أيديولوجيا‭ ‬جزافية‭ ‬لا‭ ‬تطابق‭ ‬الواقع

استخدم‭ ‬مصطلح‭ ‬“النموذج‭ ‬المرجعي”‭ ‬‭(‬paradigm‭)‬‭ ‬وأعني‭ ‬به‭ ‬الصيغة‭ ‬المعرفية‭ ‬التقييمية‭ ‬المعترف‭ ‬بها،‭ ‬لأشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الباحث‭ ‬العراقي‭ ‬أثير‭ ‬عادل‭ ‬شواي‭ ‬لم‭ ‬يحتكم‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬مقال‭: ‬“لماذا‭ ‬يفشل‭ ‬المصريون‭ ‬دائما‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬الشعر”‭ ‬إذ‭ ‬أصدر‭ ‬حكما‭ ‬نقديا‭ ‬مبرما‭ ‬على‭ ‬الشعب‭ ‬المصري‭ ‬برمته‭ ‬وجرّده‭ ‬من‭ ‬الموهبة‭ ‬خلال‭ ‬أزمنة‭ ‬ثلاثة‭: ‬الماضي‭ ‬والحاضر‭ ‬والمستقبل،‭ ‬ولأشير‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬يحيلنا‭ ‬بذلك،‭ ‬طائعين‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬طائعين،‭ ‬إلى‭ ‬مصطلح‭ ‬“المركزية‭ ‬المصرية”‭ ‬الآفل‭ ‬لتحل‭ ‬محله‭ ‬نزعة‭ ‬مركزية‭ ‬أخرى‭ ‬ذات‭ ‬نزوع‭ ‬فعال‭ ‬في‭ ‬التبسيط،‭ ‬ولكي‭ ‬أتفحص‭ ‬عن‭ ‬كثب،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ثالثة،‭ ‬بروز‭ ‬أصولية‭ ‬أيديولوجية‭ ‬المنزع‭ ‬يحفل‭ ‬بها‭ ‬النص،‭ ‬أي‭ ‬غير‭ ‬مطابقة‭ ‬لأيّ‭ ‬واقع‭ ‬تاريخي‭ ‬أو‭ ‬حقيقة‭ ‬نقدية‭ ‬أو‭ ‬معرفية‭ ‬يُعتَدُّ‭ ‬بها‭.‬

الجديد  خلدون الشمعة [نُشر في 01/03/2017، العدد: 26، ص(106)]

لوحة: سمان خوام
‬يطرح النص‭ ‬مسألة‭ ‬الهوية‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬العربي،‭ ‬أي‭ ‬مسألة‭ ‬ما‭ ‬يدعى‭ ‬بـ”النموذج‭ ‬المرجعي”‭ ‬‭(‬paradigm‭)‬‭ ‬وهو‭ ‬الصيغة‭ ‬المعرفية‭ ‬النقدية‭ ‬المعترف‭ ‬بها‭ ‬والتي‭ ‬يحجم‭ ‬الكاتب‭ ‬عن‭ ‬الاحتكام‭ ‬إليها،‭ ‬‭(‬جهلا‭ ‬أو‭ ‬تجاهلا‭)‬‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬أحكام‭ ‬القيمة‭ ‬القاطعة‭ ‬والتي‭ ‬تستبطن‭ ‬المقال‭ ‬من‭ ‬الألف‭ ‬إلى‭ ‬الياء‭ .‬وبعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬نذكّر‭ ‬أن‭ ‬“النموذج‭ ‬المرجعي”‭ ‬هو‭ ‬الميزان‭ ‬الذي‭ ‬يُحتكم‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الفرز‭ ‬الأكاديمي‭ ‬بين‭ ‬الخطأ‭ ‬والصواب‭ ‬سواء‭ ‬وضعنا‭ ‬الصيغة‭ ‬المعرفية‭ ‬النقدية‭ ‬التي‭ ‬يعتمدها‭ ‬النص‭ ‬على‭ ‬محك‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬أو‭ ‬نظرية‭ ‬المعرفة،‭ ‬أو‭ ‬التحقيق‭ ‬التاريخي‭.‬

