شعوبية القرن الحادي والعشرين

الجديد  محمود شرف [نُشر في 01/02/2017، العدد: 25، ص(1)]

لوحة: معتز الإمام
اطّلعت على ما كتبه الناقد العراقي المقيم بالولايات المتحدة الأمريكية، أثير عادل الشواي، ولم أكن قد أسعدني الحظ في السابق بقراءة أيّ من أعماله في السابق (لديه كتابان منشوران، أحدهما في الرواية، وهو كتاب ضم دراسته لنيل درجة الماجستير، والآخر عن تجربة أحد الشعراء العراقيين). كتب الرجل عن الشعر المصري، في عمومه، مبديا رأيا خاصا به، مفاده لخصه في عنوان المقال ذاته بطرحه هذا التساؤل: لماذا يفشل المصريون دائما في كتابة الشعر؟

لن أضع نفسي في موقف المدافع عن التجربة الشعرية المصرية، تلك التي لم يستطع الكاتب أن يكتشف فيها، على طول التجربة، وامتدادها زمنيا وفنيا، ولو شاعرا واحدا يستحق أن ينال لقب شاعر من حضرته الألمعية، التي ما فتئ من خلالها يوزع عطاياه على القاصي والداني من شعوب المنطقة، زاعما أن مناطق مثل العراق والشام استحوذتا بشكل كامل على صكوك الشعر، ومفاتح ممالكه، مستبعدا مصر من هذا الأمر بشكل كليّ. سواء على مستوى الشعر الفصيح، أو الشعبي، الذي ينطق باللهجة المصرية الدارجة. تلك اللهجة التي يفهمها الأشقاء العرب من المحيط إلى الخليج، كما يفهمون لهجات بلدانهم الأصلية تماما.

لن أدافع عن الشعر المصري؛ لأنه ببساطة لا يجوز أن أخوض مثل هذه المهاترة التي لا ترتكز على أيّ أسانيد فنية أو نقدية، وأبسط مقومات النقد الحقيقي، ذي القواعد والمنطق، هي أنه لا تعميم؛ فلا يجوز أن أقول مثلا إن العراق لا يملك تيارا روائيا حقيقيا. هكذا بإطلاق حكم جائر، قاطع، لا يولي أهمية لأبسط القواعد المنهجية في النقد. سأكون بذلك قد ارتكبت خطأ فادحا في الحقيقة، وسأهمل بذلك أسماء لامعة لها إسهاماتها البارزة في عالم السرد في عمومه، والرواية على وجه الخصوص في العراق الشقيق.

والشعر المصري، كما هي الحال مع الثقافة المصرية في عمومها، أكبر من أن يقف في موقف المتهم بالضحالة، أو أن يأتي أحدهم لينفي دوره الذي لا يُنكَر في إعادة الحياة مرة أخرى إلى جسد القصيدة العربية، ومنحها قبلة الحياة التي وضعتها الآن على المسار الذي تحيا عليه الآن، ذلك في نهايات القرن التاسع عشر. خاصة إذا كان هذا الرأي الذي يغض من قيمة الشعر المصري، بهذه الطريقة الفظة التي لا تتسم بأدنى درجات الموضوعية، يأتي على لسان كاتب يكتب في مقاله «ثمانية مجاميع»!

الشعر المصري، كما هي الحال مع الثقافة المصرية في عمومها، أكبر من أن يقف في موقف المتهم بالضحالة، أو أن يأتي أحدهم لينفي دوره الذي لا يُنكَر في إعادة الحياة مرة أخرى إلى جسد القصيدة العربية، ومنحها قبلة الحياة

تستوقفني فقط هنا هذه المحاولة الفجة من الكاتب لإعادة الحياة إلى النعرة الشعوبية التي عانت منها شعوب عالمنا العربي في عمومها زمنا طويلا؛ بغمز البعض من ثقافات مناطق بعينها، وتشويه إسهامات وإنجازات تلك الثقافات، على غير هدى، وتحت ادعاءات مهترئة، لا ترتكن إلى منطق واضح؛ فالأخ أثير لا يقف مقالَه عند حدود الشعر المصري، الذي اتهمه بالضحالة، وذهب أبعد من ذلك؛ إذ رأى أن المصريين غير قادرين على كتابة الشعر بالأساس، ولكنه طوّف بكل المكوّنات الثقافية المصرية، نازعا عنها كل مقوّماتها، مرتكزا في ذلك على مقولات شائهة، وأحكام مطلقة، لا أدري من أين أتته جرأة إطلاقها بهذه الكيفية. يعزو أسباب عدم قدرة المصريين على كتابة الشعر -من وجهة نظره- إلى عدة أسباب، منها ما أسماه زالضعف الديموغرافيس! هكذا. يرى في علاقة المثقف المصري بالدولة نقطة ضعف في صناعة الثقافة المصرية على مدار تاريخها الطويل! هكذا.

يعتقد أن المصريين لم يعرفوا اللغة العربية كما عرفها الشاميون أو العراقيون، فقط لعدم وجود موانع جغرافية طبيعية تفصل شبه الجزيرة العربية عن تلك المناطق؛ كالبحار والمحيطات، أو الجبال! هكذا. يغمز، وهو الناقد الأدبي كما يصف نفسه -من طرف خفي- بقاء ملايين المصريين على ديانتهم المسيحية التي كانوا عليها قبل دخول الإسلام إلى مصر! هكذا. يحط من قيمة طه حسين وجابر عصفور وصلاح عبدالصبور، وغيرهم من رموز الثقافة المصرية، ويراهم دون مستوى تقييمه الفذ! هكذا. بجرة قلم ينزّ تعصبا، وشوفينية مقيتة يشطب مئات السنين من عمر الحضارة زالعربيةس سواء في مصر أو في الأندلس، لا لشيء سوى لأن ذائقته التي لا أعرف أين نمت، وتكونت، لم تستسغ شعر أحمد شوقي، أو أنها لم تر في شعر صلاح عبدالصبور إلا استنساخا لشعر السياب (!) وفي شعر أحمد فؤاد نجم ركاكة، بخلاف إهماله التام لمئات الأسماء الأخرى التي ربما ترفّع عن ذكرها؛ من قبيل: نجيب محفوظ، محمد مندور، يحيى حقي، زكي نجيب محمود، أو محمد عفيفي مطر، أمل دنقل، حلمي سالم، صلاح جاهين، فؤاد حداد، وغيرهم.

لا أظن أن مثل هذه المقالات تستحق عناء الرد، ودخول معارك هامشية، لا طائل من ورائها، سوى الانسياق وراء مخططات تفتيت تلك الأمة التي ابتليت على مدى عمرها بمثل هذه النعرات القبلية، والطائفية، والتي تحولت في وقتنا الراهن إلى ما يشبه منهجية لدى البعض، لا أعرف القصد من ورائها، لكن ما أعرفه حقا أنها حيل صبيانية مفضوحة، ومحاولات يائسة لاكتساب شهرة زائفة؛ بإثارة مثل هذه القضايا التافهة.


شاعر وإعلامي من مصر