فكاهيون‭ ‬نيويوركيون‭ ‬وخطوط‭ ‬حمراء

الجديد  عدنان ياسين [نُشر في 01/03/2017، العدد: 26، ص(44)]

لوحة: سعد يكن
مطر‭ ‬مطر‭ ‬مطر. ‬سماء‭ ‬فيرمونت‭ ‬ممطرة‭ ‬هذا‭ ‬الصباح. ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية‭ ‬كان‭ ‬الجو‭ ‬ربيعيا‭ ‬ساحرا. ‬لكن‭ ‬المطر‭ ‬هنا‭ ‬عادي‭ ‬تماما. ‬الأصدقاء‭ ‬يقولون‭ ‬إنّ‭ ‬الجو‭ ‬سيصفو‭ ‬غدا. ‬وسنخرج‭ ‬في‭ ‬جولة‭ ‬خاصة‭ ‬بالشعراء. ‬شيء‭ ‬ساحر‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬المرء‭ ‬نفسه‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬فيرمونت. ‬وسط‭ ‬ستين‭ ‬أديبا‭ ‬وفنانا‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الأجيال،‭ ‬ومختلف‭ ‬الجنسيات‭: ‬أميركا،‭ ‬كندا،‭ ‬الصين،‭ ‬التبت،‭ ‬بلغاريا،‭ ‬روسيا،‭ ‬سويسرا،‭ ‬مقدونيا،‭ ‬النرويج،‭ ‬نيجيريا،‭ ‬الشيلي،‭ ‬البرازيل،‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ،‭ ‬وأخوكم‭ ‬من‭ ‬المغرب‭.‬

شيء‭ ‬صعب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬العربي‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬تجمع‭ ‬خرافي‭ ‬كهذا. ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تجيب‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬الجميع‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬وسوريا‭ ‬وتونس‭ ‬والعراق. ‬آخر‭ ‬ما‭ ‬يسألون‭ ‬عنه‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬المغرب. ‬وحتى‭ ‬حينما‭ ‬يسألون‭ ‬فليس‭ ‬بسبب‭ ‬الربيع‭ ‬العربي،‭ ‬وإنما‭ ‬لكي‭ ‬يتحدثوا‭ ‬عن‭ ‬طنجة‭ ‬ومراكش. ‬يا‭ ‬لسحر‭ ‬الأدب. ‬كل‭ ‬الأدباء‭ ‬الأميركيين‭ ‬الذين‭ ‬تحدثت‭ ‬معهم‭ ‬مغرمون‭ ‬بطنجة‭ ‬بسبب‭ ‬بول‭ ‬بوولز‭ ‬وكتابات‭ ‬البتنكس‭: ‬كيرواك‭ ‬وبوروز‭ ‬والآخرين. ‬وتبقى‭ ‬فيرمونت‭ ‬أكبر‭ ‬تجمع‭ ‬للأدباء‭ ‬والفنانين‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

ليس‭ ‬هناك‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬يجمع‭ ‬ستين‭ ‬مبدعا‭ ‬لمدة‭ ‬شهر‭ ‬كامل‭ ‬باستثناء‭ ‬هذه‭ ‬الأستوديوهات. ‬الغابة‭ ‬رائعة‭ ‬والنهر‭ ‬يمر‭ ‬من‭ ‬أمامي‭ ‬مختالا‭ ‬غير‭ ‬عابئ‭ ‬بالمطر‭ ‬وأنا‭ ‬أكتب‭ ‬الآن‭.‬

لكل‭ ‬كاتب‭ ‬هنا‭ ‬مسكن‭ ‬نظيف‭ ‬وأستوديو‭ ‬للكتابة‭ ‬يفصل‭ ‬بينهما‭ ‬النهر. ‬أما‭ ‬المكتبة‭ ‬والقاعات‭ ‬الأخرى‭ ‬فمشتركة‭ ‬بين‭ ‬الجميع‭ ‬وتبقى‭ ‬مفتوحة‭ ‬للصباح. ‬يلتقي‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬المطعم‭ ‬في‭ ‬الوجبات‭ ‬الثلاث‭ ‬ويسهرون‭ ‬ليلا‭ ‬إما‭ ‬على‭ ‬ضفة‭ ‬الوادي‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬المكتبة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬قاعة‭ ‬التلفزيون. ‬ذهبت‭ ‬بالأمس‭ ‬إلى‭ ‬درس‭ ‬اليوغا. ‬أول‭ ‬حصة‭ ‬يوغا‭ ‬آخذها‭ ‬في‭ ‬حياتي. ‬التقيت‭ ‬الأستاذة‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬الغداء‭ ‬فدردشنا‭ ‬قليلا. ‬عرفت‭ ‬منها‭ ‬أنها‭ ‬شاعرة،‭ ‬وأنها‭ ‬تعطي‭ ‬دروس‭ ‬اليوغا‭ ‬التي‭ ‬يؤدي‭ ‬عنها‭ ‬النزلاء‭ ‬مبلغ‭ ‬13‭ ‬دولارا‭ ‬للحصة‭ ‬الواحدة‭ ‬كمقابل‭ ‬لكي‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬الإقامة. ‬فوجئت‭ ‬أكثر‭ ‬حينما‭ ‬عرفت‭ ‬أن‭ ‬النيجيري‭ ‬الذي‭ ‬يشتغل‭ ‬في‭ ‬المطبخ‭ ‬روائي‭ ‬معروف‭ ‬في‭ ‬بلده،‭ ‬وأن‭ ‬الفراشة‭ ‬الأميركية‭ ‬التي‭ ‬تغسل‭ ‬الأطباق‭ ‬شاعرة‭ ‬بدورها. ‬فهمت‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أغلب‭ ‬الأدباء‭ ‬والفنانين‭ ‬المشاركين‭ ‬يشتغلون‭ ‬في‭ ‬المطبخ‭ ‬والبستنة‭ ‬والأعمال‭ ‬الإدارية‭ ‬ويعطون‭ ‬دروسا‭ ‬في‭ ‬الرياضة‭ ‬واليوغا‭ ‬وغيرها‭ ‬كمقابل‭ ‬للإقامة‭ ‬هنا. ‬قال‭ ‬لي‭ ‬صديق‭ ‬من‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭: ‬“أنا‭ ‬وأنت‭ ‬وقلة‭ ‬هنا‭ ‬فقط‭ ‬ينظرون‭ ‬إلينا‭ ‬كما‭ ‬كانوا‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬النبلاء‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬القديمة،‭ ‬لأن‭ ‬استضافتنا‭ ‬كاملة‭ ‬ولا‭ ‬نحتاج‭ ‬للعمل‭ ‬لكي‭ ‬نبرر‭ ‬وجودنا”. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬قررت‭ ‬أن‭ ‬أتطوع‭ ‬للبستنة. ‬التقيت‭ ‬بالمسؤول‭ ‬عن‭ ‬الحدائق‭ ‬هنا‭ ‬واتفقنا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أشتغل‭ ‬تحت‭ ‬إمرته‭ ‬ساعتين‭ ‬في‭ ‬الأسبوع. ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لكيلا‭ ‬تحقد‭ ‬عليّ‭ ‬الفراشة‭ ‬الجميلة‭ ‬التي‭ ‬تغسل‭ ‬الأطباق‭.‬