وقد‭ ‬كان‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬صحة‭ ‬“النموذج‭ ‬المعرفي”‭ ‬أو‭ ‬الباراديم‭ ‬المعتمد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الاستشراق،‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬اعتمده‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬سجاله‭ ‬النقدي‭ ‬المناهض‭ ‬لتلك‭ ‬المؤسسة‭ .‬وكما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬فإن‭ ‬سعيد‭ ‬استند‭ ‬في‭ ‬أطروحته‭ ‬هذه‭ ‬على‭ ‬نظرية‭ ‬ميشيل‭ ‬فوكو‭ ‬حول‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬السلطة‭ ‬والمعرفة‭ .‬يقول‭ ‬فوكو‭: ‬“السلطة‭ ‬والمعرفة‭ ‬يدل‭ ‬واحدهما‭ ‬على‭ ‬الآخر‭ ‬مباشرة،‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬علاقة‭ ‬سلطة‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬معادل‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬المعرفة،‭ ‬ولا‭ ‬توجد‭ ‬أيّ‭ ‬معرفة‭ ‬لا‭ ‬تفترض‭ ‬وجود‭ ‬علاقة‭ ‬بالسلطة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه”‭.‬

وفي‭ ‬دراسة‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬“الاستشراق”‭ ‬تأكيد‭ ‬مدعوم‭ ‬بالأمثلة‭ ‬والبراهين،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬خطاب‭ ‬المغايرة‭ ‬والاختلاف‭ ‬بين‭ ‬الغرب‭ ‬والشرق‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬علاقات‭ ‬السلطة‭ ‬‭(‬القوة‭)‬‭ ‬غير‭ ‬المتكافئة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭.‬

وهكذا‭ ‬صار‭ ‬خطاب‭ ‬الاستشراق‭ ‬إطارا‭ ‬مرجعيا‭ ‬للتحليل،‭ ‬سواء‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالأدب،‭ ‬أو‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع،‭ ‬أو‭ ‬اللاهوت‭ .‬وقد‭ ‬تمكن‭ ‬الاستشراق‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬تراتبية‭ ‬يتوارثها‭ ‬الشرق‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صارت‭ ‬خطابا‭ ‬معرفيا‭ ‬اختزاليا‭ ‬معتمدا‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬المغايرة‭ ‬والاختلاف،‭ ‬بين‭ ‬عقلانية‭ ‬غربية‭ ‬ولا‭ ‬عقلانية‭ ‬شرقية‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬الذي‭ ‬تمثله‭ ‬علاقات‭ ‬القوة‭ ‬المهيمنة‭ ‬بمحمولها‭ ‬المعرفي،‭ ‬يُطرح‭ ‬السجال‭ ‬الدائر‭ ‬حول‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ .‬وهو‭ ‬سجال‭ ‬يفكك‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬فيه‭ ‬“المركزية‭ ‬الأوروبية”‭ ‬كممثل‭ ‬للهامش‭ ‬العربي‭.‬

وفقا‭ ‬لهذه‭ ‬القراءة‭-‬الرؤية،‭ ‬يتبلور‭ ‬شعار‭ ‬“الحقيقة‭ ‬تخاطب‭ ‬القوة”‭ ‬الذي‭ ‬يختزل‭ ‬خطاب‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬الموجه‭ ‬للمركز‭ ‬الغربي‭ ‬المهيمن‭ ‬والممثل‭ ‬لسلطة‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تفنيد‭.‬

