اغترب‭ ‬تتجدد

سفر‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬وسفر‭ ‬في‭ ‬المخيلة

الجديد  نوري الجراح [نُشر في 01/03/2017، العدد: 26، ص(4)]

لوحة: لقمان محمد
لطالما كان‭ ‬السفر‭ ‬عبر‭ ‬الأزمنة‭ ‬فضاء‭ ‬توسّعه‭ ‬أقدام‭ ‬الرحالة‭ ‬وعيون‭ ‬المسافرين‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يضيق‭ ‬ويتسع،‭ ‬حسب‭ ‬حركة‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬في‭ ‬البرّ‭ ‬والبحر،‭ ‬وعبر‭ ‬الفضاء‭ ‬في‭ ‬مركبات‭ ‬جوية‭ ‬طوت‭ ‬بظهورها‭ ‬تاريخا‭ ‬مديدا‭ ‬من‭ ‬الأسفار‭ ‬والمغامرات‭ ‬البرية‭ ‬والبحرية،‭ ‬مفتتحة‭ ‬عهودا‭ ‬جديدة‭ ‬قرّبت‭ ‬في‭ ‬المسافات‭ ‬بين‭ ‬الأمكنة‭ ‬المتباعدة،‭ ‬واختصرت‭ ‬الزمن،‭ ‬وقللت‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬تعرّض‭ ‬لها‭ ‬الرحالة. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬بدلت،‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد،‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬السفر‭ ‬والمسافر،‭ ‬وطبيعة‭ ‬الرحلات‭ ‬مسعى‭ ‬ومآلا‭.‬

منذ‭ ‬أقدم‭ ‬الأزمنة،‭ ‬وكما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬أقدم‭ ‬النصوص‭ ‬والسجلات،‭ ‬ارتبط‭ ‬السفر‭ ‬بالمشاق،‭ ‬فلا‭ ‬يذكر‭ ‬إلا‭ ‬مقرونا‭ ‬بسلسلة‭ ‬من‭ ‬المفردات‭ ‬من‭ ‬تعب،‭ ‬ووعثاء،‭ ‬ونصب،‭ ‬وضنك. ‬ولكنه‭ ‬ظل‭ ‬مفردة‭ ‬أثيرة‭ ‬ارتبطت،‭ ‬أيضا،‭ ‬بالكشوف‭ ‬والتعارف‭ ‬والتواصل‭ ‬الحضاري‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات،‭ ‬وبين‭ ‬الأقوام‭ ‬والأمم. ‬فما‭ ‬يعود‭ ‬المسافر‭ ‬من‭ ‬سفر‭ ‬إلا‭ ‬وقد‭ ‬تغير‭ ‬فيه‭ ‬شيء،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬التجارب‭ ‬تطبع‭ ‬أصحابها‭ ‬فيحملون‭ ‬في‭ ‬أسمائهم،‭ ‬بقية‭ ‬حياتهم،‭ ‬أسماء‭ ‬تلك‭ ‬الأماكن. ‬فالمغربي‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الدمشقي‭ ‬الذي‭ ‬دأب‭ ‬على‭ ‬السفر‭ ‬إلى‭ ‬المغرب،‭ ‬والحلبي‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬العراقي‭ ‬الذي‭ ‬اعتاد‭ ‬أن‭ ‬يشد‭ ‬الرحال‭ ‬إلى‭ ‬حلب،‭ ‬والبيروتي‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الأردني‭ ‬الذي‭ ‬تاجر‭ ‬ردحا‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬مع‭ ‬بيروت. ‬والهندي‭ ‬تاجر‭ ‬الحرير‭ ‬الشامي‭ ‬الذي‭ ‬وطأ‭ ‬بقدميه‭ ‬أرض‭ ‬الهند‭ ‬وجازها‭ ‬بتجارته‭ ‬إلى‭ ‬السند،‭ ‬والمصري‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الذي‭ ‬ارتبطت‭ ‬أسفاره‭ ‬بمصر. ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬عائلات‭ ‬عربية‭ ‬من‭ ‬آل‭ ‬الصيني،‭ ‬لأن‭ ‬جدا‭ ‬للعائلة‭ ‬سافر‭ ‬مرة‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭.‬

