عراق مثقل بالجراح والفساد

تكشف العراقية حنان المسعودي في روايتها «أسرار المعطف الأبيض» الستار عن كثير من الممارسات التي جرت في السلك الطبي في العراق في التسعينات من القرن العشرين، تلك الفترة التي كان العراق يعيش فيها حصاراً خانقاً ألقى بظلاله الكارثية على مختلف جوانب الحياة، وكان واقع الأطباء والمستشفيات أحد ضحايا ذاك الحصار. تختار المسعودي، وهي كاتبة وطبيبة، عنواناً فرعياً تفسيرياً لروايتها «خبايا الواقع الطبي العراقي في التسعينات»، وتتبدى في تحديدها الفترة الزمنية كأنها تنحو باتجاه الدراسة الواقعية الاجتماعية على حساب السرد الروائي، وتوحي بأنها بصدد تدوين رواية تسجيلية.

الجديد  هيثم‭ ‬حسين [نُشر في 01/02/2017، العدد: 25، ص(142)]

تلجأ الروائية في روايتها (الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت 2015) إلى حيلة روائية كلاسيكية متكررة في كثير من الروايات، وهي العثور على أوراق مخبأة في مكان ما، وإزاحة النقاب عنها، وتمثيل الحيرة في تقديمها للقارئ، ثم قرار النشر الذي يحتاج إلى تأنّ ودراسة، وبعد ذلك توقّع ردود الأفعال المرتقبة، أو التساؤل عن صوابية ما أقدمت وتقدم عليه من نشر تفاصيل وأسرار ربما ما كانت صاحبتها ترضى بنشرها.

أرشيف طبيبة

تعثر الراوية -وهي طبيبة متقاطعة مع الروائية نفسها في بعض التفاصيل- على أوراق أختها الطبيبة الراحلة في إحدى غرف البيت التي لم تدخلها منذ سنوات، تكون تلك الأوراق «أرشيف طبيبة»، كتبت فيها أختها انطباعاتها وملاحظاتها عن واقع عملها طبيبة في العراق في التسعينات من القرن الماضي، ومشاهداتها على هامش عملها، وصدماتها المتعاقبة بالواقع، ورغبتها بالانعتاق من ذاك الواقع والخروج إلى ميدان أرحب، وكانت الكتابة بالنسبة إليها ذاك الميدان المؤقت، تمارس فيه حريتها وتعيش حقيقتها وتكشف عن أسرار لا تبوح بها لأحد.

الأخت الصغرى المسكونة بهواجس البحث عن الذات والشخصية المستقلة البعيدة عن ظل أختها الراحلة، تقف عاجزة أمام امتحان الكتابة، تعترف بعجزها عن مواكبة أفكار أختها التي ظلت متقدمة عليها، وهي التي كانت تحسدها بطريقة مضمرة، تحاول نسج تلك الأوراق المؤرشفة وترتيبها وتقديمها للقراء على أنها وثائق ومذكرات ويوميات من قلب المأساة المتفاقمة في بلدها، وحالة الانتقال من تأثير الحصار الإجرامي إلى واقع التشتت والدمار بعد الاحتلال الأميركي والفلتان الذي اجتاح مختلف الدوائر والمؤسسات.

تدوّن الطبيبة الراحلة في أرشيفها ذكريات الدراسة والصور النمطية الدارجة عن الأطباء، وكيف أنها كانت تحلم بارتداء الرداء الأبيض وتتباهى به، وكيف أن مهنة الطب ستكون بوابتها لعالم الثروة والمال والشهرة والتقدير والحظوة، وذلك بالتوازي مع سرد بعض أوهام الناس عن الأطباء واعتقادهم بأن الطبيب قادر على فعل كل شيء، واجتراح المعجزات، وتصرح أنها علمت أن المطلوب منها كان أكثر من مجرد معرفة عمياء بأسماء الأدوية وجرعها وإنما دور مؤثر في حياة الكثيرين، دور يشع كخيط الصباح في الهزيع الأخير من الليل.

تذكر الطبيبة الراوية أنه ليس من الغريب أن يخبر المرضى الأطباء بكل بساطة عن أسرار حياتهم، عواطفهم، عشقهم الخفيّ وسواه، وكيف أن كلّ ما يتطلبه الأمر من الأطباء هو ابتسامة تشجيع وسلام ودود منه، وأن أهم صفة يتميز بها الطبيب وتجذب انتباه مرضاه هي الثقة، مؤكدة أن النجاح في التشخيص والبراعة في إجراء الجراحات الدقيقة لا تساوي شيئاً أمام شعور المريض بالأمان فقط.

تشير إلى أنه لو فشل الطبيب بأن ينقل لمريضه إحساس الثقة والاطمئنان، ستصبح كل مزاياه الأخرى غير ذات قيمة، وتتساءل كيف يستلقي شخص مغمض العينين ومستسلم تماماً بين يدي طبيبه وهو لا يثق به في المقام الأول..؟ كما تلفت إلى أن الحضارات السابقة كانت تطلق على الطبيب لقب الحكيم ولا تظن أن الأمر كان محض معلومات يختزنها دماغه وإنما قابلية التصرف بدهاء مع الآخرين. كما تلفت إلى أن الطبيب كان ساحر القبيلة في حضارات أخرى فيجبر الآخرين على الانصياع لأوامره، وتقر أنه تكاد تراه أمراً أقرب للحقيقة والواقع، وأن الطبيب في أحيان كثيرة يضطر للتعامل بأسلوب الساحر مع المريض الذي يتسم بالعناد، ويقنعه بكلمات مؤثرة باتباع نصائحه في ترك التدخين مثلاً أو الالتزام بحمية غذائية ما.

