عارية‭ ‬في‭ ‬وزيرية‭ ‬بغداد

الجديد  إنعام‭ ‬كجه‭ ‬جي [نُشر في 01/03/2017، العدد: 26، ص(30)]

لوحة: محمد الوهيبي
يوم‭ ‬طبعت‭ ‬تذكرة‭ ‬سفري‭ ‬الإلكترونية‭ ‬إلى‭ ‬بغداد،‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬آدم‭ ‬إنها‭ ‬فكرة‭ ‬مجنونة‭ ‬لن‭ ‬أحصد‭ ‬من‭ ‬ورائها‭ ‬سوى‭ ‬وجع‭ ‬الرأس. ‬وآدم‭ ‬ولدي‭ ‬وتربية‭ ‬يدي. ‬مهندس‭ ‬فرنسي‭ ‬عقلاني‭ ‬يحسبها‭ ‬بالمليمتر. ‬لم‭ ‬يأخذ‭ ‬من‭ ‬أبيه‭ ‬غير‭ ‬الشارب‭ ‬الأسود‭ ‬الرفيع. ‬الشارب‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬أوقعني،‭ ‬قبل‭ ‬أربعين‭ ‬عاما،‭ ‬في‭ ‬غرام‭ ‬نحّات‭ ‬عراقي‭ ‬غريب‭ ‬الأطوار‭.‬

شاهدته‭ ‬واقفاً‭ ‬كالمأخوذ‭ ‬يتأمل‭ ‬لوحة‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬‮«‬بومبيدو‮»‬. ‬نظر‭ ‬إليّ‭ ‬ونظرت‭ ‬إليه. ‬تفاهمنا‭ ‬ببضع‭ ‬إشارات‭ ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬هزّات‭ ‬الرأس. ‬خاطبته‭ ‬بفرنسيتي‭ ‬الراقية‭ ‬التي‭ ‬صقلتها‭ ‬دراسة‭ ‬الأدب‭ ‬في‭ ‬السوربون‭ ‬وردّ‭ ‬عليّ‭ ‬بتلعثمه. ‬يبدأ‭ ‬بمفردات‭ ‬بسيطة‭ ‬ثم‭ ‬يترك‭ ‬لعينيه‭ ‬إكمال‭ ‬المعنى. ‬بؤبؤان‭ ‬سوداوان‭ ‬ونظرات‭ ‬حادة‭ ‬تمتلك‭ ‬مقدرة‭ ‬خارقة‭ ‬على‭ ‬توضيب‭ ‬الكلام. ‬كيف‭ ‬كان‭ ‬لي‭ ‬ألا‭ ‬أنجذب‭ ‬إليه‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬التجسيد‭ ‬الحي‭ ‬المناقض‭ ‬لكل‭ ‬التقاليد‭ ‬البرجوازية‭ ‬والإتيكيت‭ ‬البليد‭ ‬الذي‭ ‬تربيت‭ ‬عليه؟

أكمل‭ ‬دراسته‭ ‬الفنية‭ ‬وتزوّجنا‭ ‬وأخذني‭ ‬إلى‭ ‬بغداد. ‬مدينة‭ ‬غريبة‭ ‬ناهضة‭ ‬أحببت‭ ‬شمسها‭ ‬ونخيلها‭ ‬ولم‭ ‬أتآلف‭ ‬مع‭ ‬غبارها. ‬عشنا‭ ‬سنوات‭ ‬سعيدة‭ ‬وهاجة‭.‬‭ ‬أنجبنا‭ ‬آدم‭ ‬وحقق‭ ‬زوجي‭ ‬حلمه‭ ‬بالتدريس‭ ‬في‭ ‬أكاديمية‭ ‬الفنون. ‬لكنّ‭ ‬حروبا‭ ‬غير‭ ‬ضرورية‭ ‬أجبرتنا‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬فرنسا. ‬أقمنا‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬صغير‭ ‬ورثته‭ ‬عن‭ ‬أهلي‭ ‬في‭ ‬الجنوب. ‬كبر‭ ‬آدم‭ ‬وكبرنا. ‬وزوجي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬عمودا‭ ‬من‭ ‬حديد،‭ ‬‮ ‬أصيب‭ ‬بداء‭ ‬غريب‭ ‬وصار‭ ‬خردة. ‬هل‭ ‬يكون‭ ‬مرض‭ ‬الحنين‭ ‬إلى‭ ‬الوطن؟