لكنّ‭ ‬تأثيرا‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬يطال‭ ‬العقل‭ ‬والمخيلة‭ ‬والبنية‭ ‬النفسية‭ ‬للمسافر،‭ ‬فكم‭ ‬من‭ ‬السفارات‭ ‬التي‭ ‬وفدت‭ ‬على‭ ‬بلدان‭ ‬تركت‭ ‬بعض‭ ‬أفرادها‭ ‬هناك‭ ‬ورجعت‭ ‬دونهم،‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬المسافرين‭ ‬عادوا‭ ‬ومعهم‭ ‬علم‭ ‬جديد‭ ‬أو‭ ‬اختراع‭ ‬يغير‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬وفدوا‭ ‬منها،‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬المسافرين‭ ‬تسببوا‭ ‬لمجتمعاتهم‭ ‬بنهضة‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬أو‭ ‬علم‭ ‬أو‭ ‬صناعة. ‬فالسفر‭ ‬هو‭ ‬الحادث‭ ‬الأخطر‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬البشر‭ ‬والأكثر‭ ‬تأثيرا‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬المجتمعات،‭ ‬فهو‭ ‬بحث‭ ‬وهو‭ ‬تفاعل‭ ‬وهو‭ ‬ترجمة‭ ‬للذات‭ ‬إلى‭ ‬آخرها،‭ ‬وللآخر‭ ‬إلى‭ ‬ثقافتها. ‬وها‭ ‬هو‭ ‬الشافعي‭ ‬يحض‭ ‬على‭ ‬السفر‭ ‬بأبيات‭ ‬شعر‭ ‬جريئة‭ ‬في‭ ‬معناها‭:‬

ما‭ ‬في‭ ‬المقامِ‭ ‬لذي‭ ‬عقلٍ‭ ‬وذي‭ ‬أدبِ‭ ‬مِــنْ‭ ‬رَاحَةٍ‭ ‬فَـــدعِ‭ ‬الأَوْطَانَ‭ ‬واغْـــتَرِبِ

سافر‭ ‬تجد‭ ‬عـــوضاً‭ ‬عمَّـن‭ ‬تفارقــه‭ ‬وَانْصِبْ‭ ‬فَإنَّ‭ ‬لَذِيذَ‭ ‬الْعَـيْشِ‭ ‬فِي‭ ‬النَّصَبِ

ويضيف‭:‬

إني‭ ‬رأيت‭ ‬وقـوف‭ ‬المــاء‭ ‬يفســده‭ ‬إن‭ ‬ســال‭ ‬طاب‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يجر‭ ‬لم‭ ‬يطب

ويربط‭ ‬أبوتمام‭ ‬السفر‭ ‬بالفكرة‭ ‬الأكثر‭ ‬جوهرية‭ ‬وخطورة‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬التجدد‭:‬

وطول‭ ‬مـقام‭ ‬المـرء‭ ‬بالحــي‭ ‬مُخْلَق‭ ‬لديباجـــــتيه،‭ ‬فاغـــترب‭ ‬تتجــــــدد

والسَّفَرُ‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬هو‭ ‬قطع‭ ‬المسافة،‭ ‬وجمعه‭ ‬أسْفارٌ،‭ ‬ولكن‭ ‬له‭ ‬معان‭ ‬أخرى‭ ‬كلها‭ ‬ترتبط‭ ‬بفعل‭ ‬له‭ ‬قيمة‭ ‬الكشف‭ ‬وقيمة‭ ‬الإبداع‭ ‬والجمال‭.‬

