‬محمد ملص: الصرخة الصريعة

بين‭ ‬العالم‭ ‬العلوي‭ ‬الجميل‭ ‬للمدينة‭ ‬الحلم‭ ‬والعالم‭ ‬السفلي‭ ‬المهمش‭ ‬للمدينة‭ ‬الواقع،‭ ‬يبتكر‭ ‬لنا‭ ‬المخرج‭ ‬السوري‭ ‬‬محمد ملص‭ ‬عالما‭ ‬فنيا‭ ‬سينمائيا‭ ‬تالثا‭ ‬لـ”أحلام‭ ‬المدينة”‭ ‬الفاضلة‭ ‬التي‭ ‬تستحيل‭ ‬فيها‭ ‬المتناقضات‭ ‬متجانسة‭ ‬ومتعانقة‭ ‬عبر‭ ‬لعبة‭ ‬الكتابة‭ ‬البصرية‭ ‬المخاتلة‭ ‬لمخرج‭ ‬متميز‭ ‬ومتمكن‭ ‬يقوم‭ ‬جوهر‭ ‬مشروعه‭ ‬الفني‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬سينما‭ ‬ذات‭ ‬مذاق‭ ‬أدبي‭ ‬وخلق‭ ‬أدب‭ ‬ذا‭ ‬مذاق‭ ‬بصري‭ .‬ويعتبر‭ ‬رائد‭ ‬سينما‭ ‬المؤلف‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬قناص‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬المهملة‭ ‬في‭ ‬مغارات‭ ‬الذاكرة‭ ‬والنسيان،‭ ‬لأنه‭ ‬آمن‭ ‬منذ‭ ‬بداياته‭ ‬أن‭ ‬مهمّة‭ ‬الإبداع‭ ‬الأساسيّة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بصيرة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تنير‭ ‬ما‭ ‬يحيط‭ ‬بها‭ ‬بعمق‭ ‬وبصدق‭ ‬وشجاعة‭ .‬لذلك‭ ‬نراه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أعماله‭ ‬ومساره‭ ‬الإبداعي‭ ‬ينتصر‭ ‬للحلم‭ ‬والطفولة‭ ‬والذاكرة‭ ‬والإنسان‭ ‬وينهل‭ ‬من‭ ‬معين‭ ‬روحه‭ ‬التواقة‭ ‬إلى‭ ‬كسر‭ ‬الطوق‭ ‬وتحييد‭ ‬الظلم‭ ‬وعناق‭ ‬الحرية‭ ‬والانطلاق‭ ‬بعيدا‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الفن‭ ‬والجمال‭ ‬والعدل‭ ‬وسرمدية‭ ‬الكون‭.‬

الجديد  ‬عبدالمجيد‭ ‬دقنيش [نُشر في 01/03/2017، العدد: 26، ص(83)]

المخرج السوري محمد ملص
وبالإضافة‭ ‬لذلك‭ ‬يحفر‭ ‬‬محمد ملص‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أفلامه‭ ‬عميقا‭ ‬في‭ ‬أنفاق‭ ‬المجتمع‭ ‬السوري‭ ‬والعربي‭ ‬عبر‭ ‬الرؤيا‭ ‬البصرية‭ ‬الحالمة‭ ‬ومشرط‭ ‬التحدي،‭ ‬والحساسية‭ ‬الشديدة،‭ ‬فيحضر‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬أعماله‭ ‬قاموس‭ ‬الفقد‭ ..‬والنقد‭ ..‬صورة‭ ‬مجازية‭ ‬عن‭ ‬المدن‭ ‬المفقودة‭ ‬والذاكرة‭ ‬المثقوبة‭ ‬والأحلام‭ ‬الموؤودة‭ ..‬وتعويض‭ ‬عن‭ ‬الغياب‭ ‬والنسيان‭ ‬واستحضارا‭ ‬لروح‭ ‬المدن‭ ‬المفقودة‭ ‬“القنيطرة”،‭ ‬“الجولان”،‭ ‬“حلب”،‭ ‬“دمشق”،‭ ‬“فلسطين”،‭ ‬والأحباب‭ ‬المغادرين‭ ‬المهجرين‭ ‬اللاجئين‭ ..‬“الأب‭ ‬الذي‭ ‬تطوع‭ ‬في‭ ‬جيش‭ ‬الإنقاذ‭ ‬في‭ ‬فلسطين”‭ ..‬و”الأم‭ ‬الواقعة‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الفقر‭ ‬والوحدة”‭ ..‬والجسد‭ ‬المعذب‭ ‬الذي‭ ‬نخرته‭ ‬رطوبة‭ ‬السجون‭ ‬والمناضلين‭ ‬المفقودين‭ ‬بين‭ ‬أقبية‭ ‬المخابرات‭ ‬وسنوات‭ ‬التعذيب‭ ‬ولعبة‭ ‬تقليم‭ ‬الأظافر‭ ‬فيلم‭ ‬"فوق‭ ‬الرمل‭ ‬تحت‭ ‬الشمس"‭ ‬أنموذجا‭ .‬وكذلك‭ ‬الزمن‭ ‬الجميل‭ ‬الموؤود‭ ‬زمن‭ ‬صبري‭ ‬المدلل‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬“مقامات‭ ‬المسرة”،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬طبعا‭ ‬الثورة‭ ‬الموؤودة‭ ‬والشعب‭ ‬المفقود‭ ‬والحلم‭ ‬المنشود‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬“سلم‭ ‬إلى‭ ‬دمشق”‭ ‬كأحسن‭ ‬مثال‭.‬

هذه‭ ‬بعض‭ ‬ملامح‭ ‬المشروع‭ ‬الفني‭ ‬للمخرج‭ ‬السوري‭ ‬‬محمد ملص‭ ‬الذي‭ ‬ولد‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬القنيطرة‭ ‬سنة‭ ‬1945‭ ‬وتخرج‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬إعداد‭ ‬المعلمين‭ ‬ثم‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬دمشق‭ ‬التي‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬هجرها‭ ‬لينتقل‭ ‬سنة‭ ‬1968‭ ‬إلى‭ ‬موسكو‭ ‬حيث‭ ‬درس‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬أشهر‭ ‬معاهدها‭ ‬ليتخرج‭ ‬بعدها‭ ‬كأول‭ ‬السينمائيين‭ ‬الأكاديميين‭ ‬في‭ ‬سوريا‭.‬

