عن‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬مصر.. عندما‭ ‬نحاول‭ ‬أن‭ ‬نستنطق‭ ‬التجربة‭ ‬وفق‭ ‬أهوائنا

انسجاما‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬أعلنت‭ ‬عنه‭ ‬مجلة‭ ‬“الجديد”‭ ‬عند‭ ‬صدور‭ ‬عددها‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬توجه‭ ‬لتكريس‭ ‬ثقافة‭ ‬الحوار‭ ‬واستعادة‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬تجديد‭ ‬حيوية‭ ‬الفكر‭ ‬وإشاعة‭ ‬مناخ‭ ‬الحرية،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحريك‭ ‬المياه‭ ‬الراكدة‭ ‬في‭ ‬بحيرة‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬نشرت‭ ‬المجلة‭ ‬في‭ ‬عددها‭ ‬الخامس‭ ‬والعشرين‭ ‬مقالا‭ ‬للناقد‭ ‬العراقي‭ ‬أثير‭ ‬عادل‭ ‬شواي‭ ‬حول‭ ‬ملف‭ ‬“لماذا‭ ‬يفشل‭ ‬المصريون‭ ‬دائما‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬الشعر”،‭ ‬قدّم‭ ‬فيه‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬قاسية‭ ‬ومطلقة‭ ‬حول‭ ‬واقع‭ ‬التجربة‭ ‬الشعرية‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬قديما‭ ‬وحديثا‭ .‬إن‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يلفت‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المقالة‭ ‬هو‭ ‬الطابع‭ ‬التعميمي‭ ‬والحكم‭ ‬المبرم‭ ‬الذي‭ ‬ينفي‭ ‬فيه‭ ‬أيّ‭ ‬قيمة‭ ‬إبداعية‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬التجربة،‭ ‬ويعتبر‭ ‬رموزه‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬أحمد‭ ‬شوقي‭ ‬أمير‭ ‬الشعراء،‭ ‬مجرد‭ ‬مقلدين‭ .‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬تدعيم‭ ‬وجهة‭ ‬نظره‭ ‬علميا‭ ‬كما‭ ‬يرى،‭ ‬يقدم‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأسباب‭ ‬الجغرافية‭ ‬والثقافية‭ ‬والتاريخية،‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬النتاج‭ ‬الشعري‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المستوى،‭ ‬خلافا‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬الحال‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الشعر‭ ‬العراقي‭.‬

الجديد  مفيد نجم [نُشر في 01/03/2017، العدد: 26، ص(110)]

لوحة: بسام ناصر
تتجاوز ‭ ‬المشكلة‭ ‬عند‭ ‬أثير‭ ‬الطابع‭ ‬التعميمي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬أيّ‭ ‬تجربة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬بعمر‭ ‬وثراء‭ ‬التجربة‭ ‬الشعرية‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬امتداد‭ ‬لثراء‭ ‬التجربة‭ ‬الأدبية‭ ‬والثقافية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬أول‭ ‬مشروع‭ ‬نهضوي،‭ ‬وأول‭ ‬محاولة‭ ‬للتفاعل‭ ‬مع‭ ‬الحداثة‭ ‬الغربية،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬نتيجتها‭ ‬ظهور‭ ‬أعلام‭ ‬النهضة‭ ‬والتجديد‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬والثقافة‭ ‬العربية‭ .‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبته‭ ‬مصر‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬يظهر‭ ‬المغالطات‭ ‬التي‭ ‬وقع‭ ‬فيها‭ ‬الكاتب‭ ‬عندما‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يبرر‭ ‬موضوعيا‭ ‬أسباب‭ ‬حكمه‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المصريين‭ ‬والشعر‭ .‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الكتاب‭ ‬والأدباء‭ ‬والصحافيين‭ ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬الشام‭ ‬للتوجه‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المناخ،‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬ما‭ ‬يذهب‭ ‬إليه‭ ‬الكاتب‭ ‬في‭ ‬استنتاجاته‭ ‬المغلوطة‭.‬