والسَّفَرةُ‭ ‬الكَتَبَةُ‭ ‬واحدهم‭ ‬سَافِرٌ‭ ‬والسِّفْرُ‭ ‬الكِتاب‭ ‬وجَمعه‭ ‬أسْفارٌ،‭ ‬والسُّفْرةُ‭ ‬طعام‭ ‬المُسافر،‭ ‬ومنه‭ ‬سميت‭ ‬سفْرةً،‭ ‬والسَّفِيرُ‭ ‬هو‭ ‬الرسول‭ ‬للصلح،‭ ‬وجمعه‭ ‬سُفَراءٌ،‭ ‬فإن‭ ‬سَفَرَ‭ ‬شخص‭ ‬بين‭ ‬قوم‭ ‬فهو‭ ‬يقوم‭ ‬بسِفَارَةٍ‭ ‬ليصلح‭ ‬بينهم. ‬وسَفَرَ‭ ‬الكتاب‭ ‬كتَبه،‭ ‬وسَفَرَتِ‭ ‬المرأةُ‭ ‬عن‭ ‬وجهها‭ ‬أي‭ ‬رمت‭ ‬خمارها‭ ‬فهي‭ ‬سَافِرٌ. ‬والسَّافِرةُ‭ ‬المسافرون. ‬وسافرَ‭ ‬مُسافَرةً‭ ‬وسِفَاراً. ‬وأسْفَرَ‭ ‬الصبح‭ ‬أضاءَ. ‬وأسْفَرَ‭ ‬وجه‭ ‬شخص‭ ‬حُسْناً‭ ‬أي‭ ‬أشرق‭ ‬وفيه‭ ‬جمال. ‬وسفَرَتِ‭ ‬الشمسُ‭ ‬طلعَت. ‬وإذا‭ ‬سَفَرَ‭ ‬العمامةَ‭ ‬عن‭ ‬رأْسه‭ ‬كَشَفها. ‬ولو‭ ‬سَفَرَتِ‭ ‬الريحُ‭ ‬الغيمَ‭ ‬من‭ ‬السماء‭ ‬أجْلَتْه. ‬فمفردة‭ ‬السفر‭ ‬ذات‭ ‬غنى‭ ‬كبير‭ ‬لما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬كشف‭ ‬وما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬نهوض‭ ‬وطلوع،‭ ‬وكلها‭ ‬تفضي‭ ‬إلى‭ ‬جمال‭ ‬في‭ ‬الخلق‭ ‬وجمال‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭.‬

تخطيط: حسين جمعان

ولما‭ ‬كان‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬منذ‭ ‬أقدم‭ ‬الأزمنة‭ ‬الفن‭ ‬الأكثر‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬الروح‭ ‬العربية،‭ ‬ويشغل‭ ‬حيزا‭ ‬مركزيا‭ ‬في‭ ‬النزوع‭ ‬الجمالي‭ ‬لدى‭ ‬العرب،‭ ‬فإن‭ ‬المغامرة‭ ‬الجمالية‭ ‬برمتها‭ ‬لدى‭ ‬العربيّ،‭ ‬لطالما‭ ‬ارتبطت‭ ‬بالسفر. ‬فقد‭ ‬دأب‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬شد‭ ‬الرحال‭ ‬في‭ ‬البيداء،‭ ‬وفي‭ ‬الحضر،‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬حلّ‭ ‬وترحال‭ ‬دائمين،‭ ‬حتى‭ ‬لكأنه‭ ‬موكل‭ ‬بفضاء‭ ‬الله‭ ‬يذرعه. ‬كما‭ ‬عبر‭ ‬ابن‭ ‬زريق‭ ‬البغدادي‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬أعظم‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬كتب‭ ‬خلال‭ ‬الترحال‭ ‬وفي‭ ‬الأسفار‭ ‬القريبة‭ ‬والبعيدة،‭ ‬وما‭ ‬ارتبط‭ ‬أدب‭ ‬بالحركة‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬كما‭ ‬ارتبط‭ ‬الشعر‭ ‬العربي. ‬حتى‭ ‬لكأنّ‭ ‬كل‭ ‬رحلة‭ ‬قصيدة،‭ ‬وكل‭ ‬قصيدة‭ ‬رحلة‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬السفر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬دائما‭ ‬اختيارا‭ ‬حرّا،‭ ‬فمن‭ ‬المسافرين‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الشعري‭ ‬والأدبي‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬اضطر‭ ‬إليه‭ ‬هربا‭ ‬من‭ ‬حاكم‭ ‬ظالم،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬ظرف‭ ‬صعب،‭ ‬أو‭ ‬طلبا‭ ‬لأمر‭ ‬لا‭ ‬نوال‭ ‬له‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬خواتيم‭ ‬الأسفار‭ ‬سعيدة‭ ‬دائما،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬جلها‭ ‬كان‭ ‬ذا‭ ‬نهاية‭ ‬حزينة. ‬فإذا‭ ‬بالأقدار‭ ‬المأساوية‭ ‬تحيق‭ ‬بالبعض‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشعراء‭ ‬والأدباء،‭ ‬لتصبح‭ ‬قصة‭ ‬سفره‭ ‬هي‭ ‬ذروة‭ ‬مأساة‭ ‬حياته،‭ ‬فالقدر‭ ‬الذي‭ ‬فر‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬إذا‭ ‬به‭ ‬يواجهه‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر. ‬وهذا‭ ‬ابن‭ ‬زريق‭ ‬البغدادي‭ ‬الذي‭ ‬غادر‭ ‬بغداد‭ ‬إلى‭ ‬الأندلس‭ ‬طلبا‭ ‬لمال‭ ‬يمكّنه‭ ‬من‭ ‬الاقتران‭ ‬بحبيبته،‭ ‬يعثرون‭ ‬عليه‭ ‬ميتا‭ ‬في‭ ‬خان‭ ‬في‭ ‬الأندلس‭ ‬وتحت‭ ‬رأسه‭ ‬قصيدته‭ ‬اليتيمة‭:‬