عمل‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬حياته‭ ‬في‭ ‬“دائرة‭ ‬الإنتاج‭ ‬السينمائي”‭ ‬في‭ ‬التلفزيون‭ ‬العربي‭ ‬السوري‭ ‬وقدم‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬الأفلام‭ ‬"قنيطرة‭ ‬74"،‭ ‬“الذاكرة”،‭ ‬“فرات”‭ .‬لينتقل‭ ‬بعدها‭ ‬للعمل‭ ‬مع‭ ‬المؤسسة‭ ‬العامة‭ ‬للسينما‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬ليقدم‭ ‬أشهر‭ ‬أفلامه‭ ‬“أحلام‭ ‬المدينة”‭ ‬سنة‭ ‬1984‭ ‬الذي‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬التانيت‭ ‬الذهبي‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬قرطاج‭ ‬السينمائية‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬إحدى‭ ‬عشرة‭ ‬جائزة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬مهرجانات‭ ‬سينمائية‭ ‬عربية‭ ‬وإقليمية‭ ‬دولية‭ .‬وقد‭ ‬أحدث‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬منعرجا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬السورية‭ ‬وقتها‭ .‬ثم‭ ‬كان‭ ‬فيلم‭ ‬“الليل”‭ ‬سنة‭ ‬1992‭ ‬الذي‭ ‬لقي‭ ‬نفس‭ ‬النجاح‭ ‬هو‭ ‬الأخر‭ ‬وتحصل‭ ‬على‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الجوائز،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬منع‭ ‬من‭ ‬العرض‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬لمدة‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ .‬وقد‭ ‬وصفته‭ ‬صحيفة‭ ‬الغارديان‭ ‬البريطانية‭ ‬بأنه‭ ‬من‭ ‬أفضل‭ ‬عشرة‭ ‬أفلام‭ ‬عربية‭ .‬وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬قدم‭ ‬‬محمد ملص‭ ‬عدة‭ ‬أفلام‭ ‬طويلة‭ ‬وقصيرة‭ ‬ووثائقية‭ ‬نذكر‭ ‬منها‭ ‬“كل‭ ‬شيء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يرام‭ ‬سيدي‭ ‬الضابط”،‭ ‬و”حلم‭ ‬مدينة‭ ‬صغيرة”،‭ ‬و”فوق‭ ‬الرمل‭ ‬تحت‭ ‬الشمسò،‭ ‬و”المنام”‭ ‬الذي‭ ‬يعالج‭ ‬فيه‭ ‬أوضاع‭ ‬اللاجئين‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬و”باب‭ ‬المقام”،‭ ‬و”حلب‭ ‬مقامات‭ ‬المسرة”‭ ‬لنصل‭ ‬إلى‭ ‬فيلمه‭ ‬الأخير‭ ‬“سلم‭ ‬إلى‭ ‬دمشق”‭ ‬الذي‭ ‬يستحضر‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬الآن‭ ‬وهنا‭ ‬والذي‭ ‬عرض‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الدورة‭ ‬الأخيرة‭ ‬لأيام‭ ‬قرطاج‭ ‬السينمائية‭ ‬أين‭ ‬شارك‭ ‬‬محمد ملص‭ ‬كعضو‭ ‬لجنة‭ ‬تحكيم‭ ‬في‭ ‬مسابقة‭ ‬الأفلام‭ ‬الطويلة،‭ ‬وأين‭ ‬كان‭ ‬“للجديد”‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬الصريح‭ ‬والشامل‭ ‬حول‭ ‬مسيرته‭ ‬السينمائية‭ ‬المتميزة‭ ‬وحول‭ ‬آخر‭ ‬أعماله‭ ‬كما‭ ‬تفرع‭ ‬الحديث‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬السينما‭ ‬العربية‭ ‬وراهن‭ ‬المثقف‭ ‬العربي‭ ‬وسط‭ ‬التغيرات‭ ‬والتطورات‭ ‬العربية‭ ‬المتسارعة‭.‬

الجديد‭:‬‭ ‬علاقتك‭ ‬بأيام‭ ‬قرطاج‭ ‬السينمائية‭ ‬قديمة‭ ‬توجت‭ ‬فيها‭ ‬بالتانيت‭ ‬الذهبي‭ ‬مرتين‭ ‬وعلاقتك‭ ‬بتونس‭ ‬خاصة‭ ‬جداً‭ .‬كيف‭ ‬تصف‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة؟

محمد ملص‭: ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬علاقتي‭ ‬بتونس‭ ‬ترتبط‭ ‬أساسا‭ ‬بالسينما‭ ‬وبأيام‭ ‬قرطاج‭ ‬السينمائيّة‭ ‬هذا‭ ‬المهرجان‭ ‬السينمائي‭ ‬الذي‭ ‬توجني‭ ‬مرتين‭ ‬بتانيته‭ ‬الذهبي،‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬إنّ‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬تطوّرت‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬إمكانيّة‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬واستطعت‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬الفترات‭ ‬أن‭ ‬أصل‭ ‬إلى‭ ‬توافق‭ ‬مع‭ ‬المنتج‭ ‬أحمد‭ ‬بهاءالدين‭ ‬عطية‭ ‬وأن‭ ‬نقيم‭ ‬ونسعى‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬مشاريع‭ ‬مشتركة‭ .‬وقد‭ ‬ساهم‭ ‬أحمد‭ ‬بهاء‭ ‬في‭ ‬الأفلام‭ ‬التي‭ ‬حققتها‭ ‬وفي‭ ‬وصولي‭ ‬إلى‭ ‬تونس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أيام‭ ‬قرطاج‭ ‬السينمائيّة‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬رئاسة‭ ‬لجنة‭ ‬التحكيم‭ ‬مرّة‭ ‬أو‭ ‬للعمل‭ ‬السينمائي‭ ‬مع‭ ‬نخبة‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬السينمائيين‭ ‬التونسيين‭ .‬هي‭ ‬إذن‭ ‬علاقة‭ ‬متميزة‭ ‬وأستطيع‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬إنّ‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬أسست‭ ‬معي‭ ‬كسينمائي‭ ‬سوري‭ ‬أن‭ ‬أحقق‭ ‬بعد‭ ‬التانيت‭ ‬الذهبي‭ ‬الأول‭ ‬وجودي‭ ‬كسينمائي‭ ‬في‭ ‬خارطة‭ ‬السينما‭ ‬العربية‭.‬

الجديد‭:‬‮ ‬يقول‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬“المدن‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تؤنث‭ ‬لا‭ ‬يعوّل‭ ‬عليها”‭ ‬فهل‭ ‬تعتبر‭ ‬تونس‭ ‬مدينة‭ ‬محفزة‭ ‬على‭ ‬الإبداع‭ ‬ويعول‭ ‬عليها؟