المكان‭ ‬هنا‭ ‬هادئ‭ ‬منعزل. ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬للحياة‭ ‬الصاخبة. ‬هناك‭ ‬بعض‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬المركز. ‬لكنها‭ ‬حركة‭ ‬بسيطة‭ ‬محتشمة. ‬والمركز‭ ‬صغير‭ ‬جدا. ‬يضم‭ ‬مكتبة،‭ ‬قاعة‭ ‬عروض،‭ ‬كنيسة،‭ ‬مكتب‭ ‬بريد،‭ ‬محلا‭ ‬لتصبين‭ ‬الملابس،‭ ‬وحانتين. ‬أما‭ ‬السوبرماركت‭ ‬فبعيد. ‬وطبعا‭ ‬أحتاج‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأغراض. ‬لذا‭ ‬لم‭ ‬أتردد‭ ‬حينما‭ ‬اقترح‭ ‬عليّ‭ ‬الروائي‭ ‬الأميركي‭ ‬تومي‭ ‬زوريلين‭ ‬مرافقته. ‬تومي‭ ‬جاء‭ ‬بسيارته‭ ‬من‭ ‬نيويورك‭ ‬إلى‭ ‬هنا. ‬النجاح‭ ‬الباهر‭ ‬لروايتيه‭ ‬البديعتين‭ ‬“نازاريت‭ ‬نورت‭ ‬داكوتا”‭ ‬و‭ ‬åأبوستل‭ ‬آيلندز‮»‬‭ ‬وحماس‭ ‬الناشر‭ ‬الشديد‭ ‬لمغامرته‭ ‬الروائية‭ ‬المذهلة‭ ‬شجع‭ ‬تومي‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكمل‭ ‬الثلاثية. ‬وهو‭ ‬الآن‭ ‬عاكف‭ ‬على‭ ‬الجزء‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬ثلاثية‭ ‬المسيح‭.‬

تومي‭ ‬فاجأ‭ ‬الجميع‭ ‬حينما‭ ‬قرر‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬سيرة‭ ‬جديدة‭ ‬للمسيح. ‬عيسى‭ ‬أميركي‭ ‬معاصر‭ ‬يركب‭ ‬الميترو‭ ‬ويأكل‭ ‬الهامبرغر‭ ‬في‭ ‬المكدونالد‭ ‬ويبشر‭ ‬بتعاليم‭ ‬المسيحية. ‬عمل‭ ‬مليء‭ ‬بالمفارقات‭ ‬والمواقف‭ ‬المدهشة. ‬قال‭ ‬لي‭ ‬تومي‭ ‬إنه‭ ‬يكتب‭ ‬الآن‭ ‬أحداث‭ ‬الحرب‭ ‬الحاسمة‭ ‬التي‭ ‬ستجري‭ ‬بين‭ ‬معسكر‭ ‬الخير‭ ‬ومعسكر‭ ‬الشر‭ ‬شمال‭ ‬تكساس‭ ‬سنة‭ ‬2014. ‬آخر‭ ‬حرب‭ ‬سيعرفها‭ ‬العالم‭ ‬قبل‭ ‬القيامة‭ ‬والحشر. ‬طبعا‭ ‬الذين‭ ‬يحبون‭ ‬التأويل‭ ‬السياسي‭ ‬سيجدون‭ ‬بعض‭ ‬التعريض‭ ‬بالرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬السابق‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭ ‬الابن. ‬لكن‭ ‬تومي‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬مهتما‭ ‬لتأويلات‭ ‬الآخرين. ‬إنه‭ ‬فقط‭ ‬يستمتع‭ ‬بالكتابة‭ ‬ويحب‭ ‬الباروديا‭ ‬الساخرة‭.‬

يوميا‭ ‬هناك‭ ‬أنشطة‭ ‬هنا. ‬للأميركيين‭ ‬طريقهم‭ ‬الأنيقة‭ ‬في‭ ‬مراقبة‭ ‬أداء‭ ‬الجميع،‭ ‬إنما‭ ‬بطريقة‭ ‬متحضرة. ‬هناك‭ ‬الأبواب‭ ‬المفتوحة‭ ‬التي‭ ‬نلج‭ ‬فيها‭ ‬أستوديوهات‭ ‬زملائنا‭ ‬من‭ ‬النحاتين‭ ‬والفنانين‭ ‬التشكيليين‭ ‬لنعرف‭ ‬أين‭ ‬وصلوا. ‬وهناك‭ ‬عروض‭ ‬مسائية‭ ‬لفناني‭ ‬الفيديو‭ ‬في‭ ‬القاعة‭ ‬الكبرى. ‬ثم‭ ‬هناك‭ ‬القراءات‭ ‬الشعرية‭ ‬والسردية. ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تشرك‭ ‬الآخرين‭ ‬فيما‭ ‬تفعل‭ ‬وتطلعهم‭ ‬على‭ ‬جديدك‭ ‬أولا‭ ‬بأول. ‬وهكذا‭ ‬تجد‭ ‬الجميع‭ ‬متفانيا‭ ‬في‭ ‬عمله‭ ‬ليقدم‭ ‬شيئا‭ ‬جديرا‭ ‬بقيمة‭ ‬هذا‭ ‬الجمهور‭ ‬النوعي. ‬حضور‭ ‬الفعاليات‭ ‬مفتوح‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬السكان‭ ‬أيضا. ‬وهم‭ ‬يبدون‭ ‬سعداء‭ ‬لأن‭ ‬قريتهم‭ ‬الجميلة‭ ‬تستقبل‭ ‬هذا‭ ‬الكمّ‭ ‬من‭ ‬المبدعين‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الولايات‭ ‬الأميركية‭ ‬وبلدان‭ ‬المعمورة. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الليل،‭ ‬وبعد‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬العمل،‭ ‬يتصل‭ ‬أصدقاؤنا‭ ‬الأميركيون‭ ‬برجال‭ ‬المطافئ‭ ‬ويستأذنون‭ ‬في‭ ‬إضرام‭ ‬النار. ‬يحضرون‭ ‬مشروباتهم‭ ‬ويتحلقون‭ ‬حول‭ ‬النار‭ ‬المستعرة‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬الطلق‭ ‬لتستمر‭ ‬السهرة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭.‬

