نهاية‭ ‬الإنسان‭ ‬الكلاسيكي

حينما‭ ‬كنت‭ ‬أقول‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬لتلامذتي‭ ‬المذهولين‭ ‬وأنا‭ ‬أستاذ‭ ‬الفلسفة‭ ‬المتحمس‭ ‬للعقل‭ ‬والعقلانية‭ ‬إن‭ ‬الإنسان‭ ‬سيهزم‭ ‬الموت‭ ‬يوما،‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أعلم،‭ ‬وإن‭ ‬كنت‭ ‬مؤمنا‭ ‬إيمانا‭ ‬قاطعا‭ ‬بما‭ ‬كنت‭ ‬أتنبأ‭ ‬به،‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬سيكون‭ ‬مثار‭ ‬اهتمام‭ ‬علمي‭ ‬عظيم‭ ‬تخصص‭ ‬له‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أعرف‭ ‬أن‭ ‬الحظ‭ ‬سيسعفني‭ ‬كي‭ ‬أقرأ‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬بشغف‭ ‬عن‭ ‬“العبر‭-‬إنسانية”‭ ‬و”ما‭ ‬بعد‭ ‬الإنسانية”‭ ‬كتبا‭ ‬كثيرة‭ ‬تسيل‭ ‬العرق‭ ‬البارد‭ ‬وتقطع‭ ‬أنفاس‭ ‬المحافظين‭ ‬المتشبثين‭ ‬بالمعطى‭ ‬البيولوجي‭ ‬“الطبيعي”‭.‬

الجديد  حميد زناز [نُشر في 01/03/2017، العدد: 26، ص(10)]

لوحة: صدام الجميلي
‬لقد أصبحت‭ ‬مهيكلة‭ ‬ممنهجة‭ ‬مبرمجة‭ ‬مخبريا‭ ‬تلك‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تخمينا‭ ‬وإيمانا‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬ذلك‭ ‬الأستاذ‭ ‬الشاب‭ ‬الذي‭ ‬كنته. ‬ولئن‭ ‬بات‭ ‬موضوع‭ ‬“الإنسان‭ ‬الجديد‭ ‬المعدّل”‭ ‬متداولا‭ ‬بطريقة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬المعاصر‭ ‬فإن‭ ‬فكرة‭ ‬العبور‭ ‬إلى‭ ‬إنسانية‭ ‬أخرى‭ ‬أو‭ ‬“الترونزومانيزم”‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬شبه‭ ‬غائبة‭ ‬أكاديميا‭ ‬عن‭ ‬مجال‭ ‬العلوم‭ ‬الدقيقة‭ ‬والإنسانية‭ ‬والفلسفية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بلدان‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬مشرقا‭ ‬ومغربا،‭ ‬بل‭ ‬ويذهب‭ ‬بعض‭ ‬المثقفين‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬اعتبار‭ ‬الأمر‭ ‬مجرد‭ ‬مزحة‭ ‬رغم‭ ‬التطور‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬يعرفه‭ ‬العلاج‭ ‬الجيني،‭ ‬التكنولوجيات‭ ‬الدقيقة،‭ ‬النانو‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬المُرممّة،‭ ‬تهجين‭ ‬الإنسان‭ ‬والآلة‭.. ‬فهل‭ ‬يحق‭ ‬للنقاد‭ ‬مهما‭ ‬كانوا‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بوصف‭ ‬هذا‭ ‬التيار‭ ‬بالتيار‭ ‬الطوباوي‭ ‬أم‭ ‬عليهم‭ ‬التهيؤ‭ ‬من‭ ‬الآن‭ ‬لكيفية‭ ‬التصدي‭ ‬لتلك‭ ‬المباراة‭ ‬القادمة‭ ‬حتما‭ ‬بين‭ ‬الذكاء‭ ‬الإنساني‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي؟