محمد ملص‭: ‬أنا‭ ‬أنتمي‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الإبداع‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬أساسا‭ ‬على‭ ‬مدينة‭ ‬دمشق‭ ‬وعلى‭ ‬مدينة‭ ‬القنيطرة‭ ‬لذلك‭ ‬أعتبر‭ ‬أنّ‭ ‬اللحظة‭ ‬الأساسيّة‭ ‬بالنّسبة‭ ‬إليّ‭ ‬هي‭ ‬سوريا‭ ‬هي‭ ‬دمشق،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬أحسّ‭ ‬بأنّ‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬هو‭ ‬توأم‭ ‬ويشبه‭ ‬الكثير‭ ‬مما‭ ‬نحققه‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬أيضا‭ ‬وكذلك‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬محي‭ ‬الدين‭ ‬بن‭ ‬عربي‭ ‬يقول‭ ‬فأنا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬أيضا‭ ‬إنّ‭ ‬المدن‭ ‬المؤنثة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تعطينا‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬الإضافة‭ ‬لذلك‭ ‬تلحظ‭ ‬في‭ ‬أفلامي‭ ‬أنّ‭ ‬الأنثى‭ ‬هي‭ ‬البطل‭ ‬المركزي‭.‬

لست‭ ‬بريئا

الجديد‭: ‬‬محمد ملص‭ ‬ذاك‭ ‬الفتى‭ ‬الحالم‭ ‬الطامح‭ ‬الجريء‭ ‬الذي‭ ‬خرج‭ ‬ذات‭ ‬مساء‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬القنيطرة‭ ‬باحثا‭ ‬عن‭ ‬سبيل‭ ‬لتحقيق‭ ‬أحلامه،‭ ‬هل‭ ‬مازال‭ ‬ذلك‭ ‬الفتى‭ ‬بريئا‭ ‬حالما‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬زحمة‭ ‬المدن‭ ‬والأزمنة‭ ‬وتناقضات‭ ‬العالم‭ ‬أخذته‭ ‬أبعد‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬يتطلع؟

محمد ملص‭: ‬اسمح‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أخالفك‭ ‬في‭ ‬قول‭ ‬البراءة‭ .‬أنا‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬يوما‭ ‬بريئا،‭ ‬بل‭ ‬كنت‭ ‬ومازلت‭ ‬دائما‭ ‬إنسانا‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬بلده‭ ‬وحسب‭ ‬واقعه،‭ ‬بلدي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يعطيني‭ ‬ما‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أعبّر‭ ‬عنه‭ ‬وربّما‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬يلاحظ‭ ‬المشاهد‭ ‬في‭ ‬أفلامي‭ ‬اخترت‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬المخرج‭ ‬المفقود‭ ‬في‭ ‬البلد،‭ ‬ولذلك‭ ‬اخترت‭ ‬لنفسي‭ ‬التعبير‭ ‬عمّا‭ ‬ينقصنا‭ ‬وعمّا‭ ‬يؤلمنا‭ ‬وعمّا‭ ‬يوجعنا‭ ‬أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬ممّا‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬المفقود‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حاضرا‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬نحلم‭ ‬بها‭ ‬ونطمح‭ ‬إليها‭ ‬ونسعى‭ ‬إلى‭ ‬تحقيقها‭.

لا أعتبر أن هناك خلطة سحرية خارج الصدق في التعبير وخارج البصيرة في الرؤيا. والإمكانية في اختيار لغتك في التعبير السينمائي

‮ ‬معايشة‭ ‬الناس

الجديد‭:‬‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الخلطة‭ ‬السحريّة‭ ‬التي‭ ‬يستعملها‭ ‬‬محمد ملص‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المزيج‭ ‬المتناقض‭ ‬الجميل‭ ‬المتأرجح‭ ‬بين‭ ‬البعد‭ ‬الحالم‭ ‬الشاعري‭ ‬للسينما‭ ‬وبين‭ ‬الجانب‭ ‬الواقعي‭ ‬الترفيهي؟

محمد ملص‭:‬‮ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬ليست‭ ‬هناك‭ ‬خلطة‭ ‬سحريّة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هناك‭ ‬بصيرة‭ .‬البصيرة‭ ‬هي‭ ‬المرجع‭ ‬الأول‭ ‬بالنّسبة‭ ‬إليّ‭ .‬لذلك‭ ‬قررت‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬البصيرة‭ ‬هي‭ ‬بوصلتي‭ ‬الفنية‭ ‬لأنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الرؤيا‭ ‬العميقة‭ .‬ويحتفظ‭ ‬القلب‭ ‬بكل‭ ‬الأحاسيس‭ ‬التي‭ ‬تتركها‭ ‬البصيرة‭ ‬ويتركها‭ ‬المفقود‭ ‬في‭ ‬داخلك‭ .‬وحين‭ ‬تختار‭ ‬أن‭ ‬تعبّر‭ ‬بصدق‭ ‬وعمق‭ ‬وأن‭ ‬تنتمي‭ ‬لمجتمعك‭ ‬وألاّ‭ ‬يكون‭ ‬لديك‭ ‬شيء‭ ‬تريد‭ ‬التعبير‭ ‬عنه‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬بالمجتمع‭ ‬وبالنّاس،‭ ‬فذاك‭ ‬هو‭ ‬المبدأ‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬أعمالي‭ .‬معايشة‭ ‬الناس‭ ‬والاقتراب‭ ‬منهم‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬المرجع‭ ‬الأساسي‭ ‬لكل‭ ‬تجربتي‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬والحياة،‭ ‬وهذا‭ ‬المرجع‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬خلق‭ ‬لديّ‭ ‬هذه‭ ‬الذاكرة‭ ‬طويلة‭ ‬العمر‭ ‬وذلك‭ ‬الإحساس‭ ‬بضرورة‭ ‬أن‭ ‬أنقل‭ ‬ذاكرتي‭ ‬وأحاسيسي‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عنها‭ .‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬أعتبر‭ ‬أنّ‭ ‬هناك‭ ‬خلطة‭ ‬سحريّة‭ ‬خارج‭ ‬الصدق‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬وخارج‭ ‬البصيرة‭ ‬في‭ ‬الرؤيا‭ .‬والإمكانيّة‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬لغتك‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬السينمائي‭.‬

‮ ‬الشيء‭ ‬المفقود

الجديد‭: ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الخيط‭ ‬الرابط‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬أفلامك؟‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬مشروعاً‭ ‬معيناً‭ ‬تشتغل‭ ‬عليه،‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬تطلعات‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬وغاياته‭ ‬وطموحاته؟