المغالطة‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬يقع‭ ‬فيها‭ ‬أثير‭ ‬حول‭ ‬تبريره‭ ‬لضعف‭ ‬سوية‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬هي‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬الجغرافيا‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬صحيحا‭ ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬الحضارة‭ ‬الفرعونية‭ ‬عمرانا‭ ‬وأدبا‭ ‬وفنا‭ ‬وعلما‭ ‬أن‭ ‬تبلغ‭ ‬هذا‭ ‬المستوى،‭ ‬وأن‭ ‬تحتل‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬المتقدم‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية‭ .‬فهل‭ ‬الجغرافيا‭ ‬التي‭ ‬لعبت‭ ‬دورها‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬نشوء‭ ‬هذه‭ ‬الحضارة،‭ ‬تؤدي‭ ‬دورا‭ ‬عكسيا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الشعر‭ ‬والشعراء‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬خلف‭ ‬فيه‭ ‬الفراعنة‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأشعار‭ ‬والأساطير‭ ‬التي‭ ‬تركت‭ ‬آثارها‭ ‬المعروفة‭ ‬على‭ ‬الثقافتين‭ ‬اليهودية‭ ‬والمسيحية‭ ‬القديمتين؟

تبدو‭ ‬القراءة‭ ‬الانتقائية‭ ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬حالاتها‭ ‬عندما‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬الحاضنة‭ ‬اللغوية‭ ‬والتاريخ‭ ‬وعلاقة‭ ‬الثقافة‭ ‬والتعليم‭ ‬بالسلطة‭ ‬أو‭ ‬علاقتها‭ ‬بالثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تأكيد‭ ‬ما‭ ‬يذهب‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬خلاصات‭ ‬يبرر‭ ‬فيها‭ ‬رأيه‭ ‬حول‭ ‬تدني‭ ‬واقع‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬لكنه‭ ‬ينسى‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬مما‭ ‬يقوله‭ ‬ينسحب‭ ‬على‭ ‬باقي‭ ‬الأقطار‭ ‬العربية‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬العراق‭ ‬لأن‭ ‬مصر‭ ‬الفرعونية‭ ‬التي‭ ‬تحوّل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬سكانها‭ ‬إلى‭ ‬المسيحية‭ ‬قبل‭ ‬وصول‭ ‬الإسلام‭ ‬إليها‭ ‬لا‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬عراق‭ ‬البابليين‭ ‬أو‭ ‬الآشوريين‭ ‬السريان‭ ‬وهي‭ ‬شعوب‭ ‬لها‭ ‬لغتها‭ ‬وثقافتها‭ ‬الخاصة‭ ‬أيضا،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬علاقة‭ ‬الفصحى‭ ‬بالعامية‭ ‬تعد‭ ‬إشكالية‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬اللغة‭ ‬الفصحى‭ ‬رغم‭ ‬انتشار‭ ‬الإسلام‭ ‬أن‭ ‬تلغيها‭.‬

وبينما‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يتخذ‭ ‬من‭ ‬ظهور‭ ‬مدرسة‭ ‬الديوان‭ ‬وجماعة‭ ‬أبولو‭ ‬دليلا‭ ‬على‭ ‬عجز‭ ‬الشعر‭ ‬والثقافة‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬عن‭ ‬إنتاج‭ ‬شعر‭ ‬ثريّ‭ ‬الدلالة‭ ‬ومتطور‭ ‬فنيا،‭ ‬فإنه‭ ‬يغالط‭ ‬نفسه‭ ‬لأن‭ ‬تأثير‭ ‬الشعر‭ ‬والثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬على‭ ‬الشعر‭ ‬والثقافة‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬كان‭ ‬أسبق‭ ‬وأكبر‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬مكان‭ ‬آخر،‭ ‬والتجربة‭ ‬التي‭ ‬قدمتها‭ ‬هاتان‭ ‬المدرستان‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬الشعر‭ ‬المهجري،‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬سيرورة‭ ‬التحول‭ ‬الذي‭ ‬مهّد‭ ‬لظهور‭ ‬تجربة‭ ‬قصيدة‭ ‬التفعيلة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحسب‭ ‬لصالح‭ ‬التجربة‭ ‬الشعرية‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬وليس‭ ‬عليها‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬شعراء‭ ‬مصر‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬توجوا‭ ‬شوقي‭ ‬أميرا‭ ‬للشعراء‭ ‬بل‭ ‬شعراء‭ ‬من‭ ‬الشام‭ ‬والعراق‭ ‬ومصر‭ ‬فهل‭ ‬كانت‭ ‬ذائقة‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشعراء‭ ‬وفهمهم‭ ‬للشعر‭ ‬متخلفة‭ ‬حتى‭ ‬منحوه‭ ‬هذه‭ ‬الإمارة،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الكاتب‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يصحح‭ ‬التاريخ‭ ‬الشعري‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬ذائقته‭ ‬الخاصة‭ ‬ورؤيته‭ ‬للشعر‭ .‬والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬برموزها‭ ‬الكثيرة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬أو‭ ‬مصر‭ ‬أو‭ ‬الشام‭ ‬تتباين‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القيمة‭ ‬والمستوى،‭ ‬ولو‭ ‬أردت‭ ‬شخصيا‭ ‬أن‭ ‬أقرأ‭ ‬شعر‭ ‬الجواهري‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لما‭ ‬وجدته‭ ‬يتعدى‭ ‬توظيف‭ ‬خزينه‭ ‬الشعري‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬قصائده،‭ ‬وقد‭ ‬ظلّ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحال‭ ‬رغم‭ ‬معاصرته‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬من‭ ‬شعراء‭ ‬الحداثة،‭ ‬فهل‭ ‬يصح‭ ‬أن‭ ‬أحكم‭ ‬على‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شعره‭ .‬من‭ ‬حق‭ ‬أثير‭ ‬ألا‭ ‬يعجب‭ ‬بشعر‭ ‬شوقي‭ ‬أو‭ ‬حافظ‭ ‬إبراهيم‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نضع‭ ‬العربة‭ ‬أمام‭ ‬الحصان،‭ ‬ثم‭ ‬نحاول‭ ‬أن‭ ‬نبرهن‭ ‬على‭ ‬صحة‭ ‬ذلك‭.‬

