من‭ ‬الغنيمة‭ ‬إلى‭ ‬الفرهود

النسق‭ ‬العشائري‭ ‬للديمقراطية‭ ‬في‭ ‬العراق

الجديد  إسماعيل نوري الربيعي [نُشر في 01/03/2017، العدد: 26، ص(34)]

لوحة: محمد الوهيبي
يحيل‭ ‬المحيط‭ ‬والسياق‭ ‬‭(‬Context‭)‬‭ ‬العراقي‭ ‬الراهن‭ ‬بخطابه‭ ‬وأحداثه‭ ‬وظروفه،‭ ‬إلى‭ ‬السيادة‭ ‬المطلقة‭ ‬لتداول‭ ‬كلمات‭ ‬وعلامات‭ ‬من‭ ‬نوع؛‭ ‬‭(‬‭ ‬الغنيمة،‭ ‬الفرهود،‭ ‬الفساد،‭ ‬النهب،‭ ‬السلب،‭ ‬السبي،‭ ‬الفوضى،‭ ‬الاضطراب،‭ ‬التدمير،‭ ‬القتل‭ ‬المجاني،‭ ‬الإرهاب،‭ ‬التدهور،‭ ‬التخلف،‭ ‬التراجع،‭ ‬الخراب،‭ ‬الانحطاط‭ ‬‭)‬‭ ‬فيما‭ ‬يكون‭ ‬السيد‭ ‬‭(‬بوري‭ ‬Pipe‭)‬‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬الأعظم‭ ‬في‭ ‬المجمل‭ ‬من‭ ‬التداولات‭ ‬والتفاعلات‭ ‬النسقية‭ ‬‭(‬System‭)‬. ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬راحت‭ ‬بركاته‭ ‬تحل‭ ‬على‭ ‬الجميع‭: ‬الحكومة‭ ‬والمعارضة،‭ ‬المؤيدين‭ ‬والرافضين،‭ ‬الضاحكين‭ ‬والعابسين. ‬فيما‭ ‬يعيش‭ ‬العراق‭ ‬أزهى‭ ‬أحوال‭ ‬النوم‭ ‬العميق‭ ‬والسبات‭ ‬واللاأبالية‭ ‬واللاجدوى‭ ‬واللاأمل،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬اللا،‭ ‬تطول‭ ‬وتمتد‭ ‬لتتجاوز‭ ‬مسافة‭ ‬سور‭ ‬الصين‭ ‬العظيم‭.‬

‭‬المقدمات الصحيحة‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬صحيحة،‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬منطق‭ ‬البحث‭ ‬العلمي. ‬فيما‭ ‬عانى‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬الغياب‭ ‬المفجع‭ ‬للمقدمات،‭ ‬ولم‭ ‬يجد‭ ‬أمامه‭ ‬سوى‭ ‬النتائج. ‬هذا‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬واقع‭ ‬التفاعلات‭ ‬التاريخية،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬فرضت‭ ‬أحوالها‭ ‬وتفصيلاتها‭ ‬عليه. ‬فمنذ‭ ‬سقوط‭ ‬بغداد‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬المغول‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬عشر‭ ‬الميلادي،‭ ‬غدا‭ ‬العراق‭ ‬نهبا‭ ‬للتمثلات‭ ‬الناقصة. ‬حيث‭ ‬التسيد‭ ‬لصورة‭ ‬الدولة‭ ‬وليس‭ ‬حقيقتها،‭ ‬وأرضا‭ ‬خصبة‭ ‬لإنتاج‭ ‬الصورة‭ ‬الزائفة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دولة‭ ‬الخروف‭ ‬الأسود،‭ ‬والخروف‭ ‬الأبيض،‭ ‬وصلا‭ ‬بالسيطرة‭ ‬العثمانية،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬عبرت‭ ‬عن‭ ‬نزعة‭ ‬احتقارية‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬مسار‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬الصقع‭ ‬البعيد‭ ‬النائي‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬ينتج‭ ‬سوى‭ ‬التمردات‭ ‬العشائرية‭ ‬والنزاعات‭ ‬والاضطرابات‭ ‬والجوائح‭ ‬والأوبئة‭ ‬والفيضانات،‭ ‬ونقطة‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬دولة‭ ‬الجوار‭ ‬الفارسية. ‬سعيا‭ ‬بالمحتل‭ ‬البريطاني‭ ‬الذي‭ ‬تطلع‭ ‬نحو‭ ‬إنتاج‭ ‬الدلالة‭ ‬المختلقة‭ ‬وليس‭ ‬العميقة. ‬فالأمر‭ ‬برمته‭ ‬كان‭ ‬منوطا‭ ‬بالخاتون‭ ‬“المس‭ ‬بيل”‭ ‬تلك‭ ‬المشتغلة‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الملوك،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تتردد‭ ‬من‭ ‬البوح‭ ‬لوالدها‭ ‬عبر‭ ‬رسائلها‭ ‬الشهيرة،‭ ‬بأنها‭ ‬تشعر‭ ‬بالندم‭ ‬والأسى‭ ‬لتورطها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسعى‭.‬

