التين‭ ‬والزيتون

الجديد  محمد خشان [نُشر في 01/03/2017، العدد: 26، ص(122)]

لوحة: عمار النحاس
‬تعال معي‭ ‬نتجول‭ ‬في‭ ‬أربع‭ ‬جهات‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بقريتي‭ ‬“سحماتا”،‭ ‬نتعرف‭ ‬على‭ ‬تينها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أنسى‭ ‬زيتونها‭ ‬وأنواعه‭ ‬وصبرها‭ ‬وأنواعه،‭ ‬ولكني‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العجالة‭ ‬أقتصر‭ ‬على‭ ‬التين‭ ‬فمعرفتي‭ ‬به‭ ‬أوثق،‭ ‬ومذاقه‭ ‬في‭ ‬فمي‭ ‬أوضح‭ ‬وتسلقي‭ ‬لأشجاره‭ ‬أكثر،‭ ‬وما‭ ‬لاقيته‭ ‬من‭ ‬أذى‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬عليه‭ ‬أكبر‭.‬

لا‭ ‬تستعجل‭ ‬تذوق‭ ‬لذيذ‭ ‬طعمه‭ ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نزال‭ ‬في‭ ‬الربيع‭ ‬وهو‭ ‬الفصل‭ ‬الذي‭ ‬يختاره‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬لإقامة‭ ‬الأفراح‭ ‬والليالي‭ ‬الملاح‭ .‬ومن‭ ‬حسن‭ ‬حظنا‭ ‬أن‭ ‬نرافق‭ ‬العريس‭ ‬في‭ ‬“الطوفة”‭ ‬من‭ ‬الرحبة‭ ‬إلى‭ ‬بيادر‭ ‬تين‭ ‬الحوز‭ .‬وبما‭ ‬أنني‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬أوثق‭ ‬للعرس‭ ‬بل‭ ‬للتين،‭ ‬فها‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬البيادر‭ ‬حيث‭ ‬كروم‭ ‬تين‭ ‬الحوز‭ .‬أشجار‭ ‬وارفة‭ ‬الظلال‭ ‬تفسح‭ ‬صدرها‭ ‬لشيوخ‭ ‬القرية‭ ‬يستريحون‭ ‬في‭ ‬ظلالها‭ ‬المباركة‭ ‬تاركين‭ ‬الشباب‭ ‬والصبايا‭ ‬في‭ ‬حلقات‭ ‬الدبكة،‭ ‬وهذا‭ ‬المكان‭ ‬هو‭ ‬الأنسب‭ ‬للأعراس‭ .‬بيادر‭ ‬خضراء‭ ‬فسيحة‭ ‬وجميلة‭ ‬وظلالٌ‭ ‬كريم‭ ‬ونسيم‭ ‬عليل‭ .‬أقول‭ ‬هذا‭ ‬لأنّي‭ ‬حضرت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عرسين‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬هذا‭ ‬المكان،‭ ‬أحدهما‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬القرية‭ ‬وتحت‭ ‬أشجار‭ ‬الزيتون،‭ ‬وأمامه‭ ‬الشارع‭ ‬العام‭ .‬وعرسٌ‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬القرية‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬الدراس‭ ‬والتذرية‭ .‬لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬العِرسان‭ ‬كانوا‭ ‬سعداء‭ ‬أما‭ ‬أنا‭ ‬فاستشعرت‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬عرسٍ‭ ‬وعرس‭.‬

هكذا‭ ‬كانت‭ ‬شجرة‭ ‬التين‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬أفراحنا‭ ‬وأعراسنا‭ ‬وسعادتنا‭ .‬وحيث‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬التذرية‭ ‬والمحصول‭ ‬من‭ ‬قمح‭ ‬وشعير‭ ‬وعدس‭ ‬وغيره‭ ‬فهو‭ ‬أيضاً‭ ‬موسم‭ ‬التين‭ .‬لا‭ ‬تظن‭ ‬أنني‭ ‬سأسجل‭ ‬هنا‭ ‬جميع‭ ‬كروم‭ ‬التين‭ ‬وعدد‭ ‬أشجاره،‭ ‬بل‭ ‬أكتفي‭ ‬بنظرة‭ ‬طائرة‭ ‬على‭ ‬أماكن‭ ‬مختلفة‭ ‬والتي‭ ‬تركت‭ ‬أثرا‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬ومذاقاً‭ ‬في‭ ‬فمي‭.‬