لا‭ ‬أحد‭ ‬ينكر‭ ‬أهمية‭ ‬شعر‭ ‬شوقي‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬حركة‭ ‬التجديد‭ ‬الكلاسيكية،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬ينكر‭ ‬أهمية‭ ‬تجربة‭ ‬صلاح‭ ‬عبدالصبور‭ ‬ولا‭ ‬محمد‭ ‬عفيفي‭ ‬مطر‭ ‬أو‭ ‬أمل‭ ‬دنقل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تجربة‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭ .‬أما‭ ‬بخصوص‭ ‬التأثر‭ ‬والتأثير‭ ‬فهذه‭ ‬ظاهرة‭ ‬طبيعية‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬منها‭ ‬تجربة‭ ‬داخل‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬التي‭ ‬عكست‭ ‬في‭ ‬قيمها‭ ‬الجمالية‭ ‬والنفسية‭ ‬والفكرية‭ ‬ملامح‭ ‬تتقاطع‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والعراق‭ ‬والشام‭ ‬نظرا‭ ‬للسياق‭ ‬الثقافي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬التي‭ ‬عبّرت‭ ‬هذه‭ ‬الحركة‭ ‬عنه‭.‬

إن‭ ‬مقارنة‭ ‬موضوعية‭ ‬بين‭ ‬واقع‭ ‬التجربة‭ ‬الأدبية‭ ‬والفكرية‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬وغيرها‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬تظهر‭ ‬تقدم‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬على‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬أقطار‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬والأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬كثيرة‭ ‬حتى‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الحركة‭ ‬السياسية‭ .‬ولو‭ ‬أخذنا‭ ‬تجربة‭ ‬الكتابة‭ ‬الروائية‭ ‬والقصصية‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لوجدنا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬ترسّخ‭ ‬جذورها‭ ‬وتراكم‭ ‬منجزها،‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الأدبي‭ ‬العربي‭ ‬تتلمس‭ ‬طريقها‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬عليها،‭ ‬ومن‭ ‬الإجحاف‭ ‬نكران‭ ‬ذلك‭.‬

والغريب‭ ‬في‭ ‬أطروحات‭ ‬الكاتب‭ ‬أنها‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تجرّد‭ ‬الشعر‭ ‬الفصيح‭ ‬والعامي‭ ‬معا‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬من‭ ‬شعريته،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬استطاع‭ ‬فيه‭ ‬شعراء‭ ‬العامية‭ ‬المصرية‭ ‬كسيد‭ ‬حجاب‭ ‬والأبنودي‭ ‬وأحمد‭ ‬فؤاد‭ ‬نجم‭ ‬والشرقاوي‭ ‬وغيرهم‭ ‬أن‭ ‬يدخلوا‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬بيت‭ ‬عربي‭ ‬تقريبا،‭ ‬فكيف‭ ‬استقام‭ ‬لأثير‭ ‬أن‭ ‬يسلب‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬المنجز‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬شعريته،‭ ‬وأن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وصل‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬أحكام‭ ‬قطعية‭ ‬ومبرمة‭ ‬بحق‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬المتقدمة‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬العامي‭ ‬العربي‭.‬