قبل‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬انطفائه،‭ ‬دعتنا‭ ‬الممرضات‭ ‬لتوديعه. ‬شبح‭ ‬هزيل‭ ‬راقد‭ ‬بلا‭ ‬حراك. ‬وقفت‭ ‬مع‭ ‬آدم‭ ‬عند‭ ‬سريره،‭ ‬نحاول‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأنابيب‭ ‬الطالعة‭ ‬من‭ ‬أنفه‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬شفتيه،‭ ‬كلمات‭ ‬يصرّ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يوصينا‭ ‬بها. ‬قال‭ ‬إن‭ ‬علينا‭ ‬إحراق‭ ‬جثته‭ ‬ونثر‭ ‬رماده‭ ‬في‭ ‬ممرات‭ ‬المقبرة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬في‭ ‬الوزيرية،‭ ‬غير‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬أكاديمية‭ ‬الفنون. ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬اتسعت‭ ‬عينا‭ ‬آدم‭ ‬من‭ ‬الفزع،‭ ‬شعرت‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬الراحة‭ ‬لأن‭ ‬الحرق‭ ‬أقل‭ ‬تكلفة‭ ‬من‭ ‬الدفن. ‬لكنّ‭ ‬أيّا‭ ‬منا‭ ‬لم‭ ‬يفهم‭ ‬لماذا‭ ‬أراد‭ ‬حبيبنا‭ ‬المحتضر‭ ‬تعذيبنا‭ ‬بهذه‭ ‬الوصية‭ ‬السخيفة. ‬أي‭ ‬وزيرية‭ ‬وأي‭ ‬هراء؟

زوجي،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يحرق‭ ‬أعصابه‭ ‬مع‭ ‬سجائره،‭ ‬مات‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬بومبيدو‭ ‬في‭ ‬باريس. ‬بومبيدو‭ ‬جمعنا‭ ‬وبومبيدو‭ ‬فرّقنا. ‬وبينما‭ ‬كانت‭ ‬عيناه‭ ‬العميقتان‭ ‬تدخلان‭ ‬الفرن‭ ‬وتتحولان‭ ‬إلى‭ ‬هباء،‭ ‬كانت‭ ‬الصحف‭ ‬العراقية‭ ‬تتناقل‭ ‬خبر‭ ‬رحيل‭ ‬النحات‭ ‬الكبير‭ ‬سالم‭ ‬الشذري. ‬نشر‭ ‬رفاقه‭ ‬مقالات‭ ‬تدعو‭ ‬لتنظيم‭ ‬‮«‬جنازة‭ ‬وطنية‭ ‬للفنان‭ ‬الذي‭ ‬رحل‭ ‬في‭ ‬المنفى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قدم‭ ‬صورة‭ ‬مشرفة‭ ‬للنحت‭ ‬العراقي‭ ‬المعاصر‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية‮»‬. ‬ووجّه‭ ‬تلاميذه‭ ‬نداءات‭ ‬لنقل‭ ‬جثمانه‭ ‬إلى‭ ‬بغداد. ‬هكذا‭ ‬كتبوا. ‬لكن‭ ‬أحداً‭ ‬لم‭ ‬يتصل‭ ‬بي‭ ‬من‭ ‬السفارة‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة. ‬لا‭ ‬شك‭ ‬أنهم‭ ‬مشغولون‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬أهم. ‬وهكذا،‭ ‬ذات‭ ‬ضحى‭ ‬حزين،‭ ‬سكبت‭ ‬رماد‭ ‬زوجي‭ ‬في‭ ‬دلّة‭ ‬نحاسية‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬شغل‭ ‬سوق‭ ‬الصفافير،‭ ‬جاء‭ ‬بها‭ ‬آدم‭ ‬من‭ ‬زيارته‭ ‬الوحيدة‭ ‬للعراق. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ولدي‭ ‬قد‭ ‬سافر‭ ‬إلى‭ ‬هناك‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬أجداده‭ ‬بل‭ ‬مع‭ ‬شركة‭ ‬فرنسية‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬عقود‭ ‬في‭ ‬الإنشاءات‭ ‬والمباني. ‬استخدموا‭ ‬اسم‭ ‬والده‭ ‬طعما‭ ‬للصفقات‭.‬