إيقاع‭ ‬مختلف‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬والحياة. ‬رؤية‭ ‬أخرى‭ ‬للآخر. ‬تداخل‭ ‬جميل‭ ‬بين‭ ‬الفنون‭ ‬والأجناس. ‬جارتي‭ ‬في‭ ‬الأستوديو‭ ‬الكاتبة‭ ‬الأميركية‭ ‬كاترين‭ ‬رابوزي‭ ‬جاءت‭ ‬إلى‭ ‬هنا‭ ‬لتكتب‭ ‬قصصا‭ ‬قصيرة‭ ‬فإذا‭ ‬بها‭ ‬تكتب‭ ‬مسرحية. ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬شخصية‭ ‬قوية‭ ‬في‭ ‬خيالها‭ ‬لكن‭ ‬حينما‭ ‬اقتربت‭ ‬منها‭ ‬بدأت‭ ‬الشخصية‭ ‬تتكلم‭ ‬دونما‭ ‬توقف‭ ‬فغيرت‭ ‬كاترين‭ ‬اتجاه‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬القصة‭ ‬إلى‭ ‬المسرح. ‬ما‭ ‬أجمل‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬النص. ‬ما‭ ‬أجمل‭ ‬التنقل‭ ‬بين‭ ‬الأجناس. ‬ما‭ ‬أجمل‭ ‬التسكع‭ ‬بين‭ ‬النهر‭ ‬والجبل. ‬هنا‭ ‬في‭ ‬فيرمونت‭.‬

طاب‭ ‬يومكم‭..‬

نيويورك ‭/‬30‬أوت‭ ‬2013

سلاما‭ ‬من‭ ‬نيويورك. ‬أكتب‭ ‬واقفا‭ ‬من‭ ‬حفل‭ ‬موسيقي‭ ‬جميل‭ ‬في‭ ‬استقبالات‭ ‬الفندق. ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬أكتب‭ ‬واقفا‭ ‬على‭ ‬الكومبيوتر. ‬هناك‭ ‬حفل‭ ‬ضيافة‭ ‬عجيب‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬مناسبته. ‬مشروبات‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الأصناف‭ ‬وفواكه‭ ‬وأجبان،‭ ‬وموسيقى‭ ‬تعزف‭ ‬بأناقة. ‬أحس‭ ‬كأنني‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬أميركي‭ ‬من‭ ‬أفلام‭ ‬ثمانينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭.‬‭ ‬أنا‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬إيديسون‭ ‬حيث‭ ‬سأقيم‭ ‬لثلاث‭ ‬ليال. ‬هنا‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المدينة،‭ ‬قرب‭ ‬التايمز‭ ‬سكوير. ‬إنه‭ ‬أول‭ ‬يوم‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬نيويورك. ‬أنا‭ ‬الذي‭ ‬طفت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬طولا‭ ‬وعرضا. ‬من‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬بوسطن‭ ‬فسياتل‭ ‬ثم‭ ‬كولومبيا‭ ‬وكارولاينا‭ ‬الجنوبية‭ ‬فلوزفيل‭ ‬كنتاكي‭ ‬وبعدها‮…‬‭ ‬أوكلاهوما‭ ‬ثم‭ ‬سان‭ ‬فرانسيسكو‭ ‬وسان‭ ‬خوزيه‭ ‬وساراتوغا‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬حواضر‭ ‬وادي‭ ‬السيليكون. ‬لكن‭ ‬نيويورك؟‭ ‬كنت‭ ‬دوما‭ ‬أبقى‭ ‬محبوسا‭ ‬في‭ ‬مطارها‭ ‬لساعات‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬وجهتي‭ ‬الأميركية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬عودتي‭ ‬إلى‭ ‬البيضاء. ‬والآن‭ ‬هأنذا‭ ‬أتسلل‭ ‬إلى‭ ‬المدينة. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬مدينة. ‬أو‭ ‬ليست‭ ‬مدينة‭ ‬فقط. ‬هذا‭ ‬مستقبل‭ ‬العالم. ‬الحياة‭ ‬شخصيا. ‬الحرية‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬قدمين. ‬الحياة‭ ‬وقد‭ ‬استحالت‭ ‬أنهارا‭ ‬من‭ ‬لحم‭ ‬ودم‭ ‬وأحلام. ‬كل‭ ‬الأجناس‭ ‬تزاحم‭ ‬بعضها. ‬كأنك‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬الحشر. ‬حشر‭ ‬سابق‭ ‬على‭ ‬الحشر. ‬حشر‭ ‬فرح‭ ‬وحشود‭ ‬حياة‭ ‬لا‭ ‬حشر‭ ‬قيامات. ‬سلاما‭ ‬من‭ ‬نيويورك. ‬سأنهي‭ ‬كأسي‭ ‬وآخذ‭ ‬دشا‭ ‬وأنزل‭ ‬إلى‭ ‬المدينة. ‬مرة‭ ‬قالت‭ ‬لي‭ ‬صديقة‭ ‬وكنا‭ ‬نتجول‭ ‬في‭ ‬برلين‭: ‬نيويورك‭ ‬هي‭ ‬مدينة‭ ‬العالم. ‬هي‭ ‬المدينة. ‬هي‭ ‬فعلا‭ ‬مدينة‭ ‬العالم. ‬سأنزل‭ ‬توا‭ ‬يا‭ ‬مدينة‭ ‬العالم‭ ‬لأطوف‭ ‬بكعبة‭ ‬الأجناس‭.‬

تفصيل‭ ‬أخير،‭ ‬قد‭ ‬تجدونه‭ ‬بدون‭ ‬أهمية. ‬لكنه‭ ‬خلّف‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬بهجة‭ ‬دافئة‭.‬

موظف‭ ‬الاستقبالات‭ ‬مغربي‭ ‬اسمه‭ ‬يوسف. ‬وكعادة‭ ‬المغاربة‭ ‬في‭ ‬الكرم‭ ‬السرّي‭ ‬أعطاني‭ ‬كلمة‭ ‬السر‭ ‬الخاصة‭ ‬بالعاملين‭ ‬في‭ ‬الفندق. ‬ولهذا‭ ‬أكتب‭ ‬لكم‭ ‬الآن‭ ‬بدون‭ ‬مشاكل. ‬لن‭ ‬أدفع‭ ‬15‭ ‬دولارا‭ ‬حق‭ ‬الاشتراك‭ ‬اليومي. ‬شكرا‭ ‬يوسف. ‬شكرا‭ ‬للمغاربة،‭ ‬رائعون‭ ‬ومشاغبون‭ ‬وتواطؤهم‭ ‬حميمي‭ ‬جميل. ‬يعرفون‭ ‬دائما‭ ‬كيف‭ ‬يصنعون‭ ‬الفرق‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬فنادق‭ ‬التايمز‭ ‬سكوير‭.‬