***

المقال‭ ‬الذي‭ ‬نحن‭ ‬بصدده‭ ‬يحل‭ ‬مفهوم‭ ‬“المركزية‭ ‬المصرية”‭ ‬محل‭ ‬“المركزية‭ ‬الأوروبية”‭ ‬ويقدم‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬التعليلات‭ ‬ذات‭ ‬الأفق‭ ‬الجغرافي‭ ‬الذي‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬العقلانية،‭ ‬لتبرير‭ ‬عملية‭ ‬الاستبدال‭ ‬هذه‭ .‬كما‭ ‬أنه‭ ‬يحوم‭ ‬حول‭ ‬اللغة‭ ‬الاصطلاحية‭ ‬في‭ ‬النقد،‭ ‬ولكنه‭ ‬يظل‭ ‬بعيدا‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ .‬والأدلة‭ ‬المستلة‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬لدعم‭ ‬دعواه‭ ‬التي‭ ‬يلخّصها‭ ‬عنوان‭ ‬المقال‭ ‬تؤكد‭ ‬باستمرار‭ ‬استقالة‭ ‬العقل‭ ‬النقدي‭ ‬لدى‭ ‬كاتبه‭ ‬واستعاضته‭ ‬عن‭ ‬العقل‭ ‬بالذوق‭ ‬جزافي‭ ‬النزعة‭.‬

والأغرب‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الباحث‭ ‬يتمسك‭ ‬بعدم‭ ‬تذوقه‭ ‬لكتاب‭ ‬“الشوقيات”‭ ‬للشاعر‭ ‬أحمد‭ ‬شوقي‭ ‬‭(‬وهو‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬قرأه‭ ‬كما‭ ‬يخبرنا‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬تلميذا‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الأولية‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭)‬‭ ‬ليصدر‭ ‬عليه‭ ‬حكما‭ ‬مبرما‭ ‬تلخصه‭ ‬العبارة‭ ‬التالية‭ ‬“هذا‭ ‬الشاعر‭ ‬ليس‭ ‬مقلدا‭ ‬فقط‭ ‬وإنما‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يكتب‭ ‬قصيدة‭ ‬فنية‭ ‬تخاطب‭ ‬وجدان‭ ‬القارئ‭ ‬أو‭ ‬عقله”‭.‬

***

أكتب‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ ‬بدافع‭ ‬الاستجابة‭ ‬لرغبة‭ ‬“الجديد”‭ ‬بالحصول‭ ‬على‭ ‬رأيي‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬بدا‭ ‬لي‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬يجنح‭ ‬إلى‭ ‬الإثارة‭ ‬ولا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬العنف،‭ ‬مستنفرا‭ ‬انطباعات‭ ‬كاتبه‭ ‬الخالية‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬تعليل‭ ‬نقدي‭.‬

ولكن‭ ‬على‭ ‬رسلك‭ ‬أيها‭ ‬‭(‬الناقد‭ ‬المقيم‭ ‬في‭ ‬فرجينيا‭/‬أميركا‭)‬‭ ‬لقد‭ ‬ضيقت‭ ‬واسعا‭ ‬يا‭ ‬صاح‭ .‬فأنت‭ ‬لا‭ ‬تنكر‭ ‬على‭ ‬شوقي‭ ‬إمارة‭ ‬الشعر‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬تنكر‭ ‬وجود‭ ‬أيّ‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بالشعر‭ .‬لستُ‭ ‬ناقدا‭ ‬اعتذاريا‭ ‬معجبا‭ ‬بشوقي‭ ‬بلا‭ ‬قيد‭ ‬أو‭ ‬شرط،‭ ‬ولكني‭ ‬أتساءل‭: ‬هل‭ ‬قرأت‭ ‬شعر‭ ‬شوقي‭ ‬المسرحي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬ما‭ ‬يضاهيه‭ ‬في‭ ‬شعر‭ ‬النهضة‭ ‬العربية‭ ‬وما‭ ‬بعدها؟‭ ‬هل‭ ‬قرأت‭ ‬قصائد‭ ‬شوقي‭ ‬الموجهة‭ ‬للأطفال؟‭ ‬ثم‭ ‬هل‭ ‬قرأت‭ ‬نقد‭ ‬أدونيس‭ ‬الاعتراضي‭ ‬لشعر‭ ‬شوقي‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬وليس‭ ‬الحصر؟‭ ‬هل‭ ‬قرأت‭ ‬مقدمة‭ ‬الكتاب‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬“ديوان‭ ‬النهضة”‭ ‬الذي‭ ‬خصصه‭ ‬أدونيس‭ ‬لمختاراته‭ ‬من‭ ‬شعر‭ ‬شوقي؟‭ ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الناقد‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬نقدا‭ ‬يتضمن‭ ‬أحكاما‭ ‬جزافية‭ ‬مبرمة‭ ‬المقدمات‭ ‬والنتائج‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يمرّ‭ ‬حتى‭ ‬مرور‭ ‬الكرام‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬كُتب‭ ‬عن‭ ‬شعر‭ ‬شوقي‭ ‬من‭ ‬نقد‭ ‬عقلاني‭ ‬متميز‭ ‬كنقد‭ ‬أدونيس،‭ ‬الذي‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬شعرية‭ ‬مغايرة‭.‬