حملت‭ ‬الدلّة‭ ‬معي‭ ‬في‭ ‬الطائرة. ‬أحكمت‭ ‬لصق‭ ‬غطائها‭ ‬وتغليفها‭ ‬بورق‭ ‬مشمّع‭ ‬ولففتها‭ ‬بكيس‭ ‬مخدة. ‬مر‭ ‬الكيس‭ ‬القماشي‭ ‬على‭ ‬أجهزة‭ ‬التفتيش‭ ‬في‭ ‬مطار‭ ‬شارل‭ ‬ديغول‭ ‬بدون‭ ‬مشكلات. ‬لكن‭ ‬التعقيدات‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬مطار‭ ‬عمّان‭.‬

ـ‭ ‬ما‭ ‬هذا؟

ـ‭ ‬دلّة‭.‬

ـ‭ ‬ماذا‭ ‬فيها؟

ـ‭ ‬رماد‭ ‬زوجي. ‬لقد‭ ‬أوصى‭ ‬بذرّه‭ ‬في‭ ‬بلده‭.‬

امتعضت‭ ‬موظفة‭ ‬الترانزيت‭ ‬وأسرعت‭ ‬تنادي‭ ‬مديرها. ‬ومن‭ ‬حسن‭ ‬الخط‭ ‬أن‭ ‬المدير‭ ‬كان‭ ‬يتوخّى‭ ‬الستر. ‬تركني‭ ‬أمر‭ ‬بمتاعي‭ ‬المشبوه‭ ‬وأستقل‭ ‬سيارة‭ ‬أجرة‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭.‬

استقبلني‭ ‬الفنانون‭ ‬هناك‭ ‬بالترحاب. ‬لكنني‭ ‬عندما‭ ‬أخرجت‭ ‬الدّلة‭ ‬من‭ ‬الكيس‭ ‬ووضعتها‭ ‬على‭ ‬المكتب‭ ‬الأنيق‭ ‬لوزير‭ ‬الثقافة‭ ‬انتفض‭ ‬وصرخ‭: ‬‮«‬أعوذ‭ ‬بالله‮»‬‭.‬

ـ‭ ‬نحن‭ ‬مسلمون‭ ‬ولسنا‭ ‬هندوساً،‭ ‬وحرق‭ ‬الميت‭ ‬حرام‭.‬

‭-‬‭ ‬خذي‭ ‬هذا‭ ‬الشيء‭ ‬من‭ ‬هنا،‭ ‬يا‭ ‬مدام،‭ ‬أرجوك‭.‬

رفعت‭ ‬الدلة‭ ‬وأعدتها‭ ‬إلى‭ ‬كيسها‭ ‬مثل‭ ‬مادة‭ ‬مشبوهة،‭ ‬جمرة‭ ‬خبيثة‭ ‬أو‭ ‬مخدرات. ‬وحوقل‭ ‬الوزير‭ ‬وتعذول‭ ‬عدة‭ ‬مرات‭ ‬وتناول‭ ‬منديلاً‭ ‬ومسح‭ ‬المكتب. ‬ظل‭ ‬متقززًا‭ ‬وهو‭ ‬ينصحني‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬بلدي. ‬رجاني‭ ‬ألا‭ ‬‮ ‬أُخبر‭ ‬أحداً‭ ‬بالقضية. ‬إن‭ ‬البلد‭ ‬غير‭ ‬آمن،‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬لي،‭ ‬والفوضى‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬وقد‭ ‬يخطفني‭ ‬أحدهم‭ ‬لأنني‭ ‬أجنبية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬يغتالني. ‬لم‭ ‬أدر‭ ‬ما‭ ‬أفعل. ‬بقيت‭ ‬في‭ ‬الفندق‭ ‬الكبير‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام‭ ‬حتى‭ ‬أصابني‭ ‬الضجر. ‬وفي‭ ‬اليوم‭ ‬الرابع‭ ‬نزلت‭ ‬وأخذت‭ ‬تاكسياً‭ ‬إلى‭ ‬الوزيرية‭.‬