استنفاد‭ ‬الدلالة

ما‭ ‬بين‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬التحررية‭ ‬عام‭ ‬1920‭ ‬للجماهير‭ ‬الكادحة،‭ ‬كما‭ ‬يدعوها‭ ‬المؤرخ‭ ‬الروسي‭ ‬كوتولوف،‭ ‬واحتجاجات‭ ‬الطلبة‭ ‬بإزاء‭ ‬أزمة‭ ‬كتاب‭ ‬النصولي‭ ‬عام‭ ‬1927،‭ ‬ومظاهرات‭ ‬الطلبة‭ ‬ضد‭ ‬زيارة‭ ‬ألفرد‭ ‬موند‭ ‬المناصر‭ ‬للحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬عام‭ ‬1928‭ ‬وانقلاب‭ ‬الجنرال‭ ‬بكر‭ ‬صدقي‭ ‬عام‭ ‬1936،‭ ‬وصعود‭ ‬حركة‭ ‬الأهالي،‭ ‬وثورة‭ ‬رشيد‭ ‬عالي‭ ‬الكيلاني‭ ‬والمربع‭ ‬الذهبي‭ ‬‭(‬كناية‭ ‬عن‭ ‬الضباط‭ ‬الأربعة‭)‬‭ ‬عام‭ ‬1941،‭ ‬وما‭ ‬أعقبها‭ ‬من‭ ‬تغول‭ ‬للنفوذ‭ ‬البريطاني‭ ‬والهيمنة‭ ‬على‭ ‬المجمل‭ ‬من‭ ‬الحراك‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وصلا‭ ‬بوثبة‭ ‬الجسر‭ ‬عام‭ ‬1948،‭ ‬فأحداث‭ ‬عام‭ ‬1952‭ ‬والدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبة‭ ‬الجنرال‭ ‬نورالدين‭ ‬محمود‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الإضرابات‭ ‬العمالية‭.‬

‮ ‬كانت‭ ‬الواجهة‭ ‬أو‭ ‬اللافتة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬حاضرة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مؤسساتها‭ ‬‭(‬علم‭ ‬ودستور‭ ‬ومجلس‭ ‬أمة‭)‬،‭ ‬لكن‭ ‬السياق‭ ‬العائلي‭ ‬والحضوي،‭ ‬بقي‭ ‬ماثلا‭ ‬للعيان. ‬يمارس‭ ‬وظيفة‭ ‬مواجهة‭ ‬الملابسات‭ ‬والمفاجئات‭ ‬التي‭ ‬يخلقها‭ ‬له‭ ‬التياران‭ ‬‭(‬اليساري‭ ‬والقومي‭)‬. ‬لقد‭ ‬بقيت‭ ‬دالة‭ ‬“الشرعية‭ ‬المطلقة”‭ ‬حاضرة‭ ‬فاعلة‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬السياق‭ ‬والمحيط‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬الملكي،‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬اعتمد‭ ‬على‭ ‬ثالوث‭ ‬‭(‬العائلة،‭ ‬القرابة،‭ ‬الصبغة‭ ‬الدينية‭)‬،‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬الإفادة‭ ‬من‭ ‬الإرث‭ ‬المزري‭ ‬الذي‭ ‬خلفته‭ ‬‭(‬دولة‭ ‬الطرابيش‭ ‬العثمانية‭)‬،‭ ‬فيما‭ ‬عجزت‭ ‬“دولة‭ ‬السيدارة‭ ‬الفيصلية”‭ ‬عن‭ ‬استقطاب‭ ‬الكفاءات‭ ‬‭(‬الشحيحة‭ ‬أصلا‭)‬‭.‬