محمد ملص‭: ‬أنا‭ ‬أعتبر‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬سؤالا‭ ‬جيّدا‭ ‬ومهما،‭ ‬لأنّ‭ ‬هناك‭ ‬فعلا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سعيت‭ ‬إليه‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬اشتغلت‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬أفلام‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬حققته‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬أطمح‭ ‬إلى‭ ‬تحقيقه‭ ‬خيطا‭ ‬وحيدا‭ ‬يربط‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬السينمائي‭ ‬هو‭ ‬المفقود،‭ ‬الشيء‭ ‬المفقود‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يجعلني‭ ‬أحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التعبير،‭ ‬هو‭ ‬الألم‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬المفقود،‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬الخيط‭ ‬السري،‭ ‬إنه‭ ‬ما‭ ‬يجعلني‭ ‬أشعر‭ ‬بضرورة‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬الفقد‭ .‬من‭ ‬يقرأ‭ ‬الأفلام‭ ‬التي‭ ‬أنجزتها‭ ‬سيكتشف‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬المفقود‭ .‬مثلا‭ ‬في‭ ‬“أحلام‭ ‬المدينة”‭ ‬لماذا‭ ‬عدت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬إلى‭ ‬خمسينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬سوريا،‭ ‬لأني‭ ‬كنت‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أبيّن‭ ‬تطوّر‭ ‬الوعي‭ ‬لديّ‭ ‬منذ‭ ‬الطفولة‭ ‬ومنذ‭ ‬القنيطرة‭ ‬إلى‭ ‬دمشق‭ .‬كنت‭ ‬أشعر‭ ‬أنّ‭ ‬الشيء‭ ‬المفقود‭ ‬هو‭ ‬الحرية‭ ‬ولذلك‭ ‬عدت‭ ‬إلى‭ ‬خمسينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬لأتحدث‭ ‬عن‭ ‬مرحلة‭ ‬هامة‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬سوريا،‭ ‬هي‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬فيها‭ ‬سوريا‭ ‬لحظة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬حقيقيّة‭ ‬دفعتها‭ ‬إلى‭ ‬خيار‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬الوحدة‭ ‬مع‭ ‬مصر‭.‬

كذلك‭ ‬إذا‭ ‬رجعت‭ ‬إلى‭ ‬فيلم‭ ‬“الليل”‭ ‬تجدني‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬مدينة‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬وجود‭ ‬لأنّ‭ ‬الاحتلال‭ ‬والعدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬هضبة‭ ‬الجولان‭ ‬أدّيا‭ ‬إلى‭ ‬تدمير‭ ‬مدينتي‭ ‬التي‭ ‬ولدت‭ ‬فيها‭ ‬وكانت‭ ‬مسقط‭ ‬رأسي‭ .‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬حين‭ ‬فقدتها‭ ‬كنت‭ ‬أشعر‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬العدوان‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يدمر‭ ‬ذاكرتي،‭ ‬وكنت‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬له‭ ‬وللجميع‭ ‬إنّ‭ ‬أحدا‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬تدمير‭ ‬الذاكرة‭ ‬فاستعدت‭ ‬القنيطرة‭ ‬سينمائيا‭ ‬واستعدت‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الشعور‭ ‬معها‭ ‬بأنّ‭ ‬المفقود‭ ‬هو‭ ‬المكان‭ ‬وليس‭ ‬الزمان‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬“أحلام‭ ‬المدينة”‭ ‬وهكذا‭.‬

‮ ‬سينما‭ ‬المؤلف

الجديد‭: ‬أنت‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬الرواد‭ ‬بالنّسبة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بسينما‭ ‬المؤلف،‭ ‬أي‭ ‬المؤلف‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يكتب‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬يخرج،‭ ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬أسألك‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬السينما‭ ‬بالأدب؟‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭ ‬يقول‭ ‬لو‭ ‬استطعنا‭ ‬أن‭ ‬نوفق‭ ‬بين‭ ‬السينما‭ ‬والأدب‭ ‬لأنتجنا‭ ‬شيئا‭ ‬عظيما،‭ ‬فكيف‭ ‬تقيم‭ ‬تجربتك‭ ‬مع‭ ‬الأدب،‭ ‬لماذا‭ ‬تكتب‭ ‬وحدك‭ ‬وتخرج‭ ‬وحدك‭ ‬ولماذا‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬العربية‭ ‬هناك‭ ‬تجارب‭ ‬مقلة‭ ‬رغم‭ ‬أنّها‭ ‬متميزة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬التعاون‭ ‬والتعامل‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬الرواية‭ ‬والفن‭ ‬والصورة؟

محمد ملص‭: ‬أولا،‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أصحح‭ ‬مفهوم‭ ‬سينما‭ ‬المؤلف‭ .‬فسينما‭ ‬المؤلف‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬المخرج‭ ‬السيناريو،‭ ‬سينما‭ ‬المؤلف‭ ‬هي‭ ‬محاولة‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬بالكاميرا‭ .‬الكتابة‭ ‬بالكاميرا‭ ‬تعني‭ ‬الكتابة‭ ‬بالعين‭ ‬وبالروح‭ ‬وبالوجدان‭ .‬قد‭ ‬يشاركك‭ ‬أحد‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬مشروعك‭ ‬ولكن‭ ‬حين‭ ‬يعبّر‭ ‬المشروع‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬وعن‭ ‬إحساسك‭ ‬ورؤيتك‭ ‬أنت‭ ‬لما‭ ‬تريد‭ ‬التعبير‭ ‬عنه‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬سينما‭ ‬المؤلف‭.‬

وقد‭ ‬وضعت‭ ‬لنفسي‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬مشواري‭ ‬حبّي‭ ‬الشديد‭ ‬للأدب،‭ ‬وانتمائي‭ ‬أولا‭ ‬وأخيرا‭ ‬للأدب‭ ‬باعتباري‭ ‬أكتب‭ ‬كثيرا‭ ‬ولديّ‭ ‬كتب‭ ‬منشورة،‭ ‬وضعت‭ ‬لنفسي‭ ‬مهمّة‭ ‬محدّدة‭ ‬في‭ ‬علاقتي‭ ‬بالسينما‭ ‬وعلاقتي‭ ‬بالأدب‭ .‬لقد‭ ‬أردت‭ ‬للسينما‭ ‬التي‭ ‬أنجزها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ذات‭ ‬مذاق‭ ‬أدبي،‭ ‬وهكذا‭ ‬يعني‭ ‬أنّ‭ ‬جوهر‭ ‬القضية‭ ‬في‭ ‬مشروعي‭ ‬الفني‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬أخلق‭ ‬سينما‭ ‬ذات‭ ‬مذاق‭ ‬أدبي‭ ‬وأدبا‭ ‬ذا‭ ‬مذاق‭ ‬بصري‭.‬