نيويورك/‭‬‭ ‬3‭ ‬سبتمبر‭ ‬2013

‮ ‬سلاما‭ ‬من‭ ‬مطار‭ ‬نيويورك. ‬أنتظر‭ ‬طائرة‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء. ‬لكن‭ ‬حكايات‭ ‬الليلة‭ ‬الأخيرة‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تروى‭.‬

جئت‭ ‬من‭ ‬الفندق‭ ‬إلى‭ ‬المطار‭ ‬في‭ ‬ليموزين. ‬لست‭ ‬مُترَفا،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬حصل. ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬نيويورك‭ ‬قادما‭ ‬من‭ ‬فيرمونت. ‬استقليتُ‭ ‬السابواي‭ ‬‭(‬المترو‭)‬‭ ‬بخمسة‭ ‬دولارات. ‬لكن‭ ‬الرحلة‭ ‬كانت‭ ‬متعبة‭ ‬جدا‭ ‬بسبب‭ ‬الأمتعة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أجرّها‭ ‬ورائي‭ ‬من‭ ‬محطة‭ ‬السابواي‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬التايمز‭ ‬سكوير‭ ‬حتى‭ ‬باب‭ ‬الفندق. ‬أما‭ ‬وأنا‭ ‬أغادر‭ ‬الفندق‭ ‬فجرا‭ ‬ومعي‭ ‬ثلاث‭ ‬حقائب‭ ‬فهذا‭ ‬يستدعي‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬آخذ‭ ‬تاكسي. ‬هذا‭ ‬أسلم‭ ‬لي. ‬خلال‭ ‬يوم‭ ‬أمس‭ ‬عشت‭ ‬تجربتين‭ ‬متناقضتين‭ ‬هنا‭ ‬مع‭ ‬أصحاب‭ ‬التاكسيات. ‬الأولى‭ ‬مع‭ ‬سائق‭ ‬من‭ ‬بنغلاديش. ‬طلبنا‭ ‬منه،‭ ‬أخي‭ ‬فضل‭ ‬الله‭ ‬المقيم‭ ‬في‭ ‬بوسطن‭ ‬وأنا،‭ ‬أن‭ ‬ينقلنا‭ ‬إلى‭ ‬جسر‭ ‬بروكلين‭ ‬فأخبرنا‭ ‬أن‭ ‬المكان‭ ‬قريب‭ ‬جدا‭ ‬ويمكننا‭ ‬المشي. ‬شرحنا‭ ‬له‭ ‬أننا‭ ‬تعبنا‭ ‬ونحتاج‭ ‬وساطته. ‬نقلنا‭ ‬إلى‭ ‬هناك‭ ‬وحينما‭ ‬أردنا‭ ‬أن‭ ‬ندفع‭ ‬قال‭: ‬السلام‭ ‬عليكم‭ ‬برادر. ‬وهكذا‭ ‬أفادتنا‭ ‬أخُوّة‭ ‬الإسلام‭ ‬ولم‭ ‬ندفع. ‬لكن‭ ‬التجربة‭ ‬الثانية‭ ‬كانت‭ ‬مع‭ ‬سائق‭ ‬مريع. ‬كان‭ ‬يشبه‭ ‬روبير‭ ‬دي‭ ‬نيرو‭ ‬في‭ ‬تاكسي‭ ‬درايفر. ‬وكان‭ ‬مصرّا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬رحلتنا‭ ‬عبر‭ ‬الهاي‭ ‬واي. ‬كان‭ ‬أخي‭ ‬قد‭ ‬شغَّل‭ ‬الجي‭ ‬بي‭ ‬إس‭ ‬الهاتفي‭ ‬وشرح‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬المسافة‭ ‬غير‭ ‬بعيدة‭ ‬وممكنة‭ ‬جدا‭ ‬عبر‭ ‬الشارع‭ ‬النيويوركي‭ ‬الواسع‭ ‬المُنساب‭ ‬أمامنا،‭ ‬فما‭ ‬حاجتنا‭ ‬إلى‭ ‬الطريق‭ ‬السيار؟‭ ‬وحينما‭ ‬تعنّت،‭ ‬فرَضْنا‭ ‬عليه‭ ‬احترام‭ ‬رغبتنا‭ ‬‭(‬أو‭ ‬عدم‭ ‬استغفالنا‭ ‬بالأحرى‭)‬‭ ‬فبدأ‭ ‬يسوق‭ ‬بطريقة‭ ‬جنونية‭ ‬معربا‭ ‬عن‭ ‬انزعاجه‭ ‬بعدما‭ ‬اكتشف‭ ‬أنه‭ ‬يسوق‭ ‬تحت‭ ‬رقابة‭ ‬الجي‭ ‬بي‭ ‬إس. ‬وفعلا،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬المسافة‭ ‬تتعدّى‭ ‬عشر‭ ‬دقائق. ‬كانت‭ ‬حكاية‭ ‬الهاي‭ ‬واي‭ ‬محاولة‭ ‬شنيعة‭ ‬منه‭ ‬للنصب‭ ‬علينا. ‬لذلك‭ ‬حينما‭ ‬اتفقتُ‭ ‬مع‭ ‬موظف‭ ‬الاستقبالات‭ ‬بالأمس‭ ‬في‭ ‬الفندق‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتولّى‭ ‬إحضار‭ ‬التاكسي‭ ‬في‭ ‬الخامسة‭ ‬صباحا‭ ‬حرصت‭ ‬على‭ ‬الاتفاق‭ ‬معه‭ ‬على‭ ‬الثمن. ‬والثمن‭ ‬معروف‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬حال. ‬ستون‭ ‬دولارا‭ ‬من‭ ‬فنادق‭ ‬وسط‭ ‬المدينة‭ ‬إلى‭ ‬مطار‭ ‬كينيدي. ‬لكن‭ ‬حينما‭ ‬حمل‭ ‬بواب‭ ‬الفندق‭ ‬أمتعتي‭ ‬وبدأ‭ ‬يشحنها‭ ‬داخل‭ ‬سيارة‭ ‬ليموزين‭ ‬أميركية‭ ‬سوداء‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬يصيبُ‭ ‬بالدّوار‭ ‬بدأتُ‭ ‬أصرخ‭: ‬“انتظر،‭ ‬انتظر،‭ ‬انتظر‭ ‬من‭ ‬فضلك. ‬لقد‭ ‬طلبتُ‭ ‬تاكسي‭ ‬وليس‭ ‬ليموزين،‭ ‬فأنزل‭ ‬أمتعتي‭ ‬رجاءً”. ‬أجابني‭ ‬بنبرة‭ ‬هادئة‭ ‬“أين‭ ‬المشكلة؟”،‭ ‬“المشكلة‭ ‬يا‭ ‬سيدي‭ ‬هي‭ ‬أنني‭ ‬أريد‭ ‬تاكسي‭ ‬عادي‭ ‬وليس‭ ‬ليموزين”. ‬فنزل‭ ‬السائق،‭ ‬بعدما‭ ‬فهم‭ ‬الحكاية،‭ ‬ليبادرني‭ ‬بأدب‭ ‬“كم‭ ‬ستدفع‭ ‬للتاكسي‭ ‬يا‭ ‬سيدي؟”