرَّب اللسان المصري كاملا حتى أدرك بعض العلوم وأسهم فيها كعلم القراءات ومنه عثمان بن سعيد عدي المعروف بورش، وهو مصري ذو أصول قبطية، وفي علم الحديث يبرز من كان لقبه “أسد السنة”؛ أسد بن موسى بن إبراهيم المصري، روى عن شعبة، فضلا عن كتابات عبد الله بن وهب (134-197) مثل سفره “الجامع في الحديث”.

ومن الفقهاء أعلم الناس بمذهب مالك وترأس الطائفة المالكية بعد أشهب وهو ابن عبدالحكم وكذا الليث بن سعد الذي قال فيه الشافعي “الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به”، وكذا الشافعي الذي درّس في جامع عمرو بن العاص ووضع فيها كتبه الأخيرة، وفي مصر تلاميذه كالربيع الجيزي ويونس بن عبدالأعلى وإسماعيل المزني الذي قال فيه الشافعي “المزني ناصر مذهبي”. وامتد الأمر لعلم النحو فكان عبدالرحمن بن هرمز الأعرج (ت 117هـ)، وابن ولاد المصري وابنه محمد ثم حفيده محمد بن ولاد، ت (332 هـ)، وكتبه مثل “المقصور” و”الممدود” وكتاب “الانتصار لسيبويه من المبرد”. أعربوا القرآن مثل أبي جعفر النحاس، وكان ابن بابشاذ وابن معطي صاحب “الألفية في النحو”، وابن الحاجب (ت 646 هـ) صاحب “الكافية في النحو” و”الشافية في الصرف” وعليها شروحات كثيرة. وهل ننسى ابن هشام صاحب “مغني اللبيب” و”أوضح المسالك” و”شرح شذور الذهب”، ومعهم السيوطي.

وربما لا تحيا محاولات تجديد النحو في مكان كما شهدتها القاهرة، فكتب شوقي ضيف عن تجديد المدارس النحوية، والمدارس النحوية لخديجة الحديثي، وكتابات سعيد الأفغاني، ثم جيل عباس حسن وحسن عون وإبراهيم مصطفى وسفره الرائع “إحياء النحو”، ثم تمام حسان، وهو صاحب نظرية لم يُسبق إليها، وإبراهيم أنيس وكذا حماسة عبداللطيف وسعد مصلوح ومعاجم أحمد مختار عمر، ومجهودات سعيد بحيري وعبدالرحمن أيوب، والقائمة طويلة. أما الحديث عن دور الأزهر قديما وحديثا، والمجمع اللغوي حديثا فهذا شأن آخر يحتاج وقفة طويلة.

وهكذا ترى -إن فتحت عينك- مجهودات كبيرة للمحدثين وأسلافهم الذين سرعان ما اندمجوا في النهر العام للغة العربية، أما التوقف أمام الأسبقية فهو مقياس أعور، وقديما قالوا “لفلان فضل السبق، ولنا فضل الزيادة”. إن التجمد أمام الموقف “التاريخي” لا يعني التزام معيار السبق والأقدمية التي تجبّ ما عداها، فالتاريخ في جوهره يعني الوعي باستمراره، واطّراده باستمرار.

مثل هذا الوعي اللغوي والأدبي هو الذي سمح لدورها في الأدب أن ينمو ويحتضن تجارب عربية كثيرة من أمثال جورجي زيدان ومي زيادة ومعروف الرصافي، وباكثير الذي درس في القاهرة وكتب فيها معظم إنتاجه المسرحي، والقائمة طويلة.

أما قديما، فالشعر مسألة أخرى، ففي عصور الأدب العباسي الزاهية كانت مصر في طور بدايات تجربتها مع الأدب العربي، ولمّا كانت كتابة الشعر تحتاج دربة لغوية وتمكّنا من فنون القول وقدرة على التشكيل اللغوي فمن المنطق أن ننتظر شعرا منها بعد فترة، وأن من السخف أن تقارن المتنبي والبحتري وأبا تمام وغيرهم من شعراء الطبقة الأولى ببعض شعراء مصريين كانوا يحاولون بداية الشعر العربي في تلك الفترة من أمثال الشاب الظريف أو البهاء زهير أو البوصيري والذين كانوا يحاولون مجرد محاولات.

غير أن أكبر المجهودات اللغوية تبدو في مجال التحقيق. نبدأ من مرحلة متقدمة زمنيا مع “الوضاح في شرح أبيات الإيضاح” لأبي على الفارسي و”اتفاق المباني وافتراق المعاني في اللغة”، وبعد فترة صارت القاهرة حافظة سر المخطوطات العربية، وكانت مجهودات الشيخ شاكر وعبدالسلام هارون، والطناحي ورمضان عبدالتواب، وتحقيق النجار للخصائص، ثم امتد الأمر مع سلسلة “الذخائر” الحالية، التي تحقق كتبا مهمة، والتي أنتجت 230 عنوانا في فترة قليلة.

وختاما ، فإن انحصار النقد بين جفاف الأكاديمية وتسرع الصحافة مؤذن بخرابه؛ فالأكاديميون مشغولون بأبحاثهم ونظرياتهم بعيدا عما يدور في الساحة الإبداعية فصارت المحاولات النقدية ذات رائحة معملية وليس هناك خروج إلى قارعة الإبداع إلّا بعض الأعمال البسيطة.

* (عنوان مقال قديم لي)


ناقد من مصر