هذا‭ ‬النقد‭ ‬الذي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تحجيم‭ ‬شعر‭ ‬شوقي،‭ ‬النقد‭ ‬الاعتراضي‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬شعرية‭ ‬مغايرة‭ ‬والذي‭ ‬كتبه‭ ‬أدونيس‭ ‬منطلقا‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬حداثي،‭ ‬يختتم‭ ‬مقدمته‭ ‬لمختاراته‭ ‬من‭ ‬شعر‭ ‬شوقي‭ ‬قائلا‭: ‬“‮…‬‭ ‬شوقي‭ ‬هنا،‭ ‬شأنه‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شأن‭ ‬الشعراء‭ ‬الذين‭ ‬يصدرون‭ ‬عن‭ ‬النظرة‭ ‬الإسلامية‭-‬العربية،‭ ‬نظرة‭ ‬المعنى‭/‬الأصل،‭ ‬يصدر‭ ‬في‭ ‬كتابته‭ ‬الشعرية‭ ‬عن‭ ‬اللغة‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭ ‬ولذاتها،‭ ‬في‭ ‬ماديتها‭ ‬وروحيتها‭ ‬في‭ ‬آن‭: ‬أي‭ ‬عن‭ ‬وجودها‭ ‬الأصلي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يفقره‭ ‬مرور‭ ‬الزمن،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬يغنيه،‭ ‬وعن‭ ‬قيمها‭ ‬الإيقاعية،‭ ‬الصوتية‭-‬الموسيقية”‭.‬

ويضيف‭ ‬“اللغة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النظرة،‭ ‬لا‭ ‬تأخذ‭ ‬إيقاعها‭ ‬من‭ ‬الواقع،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الواقع،‭ ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يأخذ‭ ‬إيقاعه‭ ‬من‭ ‬اللغة‭ .‬الواقع،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬تاريخيا‭ ‬أو‭ ‬اجتماعيا‭ ‬أو‭ ‬سياسيا،‭ ‬هو،‭ ‬دائما‭ ‬ضيف‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬اللغة”‭.‬