ـ‭ ‬مقبرة‭ ‬الإنجليز‭ ‬من‭ ‬فضلك‭.‬

لم‭ ‬يتمكن‭ ‬السائق‭ ‬من‭ ‬التوقف‭ ‬هناك‭ ‬بسبب‭ ‬مرور‭ ‬رتل‭ ‬أميركي‭ ‬قطع‭ ‬الطريق،‭ ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬أنزلني‭ ‬أمام‭ ‬أكاديمية‭ ‬الفنون‭ ‬الجميلة،‭ ‬عند‭ ‬زاوية‭ ‬الشارع. ‬هنا‭ ‬كان‭ ‬سالم‭ ‬يعلّم‭ ‬تلاميذه‭ ‬النحت،‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬طوال. ‬قلت‭ ‬لنفسي‭ ‬سأدخل‭ ‬وأطوف‭ ‬في‭ ‬الأرجاء‭ ‬وأبحث‭ ‬عن‭ ‬أنفاس‭ ‬زوجي‭ ‬في‭ ‬المبنى‭ ‬العتيق. ‬لكن‭ ‬حارساً‭ ‬اعترضني‭ ‬وطلب‭ ‬تفتيشي‭.‬

ـ‭ ‬وين‭ ‬رايحة؟

ـ‭ ‬عند‭ ‬العميد‭.‬

ـ‭ ‬عندك‭ ‬موعد‭ ‬مسبق؟

ـ‭ ‬نعم‭.‬

ـ‭ ‬ما‭ ‬هذا؟

ـ‭ ‬دلّة‭ ‬فيها‭ ‬طين‭ ‬يصلح‭ ‬لزراعة‭ ‬النعناع. ‬أنا‭ ‬مريضة‭ ‬بالربو‭ ‬وأحتاج‭ ‬هذه‭ ‬النبتة‭ ‬للعلاج‭.‬

تفرّس‭ ‬الحارس‭ ‬فيّ‭ ‬بريبة‭ ‬لكنه‭ ‬أشّر‭ ‬بيده‭ ‬لكي‭ ‬أدخل. ‬ثم‭ ‬لحقت‭ ‬بي‭ ‬طالبة‭ ‬كانت‭ ‬ورائي‭ ‬وسمعت‭ ‬حديثي‭ ‬معه. ‬سألتني‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬أنا‭ ‬فقلت‭ ‬لها‭ ‬بعربيتي‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬لغة‭ ‬المستشرقين‭ ‬إنني‭ ‬من‭ ‬فرنسا. ‬جمدت‭ ‬وفتحت‭ ‬عينيها‭ ‬على‭ ‬سعتهما‭ ‬وهمست‭:‬

ـ‭ ‬أنت‭ ‬زوجة‭ ‬المرحوم‭ ‬الأستاذ‭ ‬سالم‭ ‬الشذري؟

منذ‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬تغيرت‭ ‬زيارتي‭ ‬البغدادية‭ ‬ونبتت‭ ‬لها‭ ‬أجنحة‭ ‬ومناقير‭ ‬لا‭ ‬تخطر‭ ‬على‭ ‬البال. ‬كان‭ ‬حي‭ ‬الوزيرية‭ ‬منعشًا،‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬يقع‭ ‬فيها‭ ‬فندقي. ‬هناك‭ ‬مررت‭ ‬قرب‭ ‬جثث‭ ‬متفحمة،‭ ‬رأيت‭ ‬مشردين‭ ‬سكارى‭ ‬يتقيأون‭ ‬على‭ ‬حذائي،‭ ‬حشاشين‭ ‬يمدّون‭ ‬أيديهم‭ ‬لشد‭ ‬حقيبتي‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬كتفي،‭ ‬عميانًا‭ ‬يسيرون‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬مثل‭ ‬قطار،‭ ‬حشدًا‭ ‬من‭ ‬مبتوري‭ ‬الآذان‭ ‬يتظاهرون‭ ‬للمطالبة‭ ‬بالتعويض،‭ ‬وأطفالًا‭ ‬قذيري‭ ‬الأقدام‭ ‬يهرشون‭ ‬رؤوسهم‭ ‬ويجرون‭ ‬ورائي. ‬‮«‬وان‭ ‬دولار‭ ‬بليز‮…‬‭ ‬حجيّة‭ ‬وان‭ ‬دولار‮»‬‭.‬