ما‭ ‬آبَ‭ ‬مِن‭ ‬سَـــفَرٍ‭ ‬إِلّا‭ ‬وَأَزعَجَــــهُ‭ ‬رَأيُ‭ ‬إِلى‭ ‬سَـــفَرٍ‭ ‬بِالعَـــزمِ‭ ‬يَزمَعُهُ

كَأَنَّما‭ ‬هُـــوَ‭ ‬فِــي‭ ‬حِلِّ‭ ‬وَمُـــرتحـلٍ‭ ‬مُوَكَّلٍ‭ ‬بِفَضــــاءِ‭ ‬اللَهِ‭ ‬يَذرَعُـــــــهُ

أستَودِعُ‭ ‬اللَهَ‭ ‬فِي‭ ‬بَغدادَ‭ ‬لِي‭ ‬قَمَــراً‭ ‬بِالكَرخِ‭ ‬مِـن‭ ‬فَلَكِ‭ ‬الأَزرار‭ ‬مَطلَعُهُ

وَدَّعــــــتُهُ‭ ‬وَبودّي‭ ‬لَـــو‭ ‬يُوَدِّعُنِي‭ ‬صَفـوَ‭ ‬الحَياةِ‭ ‬وَأَنّي‭ ‬لا‭ ‬أَودعُــــــهُ

وهذا‭ ‬مالك‭ ‬ابن‭ ‬الريب‭ ‬يرثي‭ ‬نفسه‭ ‬وقد‭ ‬نالت‭ ‬منه‭ ‬المنية‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬سفر‭ ‬للغزو‭:‬

غــــريبٌ‭ ‬بعيدُ‭ ‬الدار‭ ‬ثاوٍ‭ ‬بقــفزةٍ‭ ‬يَدَ‭ ‬الدهــر،‭ ‬معروفًا‭ ‬بأنْ‭ ‬لا‭ ‬تدانيا

أقلّبُ‭ ‬طـرفي‭ ‬حول‭ ‬رحلي‭ ‬فلا‭ ‬أرى‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬عيون‭ ‬المُؤنسـاتِ‭ ‬مُراعيا

تقول‭ ‬ابنتي‭ ‬لمّا‭ ‬رأت‭ ‬طولَ‭ ‬رحلتي‭ ‬سِــــفارُكَ‭ ‬هـذا‭ ‬تاركــي‭ ‬لا‭ ‬أبا‭ ‬ليا

لعمريْ‭ ‬لئن‭ ‬غالتْ‭ ‬خراسانُ‭ ‬هامتي‭ ‬لقد‭ ‬كنتُ‭ ‬عن‭ ‬بابَي‭ ‬خراسان‭ ‬نائيا

فإن‭ ‬أنجُ‭ ‬من‭ ‬بابَي‭ ‬خراسان‭ ‬لا‭ ‬أعدْ‭ ‬إليهــا‭ ‬وإن‭ ‬منَّيتُمـــوني‭ ‬الأمـانيا

