زيارة إلى خوان غويتسولو في مراكش

الجديد  حسونة المصباحي [نُشر في 01/02/2017، العدد: 25، ص(82)]

فرناندو فيسنتي
قبل سفري إلى مراكش، قرأت خبرا يقول إنّ الكاتب الإسباني الكبير خوان غويتسولو الذي يقيم في هذه المدينة منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي، يلزم الفراش منذ أشهر طويلة بسبب سقطة في مدارج بيته. صبيحة يوم الخميس الـ12 من يناير من هذا العام، قرّرت أن أعوده إذ تربطني به علاقة تمتدّ إلى أزيد من عشرين عاما. اجتزت ساحة “جامع الفنا” التي كانت لا تزال هادئة تحت شمس دافئة، وتوغّلت في المدينة العتيقة المحافظة بأزقتها الضيقة المتعرجة، وبعربات الأحمرة التي تنقل السلع، وبمحلاّتها التجاريّة التقليديّة، على الكثير من ملامح القرون الوسطى. وجدت درب سيدي بولفضايل حيث بيت خوان غويتسولو ساكنا، خاليا تماما من المارة.

وكان هو جالسا في باحة بيته البسيط حيث تنتصب شجرة برتقال، وإلى جانبه شاب أسمر في حوالي الثلاثين من عمره. وكان شاحب الوجه، شارد الذهن، حزينا.

سألته عن أحواله فقال لي: كما ترى.. أنا في أسوأ حال.. وما يؤلمني أكثر من أوجاع السقطة في المدارج هو أنني أصبحت بحاجة إلى من يرعى شؤوني، ويساعدني حتى على التمدد في فراش نومي.. وإحساسي بأنني أصبحت عبئا على الآخرين يفزعني ويثقل نفسي بالمرارة.. الشيخوخة مؤلمة وصعبة وقاسية جدا على رجل مثلي يعشق السفر، ولا يطيق البقاء في مكان واحد مثلما هو حالي راهنا.. أنت تعرف أني أحب مراكش.. لكني أشعر الآن بأنني لست فيها، وإنما في مكان كئيب يجبرني على أن أظل فيه طوال الوقت..

صمت قليلا، ثم أضاف: قبلا كنت أكتب يوميا خواطري وأفكاري.. وكنت أقرأ كثيرا، وأتحدث إلى الناس في المقاهي، وأتجول في ساحة “جامع الفنا” حين تكون في ذروة زهوها وبهجتها.. أما الآن فلا أغادر البيت.. أحيانا يزورني أصدقاء مغاربة أو إسبان، أو فرنسيون، إلاّ أن هذا لا يخفّف عني ثقل الوحدة ووحشتها..

سألته: من من الأصدقاء تستحضرهم في وحدتك؟

ظل ساهما يفكر، ثم أجاب: يوميا أفكر في زوجتي مونيك لانج.. لقد كانت إمرأة رائعة وحنونة.. وكانت تتقبل أخطائي وهفواتي بصدر رحب.. لم نتخاصم أبدا.. كل واحد منا يغفر للآخر سلبياته.. وهي التي ساعدتني على أن أتحمل قسوة المنفى.. فأنا كما تعلم غادرت بلادي عام 1956 بعد أن تيقنت أنني لن أكون قادرا على تحمل دكتاتورية فرانكو.. وفي باريس التي اخترت الإقامة فيها، كانت مونيك أفضل صديقة.. بفضلها تعرفت على رموز الثقافة الفرنسية من أمثال سارتر، وسيمون دي بوفوار، ورايمون كينو.. وآخرين كثيرين.. ولم أشعر أنني كاتب حقيقي إلاّ بعد أن توغلت في الأوساط الثقافية الفرنسية.. ففي إسبانيا، كنا نختنق.. ومناخ الحرية في باريس أتاح لي فرصة النضوج السريع..

