نقد سياسة الاعتراف

الجماعات والهوية الوطنية والعلاقة الديمقراطية

الجديد  علي رسول حسن الربيعي [نُشر في 01/04/2017، العدد: 27، ص(16)]

لوحة: علا الأيوبي
إنً أحدى السمات الأكثر بروزا للسياسة في عصرنا هو تنامي طلب الجماعات الثقافية المختلفة الاعتراف لها بهوية خاصة تميزها. المطلب الأساس هو أن ينفتح النظام السياسي الديمقراطي تجاه هذه الجماعات، ويتخلّى عن السياسات والإجراءات التي تضرّ بهم أو تتجاهلهم، وأن يتم الاعتراف بهم على قدم المساواة مع حاملي الهويات الثقافية للأغلبية أو السائدة.

السؤال هنا ما هو حجم الاعتراف المطلوب، كيف ينشأ، ما إذا كان ذلك مُبرراً طبقاً لشروطه الخاصة، وعمّا إذا سيكون الإجماع عليه متوافقًا مع الحفاظ على الشروط السياسة للديمقراطية الناجحة؟ سنتناول هنا العلاقة بين الهويات الجماعية والهوية الوطنية في إطار ديمقراطي. لكني أيضا سأقدم نقدا لفلسفة أو سياسة الاعتراف من وجهة نظر فلسفة الجمهورية.

سياسة الاعتراف

تتجاوز سياسة الاعتراف التسامح كما فُهمَ في المجتمعات الليبرالية. تنطوي سياسة التسامح على ترك الجماعات أحرارًا في تأكيد هوياتهم والتعبير عن قيمهم الثقافية خاصةً. ويكون دور الدولة هنا سلبيًا: إذ لا ينبغي لها إجبار الأقليات على التكيّف وإطاعة ثقافة السائدة، ولا أن تُقيم الحواجز التي تُعيق ازدهار ثقافات تلك الأقليات. إضافة إلى ذلك، تقع على الدولة مسؤولية إيجابية أيضا هي حماية ثقافات الأقليات عندما يجد أعضاء تلك الأقليات أنفسهم في منافسة غير متكافئة مع الثقافة السائدة. لكن يعتبر هذا غير كاف بالنسبة إلى مؤيدي سياسة الاعتراف، لأنه يحاصر الجماعات في مجالها الخاص، ولا يوفر لها فرصة الحصول على تأييد الفضاء العام لهوياتها الخاصة. فالفضاء العام -طبقا لرأي مؤيدي الاعتراف- يخضع للقواعد التي تبدو عامة ومحايدة ثقافيا، لكنها في حقيقة الأمر تعكس القيم الثقافية للفئات الاجتماعية المهيمنة، تقول آرز موران يونغ بوصفها من أبرز المدافعين عن سياسة الاعتراف (في كتابها العدالة وسياسة الاختلاف الذي سأعود إليه دائماً) تقدم وجهة نظر الذين يتمتعون بالامتياز تجربتهم ومعاييرهم الخاصة كشيء معتاد ومحايد. وإذا اختلفت تجربة بعض الجماعات عن هذه التجربة المحايدة، أو أنها لا ترقى إلى معاييرها، ينظر لاختلافهم على أنه قد بُنيَ على نحو منحرف وذو منزلة أدنى. ليس فقط يتم تجاهل وكتم تجربة وقيم المضطهدين، لكنهم يصبحون في وضع غير مُواتِ بسبب هوياتهم.

إذن، من هذا المنظور، لا يمكن أن تنشأ الفرص المتكافئة للمجموعات المختلفة التي يأمل الليبراليون خلقها من خلال سياسات التسامح. فالمطلوب بدلاً من ذلك أن يحدث تحول في المجال السياسي ومن خلال ثلاثة جوانب رئيسة:

أولاً، تطهير المجال السياسي من الإجراءات والرموز والمعايير التي تجسد قيم المجموعات التي هيمنت حتى الآن. فعلى سبيل المثال لا ينبغي أن تـُقتصر السياسة على لغة مجموعة الأغلبية في مجتمع ثنائي اللغة. أو إعطاء أيّ دين معين امتياز خاص في الفضاء العام.