فهناك‭ ‬تين‭ ‬البلّانة‭ ‬وهو‭ ‬مشهور‭ ‬بجودته‭ ‬ومذاقه‭ ‬وهو‭ ‬يقع‭ ‬شرقي‭ ‬البلد،‭ ‬وهو‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أذكر‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬“الشحماني‭ ‬أو‭ ‬البياضي”‭ ‬والكرم‭ ‬الأشهر‭ ‬هو‭ ‬كرم‭ ‬يوسف‭ ‬حمادة‭ .‬وفي‭ ‬الناحية‭ ‬الشرقية‭ ‬الجنوبية‭ ‬أيضا‭ ‬كروم‭ ‬واسعة‭ ‬تمتد‭ ‬من‭ ‬بيادر‭ ‬الحارة‭ ‬التحتا‭ ‬وطريق‭ ‬العين‭ ‬إلى‭ ‬تين‭ ‬حمودة‭ ‬وجواره،‭ ‬من‭ ‬أسماءٍ‭ ‬كثيرة‭ ‬غابت‭ ‬عن‭ ‬الذاكرة،‭ ‬ولكني‭ ‬أذكر‭ ‬هنا‭ ‬عامود‭ ‬تين‭ ‬“حْماري”‭ ‬في‭ ‬كرم‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬تين‭ ‬حمودة‭ .‬وهناك‭ ‬شجرة‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬نوعه‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬شكل‭ ‬ثمرها‭ ‬يشبه‭ ‬شكل‭ ‬الإجاصة‭ ‬ويجاور‭ ‬أرضنا‭ ‬كروم‭ ‬العين‭ ‬عامود‭ ‬“حْماري”‭ ‬أظنه‭ ‬لدار‭ ‬أيوب‭.‬

وفي‭ ‬كرمنا‭ ‬كرم‭ ‬البيدر‭ ‬أو‭ ‬تين‭ ‬عباس‭ ‬شجرة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬“الخْضاري”،‭ ‬كنت‭ ‬أتسابق‭ ‬أنا‭ ‬وابن‭ ‬عمي‭ ‬إلى‭ ‬قطف‭ ‬ثمرها‭ ‬فليس‭ ‬في‭ ‬الكرم‭ ‬غيرها‭ .‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬هذا‭ ‬الكرم،‭ ‬كرم‭ ‬تين‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬”‭ ‬البُقراطي”‭ ‬لسليم‭ ‬دوخي‭ ‬عم‭ ‬والدي‭ ‬وأشجاره‭ ‬كبيرة‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬ثار‭ ‬شجارٌ‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬جدي‭ ‬عندما‭ ‬ضبطني‭ ‬متسلقاً‭ ‬إحدى‭ ‬أشجاره‭.‬

وأذكر‭ ‬شجرة‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬“الشامي”‭ ‬وأخرى‭ ‬من‭ ‬“السْوادي”‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬درب‭ ‬الدورة‭ ‬لخالتي‭ ‬تمام‭ ‬عزام‭ ‬ولأخويها‭ .‬وأذكر‭ ‬شجرة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬البْياضي‭ ‬أظنها‭ ‬إلى‭ ‬الشرق‭ ‬من‭ ‬القلعة‭ ‬في‭ ‬الحارة‭ ‬الفوقا‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يفوتني‭ ‬أن‭ ‬أذكر‭ ‬تينة‭ ‬“شْتاوية”‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬الشيخ‭ ‬يحيى‭ ‬الجِشّي‭ ‬وقد‭ ‬رأيته‭ ‬يجلس‭ ‬تحتها‭ ‬وكنت‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬الابتدائي‭ ‬الأول،‭ ‬فكتبَ‭ ‬حرف‭ ‬ميم‭ ‬“م”‭ ‬وقال‭ ‬ما‭ ‬هذا؟‭ ‬فقلت‭ ‬“إم”،‭ ‬فقال‭: ‬شو‭ ‬إمّك؟