زواج‭ ‬عالمين

لقطة من فيلم "سلم إلى دمشق"

الجديد‭:‬‭ ‬هل‭ ‬قرأت‭ ‬رواية‭ ‬ما‭ ‬وتمنيت‭ ‬أن‭ ‬تخرجها‭ ‬سينمائيا،‭ ‬روايات‭ ‬حنا‭ ‬مينة‭ ‬مثلا؟

محمد ملص‭: ‬نعم،‭ ‬لقد‭ ‬قرأت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬الأدبيّة‭ ‬واستفزتني‭ .‬أنا‭ ‬مشروعي‭ ‬السينمائي‭ ‬لا‭ ‬يتناقض‭ ‬مع‭ ‬الأدب‭ ‬الموجود،‭ ‬ولكن‭ ‬خيالي‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬هو‭ ‬الكتابة‭ ‬عن‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشخصيّة‭ ‬وخلق‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الانسجام‭ ‬بين‭ ‬الاثنين،‭ ‬التعبير‭ ‬الوجداني‭ ‬والأدبي‭ ‬عن‭ ‬مشروعي‭ ‬السينمائي‭.‬‮ ‬هناك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬الأدبيّة‭ ‬الهامّة‭ ‬التي‭ ‬تخلق‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ ‬التحدي‭ ‬لتحقيقها‭ ‬سينمائيا،‭ ‬ولكن‭ ‬مازال‭ ‬مشروعي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أحافظ‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬اخترته‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭.‬

الخيار‭ ‬السينمائي

الجديد‭:‬‭ ‬كيف‭ ‬تحكم‭ ‬على‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬والسينما‭ ‬في‭ ‬التجارب‭ ‬السينمائية‭ ‬العربية؟‭ ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬توافق؟‭ ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬تناقض؟‭ ‬هل‭ ‬يستفيد‭ ‬الأدب‭ ‬من‭ ‬السينما‭ ‬أم‭ ‬تستفيد‭ ‬السينما‭ ‬من‭ ‬الأدب؟‭ ‬أم‭ ‬هناك‭ ‬تجارب‭ ‬قليلة‭ ‬مماثلة‭ ‬أو‭ ‬مشابهة‭ ‬لتجربتك‭ ‬السينمائية؟

محمد ملص‭: ‬أعتقد‭ ‬أنّ‭ ‬اختيار‭ ‬سينما‭ ‬المؤلف‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬العربيّة‭ ‬هو‭ ‬خيار‭ ‬السينمائيين‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ .‬هو‭ ‬خيار‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القامات‭ ‬السينمائيّة‭ ‬التي‭ ‬أرادت‭ ‬أن‭ ‬تغيّر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سينما‭ ‬المؤلف‭ .‬وفي‭ ‬السينما‭ ‬الغربيّة‭ ‬أيضا‭ ‬هناك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القامات‭ ‬السينمائيّة‭ ‬التي‭ ‬اختارت‭ ‬أيضا‭ ‬التعبّير‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سينما‭ ‬المؤلف‭ .‬بالنّسبة‭ ‬إليّ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الخيار‭ ‬نظرياً‭ ‬أو‭ ‬شخصياً‭ ‬كان‭ ‬خيارا‭ ‬مرتبطا‭ ‬بالواقع‭ .‬السينما‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬أولا،‭ ‬والواقع‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬ثانيا‭ .‬تطلعاتي‭ ‬كما‭ ‬أردت‭ ‬التعبير‭ ‬عنها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬دفعتني‭ ‬لاختيار‭ ‬سينما‭ ‬المؤلف‭ ‬للتعبير‭.‬

الفني‭ ‬والتجاري

الجديد‭: ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬سينما‭ ‬المؤلف‭ ‬والسينما‭ ‬التجارية؟‭ ‬وهل‭ ‬هناك‭ ‬خلطة‭ ‬بين‭ ‬الجانب‭ ‬التوعوي‭ ‬التثقيفي‭ ‬وبين‭ ‬الجانب‭ ‬الترفيهي‭ ‬التجاري؟

محمد ملص‭: ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬دعنا‭ ‬نجب‭ ‬عن‭ ‬سؤالك‭ ‬بالحديث‭ ‬عن‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربيّة‭ .‬في‭ ‬رأيي‭ ‬أنّ‭ ‬التجارب‭ ‬السينمائية‭ ‬العربيّة‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬الذين‭ ‬يقفون‭ ‬وراءها‭ ‬أحدهم‭ ‬الآخر‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بديلا‭ ‬عن‭ ‬الآخر‭ .‬في‭ ‬السينما‭ ‬العربيّة‭ ‬هناك‭ ‬سينما‭ ‬تجاريّة‭ ‬وهناك‭ ‬سينما‭ ‬مختلفة‭ .‬والسينما‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬بالاستقطاب‭ ‬الجماهيري‭ ‬الذي‭ ‬تحظى‭ ‬به‭ ‬السينما‭ ‬التجاريّة،‭ ‬لكنّها‭ ‬حقيقة‭ ‬موجودة‭ .‬ولذلك‭ ‬كان‭ ‬السعي‭ ‬خطوة‭ ‬وراء‭ ‬أخرى‭ ‬لخلق‭ ‬تيار‭ ‬سينمائي‭ ‬أوّلا‭ ‬وخلق‭ ‬جمهور‭ ‬سينمائي‭ ‬آخر‭ ‬مختلف‭ ‬ثانيا‭.‬‮ ‬‭ ‬وكما‭ ‬تتعايش‭ ‬سينما‭ ‬المؤلف‭ ‬والسينما‭ ‬التجاريّة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬لهما‭ ‬أن‭ ‬تتعايشا‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬العربيّة‭.‬

السينما‭ ‬هي‭ ‬الحب

الجديد‭:‬‭ ‬يقول‭ ‬المخرج‭ ‬العالمي‭ ‬هيشتكوك‭ ‬“السينما‭ ‬هي‭ ‬الحلم”‭ ‬كيف‭ ‬يعرّف‭ ‬‬محمد ملص‭ ‬السينما‭ ‬وكيف‭ ‬يعيشها؟

‮ ‬محمد ملص‭: ‬السينما‭ ‬هي‭ ‬الحب‭ ‬وليس‭ ‬الحلم،‭ ‬السينما‭ ‬بالنّسبة‭ ‬إليّ‭ ‬هي‭ ‬البيت،‭ ‬البيت‭ ‬الذي‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬ألجأ‭ ‬إليه‭ ‬كي‭ ‬أرتاح‭ ‬وكي‭ ‬أعيش،‭ ‬السينما‭ ‬هي‭ ‬الحب‭ ‬وهي‭ ‬البيت‭.‬