وإن‭ ‬كان‭ ‬صحيحا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬“المبحث‭ ‬الجديد”‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬مدارس‭ ‬متعددة‭ ‬وأفكار‭ ‬متنوعة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬التناقض‭ ‬وشخصيات‭ ‬متباينة‭ ‬الرؤى‭ ‬وإن‭ ‬بات‭ ‬يتجاور‭ ‬تحت‭ ‬مظلته‭ ‬النظر‭ ‬العقلاني‭ ‬الجديّ‭ ‬والخيال‭ ‬المجنّح‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬فمن‭ ‬الخطأ‭ ‬تجاهله‭ ‬وعدم‭ ‬الاكتراث‭ ‬بما‭ ‬يهدف‭ ‬إليه‭.‬

فماذا‭ ‬يقترح‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬البحثي‭ ‬الجديد‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬يطرحها‭ ‬العبر‭-‬إنسانيون‭ ‬على‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي‭ ‬والسياسي‭ ‬والأخلاقي‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬هذا‭ ‬القرن؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬أهم‭ ‬أفكارهم‭ ‬ومشاريعهم‭ ‬الحالية‭ ‬الهادفة‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬نوع‭ ‬إنساني‭ ‬جديد؟

العَبر‭-‬إنسانوية‭ ‬حركة‭ ‬تقنية‭ ‬علمية‭ ‬عالمية‭ ‬‭-‬أيديولوجية‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬البعض‭ ‬وطوباوية‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬آخرين‭-‬‭ ‬تبتغي‭ ‬تحسين‭ ‬الوضع‭ ‬الإنساني‭ ‬جذريا‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تطوير‭ ‬قدرات‭ ‬الإنسان‭ ‬البدنية‭ ‬والذهنية‭ ‬وتحسينها‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لانهاية‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬العلم‭ ‬والتكنولوجيا‭.‬

ويعتبر‭ ‬عالم‭ ‬الكومبيوتر‭ ‬راي‭ ‬كورزويل،‭ ‬مؤسس‭ ‬جامعة‭ ‬“التفرد”‭ ‬الممولة‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬شركة‭ ‬غوغل،‭ ‬من‭ ‬رواد‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬الراديكاليين،‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭ ‬“من‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬سنة‭ ‬2029‭ ‬سيتجاوز‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬ذكاء‭ ‬الإنسان‭ ‬وستصبح‭ ‬أجسادنا‭ ‬أقل‭ ‬بيولوجية‭ ‬شيئا‭ ‬فشيئا. ‬وحينها‭ ‬ستغدو‭ ‬مكوّناتنا‭ ‬البيولوجية‭ ‬بدون‭ ‬أهمية‭ ‬كبرى‭ ‬وقد‭ ‬يمكننا‭ ‬صب‭ ‬عقولنا‭ ‬في‭ ‬جهاز‭ ‬كومبيوتر”‭.‬

يتعاظم‭ ‬تطور‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬يوما‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬بشكل‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬له‭ ‬نظير‭ ‬ويرى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تقدم‭ ‬العلوم‭ ‬والتكنولوجيات‭ ‬في‭ ‬العشرين‭ ‬سنة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬أهم‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬برمته‭ ‬ولا‭ ‬يتردد‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬لوك‭ ‬فيري‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬بالثورة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬الثالثة‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬“الثورة‭ ‬العبر‭-‬إنسانية”‭.‬