صمت مرة أخرى، ثم أضاف: واحد آخر لا يكاد يغيب عن ذاكرتي.. ألا وهو الرائع جان جينيه الذي تعرفت عليه بفضل زوجتي التي كانت تحبه كثيرا.. وكان هو يثق فيها، ويستهويه الحديث معها.. منه تعلمت الكثير خصوصا التواضع، والعمل في الصمت بعيدا عن الأضواء، والاختلاط ببسطاء الناس.. ولم يكن جينيه يقبل على قراءة ما يكتبه الآخرون عنه وعن أعماله.. حتى كتاب سارتر الضخم (يعني”جينيه قديسا وشهيدا”) لم يقرأه.. قال لي ذات مرة إنه يمقت الذين يبالغون في الإعجاب به.. وكان ينفر من الكتابة تحت الضغط، ولا يفكر أبدا في ما سيكتبه النقاد.. ولعله هو الذي حرضني على التعرف على العالم العربي الذي كان يعشقه، خصوصا المغرب..

سألته: متى جئت إلى المغرب أول مرة؟

أجاب: الزيارة الأولى كانت في خريف عام 1978.. زرت الرباط، وطنجة، وفاس، والدار البيضاء، ومراكش.. جميع هذه المدن فتنتني.. إلاّ أن مراكش بأجوائها السحرية، فتنتي أكثر من غيرها من المدن.. لذا اشتريت بيتا، وقررت الاستقرار فيها.. وأنا أشعر الآن أني واحد من أبنائها.. فيها كتبت العديد من أعمالي، وفيها أحببت بساطة العيش.. وقد زرت الكثير من المدن العربية لكني أعود دائما إلى مراكش.. وكنت أول من دعا إلى أن تكون “ساحة الفنا” معلما حضاريا تتوجب المحافظة عليه.. وقد استجابت اليونسكو لدعوتي..

قلت له: لكن مراكش تغيرت كثيرا.. كيف تنظر إليها الآن؟

ردّ خوان غويتسولو قائلا: نعم.. مراكش تشهد تغيرات كثيرة منها ما هو إيجابي ومنها ما هو سلبي… والإيجابي أنها أصبحت مدينة نظيفة، وظلت محافظة على معمارها الأصيل.. ولا تزال “ساحة جامع الفنا” تستبقل زوارها في الليل والنهار.. وما هو سلبي هو أن مشاهير الغربيين يتهافتون الآن على الإقامة فيها.. وأخشى أن تتحول إلى مدينة للموضة وأن تفقد بساطتها وفتنتها القروسطية..

سألته: من يعجبك من الكتاب المغاربة؟

أجاب: يعجبني محمد شكري.. إنه حكّاء بارع وجريء.. وكان صديقا عزيزا.. وكنت أحرص على أن ألتقي به كلما زرت طنجة، مدينته المفضلة التي تحضر في كل ما كتب من قصص وروايات.. وكان يتقن اللغة الإسبانية رغم أنه تعلمها في الشارع.. وبها كان يقرأ أعمال الكتاب الإسبان، وكتاب أميركا للاتينية.. يعجبني أيضا محمد خيرالدين وروايته “أغادير” فهي بديعة للغاية..

سألته: وماذا عن الطاهر بن جلون؟

أجباب: إنه يكتب كثيرا.. لذا أنا أجد صعوبة في متابعة كل ما يكتب..

سألته: والكتاب الإسبان؟

أجاب بعد تفكير: في الحقيقة أنا أميل إلى كتاب أميركا الجنوبية… كارلوس فيونتس، وماركيز، وفارغاس لوسا، وبوخيس.. هؤلاء كتاب عظماء.. وأعمالهم من أفضل ما أنتجته العبقرية الروائية..

سألته: كيف تنظر إلى العالم العربي بعد “الربيع العربي”؟

تنهد وأجاب: “الربيع العربي” أتى بأمل كبير.. وكنت أظن أن الشعوب العربية قد استفاقت لتعيش الحرية التي كانت محرومة منها منذ أمد بعيد.. لكن أملي سرعان ما انطفأ.. وأظن أن الأحوال الآن أسوأ مما كانت عليه قبل انهيار الأنظمة الفاسدة.. وما يزيد الأوضاع سوءا وتعفنا هو هذا العنف الأعمى الذي شوه صورة العرب والمسلمين، وأصبح يهدد السلام والأمن في كل مكان.. وما يقع في سوريا التي زرتها أكثر من مرة، وأعجبت بمدنها يؤلمني كثيرا.. ولا أرى نهاية لهذه المأساة.


كاتب من تونس