لكن‭ ‬صوت‭ ‬السفر‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬قد‭ ‬تجاوز‭ ‬القصيدة‭ ‬ليحلّ‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬جسد‭ ‬أدبي‭ ‬حديث‭ ‬كالقصة‭ ‬والشعر،‭ ‬وكذا‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬والسينما‭ ‬وفنون‭ ‬التشكيل،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬المصورين. ‬فالسفر‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬المعاصر‭ ‬بات‭ ‬أكبر‭ ‬ملهم‭ ‬للمبدعين‭.‬

***

في‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬تفرد‭ ‬åالجديدò‭ ‬ملفّها‭ ‬الرئيسي‭ ‬ليوميات‭ ‬مستلة‭ ‬من‭ ‬دفاتر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الكاتبات‭ ‬والكتّاب‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬سافروا‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬العالم،‭ ‬ودونوا‭ ‬يوميات‭ ‬أسفارهم. ‬بعضهم‭ ‬غامر‭ ‬في‭ ‬الجوار‭ ‬القريب‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬والشمال‭ ‬الأفريقي،‭ ‬وبعضهم‭ ‬مضى‭ ‬نحو‭ ‬أوروبا،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬مضى‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬بعيدا‭ ‬في‭ ‬الأميركيتين. ‬شعراء‭ ‬وروائيون‭ ‬وكاتبات‭ ‬ينتمون‭ ‬إلى‭ ‬العراق‭ ‬وفلسطين‭ ‬والمغرب‭ ‬وسوريا،‭ ‬وفي‭ ‬يومياتهم‭ ‬شغف‭ ‬بالمكان‭ ‬وأهله. ‬انعكس‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬شتى‭ ‬تلامحت‭ ‬فيها‭ ‬لحظات‭ ‬عامرة‭ ‬بالمشاعر‭ ‬والجمال‭ ‬والود‭ ‬الإنساني،‭ ‬واندهاش‭ ‬بالغريب‭ ‬وقد‭ ‬تجلى‭ ‬في‭ ‬وقائع‭ ‬وأخبار‭ ‬وحالات‭ ‬تنقلها‭ ‬سطور‭ ‬يومياتهم‭ ‬موشّحة‭ ‬بألوان‭ ‬تلك‭ ‬الأمكنة‭ ‬وخصوصياتها‭ ‬الدالة‭ ‬عليها‭.‬

على‭ ‬أن‭ ‬رحالة‭ ‬اليوم‭ ‬وكتّاب‭ ‬اليوميات‭ ‬في‭ ‬الأسفار‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬مجرد‭ ‬إخباريين‭ ‬يروون‭ ‬للمقيمين‭ ‬في‭ ‬الأوطان‭ ‬أخبار‭ ‬البلدان‭ ‬البعيدة‭ ‬وأقوامها‭ ‬المختلفين‭ ‬في‭ ‬عاداتهم‭ ‬وتقاليدهم‭ ‬واختلاف‭ ‬معاشهم،‭ ‬فقد‭ ‬أدت‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬الحديثة‭ ‬هذه‭ ‬المهام‭ ‬عنهم،‭ ‬وجعلتهم‭ ‬يتفرغون‭ ‬إلى‭ ‬خوض‭ ‬مغامرات‭ ‬أبعد‭ ‬صورة،‭ ‬وأعمق‭ ‬غورا‭.‬