نجحت‭ ‬في‭ ‬بلوغ‭ ‬المقبرة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬لكنني‭ ‬لم‭ ‬أُنفذ‭ ‬من‭ ‬وصية‭ ‬زوجي‭ ‬سوى‭ ‬بمقدار‭ ‬حفنة‭ ‬صغيرة‭ ‬ذررتها‭ ‬عند‭ ‬ضريح‭ ‬‮«‬الجنرال‭ ‬مود‮»‬‭ ‬لأن‭ ‬منظره‭ ‬كان‭ ‬طاغيًا. ‬مكان‭ ‬جميل‭ ‬هادئ‭ ‬رغم‭ ‬أصداء‭ ‬إطلاقات‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬بعيد. ‬موسيقى‭ ‬طبيعية‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬غير‭ ‬طبيعي. ‬قطط‭ ‬سمينة‭ ‬وكلاب‭ ‬سائبة‭ ‬وشواهد‭ ‬رخامية‭ ‬تحمل‭ ‬آثار‭ ‬خراء‭ ‬وأشجار‭ ‬وارفة‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬شيء. ‬ومع‭ ‬عودتي‭ ‬إلى‭ ‬الفندق‭ ‬بدأت‭ ‬دراسة‭ ‬الخطة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬بزغت،‭ ‬فجأة،‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬نسيمة،‭ ‬طالبة‭ ‬النحت‭ ‬الصغيرة‭ ‬بعد‭ ‬حديثها‭ ‬معي. ‬إنها‭ ‬دليلتي‭ ‬هنا‭.‬

جمعت‭ ‬حاجياتي‭ ‬وسلّمت‭ ‬مفتاح‭ ‬الغرفة‭ ‬وخرجت‭ ‬لأجد‭ ‬سيارة‭ ‬تويوتا‭ ‬عتيقة‭ ‬تنتظرني‭ ‬أمام‭ ‬الفندق. ‬كان‭ ‬فيها‭ ‬شابان‭ ‬لا‭ ‬أعرفهما. ‬ورأيت‭ ‬نسيمة‭ ‬تؤشر‭ ‬لي‭ ‬من‭ ‬نافذة‭ ‬المقعد‭ ‬الخلفي. ‬ومثل‭ ‬كوماندو‭ ‬حسن‭ ‬التدريب‭ ‬تبادلنا‭ ‬تحيات‭ ‬مقتضبة‭ ‬وانطلقنا‭ ‬إلى‭ ‬الوزيرية. ‬إن‭ ‬زوجي‭ ‬لم‭ ‬يولد‭ ‬هنا‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬فقيرة‭ ‬يمرّ‭ ‬بها‭ ‬نهر‭ ‬صغير. ‬حكى‭ ‬لي‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬طفلًا‭ ‬حين‭ ‬عجنت‭ ‬أصابعه‭ ‬الطين‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬على‭ ‬ضفافه. ‬كان‭ ‬يصنع‭ ‬شخوصًا‭ ‬ذات‭ ‬رؤوس‭ ‬مفلطحة‭ ‬وأعين‭ ‬مجوّفة‭ ‬لكن‭ ‬والدته‭ ‬ضربته‭ ‬لأن‭ ‬تلك‭ ‬أصنام‭ ‬الكفار. ‬نال‭ ‬صفعات‭ ‬كثيرة‭ ‬ولم‭ ‬يتوقف. ‬وفي‭ ‬سن‭ ‬التاسعة‭ ‬عشرة‭ ‬دخل‭ ‬أكاديمية‭ ‬الفنون‭ ‬ليدرس‭ ‬النحت. ‬وفي‭ ‬السنة‭ ‬الثالثة‭ ‬فصلوه‭ ‬لأنه‭ ‬نحت‭ ‬الرئيس‭ ‬بعينين‭ ‬غير‭ ‬متناسقتين. ‬اتهمه‭ ‬زميل‭ ‬حسود‭ ‬بأنه‭ ‬تعمّد‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬القائد‭ ‬أعور. ‬أمضى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬في‭ ‬الأقبية‭ ‬السرية‭ ‬ثم‭ ‬هرب‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الشمال. ‬وما‭ ‬حدث‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬أعرفه‭ ‬لأنني‭ ‬كنت‭ ‬شاهدة‭ ‬عليه‭.‬