من‭ ‬العائلة‭ ‬إلى‭ ‬العشيرة

نمط‭ ‬دولة‭ ‬القرابة‭ ‬والعائلة‭ ‬فرضت‭ ‬بقسماتها‭ ‬على‭ ‬العهد‭ ‬الملكي،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬نوري‭ ‬السعيد‭ ‬تولّى‭ ‬منصب‭ ‬رئاسة‭ ‬الحكومة‭ ‬لأربع‭ ‬عشر‭ ‬مرة،‭ ‬فيما‭ ‬تولاه‭ ‬جميل‭ ‬المدفعي‭ ‬لخمس‭ ‬مرات،‭ ‬وتوفيق‭ ‬السويدي‭ ‬لأربع‭ ‬مرات،‭ ‬فيما‭ ‬تقلد‭ ‬رشيد‭ ‬عالي‭ ‬الكيلاني‭ ‬وعلي‭ ‬جودت‭ ‬الأيوبي‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات. ‬ونال‭ ‬أرشد‭ ‬العمري‭ ‬وجعفر‭ ‬العسكري‭ ‬وياسين‭ ‬الهاشمي‭ ‬نصيبهم‭ ‬من‭ ‬منصب‭ ‬رئاسة‭ ‬الحكومة‭ ‬مرتين. ‬ولم‭ ‬تخرج‭ ‬المناصب‭ ‬الوزارية‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الأسماء‭ ‬مع‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬الإضافات‭ ‬الطفيفة،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬“الخال‭ ‬وابن‭ ‬أخته“. ‬ولم‭ ‬يتبق‭ ‬من‭ ‬صدى‭ ‬الطابع‭ ‬المؤسسي‭ ‬لهذه‭ ‬الحقبة‭ ‬سوى‭ ‬ترداد‭ ‬كلمة‭ ‬“موافج”‭ ‬تحت‭ ‬قبة‭ ‬البرلمان،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬اختصرت‭ ‬صناعة‭ ‬القرار‭ ‬السياسي. ‬فيما‭ ‬بقي‭ ‬العراق‭ ‬مرتعا‭ ‬للفقر‭ ‬وسوء‭ ‬الإدارة‭ ‬والفساد‭ ‬وتزوير‭ ‬الانتخابات‭ ‬وأحزمة‭ ‬الفقر‭ ‬وفقر‭ ‬الدم‭ ‬والفيضان‭ ‬والكوليرا‭.‬