الجديد‭: ‬أخرجت‭ ‬عدّة‭ ‬أفلام‭ ‬عن‭ ‬حلب‭ ‬وعن‭ ‬مدينة‭ ‬القنيطرة‭ ‬مثل‭ ‬“باب‭ ‬المقام”،‭ ‬كيف‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬وما‭ ‬يحدث‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬دمار‭ ‬وخراب‭ ‬وكيف‭ ‬تسترجعها‭ ‬في‭ ‬ذاكرتك؟

محمد ملص‭: ‬دعني‭ ‬ألجأ‭ ‬إلى‭ ‬حلب‭ ‬“مقامات‭ ‬المسرة”‭ ‬أولا‭ ‬وإلى‭ ‬“باب‭ ‬المقام”‭ ‬كي‭ ‬أحتفظ‭ ‬بحلب‭ ‬كما‭ ‬رأيتها‭ ‬وكما‭ ‬أراها‭ ‬وأتمنّى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬موجودة‭ .‬أما‭ ‬أن‭ ‬تدمّر‭ ‬حلب‭ ‬فهذا‭ ‬شيء‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تخيله‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬القبول‭ ‬به‭ .‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نفقدها،‭ ‬لأنّ‭ ‬حلب‭ ‬في‭ ‬ذاكرتي‭ ‬هي‭ ‬السينما‭ ‬التي‭ ‬حققتها،‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الواقع‭ ‬فليس‭ ‬هناك‭ ‬إلاّ‭ ‬المأساة‭ ‬تعيشها‭ ‬حلب‭ ‬العظيمة‭ ‬والجميلة‭ ‬والتي‭ ‬أتمنى‭ ‬ألا‭ ‬نفقدها‭.

هو الألم من غياب المفقود، ذلك هو الخيط السري، إنه ما يجعلني أعشر بضرورة التعبير عن كل ذلك الفقد

‮ ‬مع‭ ‬الثورة‭ ‬والتغيير

الجديد‭:‬‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬حلب‭ ‬يجرّنا‭ ‬إلى‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬سوريا‭ ‬أنت‭ ‬الذي‭ ‬قلت‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬ما‭ ‬“سوريا‭ ‬هي‭ ‬ثورة‭ ‬موؤودة”‭ ‬كيف‭ ‬تسترجع‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬اليوم،‭ ‬وعن‭ ‬سوريا‭ ‬اليوم‭ .‬كيف‭ ‬ترى‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬فيها‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬ثورة؟‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬مؤامرة‭ ‬خارجيّة؟‭ ‬كيف‭ ‬تقيّم‭ ‬كمثقف‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬خاصة‭ ‬أنّ‭ ‬المثقفين‭ ‬منقسمون؟

محمد ملص‭: ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬الحرب،‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬سعي‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬سوريا‭ ‬مقوماتها‭ ‬سواء‭ ‬الديموغرافيّة‭ ‬أو‭ ‬مكانتها‭ ‬السياسيّة‭ ‬وقوتها‭ ‬وتعدّدها‭ .‬أمّا‭ ‬سوريا‭ ‬التي‭ ‬ننتمي‭ ‬إليها‭ ‬نحن‭ ‬فهي‭ ‬سوريا‭ ‬التعدد‭ ‬والتنوع‭ ‬والانتماء‭ ‬الجغرافي‭ ‬والطائفي‭ ‬والألفة‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭.‬

الجديد‭:‬‮ ‬لكنّك‭ ‬لم‭ ‬تعطني‭ ‬موقفا‭ ‬واضحا‭ ‬هل‭ ‬هي‭ ‬ثورة‭ ‬أم‭ ‬مؤامرة‭ ‬خارجية؟

محمد ملص‭: ‬أنت‭ ‬تسألني‭ ‬عن‭ ‬سوريا‭ ‬اليوم،‭ ‬سوريا‭ ‬تعيش‭ ‬مؤامرة‭ ‬كبيرة‭ ‬ومتعدّدة‭ ‬الجوانب‭ ‬تستهدف‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬بكل‭ ‬أبعاده،‭ ‬أمّا‭ ‬ما‭ ‬حصل،‭ ‬ومن‭ ‬يكون‭ ‬ذاك‭ ‬الذي‭ ‬حصد‭ ‬الفوائد‭ ‬فهذا‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ .‬بالتأكيد‭ ‬الشعب‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬حين‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬ينهض‭ ‬ويتمرد‭ ‬ويثور‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬تغييرا‭ ‬في‭ ‬مجتمعه‭ ‬وتغييرا‭ ‬في‭ ‬نظامه‭ ‬السياسي‭ ‬فهذا‭ ‬حقه‭ ‬التاريخي‭ ‬والطبيعي‭ ‬وهذا‭ ‬طبعا‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬المؤامرة‭ ‬التي‭ ‬نتعرض‭ ‬لها‭ ‬اليوم‭.‬

الجديد‭: ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬أنت‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الثورة؟

محمد ملص‭: ‬‮ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬سينمائي‭ ‬ضد‭ ‬الثورة‭ ‬وضد‭ ‬التغيير‭ .‬كل‭ ‬السينمائيين‭ ‬والمثقفين‭ ‬يعملون‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المستقبل‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬التغيير‭ .‬وحسب‭ ‬رأيي‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬المثقف‭ ‬مثقفا‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬ينحز‭ ‬إلى‭ ‬التغيير‭ ‬والتطوّر‭ ‬والتقدّم‭ ‬والثورة‭.‬

‮ ‬

الجديد‭:‬‭ ‬ماذا‭ ‬عن‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬وما‭ ‬وقع‭ ‬فيها‭ ‬هل‭ ‬هي‭ ‬الثورة‭ ‬كما‭ ‬نظّر‭ ‬لها‭ ‬عصمت‭ ‬سيف‭ ‬الدولة‭ ‬أم‭ ‬مجرّد‭ ‬مؤامرة‭ ‬خارجيّة‭ ‬لبث‭ ‬“الفوضى‭ ‬الخلاقة”‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬البعض؟

محمد ملص‭: ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬هو‭ ‬بداية‭ ‬ثورة‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬العراقيل،‭ ‬هو‭ ‬سعي‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلدان‭ ‬نحو‭ ‬التغيير‭ ‬والحرية‭ ‬والكرامة،‭ ‬أمّا‭ ‬من‭ ‬الذي‭ ‬استفاد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الانتفاضة،‭ ‬ومن‭ ‬الذي‭ ‬سرق‭ ‬هذه‭ ‬الانتفاضة‭ ‬واتخذها‭ ‬وسيلة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬مشاريع‭ ‬ومصالح‭ ‬دوليّة‭ ‬متعدّدة‭ ‬ومختلفة‭ ‬ومتناقضة‭ ‬فهو‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭.‬