ثم‭ ‬يستطرد‭ ‬“لعل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يخيل‭ ‬لأمثال‭ ‬هؤلاء‭ ‬النقاد‭ ‬الذين‭ ‬يصدرون‭ ‬عن‭ ‬رؤية‭ ‬نقدية،‭ ‬غربية‭ ‬الأسس،‭ ‬أن‭ ‬لغة‭ ‬شوقي‭ ‬هي‭ ‬لغة‭ ‬الماضي‭ ‬لا‭ ‬لغة‭ ‬الحاضر‭ .‬والحق‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬كما‭ ‬يفهمها‭ ‬شوقي،‭ ‬وتعلِّمها‭ ‬النظرة‭ ‬الإسلامية‭-‬العربية،‭ ‬لا‭ ‬ماضي‭ ‬لها،‭ ‬أي‭ ‬ليس‭ ‬لها،‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭ ‬كلغة،‭ ‬ماض‭ ‬ينقضي‭ ‬ويزول،‭ ‬وإنما‭ ‬ماضيها‭ ‬مجرد‭ ‬ماض‭ ‬تأريخي،‭ ‬اصطلاحي‭ .‬فاللغة‭ ‬وجوديا،‭ ‬حاضر‭ ‬مستمر،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬المستقبل‭: ‬إنها‭ ‬الأزمنة‭ ‬الثلاثة‭ ‬موحدة‭ ‬في‭ ‬جذر‭ ‬انبثاقها‭ ‬المتعالي‮…‬”‭.‬

***

‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬لشوقي‭ ‬تظل‭ ‬مبتسرة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬ممثلة‭ ‬بمقاطع‭ ‬من‭ ‬النص‭ ‬الأصلي‭ .‬ما‭ ‬أردته‭ ‬من‭ ‬إيرادها‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬مقال‭ ‬ناقدنا‭ ‬الشاب‭ ‬الثائر‭ ‬على‭ ‬النزعة‭ ‬المركزية‭ ‬المصرية‭ ‬قد‭ ‬اكتفى‭ ‬بإعمال‭ ‬الذوق‭ ‬غير‭ ‬المكتمل،‭ ‬وغير‭ ‬المدرّب،‭ ‬وغير‭ ‬المشفوع‭ ‬بتعليل‭ ‬نقدي،‭ ‬للتوصل‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬خطيرة‭ ‬يضعها‭ ‬مكان‭ ‬الفرضيات‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬براهين،‭ ‬الفرضيات‭ ‬التي‭ ‬تفضي‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬معللة‭ .‬وأعني‭ ‬بالبراهين‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬ذوق‭ ‬دارس‭ ‬للشعر‭ ‬على‭ ‬مقاعد‭ ‬الدراسة‭.‬

لا‭ ‬أنكر‭ ‬هنا‭ ‬قيمة‭ ‬الذوق‭ ‬والتذوق،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬اللافت‭ ‬أن‭ ‬كاتب‭ ‬المقال‭ ‬يبدي‭ ‬إعجابه‭ ‬‭(‬الشديد‭)‬‭ ‬بشعر‭ ‬الشريف‭ ‬الرضي‭ ‬بينما‭ ‬يجرّد‭ ‬شوقي‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬والشاعرية‭ .‬بل‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الإعجاب‭ ‬يصل‭ ‬حد‭ ‬القول‭ ‬بعنف‭ ‬أليق‭ ‬بحلبة‭ ‬للملاكمة‭ ‬أو‭ ‬المصارعة‭ ‬منه‭ ‬بالحديث‭ ‬عن‭ ‬الشعر،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬مفاضلته‭ ‬بين‭ ‬الشريف‭ ‬الرضي‭ ‬ومحمود‭ ‬سامي‭ ‬البارودي‭: ‬“فالبارودي‭ ‬شاعر‭ ‬جزل‭ ‬جيد‭ ‬السبك‭ ‬يحسن‭ ‬اختيار‭ ‬العبارة‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬إذا‭ ‬قارناه‭ ‬بجيله‭ ‬وأجيال‭ ‬كثيرة‭ ‬قبله‭ ‬سادت‭ ‬فيها‭ ‬المحسنات‭ ‬البديعية‭ ‬الفارغة‭ ‬والخواء‭ ‬الجمالي‭ ‬في‭ ‬القصائد‭ .‬بيد‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يدقق‭ ‬جيدا‭ ‬في‭ ‬شعر‭ ‬البارودي‭ ‬يدرك‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬سطو‭ ‬مسلّح‭ ‬على‭ ‬شعر‭ ‬الشريف‭ ‬الرضي‭ .‬البارودي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يستلهم‭ ‬الرضي‭ ‬بل‭ ‬يستنسخه‭ ‬بطريقة‭ ‬لا‭ ‬حياء‭ ‬فيها‮…‬”‭.‬