لوحة: منيف عجاج

‮ ‬في‭ ‬تراجيديا‭ ‬مفزعة‭ ‬موجعة‭ ‬جاء‭ ‬العسكر‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬الدبابات،‭ ‬لكن‭ ‬حزمة‭ ‬التعاطف‭ ‬مع‭ ‬الزعيم‭ ‬عبدالكريم‭ ‬قاسم،‭ ‬كانت‭ ‬واسعة‭ ‬ولها‭ ‬مقوماتها‭ ‬وأسسها‭ ‬المكينة‭ ‬اللافتة. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الطابع‭ ‬الفردي‭ ‬الذي‭ ‬وسم‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬جاءت‭ ‬لتضع‭ ‬النهاية‭ ‬للتحالف‭ ‬القائم‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬الإقطاع‭ ‬والبورجوازية‭ ‬والبعض‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬المنتفعين،‭ ‬وعملت‭ ‬بجدية‭ ‬تسودها‭ ‬روح‭ ‬الحماسة‭ ‬والعاطفة‭ ‬والوطنية‭ ‬العميقة،‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬مظاهر‭ ‬العبودية‭ ‬والفقر. ‬حتى‭ ‬كان‭ ‬لقاء‭ ‬أطفال‭ ‬العراق‭ ‬ولأول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬بوجبة‭ ‬الفطور‭ ‬المجانية‭ ‬في‭ ‬مدارسهم‭ ‬والحليب‭ ‬المعقّم‭ ‬وعلاج‭ ‬البنسلين‭ ‬ومقويات‭ ‬“التنتريوك”‭ ‬وحبوب‭ ‬زيت‭ ‬السمك،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬أوضاع‭ ‬سكن‭ ‬الفقراء. ‬فكانت‭ ‬أحياء‭ ‬الثورة‭ ‬والشعلة‭ ‬والبياع،‭ ‬وشق‭ ‬قناة‭ ‬الجيش‭ ‬وإنشاء‭ ‬جامعة‭ ‬بغداد. ‬وشعار‭ ‬“كبر‭ ‬الصمونة‭ ‬وصغر‭ ‬الصورة”‭ ‬دون‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬رفع‭ ‬الصورة‭! ‬وتلك‭ ‬العلة‭ ‬الكامنة‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬البشرية‭.‬

من‭ ‬البادية‭ ‬إلى‭ ‬الطائفة

‮ ‬بقي‭ ‬النسق‭ ‬العلاماتي‭ ‬يحضر‭ ‬بقوة‭ ‬لافتة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬العراقي،‭ ‬حيث‭ ‬التطلع‭ ‬نحو‭ ‬اللعب‭ ‬المكثف‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬الرموز‭ ‬والشفرات‭ ‬والدلالات‭ ‬ومجمل‭ ‬المكونات‭ ‬الثقافية،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬الإفادة‭ ‬القصوى‭ ‬من‭ ‬الوسائط‭ ‬الاتصالية،‭ ‬فكان‭ ‬التوجه‭ ‬نحو المعين‭ ‬اللغوي‭: ‬والتي‭ ‬تبدت‭ ‬سماتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تسيد‭ ‬مفردة‭ ‬“عجل”‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬البدوي،‭ ‬وانسحاب‭ ‬لافت‭ ‬ومريب‭ ‬لمفردة‭ ‬“لعد”‭ ‬البغداية‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬الحضري. ‬فيما‭ ‬راح‭ ‬المضمر‭ ‬النسقي‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬ملامح‭ ‬التركيب‭ ‬غير‭ ‬المتجانس‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية،‭ ‬والسعي‭ ‬الجاد‭ ‬نحو‭ ‬إحداث‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الخلل‭ ‬في‭ ‬آليات‭ ‬العلاقات‭ ‬الداخلية،‭ ‬حتى‭ ‬تعرّض‭ ‬التواصل‭ ‬إلى‭ ‬الارتباك،‭ ‬فيما‭ ‬راحت‭ ‬ملامح‭ ‬الغموض‭ ‬والضبابية‭ ‬تحضر‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬الخصوصية‭ ‬التاريخية‭ ‬وتعمل‭ ‬على‭ ‬تمزيق‭ ‬وتشتيت‭ ‬المفاصل‭ ‬الأساسية‭ ‬للهوية‭ ‬الثقافية. ‬وبذات‭ ‬الجرعة‭ ‬العلاماتية‭ ‬نجد‭ ‬اليوم‭ ‬الحضور‭ ‬اللافت‭ ‬لمفردة‭ ‬“جا”،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تم‭ ‬شحنها‭ ‬بجرعة‭ ‬سلطوية‭ ‬خطابية. ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬أصحاب‭ ‬“الجا”‭ ‬والمالكون‭ ‬الشرعيون‭ ‬لها،‭ ‬لم‭ ‬ينلهم‭ ‬سوى‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الاتصالي‭ ‬لها،‭ ‬فيما‭ ‬بقي‭ ‬الإقصاء‭ ‬والتهميش‭ ‬والنظرة‭ ‬المتعالية‭ ‬بحقهم،‭ ‬قائمة‭ ‬لم‭ ‬تتزلزل‭ ‬أو‭ ‬تهن‭!‬