‮ ‬مغنّية‭ ‬حلب

الجديد‭:‬‭ ‬اشتغلت‭ ‬كثيرا‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬واهتمامك‭ ‬بها‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬أفلامك،‭ ‬فهل‭ ‬يعتبر‭ ‬هذا‭ ‬الاشتغال‭ ‬هو‭ ‬الخيط‭ ‬الرابط‭ ‬في‭ ‬مشروعك‭ ‬الفني،‭ ‬ولماذا‭ ‬هذا‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬وكيف‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تشتغل‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬المعيش‭ ‬اليومي‭ ‬الآن‭ ‬وهنا؟

محمد ملص‭: ‬هذا‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬قدرتك‭ ‬على‭ ‬الرؤيا‭ ‬والبصيرة،‭ ‬وحين‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬فيلم‭ ‬حلب‭ ‬“مقامات‭ ‬المسرة”‭ ‬ونشعر‭ ‬بالأسف‭ ‬لما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬حلب‭ ‬وبالمرارة‭ ‬الشديدة‭ ‬لما‭ ‬يحصل،‭ ‬ألا‭ ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬مشاهد‭ ‬فيلم‭ ‬حلب‭ ‬“مقامات‭ ‬المسرة”‭ ‬وفيلم‭ ‬“باب‭ ‬المقام”،‭ ‬وتتساءل‭ ‬من‭ ‬قتل‭ ‬المغنّية،‭ ‬من‭ ‬قتل‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬أحبّت‭ ‬الغناء‭ ‬والموسيقى‭ ‬في‭ ‬حلب‭ ‬ستكتشف‭ ‬أنّ‭ ‬الذي‭ ‬قتلها‭ ‬هو‭ ‬أسرتها‭ ‬المحافظة‭ ‬والتي‭ ‬تعتقد‭ ‬أنّ‭ ‬الغناء‭ ‬حرام‭ .‬فموتها‭ ‬إذن‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬لتفكير‭ ‬عائلتها‭ ‬ومحيطها‭ .‬بالتالي‭ ‬حين‭ ‬تسألني‭ ‬كيف‭ ‬أجمع‭ ‬بين‭ ‬الذاكرة‭ ‬والبصيرة‭ ‬فهذا‭ ‬من‭ ‬أبسط‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬تمتلك‭ ‬الشجاعة‭ ‬والصدق‭.‬

حين‭ ‬تمتلك‭ ‬الشجاعة‭ ‬والصدق‭ ‬تكتشف‭ ‬أنّ‭ ‬ذاكرتك‭ ‬تستطيع‭ ‬ليس‭ ‬أن‭ ‬تتنبأ‭ ‬بما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬الواقع‭ ‬وما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يولّده‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬وتحذّر‭ ‬ممّا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحصل،‭ ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يستجيب‭ ‬لمحاولة‭ ‬الرؤيا‭ ‬ووعي‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬سوف‭ ‬يحصل‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬حلب‭.‬

فكرة‭ ‬الذاكرة

الباجي قائد السبسي مكرما محمد ملص

الجديد‭:‬‭ ‬كأنّك‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تسترجع‭ ‬القول‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬أنّ‭ ‬الأدب‭ ‬هو‭ ‬استحضار‭ ‬للذاكرة‭ .‬فهل‭ ‬ترى‭ ‬كذلك‭ ‬أنّ‭ ‬السينما‭ ‬هي‭ ‬أيضا‭ ‬استحضار‭ ‬للذاكرة‭ ‬لكن‭ ‬بواسطة‭ ‬الصورة؟

محمد ملص‭: ‬الذاكرة‭ ‬ليست‭ ‬شيئا‭ ‬مقدّسا،‭ ‬الذاكرة‭ ‬شيء‭ ‬والبصيرة‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ .‬في‭ ‬رؤيتك‭ ‬للماضي‭ ‬والحاضر‭ ‬في‭ ‬قدرتك‭ ‬على‭ ‬استنتاج‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬البصيرة،‭ ‬يعني‭ ‬يجب‭ ‬ألاّ‭ ‬تقدّس‭ ‬الذاكرة‭ ‬بالعلاقة‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬الراهن‭ ‬الحديث‭ ‬الذي‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم‭ ‬حينما‭ ‬تجمع‭ ‬وتستنتج‭ ‬وتتوصل‭ ‬إلى‭ ‬احتمالات‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬وترفع‭ ‬نذير‭ ‬التحذير‭ ‬بذلك‭ ‬فأنت‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬بأنّك‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬إنارة‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الحقيقة،‭ ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬تقول‭ ‬اللهم‭ ‬قد‭ ‬بلغت‭ ‬فعليك‭ ‬أن‭ ‬تسمع‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬البلاغ‭.‬

يريدوننا‭ ‬عبيدا

الجديد‭:‬‮ ‬يقول‭ ‬المخرج‭ ‬السوري‭ ‬الكبير‭ ‬مصطفى‭ ‬العقاد‭ ‬“إنّ‭ ‬معركتنا‭ ‬مع‭ ‬الغرب‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬معركة‭ ‬إعلام”‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تضيف‭ ‬أيضا‭ ‬معركة‭ ‬إبداع‭ .‬لماذا‭ ‬بقيت‭ ‬صورة‭ ‬العربي‭ ‬لدى‭ ‬الآخر‭ ‬مهتزة‭ ‬وسلبيّة‭ ‬وسيئة،‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬تقصير‭ ‬من‭ ‬الإعلاميين‭ ‬والمبدعين‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬صورة‭ ‬جيدة‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬لدى‭ ‬الآخر؟