في‭ ‬شارع‭ ‬خلفي‭ ‬من‭ ‬شوارع‭ ‬الوزيرية‭ ‬أقمت‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬مستأجر. ‬بيوت‭ ‬فسيحة‭ ‬كانت‭ ‬فخمة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعبث‭ ‬بها‭ ‬غبار‭ ‬السنين،‭ ‬تحيط‭ ‬بها‭ ‬الحدائق‭ ‬والأسيجة‭ ‬الواطئة‭ ‬والمستنقعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬خلفتها‭ ‬أمطار‭ ‬الشتاء. ‬تذكرت‭ ‬الربيع‭ ‬الذي‭ ‬يهجم‭ ‬على‭ ‬المدينة‭ ‬مع‭ ‬الزهيرات‭ ‬البيض‭ ‬الأُولى‭ ‬لأشجار‭ ‬الليمون‭ ‬والرارنج. ‬يسمونه‭ ‬القدّاح. ‬أزكى‭ ‬من‭ ‬عطور‭ ‬ديور‭ ‬وشانيل. ‬وفي‭ ‬الأُمسيات،‭ ‬يغفو‭ ‬فوح‭ ‬القداح‭ ‬ليستيقظ‭ ‬شذى‭ ‬شبّو‭ ‬الليل‭.‬

زهور‭ ‬صغيرة‭ ‬زرقاء‭ ‬أو‭ ‬بنفسجية،‭ ‬تنمو‭ ‬على‭ ‬ساق‭ ‬مستطيلة‭ ‬ولا‭ ‬تتفتح‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬المغيب‭ ‬لتنشر‭ ‬شذاها‭ ‬الذي‭ ‬يدوّخ‭ ‬الألباب‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬الأيام،‭ ‬رأيت‭ ‬العشاق،‭ ‬شبانًا‭ ‬وفتيات،‭ ‬يخرجون‭ ‬من‭ ‬المساكن‭ ‬الداخلية‭ ‬لطلبة‭ ‬الجامعة. ‬يتنزهون‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬الجانبية،‭ ‬اليد‭ ‬في‭ ‬اليد،‭ ‬ويكون‭ ‬أجسرهم‭ ‬قد‭ ‬كسر‭ ‬مصابيح‭ ‬الشارع‭ ‬بمصيدة‭ ‬للعصافير. ‬تنتشر‭ ‬العتمة‭ ‬وتسمح‭ ‬بقبلات‭ ‬مسروقة‭ ‬خلف‭ ‬أشجار‭ ‬الكاليبتوس‭ ‬الوارفة. ‬وإما‭ ‬فالعتمة‭ ‬جاهزة. ‬انقطعت‭ ‬الكهرباء‭ ‬بسبب‭ ‬قصف‭ ‬محطات‭ ‬الطاقة‭ ‬وما‭ ‬عاد‭ ‬العشاق‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬لاصطياد‭ ‬المصابيح‭.‬

شممت‭ ‬عطر‭ ‬شبّو‭ ‬الليل‭ ‬ومررت‭ ‬بالمكان‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬أرتاده‭ ‬مع‭ ‬سالم،‭ ‬عند‭ ‬نزلة‭ ‬الجسر‭ ‬الحديدي. ‬بحثت‭ ‬عن‭ ‬مطعم‭ ‬‮«‬غاردينيا‮»‬‭ ‬ذي‭ ‬السقف‭ ‬الأخضر‭ ‬الواطئ. ‬يصرّ‭ ‬زوجي‭ ‬أنهم‭ ‬هناك‭ ‬يقدمون‭ ‬‮«‬ألذّ‭ ‬أرزّ‭ ‬بالباقلاء‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬أجمع‮»‬. ‬لكني‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬المطعم‭ ‬بل‭ ‬عمارة‭ ‬حديثة‭ ‬سيئة‭ ‬الواجهة،‭ ‬مزوقة‭ ‬مثل‭ ‬عروس‭ ‬من‭ ‬الغجر. ‬ومن‭ ‬تحت‭ ‬الجسر،‭ ‬وصلني‭ ‬غناء‭ ‬سكارى‭ ‬سريّين‭ ‬يشترون‭ ‬العرق،‭ ‬تحت‭ ‬العباءة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬منعت‭ ‬الحكومة‭ ‬بارات‭ ‬الخمور. ‬أهذه‭ ‬هي‭ ‬وزيريّتك‭ ‬يا‭ ‬سالم؟