ويضيف‭: ‬“وهو‭ ‬لم‭ ‬يقدم،‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬سوى‭ ‬شعر‭ ‬تقليدي‭ ‬لا‭ ‬نشعر‭ ‬فيه‭ ‬بخواصه‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬شاعر‭ ‬عمودي‭ ‬مقلّد‭ ‬يكتب‭ ‬الشعر‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يكتبه‭ ‬أسلافه‭ ‬قبل‭ ‬قرون‭ ‬طويلة‭ ‬غابرة‭ .‬أين‭ ‬البارودي؟‮…‬‭ ‬البارودي‭ ‬غير‭ ‬موجود‭! ‬الموجود‭ ‬هو‭ ‬صدى‭ ‬للأقدمين‭ ‬لا‭ ‬أكثر‭ ‬ولا‭ ‬أقل‭..‬”‭.‬

***

تطرقت‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬قراءة‭ ‬النص‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬أصولية‭ ‬طاغية‭ ‬تسيطر‭ ‬عليه،‭ ‬أصولية‭ ‬ذات‭ ‬منزع‭ ‬أيديولوجي‭ .‬وأحسب‭ ‬أن‭ ‬المقاطع‭ ‬المستلة‭ ‬أعلاه‭ ‬تصلح‭ ‬للتدليل‭ ‬على‭ ‬حضور‭ ‬تلك‭ ‬الأصولية‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬جُزافية‭ ‬لا‭ ‬تطابق‭ ‬أيّ‭ ‬واقع‭ ‬تاريخي‭ ‬أو‭ ‬حقيقة‭ ‬نقدية‭ ‬أو‭ ‬معرفية‭ ‬يُعتدّ‭ ‬بها،‭ ‬أصولية‭ ‬تسعى‭ ‬لاستبدال‭ ‬“مركزية‭ ‬مصرية”‭ ‬آفلة‭ ‬بـ”مركزية‭ ‬عراقية”‭ ‬صاعدة‭ ‬تحل‭ ‬محلها‭.‬

وهذا‭ ‬لعمري‭ ‬منتهى‭ ‬العبث‭ ‬غير‭ ‬المسؤول‭ .‬ففي‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬البائس‭ ‬الذي‭ ‬نشهد‭ ‬فيه‭ ‬تدميرا‭ ‬منهجيا‭ ‬للوجود‭ ‬العربي‭ ‬والثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬ويُدفع‭ ‬فيه‭ ‬بالطغيان‭ ‬الطائفي‭ ‬والجهوي‭ ‬والفئوي‭ ‬والقبلي‭ ‬إلى‭ ‬الصدارة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬المقبول‭ ‬الكلام‭ ‬على‭ ‬مركزية‭ ‬تحتل‭ ‬مواقع‭ ‬مركزية‭ ‬أخرى‭ .‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬“المركزية‭ ‬المصرية”‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مركزية‭ ‬فاعلة‭ .‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬تفضيل‭ ‬مركزية‭ ‬أخرى‭ ‬تحل‭ ‬محلها‭.‬

المطلوب‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬الحديث‭ ‬المعلل‭ ‬عن‭ ‬مدارس‭ ‬عراقية‭ ‬وشامية‭ ‬ومصرية‭ ‬ومغربية‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬لا‭ ‬يتناقض‭ ‬مع‭ ‬دعاوى‭ ‬الحداثة‭ ‬التي‭ ‬مازلنا‭ ‬نتشدق‭ ‬بها‭ .‬وإذا‭ ‬أردنا‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬حداثيين‭ ‬فإن‭ ‬علينا‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالتعددية‭ ‬والمغايرة‭ ‬والاختلاف‭.‬


ناقد من سوريا مقيم في لندن