محمد ملص‭: ‬أوّلا،‭ ‬رحم‭ ‬الله‭ ‬مصطفى‭ ‬العقاد‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬ضحايا‭ ‬الإرهاب‭ .‬وأنا‭ ‬أعتبر‭ ‬أنّ‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬العقاد‭ ‬هو‭ ‬حقيقة‭ ‬هامّة‭ ‬للغاية‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬الحقيقة‭ ‬الوحيدة‭ ‬لكنّها‭ ‬هامّة‭ ‬للغاية‭ .‬لأنّنا‭ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬أنفسنا‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح‭ ‬ولا‭ ‬نقدم‭ ‬أنفسنا‭ ‬للآخر‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح،‭ ‬ومعركتنا‭ ‬الإبداعيّة‭ ‬مع‭ ‬الخارج‭ ‬ومع‭ ‬الإعلام‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬شجاعة‭ ‬وصادقة‭ ‬وأن‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬الوسائل‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬أصواتنا‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬العالم‭ .‬لكن‭ ‬معركتنا‭ ‬مع‭ ‬الغرب‭ ‬هي‭ ‬أيضا‭ ‬معركة‭ ‬استهداف‭ ‬ومصالح‭ ‬وليست‭ ‬معركة‭ ‬إعلام‭ ‬فقط‭ .‬إنّ‭ ‬العدو‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬هو‭ ‬رقم‭ ‬واحد،‭ ‬والغرب‭ ‬المتحالف‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬وأميركا‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يلعب‭ ‬بنا‭ ‬مرحلة‭ ‬بعد‭ ‬مرحلة‭ .‬وحين‭ ‬أقول‭ ‬معركة‭ ‬مصالح‭ ‬لأنّه‭ ‬فعلا‭ ‬حتّى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬لديهم‭ ‬الوعي‭ ‬لمعرفة‭ ‬ماذا‭ ‬نعاني‭ ‬فهم‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نصبح‭ ‬عبيدا‭ ‬وأن‭ ‬نصبح‭ ‬تحت‭ ‬سيطرة‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاستعمارية‭ ‬الخارجية‭.‬

معركة‭ ‬معقدة

الجديد‭:‬‮ ‬هل‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬حركة‭ ‬الثقافة‭ ‬العربيّة‭ ‬عموما‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬السقوط‭ ‬في‭ ‬الإسفاف‭ ‬والاشتغال‭ ‬على‭ ‬قضايا‭ ‬هامشية‭ ‬فحسب،‭ ‬أو‭ ‬هي‭ ‬معرضة‭ ‬عن‭ ‬رؤية‭ ‬الخلل،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فهي‭ ‬مقصّرة‭ ‬في‭ ‬التعريف‭ ‬بالإبداع‭ ‬الجاد‭ ‬ودوره‭ ‬المنتظر؟

محمد ملص‭:‬‮ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬مشكلة‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬ككل‭ ‬بالمعنى‭ ‬الواسع‭ ‬للكلمة،‭ ‬لكن‭ ‬أقول‭ ‬إنّ‭ ‬الإعلام‭ ‬قد‭ ‬قصّر‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬كبيرة‭ ‬تستدعي‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬مصطفى‭ ‬العقاد‭ ‬إنّ‭ ‬معركتنا‭ ‬معركة‭ ‬إعلام‭ .‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬الإعلام‭ ‬الشيء‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬الحديث‭ ‬عنه‭ .‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬أنفسنا‭ ‬أولاّ،‭ ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬نصدّق‭ ‬ما‭ ‬نحس‭ ‬به‭ ‬وأن‭ ‬نعبّر‭ ‬عمّا‭ ‬نحس‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬نبقى‭ ‬أسرى‭ ‬الأفكار‭ ‬غير‭ ‬الصحيحة‭ ‬التي‭ ‬نعيشها‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬ونبقى‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة‭ ‬المتخلفة‭ ‬الدكتاتورية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعطينا‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬والحرية‭ ‬في‭ ‬التعبير،‭ ‬لذلك‭ ‬فالمعركة‭ ‬هي‭ ‬معركة‭ ‬معقدة‭ ‬وواسعة‭ ‬ومتعدّدة‭ ‬للجوانب‭.‬

الجديد‭:‬‭ ‬إلى‭ ‬أيّ‭ ‬مدى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يلعب‭ ‬الإبداع‭ ‬والثقافة‭ ‬دورا‭ ‬في‭ ‬نزع‭ ‬فتيل‭ ‬التوتر‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬وبين‭ ‬الحضارات‭ ‬خاصّة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬المتناقض‭ ‬العنيف‭ ‬الذي‭ ‬نعيشه‭ ‬اليوم؟

محمد ملص‭: ‬الإبداع‭ ‬له‭ ‬مهمّة‭ ‬واحدة‭ ‬ليس‭ ‬أن‭ ‬ينزع‭ ‬الفتيل،‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬ينير‭ ‬الضوء‭ .‬الإبداع‭ ‬لديه‭ ‬مهمّة‭ ‬أساسيّة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بصيرة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تنير‭ ‬ما‭ ‬يحيط‭ ‬بها‭ ‬وتنير‭ ‬بعمق‭ ‬وصدق‭ ‬وشجاعة‭.‬

الجديد‭:‬‭ ‬فيلمك‭ ‬الأخير‭ ‬يحمل‭ ‬عنوان‭ ‬“سلم‭ ‬إلى‭ ‬دمشق”‭ ‬فعن‭ ‬أيّ‭ ‬دمشق‭ ‬تتحدث‭ ‬وتبحث؟‭ ‬وهل‭ ‬يحملك‭ ‬هذا‭ ‬السلّم‭ ‬ويطل‭ ‬على‭ ‬سوريا‭ ‬الحلم،‭ ‬سوريا‭ ‬الثورة‭ ‬الموؤودة،‭ ‬أم‭ ‬هو‭ ‬بحث‭ ‬عن‭ ‬المدينة‭ ‬الفاضلة‭ ‬التي‭ ‬رسمتها‭ ‬في‭ ‬خيالك‭ ‬الفني؟

محمد ملص‭: ‬لم‭ ‬أرسم‭ ‬دمشق‭ ‬في‭ ‬خيالي‭ ‬ولو‭ ‬مرة‭ .‬أنا‭ ‬أعيش‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬وأعرف‭ ‬دمشق‭ ‬وفيلم‭ ‬“سلّم‭ ‬إلى‭ ‬دمشق”‭ ‬هو‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬دمشق‭ ‬التي‭ ‬نريد‭.‬

الجديد‭:‬‭ ‬البطل‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬الفيلم‭ ‬يصعد‭ ‬إلى‭ ‬السطح‭ ‬ويصرخ‭ ‬حرية‭ ‬ويحصل‭ ‬انفجار،‭ ‬ما‭ ‬رمزية‭ ‬هذا‭ ‬المشهد؟

محمد ملص‭: ‬‮ ‬ليست‭ ‬هناك‭ ‬رمزية‭ ‬وإنّما‭ ‬هو‭ ‬صعد‭ ‬ليقول‭ ‬حرية‭ ‬لدمشق‭ ‬التي‭ ‬يريد،‭ ‬لكن‭ ‬الحرب‭ ‬قصمت‭ ‬ظهر‭ ‬هذه‭ ‬الصرخة‭.‬


كاتب من تونس