صدمة الواقع

في تعريف إنساني معبّر للطب، تحكي الراوية أن الطب ليس رداء أبيض وحسب وإنما علاقات إنسانية متوترة يكون فيها الطبيب اللولب المحرك، وعليه تحويل مسار الأحداث بما يضمن صحة وسلامة مريضه، لأنه بكل بساطة يتعامل مع الجنس البشري وهو في أضعف حالاته، حالة الألم المبرح، حالة اليأس أو الخوف، وأن نموذجاً كهذا يكون هشاً جداً وقابلاً للعطب وبإمكان نظرة من الطبيب أن تتلاعب بمشاعره وحتى بصحته الجسمانية. تخاطب الأطباء بعامة بقولها «ترفق بنظرتك، بنبرة صوتك، وبما تجني يداك فإنك مسؤول عنه يوماً».

تعقد الراوية العزم على نشر مذكرات أختها الكاتبة الراحلة بغرض كشف الكثير من الأسرار التي ظلت حبيسة الأدراج طوال عقد من الزمان، وربما حسبت أن نشر كتاباتها تلك قد يفيها بعضاً من حقوقها المهدورة في بلد أبى إلا أن يتنكر لها ويطردها من جحيمه إلى فردوس الغربة، أو لعلها تبتغي أن تريح ضميرها حيث كرهتها فترة من الزمن. تعترف أن كلامها قد يبدو منفّراً وحقيراً ولكنها قررت قول الحقيقة.

تصف واقع الفساد الذي يغرق البلد برمته، والمحسوبيات التي كانت ترسم سياسات المؤسسات الطبية، وعدم الالتزام بمعايير الكفاءة والتفوق، وتهميش أولئك الذين لا سند لهم أو وساطة، وإبقائهم في اختصاصات طبية غير مرغوبة، أو غير مثمرة من الناحية المالية، وإرسالهم إلى بقاع نائية، ومن ثم محاسبتهم على تقصيرهم وتحميلهم أعباء الظروف القاسية التي يمر بها البلد، وكأن الأطباء، سواء كانوا جدداً أو مخضرمين، من تسببوا بدفع عجلة الأمور إلى ذاك المستنقع البائس، في حين أنهم يتحملون مرارة الأسى ويتجرعون العذابات ويتألمون وهم يشاهدون مرضاهم يتساقطون أمامهم من دون أن يتمكنوا من إسعافهم لعدم وجود أدوية أو مستلزمات طبية كافية.

تعبر الروائية عن صدمة الطبيبة الشابة المقبلة على الحياة بواقعها، وخيبتها بتغيير جزء يسير منه، برغم محاولاتها المتكررة التي دفعت ثمنها اغتراباً عن محيطها، بحيث باتت صوتاً يصرخ في صحراء قاحلة ولا أحد ينجده، تستغيث لإنقاذ أرواح المرضى الأبرياء، لكن ضجيج الفساد يكون أكثر تأثيراً وتعتيماً على الوقائع والممارسات، وتكون المفارقة المؤلمة هي في تحول المستشفيات والنقاط الطبية التي من شأنها مساعدة المرضى والتخفيف عنهم وإنقاذهم إلى مقابر لهم، أو معابر سريعة إلى القبور، نتيجة أخطاء قاتلة، أو إهمال متعمد بائس.

تتعرف الراوية إلى ذاتها من خلال مذكرات أختها الطبيبة، وكأنها تعالجها بكتابتها، وتفتح عينيها على عتمات الواقع وخباياه، تدفعها للتنقيب عمّا وراء الحالات الظاهرة والحكايات المروية، وتكون في توجهها إلى التخصص النفسي سائرة على خطى أختها في البحث عن أرشيفها وحكاياتها ومعالجاتها الطبية والدرامية.

تشير الروائية إلى امتدادية سلوكيات الفساد واستشراء المحسوبيات بشكل أكثر فظاعة بعد الاحتلال الأميركي للعراق وظهور عصابات تتحدث باسم الطائفة أو المذهب، وتهيمن على مؤسسات الدولة، وتقوم بتسخيرها لخدمة مآربها الخاصة، وتتعدى على الموظفين من غير اعتبار أو تحفظ، وكأنّ السلاح الذي يشهرونه في وجوه مواطنيهم يبيح لهم التنكيل بهم، وتنوّه إلى أن هناك حالات من الاعتداء على الكادر الطبي، وحالات ترويع للأطباء والممرضين تسببت بفقدان المريض الذي كان يراد إنقاذه، وشلّ الخوف من التداعيات المحتملة اللاحقة حركة المسعفين وأضر بالمرضى الذين يكونون ضحايا عنف ذويهم، وهنا يكون العنف مدمراً للواقع بكل تفاصيله، للأطباء والمرضى سواء بسواء.


كاتب‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭/ ‬بريطانيا