‭ ‬قلت‭ ‬“سأدفع‭ ‬ستين‭ ‬دولارا‭ ‬لا‭ ‬غير”. ‬فأجابني‭ ‬“انتهى‭ ‬الموضوع. ‬لا‭ ‬أطلب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك”. ‬هكذا‭ ‬صعدت‭ ‬إلى‭ ‬الليموزين‭ ‬حيث‭ ‬تمدّدتُ‭ ‬داخل‭ ‬صالون‭ ‬فسيح‭ ‬يسع‭ ‬عشرة‭ ‬ركاب‭ ‬حسب‭ ‬أحزمة‭ ‬الأمان‭ ‬المتاحة‭ ‬داخله. ‬وأمامي‭ ‬ثلاجة‭ ‬مفتوحة‭ ‬ممتدة‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬السيارة‭ ‬تضم‭ ‬مشروبات‭ ‬وعصائر‭ ‬ومياها‭ ‬وأكوابا‭ ‬لكل‭ ‬أنواع‭ ‬المشروبات‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬حتى‭ ‬الشامبانيا. ‬كان‭ ‬بي‭ ‬عطش‭ ‬صباحي‭ ‬شديد‭ ‬وجفاف‭ ‬في‭ ‬الحلق‭ ‬لكنّني‭ ‬لم‭ ‬أتجرّأ‭ ‬على‭ ‬مدّ‭ ‬يدي‭ ‬إلى‭ ‬الماء‭ ‬مخافة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ثمن‭ ‬الجرعة‭ ‬داخل‭ ‬السيارة‭ ‬الفخمة‭ ‬عشرة‭ ‬دولارات‭ ‬إضافية. ‬لكنني‭ ‬فهمت‭ ‬خلال‭ ‬الرحلة‭ ‬من‭ ‬السائق،‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬أسمعه‭ ‬بصعوبة‭ ‬لبُعد‭ ‬المسافة‭ ‬بيننا،‭ ‬أنه‭ ‬ذاهب‭ ‬إلى‭ ‬المطار‭ ‬لاستقبال‭ ‬ضيف‭ ‬ولا‭ ‬بأس‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬معه‭ ‬زبونا‭ ‬إلى‭ ‬هناك. ‬طبعا‭ ‬ستون‭ ‬دولارا‭ ‬ثمن‭ ‬الذهاب‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬بلاش. ‬عقلية‭ ‬أميركية‭ ‬عملية‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بعقلية‭ ‬بعض‭ ‬سائقي‭ ‬التاكسيات‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬الذين‭ ‬يفضلون‭ ‬أن‭ ‬“يورِّكوا”‭ ‬في‭ ‬المطارات‭ ‬ومحطات‭ ‬القطار‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬“الهمزة”‭ ‬و”الصيد‭ ‬الثمين”‭ ‬بدل‭ ‬السعي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الرزق‭ ‬ووضع‭ ‬سياراتهم‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الركاب. ‬أعطيت‭ ‬للسائق‭ ‬وجهتي‭: ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬مع‭ ‬الخطوط‭ ‬الملكية‭ ‬المغربية. ‬هكذا‭ ‬أخذني‭ ‬إلى‭ ‬التيرمينال‭ ‬المناسب‭ ‬خصوصا‭ ‬وأن‭ ‬مطار‭ ‬نيويورك‭ ‬متاهة‭ ‬حقيقية‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تدقق‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬المدخل‭ ‬مع‭ ‬السائق‭ ‬قبل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المطار. ‬“لقد‭ ‬وصلت‭ ‬سيدي”‭ ‬خاطبني‭ ‬السائق‭ ‬وهو‭ ‬ينزل. ‬لكن‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬يفتح‭ ‬لي‭ ‬الباب‭ ‬مددت‭ ‬له‭ ‬مع‭ ‬النقود‭ ‬كاميرا‭ ‬التصوير. ‬فضحك. ‬قلت‭ ‬له‭ ‬“ليس‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أحد،‭ ‬فقط‭ ‬لكي‭ ‬أصدّق‭ ‬الأمر‭ ‬وأنا‭ ‬أشاهد‭ ‬الصورة. ‬فحينما‭ ‬أصل‭ ‬إلى‭ ‬مراكش‭ ‬بعد‭ ‬سفر‭ ‬شاق‭ ‬طويل‭ ‬قد‭ ‬أجد‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬نفسي‭ ‬بأنّي‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أحلم‭ ‬وأنني‭ ‬فعلا‭ ‬جئت‭ ‬من‭ ‬التايمز‭ ‬سكوير‭ ‬إلى‭ ‬مطار‭ ‬كينيدي‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬ليموزين”. ‬انفجر‭ ‬الرجل‭ ‬ضحكا‭ ‬والتقط‭ ‬لي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬صورة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يودّعني‭ ‬بأدب‭ ‬سائق‭ ‬ليموزين‭ ‬مُبَرمج‭ ‬على‭ ‬الكلام‭ ‬المهذب‭ ‬في‭ ‬حضرة‭ ‬زبائنه‭ ‬من‭ ‬ضيوف‭ ‬الدرجة‭ ‬الأولى‭.‬