كان‭ ‬شيخاً‭ ‬خفيف‭ ‬الظل‭ ‬ومهيباً‭ ‬وتقياً‭ ‬وكان‭ ‬والدي‭ ‬عندما‭ ‬تتأخر‭ ‬دابة‭ ‬ولا‭ ‬تأتي‭ ‬بعد‭ ‬المساء‭ ‬يعطيني‭ ‬سكيناً‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬ينطوي‭ ‬ويقول‭ ‬لي‭: ‬روح‭ ‬لعند‭ ‬الشيخ‭ ‬يحيى‭ ‬يربطلك‭ ‬ثِمْ‭ ‬“فم”‭ ‬الوحش‭ .‬وكنت‭ ‬آخذ‭ ‬السكين‭ ‬ويفتحها‭ ‬الشيخ‭ ‬يحيى‭ ‬ويقرأ‭ ‬عليها‭ ‬ويقول‭ ‬لي‭: ‬لا‭ ‬تفتحها‭ .‬الناس‭ ‬تؤمن‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬أكل‭ ‬الوحوش‭ ‬للدابة‭ .‬والوحوش‭ ‬كثيرة‭ ‬ذئابٌ‭ ‬وضباع‭ ‬وغيرها‭ .‬الذي‭ ‬أعرفه‭ ‬أنه‭ ‬تأخرت‭ ‬لنا‭ ‬دابة‭ ‬حمارة‭ ‬وربطتُ‭ ‬فم‭ ‬الوحش‭ ‬عنها‭ .‬ذهبت‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬أبحث‭ ‬عنها‭ ‬حيث‭ ‬تأخرَتْ‭ ‬ولم‭ ‬ينتبه‭ ‬لها‭ ‬الراعي‭ .‬وجدتها‭ ‬تحت‭ ‬شجرة‭ ‬زيتون‭ ‬حوالي‭ ‬العاشرة‭ ‬صباحاً‭ .‬كانت‭ ‬واقفة‭ ‬لا‭ ‬تتحرك‭ ‬كمن‭ ‬يخشى‭ ‬شراً،‭ ‬ركبتها‭ ‬وجئت‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ .‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أوحي‭ ‬بشيء‭ ‬وإنما‭ ‬أروي‭ ‬أحداثاً‭.‬

هذا‭ ‬الشيخ‭ ‬الجليل‭ ‬والذي‭ ‬رأيت‭ ‬عنده‭ ‬جرن‭ ‬قهوة‭ ‬ومحماسة‭ ‬وكتباً‭ ‬قرأت‭ ‬منها‭ ‬بعض‭ ‬صفحة‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬كليلة‭ ‬ودمنة‭ ‬ولم‭ ‬تعجبني‭ .‬فقد‭ ‬اصطدمت‭ ‬بكلمات‭ ‬مثل‭ ‬دبشليم‭ ‬وبيدبا‭ ‬فأعدت‭ ‬الكتاب‭ ‬إلى‭ ‬مكانه‭ ‬في‭ ‬طاقة‭ ‬في‭ ‬جدار‭ ‬البيت‭.‬

أقول‭ ‬الشيخ‭ ‬يحيى‭ ‬يستظل‭ ‬شجرة‭ ‬التين‭ ‬الشتاوي‭ ‬وهي‭ ‬شجرة‭ ‬كبيرة‭ ‬تلفت‭ ‬النظر‭ ‬وقد‭ ‬سمعت‭ ‬أنه‭ ‬قال‭: ‬سيحتل‭ ‬اليهود‭ ‬البلد‭ ‬ودعا‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يموت‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يراهم،‭ ‬فمات‭ ‬قبل‭ ‬الاجتياح‭ ‬بثلاثة‭ ‬أيام‭ ‬إذا‭ ‬صحّت‭ ‬ذاكرتي‭.‬