ففي‭ ‬غضون‭ ‬عشريّتين‭ ‬أو‭ ‬ثلاث‭ ‬مثلا‭ ‬يتنبأ‭ ‬العلماء‭ ‬أن‭ ‬يصلوا‭ ‬إلى‭ ‬تصميم‭ ‬نموذج‭ ‬كامل‭ ‬لدماغ‭ ‬الإنسان‭ ‬وسيكون‭ ‬جسمه‭ ‬رماميا‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬بيولوجيا. ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬سيصغر‭ ‬حجم‭ ‬الكومبيوتر‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬حتى‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬مجهري. ‬وأمام‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬التكنولوجي‭ ‬العميق‭ ‬يعمل‭ ‬العبر‭-‬إنسانيون‭ ‬على‭ ‬ظهور‭ ‬كائن‭ ‬إنساني‭ ‬جديد‭ ‬نصفه‭ ‬ميكانيكي‭ ‬ونصفه‭ ‬الآخر‭ ‬بيولوجي‭ ‬يتمتع‭ ‬بدماغ‭-‬كومبيوتر‭ ‬يكون‭ ‬مجهزا‭ ‬بذاكرة‭ ‬واسعة‭ ‬جدا‭ ‬تضاعف‭ ‬سرعة‭ ‬التفكير‭ ‬بحوالي‭ ‬خمسة‭ ‬أو‭ ‬ستة‭ ‬آلاف‭ ‬مرة. ‬

إن‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬قدرات‭ ‬الإنسان‭ ‬البدنية‭ ‬والمعرفية‭ ‬والإطالة‭ ‬المعتبرة‭ ‬لمتوسط‭ ‬عمره‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الإضافات‭ ‬والتحسينات‭ ‬القادمة‭ ‬ستكون‭ ‬نتيجة‭ ‬لاستغلال‭ ‬ذلك‭ ‬التقارب‭ ‬الجديد‭ ‬غير‭ ‬المسبوق‭ ‬بين‭ ‬التكنولوجيات‭ ‬الجديدة‭: ‬تكنولوجيا‭ ‬النانو،‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬البيولوجية،‭ ‬علم‭ ‬الحاسوب‭ ‬والعلوم‭ ‬المعرفية. ‬ولم‭ ‬نعد‭ ‬نتحدث‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬مستنسخات،‭ ‬روبوتات،‭ ‬سايبورغات‭ ‬وأعضاء‭ ‬بشرية‭ ‬اصطناعية‭ ‬بل‭ ‬أصبحنا‭ ‬نشاهدها‭ ‬بأم‭ ‬أعيننا. ‬

أصبح‭ ‬علم‭ ‬الخيال‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يبهر‭ ‬الصغار‭ ‬والكبار‭ ‬على‭ ‬شاشات‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬مضى‭ ‬ماثلا‭ ‬كواقع‭ ‬أمامنا‭ ‬اليوم. ‬وسنشهد‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬القريبة‭ ‬القادمة‭ ‬ظهور‭ ‬آلات‭ ‬ذكية‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تحسّ‭ ‬وتتعرف‭ ‬على‭ ‬الوجوه،‭ ‬وستكون‭ ‬في‭ ‬المتناول‭ ‬عضلات‭ ‬اصطناعية‭ ‬قريبة‭ ‬الشبه‭ ‬من‭ ‬النسيج‭ ‬العضلي‭ ‬البشري‭ ‬وروبوتات‭ ‬‭(‬إنسان‭ ‬آلي‭)‬‭ ‬تربت‭ ‬مثل‭ ‬الأطفال‭ ‬وكومبيوترات‭ ‬يمكن‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬دون‭ ‬لمسها‭ ‬إذ‭ ‬سيصبح‭ ‬بالإمكان‭ ‬التحكم‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الأمواج‭ ‬الدماغية‭ ‬فقط. ‬