لوحة: سعد يكن

أنا‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬المطار. ‬لم‭ ‬أنم‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬بعد‭ ‬سهرة‭ ‬الأمس. ‬كان‭ ‬يوما‭ ‬طويلا‭ ‬قادني‭ ‬إلى‭ ‬السانترال‭ ‬بارك‭ ‬وجسر‭ ‬بروكلين‭ ‬ووال‭ ‬ستريت‭ ‬والإمباير‭ ‬ستايت‭ ‬بيلدينغ‭ ‬وعددٍ‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مواقع‭ ‬المدينة. ‬لكنني‭ ‬ختمته‭ ‬بسهرة‭ ‬جديرة‭ ‬بنيويورك. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بإمكاني‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أحضر‭ ‬حفلا‭ ‬من‭ ‬حفلات‭ ‬شوارع‭ ‬الفن‭ ‬في‭ ‬عاصمة‭ ‬الفن‭ ‬العالمية. ‬كانت‭ ‬الطوابير‭ ‬أمام‭ ‬أبواب‭ ‬المسارح‭ ‬في‭ ‬برودواي‭ ‬بلا‭ ‬نهاية‭ ‬تقريبا. ‬عروض‭ ‬مسرحية،‭ ‬غنائية،‭ ‬واستعراضية‭ ‬راقصة‭ ‬وسينما‭.. ‬سينما‭.. ‬سينما. ‬العروض‭ ‬متنوّعة‭ ‬والجمهور‭ ‬مضمون‭ ‬والطوابير‭ ‬لا‭ ‬حدّ‭ ‬لها‭ ‬حتى‭ ‬أنها‭ ‬تعيق‭ ‬حركة‭ ‬السير‭ ‬على‭ ‬الأرصفة‭ ‬وكذا‭ ‬سلاسة‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬المطاعم‭ ‬والمقاهي‭ ‬المجاورة. ‬ميزانيتي‭ ‬لن‭ ‬تتحمل‭ ‬عرضا‭ ‬في‭ ‬اللاين‭ ‬كينغ‭ ‬أو‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬صالات‭ ‬الألف‭ ‬مقعد. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أغلب‭ ‬تلك‭ ‬القاعات‭ ‬تستدعي‭ ‬حجزا‭ ‬مسبقا. ‬ولا‭ ‬يمكنك‭ ‬المجيء‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬لحظة‭ ‬واقتناء‭ ‬تذكرة‭ ‬هكذا. ‬لذلك‭ ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬كافي‭ ‬تياتر‭ ‬صغير‭ ‬اسمه‭ ‬“ها‭ ‬كوميدي‭ ‬كلوب”. ‬ولجت‭ ‬القاعة‭ ‬رفقة‭ ‬أخي. ‬40‭ ‬دولارا‭ ‬للواحد‭ ‬ثمن‭ ‬الدخول‭ ‬وداخل‭ ‬القاعة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الجمهور‭ ‬أن‭ ‬يشرب‭ ‬مرتين‭ ‬مقابل‭ ‬عشر‭ ‬دولارات‭ ‬للمشروب‭ ‬الواحد. ‬طبعا‭ ‬كل‭ ‬أنواع‭ ‬المشروبات‭ ‬متاحة. ‬وبدأ‭ ‬العرض. ‬ستة‭ ‬كوميديين‭ ‬تناوبوا‭ ‬على‭ ‬المنصة‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬مذهل‭ ‬دام‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ساعة‭ ‬ونصف. ‬ياه‭ ‬كم‭ ‬ضحكنا. ‬رغم‭ ‬صعوبة‭ ‬بعض‭ ‬القفشات‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أميركيا‭ ‬قحا‭ ‬لتلتقطها،‭ ‬ضحكت‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬أضحك‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬الأخير‭ ‬وأنا‭ ‬أتابع‭ ‬سيتكومات‭ ‬قنواتنا‭ ‬الوطنية. ‬لكن‭ ‬لنكن‭ ‬منصفين،‭ ‬الفكاهة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬حرية‭ ‬لتبلغ‭ ‬غاياتها. ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬نطالب‭ ‬الفكاهي‭ ‬بأن‭ ‬يلعب‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬ويمارس‭ ‬القفز‭ ‬على‭ ‬الحواجز‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت. ‬وهذا‭ ‬صعب‭ ‬جدّا. ‬لا‭ ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تراوغ‭ ‬وتسجل‭ ‬وتمتع‭ ‬الجمهور‭ ‬وأنت‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬ملعب‭ ‬تحتاج‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬امتطاء‭ ‬فرس‭ ‬لتتخطى‭ ‬حواجزه. ‬أيضا‭ ‬تحتاج‭ ‬الكوميديا‭ ‬إلى‭ ‬نصوص‭ ‬تصدر‭ ‬عن‭ ‬ثقافة‭ ‬متينة‭ ‬وخيال‭ ‬واسع‭ ‬وذكاء‭ ‬حقيقي. ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬أذهلني‭ ‬في‭ ‬الكوميدي‭ ‬كلوب‭ ‬النيويوركي. ‬فكاهيون‭ ‬عجيبون‭ ‬يضحكون‭ ‬أول‭ ‬شيء‭ ‬على‭ ‬مدينتهم‭ ‬نيويورك. ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬“التافهة”‭ ‬التي‭ ‬يعتبرها‭ ‬“المغفّلون”‭ ‬حاضرة‭ ‬العالم‭ ‬الأولى. ‬لقد‭ ‬نكّلوا‭ ‬بها. ‬لكن‭ ‬فيما‭ ‬هم‭ ‬ينكِّلُون‭ ‬بمدينتهم‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬يرسِّخُون‭ ‬أسطورتها. ‬وهذه‭ ‬عبقرية‭ ‬الفكاهة‭ ‬القوية. ‬ولهذا‭ ‬أيضا‭ ‬الأذكياء‭ ‬وحدهم‭ ‬يرحبون‭ ‬بالفكاهيين‭ ‬حينما‭ ‬يقتربون‭ ‬من‭ ‬حياضهم‭ ‬مهما‭ ‬بدا‭ ‬نقدهم‭ ‬لاذعا. ‬قالت‭ ‬فكاهية‭ ‬نيويوركية‭ ‬سوداء‭ ‬حينما‭ ‬سألت‭ ‬الجمهور‭ ‬هل‭ ‬بينهم‭ ‬سياح‭ ‬فأجبنا‭ ‬نحن‭ ‬السياح‭ ‬نعم،‭ ‬قالت‭ ‬إنها‭ ‬هي‭ ‬أيضا‭ ‬“سائحة”‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬مثلنا‭ ‬تماما. ‬فقط‭ ‬نحن‭ ‬محظوظون‭ ‬لأننا‭ ‬سنعود‭ ‬إلى‭ ‬بلداننا‭ ‬بعد‭ ‬يومين‭ ‬أو‭ ‬بضعة‭ ‬أيام‭ ‬وهي‭ ‬سائحة‭ ‬تعيسة‭ ‬لأنها‭ ‬مجبرة‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬القذرة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬نرحل‭ ‬نحن‭ ‬فرحين‭ ‬بالصور‭ ‬التي‭ ‬التقطناها‭ ‬في‭ ‬نيويورك. ‬طبعا‭ ‬لم‭ ‬يفت‭ ‬“السائحة”‭ ‬النيويوركية‭ ‬السوداء‭ ‬المقيمة‭ ‬في‭ ‬هارليم‭ ‬أن‭ ‬تقودنا‭ ‬في‭ ‬جولة‭ ‬ممتعة‭ ‬في‭ ‬حيِّها‭ ‬“السياحي”‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتوقف‭ ‬بنا‭ ‬للحظات‭ ‬داخل‭ ‬السوبرماركت‭ ‬الشنيع‭ ‬المجاور‭ ‬لمسكنها‭ ‬والذي‭ ‬تتخلله‭ ‬بعض‭ ‬الكولوارات‭ ‬المُعتِمة‭ ‬حيث‭ ‬يقبع‭ ‬بعض‭ ‬قُطَّاع‭ ‬الطرق‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬إصرار‭ ‬بنت‭ ‬الحي‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬صلصة‭ ‬الكيتشوب‭ ‬المفضلة‭ ‬لديها‭ ‬قد‭ ‬يعرضها‭ ‬بسهولة‭ ‬للاغتصاب‭ ‬داخل‭ ‬السوبرماركت‭.‬