بقي‭ ‬أن‭ ‬نزفر‭ ‬زفرة‭ ‬أليمة،‭ ‬ونحن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬سفر‭ ‬جماعي‭ ‬لشعوب‭ ‬بأكملها،‭ ‬هاربة‭ ‬من‭ ‬طوفانات‭ ‬الموت‭ ‬وقد‭ ‬أرسلها‭ ‬المستعمرون‭ ‬والطغاة‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬لتبتلع‭ ‬هؤلاء‭ ‬البشر‭ ‬وتمحوهم‭ ‬من‭ ‬الوجود،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬1948،‭ ‬والشعب‭ ‬اللبناني‭ ‬في‭ ‬1975،‭ ‬والشعب‭ ‬العراقي‭ ‬في‭ ‬التسعينات‭ ‬ومطلع‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة،‭ ‬والشعب‭ ‬السّوري‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الست‭ ‬المنقضية،‭ ‬وقد‭ ‬فاقت‭ ‬مآسي‭ ‬سفره‭ ‬الجماعي‭ ‬عن‭ ‬أرضه‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سبقها‭ ‬من‭ ‬مآسي‭ ‬البشر،‭ ‬فخروجه‭ ‬القسري‭ ‬جماعيا‭ ‬برّا‭ ‬وبحرا،‭ ‬وصور‭ ‬مصارعه‭ ‬التراجيدية‭ ‬كتبت‭ ‬للسفر‭ ‬تاريخا‭ ‬جديدا،‭ ‬ودونت‭ ‬في‭ ‬صحائف‭ ‬الآلام‭ ‬صفحات‭ ‬مبللة‭ ‬بالدم‭ ‬لا‭ ‬تمحى،‭ ‬تحمل‭ ‬الإدانة‭ ‬والعار،‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬صانعي‭ ‬أسبابها،‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬العصور‭ ‬‭ ‬

الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬فبراير‭ ‬2017‭ ‬



مقالات أخرى للكاتب:

  • يا له من سؤال!
  • الخُرُوجُ مِنْ شَرْقِ المُتَوَسِّطِ
  • رنا‭ ‬قباني:‭ ‬ ‬الغرب‭ ‬يرفضني‭ ‬والأصوليون‭ ‬أيضا‭!‬
  • عقدة‭ ‬قتل‭ ‬الإبن
  • ما في الكون من رجل
  • بلاغة النشيد الكوني
  • ثقافة‭ ‬تحطيم‭ ‬الأجنحة
  • نَهْرٌ‭ ‬عَلَى‭ ‬صَلِيبْ
  • العبد‭ ‬التكنولوجي
  • الأمة المرجأة والروح الحائرة
  • النخب إلى الصراع والجموع إلى المصارع
  • أُنْشُودَةُ‭ ‬يُوسُفْ
  • بحيرة العجائب السبع وضفاف الثقافات
  • كبوة‭ ‬الآباء‭ ‬ونهوض‭ ‬الأبناء
  • الشعر أسطورة العشاق والشعراء فرسان أزليون
  • القصيدة ما بعد الأخيرة
  • الديني والدنيوي والصراع على الأجيال الجديدة
  • حدث‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬كأنه‭ ‬لم‭ ‬يحدث
  • سماء عامرة بالنجوم في صيف لا ينتهي
  • الإقامة‭ ‬في‭ ‬جغرافية‭ ‬المتاهة
  • ربيع‭ ‬محترق
  • القصيدة كائن يتيم والديوان ملجأ للأيتام
  • أصوات المسرح أصوات المجتمع
  • أهو‭ ‬حقا‭ ‬صراع‭ ‬سرديات‭ ‬أم‭ ‬عبث‭ ‬بالهويات‭!‬
  • الحرائق تكتب والأدب يتساءل
  • حملة‭ ‬الأقلام‭ ‬وحملة‭ ‬التوابيت
  • ثقافة‭ ‬الماضي‭ ‬وثقافات‭ ‬المستقبل
  • قارب‭ ‬إلى‭ ‬لسبوس
  • الآخر مرآة الأنا
  • عام على ولادة مجلة “الجديد”
  • لغة‭ ‬الأسئلة‭ ‬رداً‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬الإبادة
  • هواء‭ ‬خفيف
  • الشعراء‭ ‬سارقو‭ ‬النار
  • في وصف ما يحدث على أرض العرب
  • سلمى الخضراء الجيوسي: أمة عربية يتيمة
  • أرض‭ ‬الشعر‭ ‬وأرض‭ ‬الآلام
  • قنطرة عربية
  • مراثي هابيل
  • العرب يكتبون القصص
  • هالة المستبد وقناع المثقف وفراشة الحرية
  • لاعاصم إلا الثقافة
  • من‭ ‬حدائق‭ ‬الصور‭ ‬إلى‭ ‬حرائق‭ ‬الخارطة