وقد‭ ‬بات‭ ‬الحديث‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬عن‭ ‬“ما‭ ‬فوق‭ ‬الإنسان”‭ ‬وهو‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الزمن‭ ‬غير‭ ‬البعيد‭ ‬الذي‭ ‬ستتشابك‭ ‬فيه‭ ‬البيولوجيا‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬بشكل‭ ‬متين‭ ‬لتنتجا‭ ‬معا‭ ‬نوعا‭ ‬“إنسانيا”‭ ‬جديدا‭ ‬يتمتع‭ ‬بمؤهلات‭ ‬محسّنة‭ ‬ومضاف‭ ‬عليها،‭ ‬وبات‭ ‬بعض‭ ‬العلماء‭ ‬والفلاسفة‭ ‬يطلق‭ ‬مصطلح‭ ‬“التفرد”‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬“الإنسان‭ ‬الأعلى‭ ‬ودماغه‭ ‬العظيم. ‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬إيقاف‭ ‬هذا‭ ‬التحوّل‭ ‬النوعي‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬نتيجة‭ ‬لتطور‭ ‬التكنولوجيات‭ ‬الحيوية‭ ‬وعلوم‭ ‬الأعصاب‭ ‬وغيرها‭ ‬مما‭ ‬ذكرنا‭ ‬سابقا‭ ‬والذي‭ ‬سيغير‭ ‬وبسرعة‭ ‬مفاجئة‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬الإنسان‭: ‬جسمه،‭ ‬عقله،‭ ‬لغته،‭ ‬علاقته‭ ‬بالعالم‭ ‬وإرثه‭ ‬الطبيعي. ‬

فبفضل‭ ‬عبقريته‭ ‬سيتولّى‭ ‬إنتاج‭ ‬نفسه‭ ‬بنفسه‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬لتحمله‭ ‬امرأة. ‬وسوف‭ ‬لن‭ ‬يُعرف‭ ‬المرض‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬صدقنا‭ ‬تنبؤات‭ ‬علماء‭ ‬“السيليكون‭ ‬فالي”‭ ‬لأن‭ ‬الروبوتات‭ ‬الدقيقة‭ ‬جدا‭ ‬التي‭ ‬ستتجول‭ ‬في‭ ‬عضويته‭ ‬مستقبلا‭ ‬ستعيد‭ ‬بشكل‭ ‬دائم‭ ‬إصلاح‭ ‬ما‭ ‬عطب‭ ‬فيه. ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يموت‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬إراديا‭ ‬محو‭ ‬مضمون‭ ‬وعيه‭ ‬المعبأ‭ ‬في‭ ‬بطاقة‭ ‬ذاكرة‭!‬

‭ ‬ربما‭ ‬قد‭ ‬حان‭ ‬الأوان‭ ‬لتوديع‭ ‬ذلك‭ ‬الكائن‭ ‬البشري‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يجب‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يمارس‭ ‬الجنس‭ ‬ليكون‭ ‬له‭ ‬أولاد،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يتمرن‭ ‬ويتعلم‭ ‬ليعرف،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬يعاني‭ ‬ويموت‭ ‬ويتعلم‭ ‬كيف‭ ‬يبقى‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة،‭ ‬ربما‭ ‬حان‭ ‬وقت‭ ‬اضمحلال‭ ‬ذلك‭ ‬الكائن‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مفروضا‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬ينضبط‭ ‬ويهذّب‭ ‬جسده‭ ‬وينصت‭ ‬إلى‭ ‬روحه‭!‬

ألم‭ ‬يــتمنَ‭ ‬الفلاسفة‭ ‬العقلانيون‭ ‬وغير‭ ‬العقلانيين‭ ‬دوما‭ ‬انتصار‭ ‬العقل‭ ‬على‭ ‬الطبيعة‭ ‬وها‭ ‬هم‭ ‬العبر‭-‬إنسانيون‭ ‬يعلنون‭ ‬مجيء‭ ‬“ما‭ ‬بعد‭ ‬الإنسان”‭ ‬وهو‭ ‬التحقيق‭ ‬الملموس‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬يأمله‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفلاسفة‭! ‬ألا‭ ‬تعني‭ ‬الحرية‭ ‬الإنسانية‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬قبضة‭ ‬الطبيعة؟‭ ‬ألا‭ ‬تحقق‭ ‬التقنية‭ ‬الدقيقة‭ ‬الجديدة‭ ‬ذلك‭ ‬للإنسان‭ ‬بالفعل؟