فكاهي‭ ‬آخر‭ ‬لم‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬تهنئتنا‭ ‬على‭ ‬ذكاء‭ ‬اختيارنا‭ ‬المجيء‭ ‬إلى‭ ‬ناديهم. ‬وحتى‭ ‬الأذكياء‭ ‬بيننا‭ ‬الذين‭ ‬وجدوا‭ ‬السكيتشات‭ ‬التي‭ ‬يقدمها‭ ‬هو‭ ‬وزملاؤه‭ ‬تافهة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يشكروا‭ ‬الله‭ ‬لأن‭ ‬حضور‭ ‬هذا‭ ‬العرض‭ ‬“التافه”‭ ‬أحفظ‭ ‬لكرامتهم‭ ‬من‭ ‬التجول‭ ‬المُضحِك‭ ‬في‭ ‬التايمز‭ ‬سكوير‭ ‬مثل‭ ‬بُلهاء‭ ‬يطاردون‭ ‬بغباء‭ ‬بعدسات‭ ‬كاميراتهم‭ ‬أضواء‭ ‬الساحة‭ ‬الخادعة. ‬كانت‭ ‬العروض‭ ‬متنوعة. ‬فكاهة‭ ‬النيويوركي‭ ‬الأبيض‭ ‬مختلفة‭ ‬تماما‭ ‬عن‭ ‬زميله‭ ‬الأفرو‭-‬أميركي‭ ‬رغم‭ ‬أنهما‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬المدينة. ‬لكن‭ ‬مفاجأة‭ ‬العرض‭ ‬كان‭ ‬فكاهيا‭ ‬عجيبا‭ ‬من‭ ‬الجنوب‭ ‬الأميركي. ‬قدرة‭ ‬فذة‭ ‬على‭ ‬الارتجال. ‬شيء‭ ‬مذهل‭ ‬فعلا. ‬وقاحة‭ ‬مفاجئة‭ ‬قبلها‭ ‬منه‭ ‬الجميع‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يذهب‭ ‬بعيدا‭ ‬أحيانا. ‬كاد‭ ‬يقتل‭ ‬أميركية‭ ‬شابة‭ ‬من‭ ‬الضحك‭ ‬وهو‭ ‬يشرح‭ ‬لها،‭ ‬أمام‭ ‬أنظار‭ ‬صديقها‭ ‬الهندي،‭ ‬كيف‭ ‬يمارس‭ ‬الهنود‭ ‬الحب. ‬سائح‭ ‬من‭ ‬البرازيل‭ ‬بدا‭ ‬سعيدا‭ ‬وهو‭ ‬يشهر‭ ‬انتماءه‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬السامبا. ‬سأله‭ ‬الفكاهي‭ ‬الشاب‭: ‬هل‭ ‬سبق‭ ‬لك‭ ‬أن‭ ‬زرت‭ ‬البرتغال؟‭ ‬أجابه‭ ‬لا‭ ‬ليس‭ ‬بعد. ‬فأجابه‭ ‬ساخرا‭: ‬لا‭ ‬تذهب‭ ‬يا‭ ‬صديقي‭ ‬إلى‭ ‬البرتغال. ‬إنها‭ ‬نصيحة‭ ‬أخ‭ ‬لأخيه. ‬لأنك‭ ‬ستُحبَط‭ ‬فعلا‭ ‬وأنت‭ ‬تكتشف‭ ‬أن‭ ‬البرتغاليين‭ ‬مع‭ ‬الأسف‭ ‬الشديد‭ ‬لا‭ ‬يتحدثون‭ ‬البرازيلية. ‬كان‭ ‬يسأل‭ ‬الجمهور‭ ‬الأجنبي‭ ‬عن‭ ‬جنسياته‭ ‬وله‭ ‬تعليق‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬واحد. ‬حينما‭ ‬أخبره‭ ‬أخي‭ ‬فضل‭ ‬الله‭ ‬أننا‭ ‬من‭ ‬المغرب. ‬شكره‭ ‬بحرارة‭ ‬على‭ ‬نزاهته. ‬قال‭ ‬له‭ ‬شكرا‭ ‬يا‭ ‬صديقي‭ ‬لأنك‭ ‬كنت‭ ‬نزيها‭ ‬فقدمت‭ ‬لي‭ ‬بلدا‭ ‬موجودا‭ ‬على‭ ‬الخارطة. ‬هناك‭ ‬من‭ ‬تسأله‭ ‬عن‭ ‬بلده‭ ‬فيقول‭ ‬لك‭ ‬أنا‭ ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬فارس. ‬هكذا‭ ‬يصير‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬بلده‭ ‬في‭ ‬مراجع‭ ‬التاريخ‭ ‬القديم‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬الخارطة. ‬بقي‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬يجيب‭ ‬الأتراك‭ ‬أيضا‭ ‬حينما‭ ‬تسألهم‭ ‬عن‭ ‬بلدهم‭ ‬أنهم‭ ‬من‭ ‬بيزنطة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬العثمانية. ‬وهنا‭ ‬تذكرت‭ ‬صديقتي‭ ‬سارة‭ ‬الفنانة‭ ‬الإيرانية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬معنا‭ ‬في‭ ‬فيرمونت. ‬فعلا‭ ‬كانت‭ ‬تقدم‭ ‬نفسها‭ ‬كفارسية‭ ‬وبلدها‭ ‬كبلاد‭ ‬فارس‭ ‬ولا‭ ‬تذكر‭ ‬اسم‭ ‬إيران‭ ‬أبدا. ‬ثم‭ ‬ختمها‭ ‬الفكاهي‭ ‬الشاب‭ ‬بمونولوغ‭ ‬يقتل‭ ‬بالضحك‭ ‬عن‭ ‬معاناته‭ ‬كيهودي‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬الأميركي. ‬خصوصا‭ ‬حينما‭ ‬علم‭ ‬أن‭ ‬جماعة‭ ‬من‭ ‬الجمهور‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬ولايته. ‬سخر‭ ‬من‭ ‬لكنتهم‭ ‬ومن‭ ‬أسلوب‭ ‬عيشهم. ‬قال‭ ‬إن‭ ‬الطبيعة‭ ‬المحافظة‭ ‬لمسيحيي‭ ‬الجنوب‭ ‬الأميركي‭ ‬تجعلهم‭ ‬يحاسبونه‭ ‬يوميا‭ ‬كيهودي‭ ‬على‭ ‬قتله‭ ‬للمسيح. ‬تخيلوا‭ ‬أيها‭ ‬الأصدقاء،‭ ‬هربت‭ ‬إلى‭ ‬نيويورك‭ ‬لاجئا‭ ‬بعدما‭ ‬فشلت‭ ‬تماما‭ ‬في‭ ‬إقناعهم‭ ‬بأنني‭ ‬لسوء‭ ‬حظي‭ ‬يهودي،‭ ‬لكن‭ ‬أقسم‭ ‬بالله‭ ‬أنني‭ ‬لست‭ ‬أنا‭ ‬من‭ ‬قتل‭ ‬المسيح‭.‬