كما‭ ‬أسجل‭ ‬هنا‭ ‬شجرة‭ ‬التين‭ ‬التي‭ ‬خلف‭ ‬بيت‭ ‬توفيق‭ ‬العبد‭ ‬قدورة‭ ‬وقد‭ ‬تسلقتها‭ ‬أفعى‭ ‬وأطلق‭ ‬عليها‭ ‬العبد‭ ‬شَرَف‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬“الغُضباء”‭ ‬النار‭ ‬من‭ ‬مسدسهِ‭ ‬وقتلها‭.‬

وقبل‭ ‬أن‭ ‬أنسى‭ ‬أذكر‭ ‬شجرة‭ ‬التين‭ ‬التي‭ ‬استقرت‭ ‬فوق‭ ‬عين‭ ‬النمر‭ ‬في‭ ‬وادي‭ ‬الحبيس‭ ‬وهي‭ ‬الأكبر‭ ‬التي‭ ‬رأيتها‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ .‬كما‭ ‬لا‭ ‬يفوتني‭ ‬أن‭ ‬أذكر‭ ‬شجرات‭ ‬من‭ ‬التين‭ ‬“الشماطي”‭ ‬وثمره‭ ‬أكبر‭ ‬أنواع‭ ‬التين،‭ ‬تكون‭ ‬الواحدة‭ ‬بحجم‭ ‬الإجاصة‭ .‬رأيت‭ ‬وتذوقت‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬شجرات‭ ‬قرب‭ ‬بيت‭ ‬الشيخ‭ ‬محمود‭ ‬الجشّي‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬الفرعي‭ ‬المؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الشارع‭ ‬الرئيسي‭.‬

وعليّ‭ ‬أن‭ ‬أذكر‭ ‬هنا‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬تطعيم‭ ‬شجرة‭ ‬التين‭ ‬بأنواع‭ ‬مختلفة،‭ ‬فتستطيع‭ ‬أن‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬سلة‭ ‬تين‭ ‬أنواعه‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬شجرة‭ ‬واحدة‭ .‬كروم‭ ‬واسعة‭ ‬ومباركة‭ ‬سجّلت‭ ‬بعض‭ ‬الأشجار‭ ‬التي‭ ‬ربطتني‭ ‬بها‭ ‬علاقة‭ ‬ما،‭ ‬فهناك‭ ‬تين‭ ‬الحوز،‭ ‬وتين‭ ‬البيادر،‭ ‬وتين‭ ‬البياضة،‭ ‬وتين‭ ‬حمودة،‭ ‬وتين‭ ‬نشوان،‭ ‬وتين‭ ‬البلّانة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أذكره‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭.‬

هذه‭ ‬ثمار‭ ‬بلادنا‭ ‬التي‭ ‬أُخرِجنا‭ ‬منها‭ ‬بالقوة‭ ‬والبطش‭ ‬وها‭ ‬أنا‭ ‬يذهب‭ ‬بي‭ ‬العمر،‭ ‬ولكن‭ ‬أرضي‭ ‬تبقى‭ ‬أرضي‭ ‬وأرض‭ ‬أبنائي‭ ‬وأحفادي‭ .‬بتينها‭ ‬وزيتونها‭ ‬وسهلها‭ ‬وجبلها،‭ ‬بوديانها‭ ‬وغدرانها،‭ ‬بكل‭ ‬ذرة‭ ‬ترابٍ‭ ‬فيها‭ ‬مقدسةٌ‭ ‬هي‭ ‬مقدسة‭ .‬سلام‭ ‬على‭ ‬فلسطين‭.‬

‭*‬‭ ‬المنشور‭ ‬فصل‭ ‬من‭ ‬مذكرات‭ ‬ويوميات‭ ‬بعنوان‭ ‬“جولة‭ ‬في‭ ‬الجليل‭ ‬الأعلى”


كاتب من فلسطين