‮ ‬على‭ ‬صعيد المعين‭ ‬الديني‭: ‬حضرت‭ ‬الحملة‭ ‬الإيمانية‭ ‬لتتوافق‭ ‬مع‭ ‬الخطاب‭ ‬المكرّس‭ ‬للترقيع‭ ‬والتبرير‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬غزو‭ ‬الكويت،‭ ‬وانحسارا‭ ‬لافتا‭ ‬للخطاب‭ ‬القومي‭ ‬الذي‭ ‬ميز‭ ‬الحقبة‭ ‬السابقة. ‬فيما‭ ‬جاء‭ ‬خطاب‭ ‬اللاحق‭ ‬قائما‭ ‬على‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬الحماسة‭ ‬الدينية،‭ ‬مع‭ ‬التزود‭ ‬بالرمزية‭ ‬المكثفة‭ ‬لنماذج‭ ‬مقدسة‭ ‬بعينها،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬ينجم‭ ‬عنها‭ ‬سوى‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬التشظي‭ ‬والتمزق‭ ‬الطائفي‭ ‬داخل‭ ‬المكونات‭ ‬العراقية،‭ ‬“فعقيدتك‭ ‬مقدسة‭ ‬وعزيزة‭ ‬وأثيرة‭ ‬على‭ ‬نفسك،‭ ‬والآخر‭ ‬كذلك‭ ‬له‭ ‬عقيدته‭ ‬المقدسة‭ ‬والعزيزة‭ ‬والأثيرة‭ ‬على‭ ‬نفسه”‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬ماكس‭ ‬فيبر‭.‬

‮ ‬ولم‭ ‬يغب معين‭ ‬الأعراف‭: ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬تبدّى‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬اختزال‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬بالولاء‭ ‬الأيديولوجي،‭ ‬والذي‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬الوشاية‭ ‬والنفاق‭ ‬والولاء‭ ‬المطلق‭ ‬والخضوع،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬الرجل‭ ‬يخشى‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬بيته‭ ‬وعائلته‭ ‬وأقرب‭ ‬الأصدقاء،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تصدّر‭ ‬المشهد‭ ‬الاستبداد‭ ‬ذو‭ ‬الصبغة‭ ‬الحداثية‭ ‬المستند‭ ‬إلى‭ ‬المحرمات‭ ‬الأرضية. ‬فيما‭ ‬جاء‭ ‬اللاحق‭ ‬ليعلي‭ ‬من‭ ‬الولاء‭ ‬الديني،‭ ‬حيث‭ ‬المحرمات‭ ‬السماوية،‭ ‬ليصار‭ ‬إلى‭ ‬استبداد‭ ‬ديني،‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للمراجعة‭ ‬والمناقشة،‭ ‬فهم‭ ‬الراسخون‭ ‬والمطهرون‭ ‬والمنزهون‭ ‬والمتواضعون‭ ‬والمؤمنون،‭ ‬لكن‭ ‬الإشكال‭ ‬بقي‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬بقيت‭ ‬عيونهم‭ ‬شاخصة‭ ‬نحو‭ ‬السماء،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكلفوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬عناء‭ ‬الانحناء‭ ‬والنظر‭ ‬إلى‭ ‬الأرض،‭ ‬حيث‭ ‬عامة‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬أكلهم‭ ‬الفقر‭ ‬والعوز‭ ‬والفاقة‭ ‬والخراب‭ ‬والتدهور،‭ ‬والفساد‭ ‬وفرهود‭ ‬النهاب‭ ‬والناهبات،‭ ‬والنواب‭ ‬والنائبات،‭ ‬وسياسيو‭ ‬الصدفة‭ ‬الذين‭ ‬قدموا‭ ‬مصالحهم‭ ‬الشخصية‭ ‬على‭ ‬مصلحة‭ ‬الوطن‭ ‬والأمة. ‬“ويا‭ ‬حوم‭ ‬اتبع‭ ‬لو‭ ‬جرينه”‭.‬


كاتب من العراق