لا‭ ‬يمكنني‭ ‬أن‭ ‬أنقل‭ ‬تفاصيل‭ ‬عرض‭ ‬الأمس. ‬سأحتاج‭ ‬إلى‭ ‬صفحات‭ ‬وصفحات‭ ‬لأنقل‭ ‬لكم‭ ‬ذلك. ‬لكنني‭ ‬حاولت‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬أستعيد‭ ‬بعض‭ ‬القفشات‭ ‬الذكية‭ ‬الجريئة‭ ‬والمجازِفة‭.‬

نحن‭ ‬نريد‭ ‬فكاهة‭ ‬جيدة‭ ‬ونحيط‭ ‬الفكاهيين،‭ ‬دولةً‭ ‬ومجتمعًا،‭ ‬بالخطوط‭ ‬الحمراء. ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬نتهم‭ ‬الدولة‭ ‬وحدها‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أننا‭ ‬شعب‭ ‬متسامح‭ ‬بمزاج‭ ‬رائق‭ ‬وقشّابة‭ ‬واسعة‭ ‬يقبل‭ ‬أن‭ ‬يسخر‭ ‬منه‭ ‬الفكاهيون. ‬نريد‭ ‬الحياة‭ ‬ونهاب‭ ‬الحرية‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬الحرية‭ ‬هي‭ ‬الوجه‭ ‬الأكثر‭ ‬بريقا‭ ‬لعملة‭ ‬الحياة‭ ‬الصعبة. ‬نريد‭ ‬الديمقراطية‭ ‬لكن‭ ‬على‭ ‬المقاس‭ ‬وبخياطة‭ ‬“المعلّم”‭ ‬وكأنها‭ ‬جلابة‭ ‬تقليدية‭ ‬مشغولة‭ ‬بالسفيفة‭ ‬العريضة‭ ‬والعقاد. ‬السفر‭ ‬يتيح‭ ‬لك‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬العالم‭ ‬فترى‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬وجهك‭ ‬في‭ ‬المرآة‭.‬

سأصعد‭ ‬بعد‭ ‬قليل‭ ‬إلى‭ ‬الطائرة‭ ‬المغربية‭ ‬وسأعود‭ ‬إلى‭ ‬بلدي‭ ‬مباشرة. ‬مضيفو‭ ‬ومضيفات‭ ‬الخطوط‭ ‬الملكية‭ ‬المغربية‭ ‬بارعون‭ ‬في‭ ‬تذكيرك‭ ‬منذ‭ ‬الوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬بأنك‭ ‬عدت‭ ‬إلى‭ ‬أجمل‭ ‬بلد‭ ‬في‭ ‬العالم. ‬لذا‭ ‬عليك‭ ‬ألا‭ ‬تزعجهم‭ ‬من‭ ‬فضلك. ‬خصوصا‭ ‬وأن‭ ‬الطائرة‭ ‬وصلت‭ ‬قبل‭ ‬قليل‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬وستعود‭ ‬مباشرة‭ ‬إليها. ‬لحسن‭ ‬الحظ‭ ‬هناك‭ ‬بعض‭ ‬الشاي‭ ‬وبعض‭ ‬الماء‭ ‬وساندويش‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تبذل‭ ‬بعض‭ ‬الجهد‭ ‬لمضغه. ‬خارج‭ ‬هذه‭ ‬الأشياء‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬استنفدته‭ ‬الرحلة‭ ‬الأولى. ‬لذا‭ ‬عليك‭ ‬أيها‭ ‬الزبون‭ ‬الكريم‭ ‬أن‭ ‬تحترم‭ ‬نفسك‭ ‬ولا‭ ‬تزعج‭ ‬السادة‭ ‬المضيفين‭ ‬والسيدات‭ ‬المضيفات‭ ‬بالطلبات. ‬“الدار‭ ‬كا‭ ‬تْبَان‭ ‬من‭ ‬بابها”. ‬وباب‭ ‬دارنا‭ ‬هي‭ ‬لارام. ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ترميمات‭ ‬عاجلة. ‬أسفاري‭ ‬السابقة‭ ‬علمتني‭ ‬أن‭ ‬طائرات‭ ‬شركتنا‭ ‬الوطنية‭ ‬بارعة‭ ‬في‭ ‬تذكيرك‭ ‬بصعوبة‭ ‬الوطن. ‬وسأكتب‭ ‬معتذرا‭ ‬إذا‭ ‬ثبت‭ ‬العكس‭ ‬مع‭ ‬طاقم‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة. ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬وداعا‭ ‬فيرمونت. ‬إلى‭ ‬اللقاء‭ ‬نيويورك. ‬ويا‭ ‬ريح‭ ‬البلاد‭ ‬سلاما‭.‬


شاعر من المغرب