سيجيب‭ ‬بالإيجاب‭ ‬المفتونون‭ ‬بالآلات‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يكتفون‭ ‬بكونهم‭ ‬بشرا‭ ‬فقط‭ ‬ويعتبرون‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬تطور‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬صالح‭ ‬الإنسان،‭ ‬وسيجيب‭ ‬بالسلب‭ ‬من‭ ‬يرفضون‭ ‬التقدم‭ ‬التقني‭ ‬باسم‭ ‬المثل‭ ‬الإنسانية‭ ‬ويرون‭ ‬ما‭ ‬يبشر‭ ‬به‭ ‬العبر‭-‬إنسانيون‭ ‬تشويها‭ ‬لجسم‭ ‬الإنسان‭ ‬وكرامته. ‬وربما‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الرافضين‭ ‬هو‭ ‬صاحب‭ ‬فكرة‭ ‬نهاية‭ ‬التاريخ‭ ‬والإنسان‭ ‬الأخير‭ ‬المفكر‭ ‬الأميركي‭ ‬الشهير‭ ‬فرانسيس‭ ‬فوكوياما‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬مبالغا‭ ‬كعادته‭ ‬في‭ ‬العَبر‭-‬إنسانية‭ ‬“أخطر‭ ‬فكرة‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الأرض”‭.‬

وبغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬التحفظات‭ ‬التي‭ ‬يبديها‭ ‬بعض‭ ‬المفكرين‭ ‬إزاء‭ ‬هذا‭ ‬التيار‭ ‬الفكري‭ ‬المتصاعد،‭ ‬فالشيء‭ ‬الأكيد‭ ‬أنه‭ ‬يفصح‭ ‬عن‭ ‬بداية‭ ‬تغير‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬تعريف‭ ‬الإنسان‭ ‬إذ‭ ‬بدأ‭ ‬يعاد‭ ‬النظر‭ ‬بجدية‭ ‬في‭ ‬الحدود‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تفصل‭ ‬مستقبلا‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والحيوان،‭ ‬الإنسان‭ ‬والآلة،‭ ‬الجسد‭ ‬والعقل‭.‬

ولكن‭ ‬كيف‭ ‬سيعيش‭ ‬الإنسان‭ ‬الحالي‭ ‬‭-‬ولنطلق‭ ‬عليه‭ ‬نعت‭ ‬“الإنسان‭ ‬الكلاسيكي”‭-‬‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬مثل‭ ‬هذا؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬الأخلاقية‭ ‬التي‭ ‬يمكنه‭ ‬بموجبها‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬انسجام‭ ‬مع‭ ‬إنسانية‭ ‬موسعة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إدراج‭ ‬الحيوانات‭ ‬والروبوتات‭ ‬والسايبورغات‭ ‬في‭ ‬رحابها؟‭ ‬وهل‭ ‬سيكون‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬الحقوق‭ ‬ما‭ ‬يتمتع‭ ‬به‭ ‬البشر؟

تلك‭ ‬إشكاليات‭ ‬فلسفية‭ ‬جديدة‭ ‬بدأ‭ ‬يفرضها‭ ‬ما‭ ‬بعد‭-‬الإنسانيون‭ ‬وبات‭ ‬لزاما‭ ‬على‭ ‬النخب‭ ‬السياسية‭ ‬والفكرية‭ ‬التفكير‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬اليوم‭ ‬استعدادا‭ ‬للتعامل‭ ‬والحوار‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬“الآخر‭ ‬الجديد”‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬بالأمس‭ ‬بربريا‭ ‬أو‭ ‬حيوانا‭ ‬والذي‭ ‬سيكون‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬قريب‭ ‬آلة‭ ‬ذكية‭ ‬وإنسانا‭ ‬آليا‭ ‬وهجينا‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬إنسان‭ ‬من‭ ‬دم‭ ‬ولحم‭ ‬وآلات‭ ‬تكنولوجية‭.‬


كاتب من الجزائر مقيم في باريس