ثانياً، أن تشارك الجماعات في المجال السياسي على أساس مبدأ المساواة وتشجيعها على تأكيد هوياتها الخاصة ووجهات نظرها في سياق القيام بذلك. فمن ناحية أولى، يتطلب هذا الأمر الوجود الفعلي لأعضاء كل جماعة في المحافل السياسية كالمجالس التشريعية وغيرها، وبأعداد كافية حتى يكون وجودهم كبيرًا ومؤثراً. من ناحية أخرى، أن تشارك تلك الجماعات ليس تبعًا للشروط التي حدّدتها الجماعات الأخرى والتي قد لا تأخذ شكلاً علنياً، ولكن وفقا للوسائل التي تتطلبها تجربتهم الخاصة. يبنى على هذا حق الجماعات في أن تنظم نفسها بشكل مستقل. ربما يكون هذا التنظيم ضروريًا لهذه الجماعات من أجل اكتشاف وتعزيز إيجابيات وخصوصية تجربتهم الذاتية. يحقّ لأعضاء الجماعة مناقشة وتحديد احتياجاتهم ومصالحهم الخاصة. ثم نقل تلك المصالح والاحتياجات إلى المجال السياسي وتُعرض على الجماعات الأخرى التي كانت قد عرضت وأوصلت وجهات نظرها الخاصة بطريقة مماثلة.

ثالثا، أن تراعي السياسات التي تنبثق عن دوائر صنع القرار السياسي حساسية الاختلافات بين الجماعات باستبعاد أيّ إجراءات بسيطة ومباشرة لحساب الأغلبية في اتخاذ القرارات. يحق للجماعات الإصرار على سياسة معينة بوصف نتائجها ضرورية لاحترامهم الذاتي ورفاهيتهم، وهذا ما قد يبرر منحهم حق النقض في المجالات السياسية هذه، إذ قد لا تكون المعاملة المتساوية كافية في ظروف تتأثر بها الجماعات المختلفة بشكل غير متكافئ في السياسية التي تم اختيارها.

تُلخص يونغ "سياسات الاختلاف" التي تؤيدها على النحو التالي åينبغي على الجمهور الديمقراطي أن يُقدم آليات للاعتراف والتمثيل الفعال للأصوات ووجهات النظر المميزة لتلك الجماعات المكونة من المضطهدين والمحرومين. يتضمن تمثيل الجماعة هذا، الآليات المؤسّسية والموارد العامة الداعمة (1) التنظيم الذاتي لأعضاء الجماعة بحيث يمكنهم من الإنجاز الجماعي لقدراتهم وفهمهم وخبراتهم ومصالحهم الجماعية في سياق المجتمع؛ (2) التحليل الجماعي وتوليد مجموعة من سياسات مقترحة في سياق مؤسساتي حيث يلزم صناع القرار بإثبات أنهم قد أخذوا بالاعتبار وجهات نظر الجماعة؛ (3) للجماعة حق الفيتو تجاه السياسات التي تؤثر عليهم مباشرةò.

يمكننا إلقاء مزيد من الضوء على سياسة الاعتراف من خلال كشف وجوه اختلافها عن نموذجين في السياسة الديمقراطية. الأول هو تعدّد مصالح الجماعة التي ترى في الدولة الديمقراطية ساحة لاختلاف تلك المصالح حيث يفاوضون ويساومون بعضهم البعض في إطارها، وما ينتج عن ذلك في نهاية المطاف يمثل السياسة التي تُقيم تسوية عادلة بين مختلف مطالب الجماعات. وتذهب سياسة الاعتراف أبعد من ذلك في طريقين. الأوّل، مع أنّ تعدد مصالح الجماعة تواجه المشكلات التي يسببها واقع أنّ الجماعات المختلفة يتاح لها قدر غير متساو من المصادر التي تؤهلها لدخول الساحة السياسية، إلا أنها تفترض أن المؤسسات السياسية يمكن أن تكون محايدة بين الجماعات: بعد إتمام تحقيق هذا الدخول يعتمد نجاح كل جماعة على قوة مساومتها وقدرتها على تشكيل تحالفاتها. في المقابل، ترى سياسة الاعتراف أن الفضاء العام يتجسّد في معايير تعتبر بعض الجماعات ذات وجود شرعي ومقبول، وأخرى منحرفة عن تلك المعايير. وعليه لا تُحلّ مشكلة الجماعات التي تندرج في فئة المنحرفة في حق دخول المجال السياسي فقط، ولكن في الحصول على اعتراف بشرعية هوية الجماعة التي يمثلونها أيضاً، والتي تنطوي على تحدي المعايير السائدة المتعلقة بتحديد من الذي يـُنظر له ويعوّل عليه كمواطن صالح. الثاني، ينطلق تُصوّر تعدد مصالح الجماعات من رأي يقول بإمكان وصول هذه الجماعات فيما بينها إلى اتفاق حول مطالبها مما ينعكس في تسوية سياسية منصفة تحفظ مصالحهم. تميل سياسة الاعتراف، من ناحية أخرى، إلى إعادة التوزيع (توزيع الفرص والمناصب والثروة وغيرها) لصالح تلك الجماعات التي اعتبرتها محرومة أو مضطهدة، لكن على كلّ جماعة أن تقدم تفسيرا لاحتياجاتها وأن يكون لهذه الاحتياجات وزنا أخلاقا أو ثقلا معنويا عند أعضاء الجماعات الأخرى. بعبارة أخرى، أن تحكم النقاش السياسي حول هذا النموذج قواعد العدالة بما يعود بالمنفعة على الجماعات المختلفة.