إن‭ ‬النهضة‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬استقطبت‭ ‬الكتّاب‭ ‬والشعراء‭ ‬والصحافيين‭ ‬العرب،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬الشام،‭ ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬الحاضنة‭ ‬التي‭ ‬أشاعتها‭ ‬الثقافة‭ ‬الليبرالية‭ ‬والنهضة‭ ‬الثقافية‭ ‬هناك،‭ ‬لما‭ ‬وجد‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأدباء‭ ‬حافزا‭ ‬في‭ ‬القدوم‭ ‬إليها‭ ‬والمشاركة‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المناخ‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬إثراء‭ ‬الحياة‭ ‬الفكرية‭ ‬والثقافية‭ ‬فيها‭ .‬لذلك‭ ‬ما‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬أثير‭ ‬منه‭ ‬حجة‭ ‬لسلب‭ ‬هذه‭ ‬الحاضنة‭ ‬الثقافية‭ ‬قيمتها‭ ‬ودورها‭ ‬المشهود،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬حقيقته‭ ‬برهان‭ ‬على‭ ‬تقدم‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬واستيعاب‭ ‬أيّ‭ ‬جهد‭ ‬أو‭ ‬مساهمة‭ ‬ثقافية‭ ‬عربية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬انفتاحها‭ ‬وتفاعلها‭ ‬الإيجابي‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬ماثلا‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬مع‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬ورموزها‭ ‬بصورة‭ ‬عامة‭.‬

لقد‭ ‬شكلت‭ ‬مصر‭ ‬تاريخيا‭ ‬نقطة‭ ‬استقطاب‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب،‭ ‬ساهم‭ ‬موقعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬والحضاري‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تلعب‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬الريادي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية‭ ‬والسياسية‭ ‬فيها‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحا‭ ‬وتفاعلا‭ ‬مع‭ ‬محيطها‭ ‬العربي‭ ‬والأوروبي،‭ ‬عززته‭ ‬قيم‭ ‬الثقافة‭ ‬الليبرالية‭ ‬السائدة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬الحواضن‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬محكومة‭ ‬بطابع‭ ‬العلاقات‭ ‬التقليدية‭ ‬المحافظة،‭ ‬ولا‭ ‬ننسى‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبته‭ ‬الجاليات‭ ‬الإيطالية‭ ‬واليونانية‭ ‬والانكليزية‭ ‬واليهودية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬هذه‭ ‬المظاهر‭ ‬وإثراء‭ ‬الثقافة‭ ‬والفن‭ ‬هناك‭ .‬كذلك‭ ‬لعب‭ ‬الاتصال‭ ‬المبكّر‭ ‬بالغرب‭ ‬والحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬منذ‭ ‬حملة‭ ‬نابليون‭ ‬ومشروع‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬النهضوي‭ ‬دوره‭ ‬الهام‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬وإغناء‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية‭ .‬لقد‭ ‬أسهم‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬وخلق‭ ‬حاضنة‭ ‬ثقافية‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬الآداب‭ ‬والفنون‭ ‬هناك‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬الرواية‭ ‬والمسرح،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬ينكر‭ ‬ريادة‭ ‬مصر‭ ‬وتقدمها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬فهل‭ ‬كان‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬يتحرك‭ ‬وينمو‭ ‬خارج‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬أم‭ ‬داخله،‭ ‬وبالتالي‭ ‬كيف‭ ‬يتطور‭ ‬هذا‭ ‬الجنس‭ ‬الأدبي‭ ‬بينما‭ ‬تتعثر‭ ‬ولادة‭ ‬جنس‭ ‬آخر‭ ‬لم‭ ‬تنقطع‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬صلته‭ ‬العميقة‭ ‬بحاضنته‭ ‬الثقافية‭ ‬العربية؟


ناقد من سوريا مقيم في أبوظبي