وطوال‭ ‬أسبوع،‭ ‬كانت‭ ‬نسيمة‭ ‬تأتي‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬لكي‭ ‬تكمل‭ ‬مراحل‭ ‬الخطة. ‬تنقل‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬كميات‭ ‬من‭ ‬الطين‭ ‬النديّ‭ ‬وتكوّمها‭ ‬في‭ ‬الحديقة‭ ‬الخلفية. ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬زميلاها‭ ‬الشابان،‭ ‬ذات‭ ‬مساء،‭ ‬ومعهما‭ ‬كيس‭ ‬كبير‭ ‬مثل‭ ‬أكياس‭ ‬الدقيق. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المسحوق‭ ‬الأبيض‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬طحيناً‭ ‬بل‭ ‬جبسًا. ‬وقد‭ ‬راقبتهما‭ ‬وهما‭ ‬يخلطانه‭ ‬بالماء‭ ‬وبشيء‭ ‬من‭ ‬الطين. ‬وبين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬كان‭ ‬الباب‭ ‬يفتح‭ ‬ويدخل‭ ‬طلاب‭ ‬وطالبات‭ ‬إضافيون،‭ ‬يسيرون‭ ‬على‭ ‬مهل‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬يثيروا‭ ‬انتباه‭ ‬الجيران. ‬ولما‭ ‬انتهوا‭ ‬من‭ ‬العمل،‭ ‬طلبوا‭ ‬مني‭ ‬أن‭ ‬أسكب‭ ‬فوق‭ ‬الخليط‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬رماد‭ ‬سالم‭ ‬الشذري. ‬ولم‭ ‬تعجن‭ ‬يدا‭ ‬نسيمة‭ ‬وحدها‭ ‬الجبس‭ ‬المخلوط‭ ‬بالطين‭ ‬وبالهباء. ‬غمس‭ ‬تلاميذ‭ ‬سالم‭ ‬أكفهم‭ ‬في‭ ‬الطشت،‭ ‬كل‭ ‬حسب‭ ‬دوره،‭ ‬وترنمت‭ ‬الطالبات‭ ‬بأُغنية‭ ‬شعبية‭ ‬وتركن‭ ‬جدائلهن‭ ‬الطويلة‭ ‬تتدلى‭ ‬فوق‭ ‬الوعاء. ‬التصقت‭ ‬الخصلات‭ ‬بعرق‭ ‬جباههن‭ ‬وبأذرعهن‭ ‬المشمرة. ‬كان‭ ‬طقساً‭ ‬عجيباً‭ ‬بعث‭ ‬القشعريرة‭ ‬في‭ ‬نفسي. ‬وبينما‭ ‬نامت‭ ‬الوزيرية‭ ‬على‭ ‬هدهدات‭ ‬الإطلاقات‭ ‬البعيدة،‭ ‬امتدت‭ ‬أكف‭ ‬بنات‭ ‬وأولاد‭ ‬لم‭ ‬يتجاوزوا‭ ‬العشرين‭ ‬لتلبخ،‭ ‬بالجبس‭ ‬الأسمر،‭ ‬قامة‭ ‬نسيمة‭ ‬التي‭ ‬وقفت‭ ‬عارية‭ ‬في‭ ‬حمّام‭ ‬الدار‭ ‬وكأنها‭ ‬آلهة‭ ‬سومرية‭ ‬تتوهج‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬الشموع‭.‬

ذات‭ ‬فجر‭ ‬رائق‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬الصيف،‭ ‬استيقظ‭ ‬أهالي‭ ‬الوزيرية‭ ‬على‭ ‬نصب‭ ‬امرأة‭ ‬عارية‭ ‬يطل‭ ‬من‭ ‬سطح‭ ‬أكاديمية‭ ‬الفنون‭ ‬الجميلة. ‬جسد‭ ‬بالحجم‭ ‬الطبيعي‭ ‬يتحدى‭ ‬فتاوى‭ ‬تغطية‭ ‬النساء‭ ‬وتحريم‭ ‬النحت‭ ‬ولعن‭ ‬الغناء‭ ‬والموسيقى. ‬صار‭ ‬للفضيحة‭ ‬ساقان‭ ‬ومضت‭ ‬تركض‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬الحي‭ ‬وتدق‭ ‬على‭ ‬الأبواب،‭ ‬من‭ ‬منزل‭ ‬لمنزل. ‬دعت‭ ‬الناس‭ ‬للخروج‭ ‬والتطلع‭ ‬إلى‭ ‬سطح‭ ‬الأكاديمية. ‬نهض‭ ‬الأطفال‭ ‬وتبعوا‭ ‬مصدر‭ ‬الضجة. ‬دعست‭ ‬نعال‭ ‬البلاستيك‭ ‬الرخيصة‭ ‬شتلات‭ ‬شبّو‭ ‬الليل‭ ‬في‭ ‬الحدائق. ‬هرول‭ ‬أفراد‭ ‬شرطة‭ ‬المرور‭ ‬وهم‭ ‬يضعون‭ ‬أيديهم‭ ‬على‭ ‬كاسكيتاتهم‭ ‬لئلا‭ ‬تطير. ‬توافد‭ ‬طلاب‭ ‬الجامعة‭ ‬إلى‭ ‬المبنى‭ ‬العتيق‭ ‬وهللوا‭ ‬وهم‭ ‬يشاهدون‭ ‬المنحوتة. ‬ثار‭ ‬الملتحون‭ ‬واستغفروا‭ ‬ربهم‭ ‬وتوعدوا‭ ‬الفنانين‭ ‬بنيران‭ ‬جهنم. ‬تهدّلت‭ ‬الأحجبة‭ ‬عن‭ ‬رؤوس‭ ‬الطالبات‭ ‬ورحن‭ ‬يصفّقن‭ ‬حبورًا. ‬خلعت‭ ‬الأُمهات‭ ‬عباءاتهن‭ ‬السود‭ ‬ولوّحن‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬الهواء. ‬كانت‭ ‬الوزيرية‭ ‬الحزينة‭ ‬المختنقة‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تتنفس‭ ‬وتستعيد‭ ‬مهرجاناتها‭ ‬وكتبها‭ ‬وألوانها‭ ‬وعشاق‭ ‬شوارعها‭ ‬الخلفية‭.‬

ثم‭ ‬وصلت‭ ‬فرقة‭ ‬مدججة‭ ‬من‭ ‬الشرطة‭ ‬وأراد‭ ‬أفرادها‭ ‬الصعود‭ ‬إلى‭ ‬السطح‭ ‬لكن‭ ‬طلبة‭ ‬قسم‭ ‬النحت‭ ‬كانوا‭ ‬قد‭ ‬سدّوا‭ ‬باب‭ ‬الدرج‭ ‬بالمصاطب‭ ‬ومناضد‭ ‬الصفوف. ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬أمام‭ ‬المهاجمين‭ ‬الواقفين‭ ‬أسفل‭ ‬المبنى،‭ ‬سوى‭ ‬محاولة‭ ‬اصطياد‭ ‬العارية‭ ‬بالحبال‭ ‬كما‭ ‬تصطاد‭ ‬الخيول‭ ‬الجامحة. ‬أرادوا‭ ‬جرها‭ ‬من‭ ‬رقبتها‭ ‬لكي‭ ‬تنكفئ‭ ‬ساقطة‭ ‬على‭ ‬وجهها‭.‬

أيقظت‭ ‬الهرولة‭ ‬الجماعية‭ ‬أحد‭ ‬السكارى‭ ‬المتأخرين‭ ‬فرفع‭ ‬رأسه‭ ‬وفرك‭ ‬عينيه‭.‬

ـ‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬تمثال‭ ‬آخر‭ ‬لصدام؟

ـ‭ ‬لا‮…‬‭ ‬هذه‭ ‬روح‭ ‬سالم‭ ‬الشذري‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الوزيرية‭.‬


كاتبة من العراق مقيمة في باريس

مقالات أخرى للكاتب:

  • الخوّافات