تنطوي سياسة التسامح على ترك الجماعات أحرارًا في تأكيد هوياتهم والتعبير عن قيمهم الثقافية خاصةً. ويكون دور الدولة هنا سلبيًا: إذ لا ينبغي لها إجبار الأقليات على التكيّف وإطاعة ثقافة السائدة

النموذج الثاني من السياسة الديمقراطية الذي يغاير سياسة الاعتراف هو النموذج الجمهوري. تقع على الأفراد الناشطين في المنتظمات السياسية، طبقا لهذا النموذج، تبنّي الهوية الوطنية الجامعة والتي تتجاوز هوياتهم الفئوية كأفراد أقليات طوائفية (دينية أو عرقية)، وغيرها. فمن المهم بالنسبة إلى السياسة الديمقراطية أن تكون جميع وجهات النظر ممثلة في الساحة السياسية، ومن أجل الوصول إلى قرارات سياسية عادلة ومتفق عليها على المواطنين أن يتركوا التزاماتهم الشخصية وانتماءاتهم جانبا ويحاولوا تقييم المطالب المتنافسة اعتمادا على مدى استيفائها المعايير المشتركة للعدالة والمصالح. يجد هذا النموذج تعبيره الأكثر وضوحاً وربما الأكثر تشدداً في مطلب روسو بمنع جميع العصبيات في الجمعية التشريعية من أجل أن تظهر الإرادة العامة. تزعم سياسة الاعتراف أن العمومية التي يطالب بها الجمهوريون زائفة، وأن المعايير التي افترضت أنها توجه النقاش العام ستكون في الواقع هي المعايير التي تمّت برعاية الجماعات القوية القائمة. ولا يوجد سبب وجيه أن يضع أعضاء كل جماعة هوياتهم الخاصة جانباً عند المشاركة في المحافل السياسية. لأن سيكون ذلك استسلامًا لهوية مواطنة مصطنعة التجانس. تقول يونغ، بالضد من النموذج الجمهوري، إن سياسة الاختلاف تعبّر عن مفهوم لجمهور åلا يفترض ضمنًا التجانس أو يتبنى بعض وجهات نظر عامة وواحدة في جميع الأحوال والأمكنة.. إذن ينبغي على المشاركين الديمقراطيين، ومن أجل تعزيز سياسة الاندماج، تأييد تصور جمهور غير متجانس، يعترف باختلاف مواقف الأشخاص ويحترمها، على الرغم من أنها ربما تبدو غير متفهمة تماما، من قبل الآخرين.

إن سياسة الهوية التي وصفتها تمتلك أوجها رمزيةً وماديةً، إنها تنطوي، من ناحية أولى، على اعتراف عام بالهويات الجماعية، وعلى كسب الشرعية للهويات العرقية أو الدينية أو الجنسية التي، وفقا لأنصارها، قد جرت العادة على اعتبارها أقل شأنا من الهوية المهيمنة. وتنطوي من ناحية أخرى على إعادة توزيع الموارد لهذه الجماعات في شكل برامج عملية وثقافية ذات مردودية إيجابية للأقليات. لذلك سيكون من السخرية، القول بأن مفهوم السياسة الذي تنطوي عليه سياسة الهوية ضمنًا هو مفهوم رمزي بحت. مع ذلك، فإنني سوف أركّز على الجانب الرمزي لأنه يمثل الجانب الأكثر تميزا لهذا النوع من السياسة. لكن يبقى البحث عن الاعتراف من خلال السياسة -أي فكرة أن الهوية الجماعية ليست آمنة ما لم تحصل على الموافقة السياسية- هي ظاهرة تتطلب مزيداً من التحقيق.

الهويات الجماعية والاعتراف السياسي

ليست هناك حقيقة ذات صلاحية كونية أو شاملة تقول إن الجماعات ذات الهويات الطوائفية (دينية أو عرقية) يجب أن تسعى للحصول على الاعتراف السياسي. بتعميم عريض، يمكننا أن نقول، تاريخيا، كان مطلب الأقليات الأول وسابقا أن تترك وحدها من قبل الدولة، من أجل حصولها على مساحة لتطوير مؤسساتها الاجتماعية والثقافية. فلم تكن مطالبها تتعلق بعدم اضطهادها أو تحويلها قسرا إلى الدين أو الثقافة المهيمنة. وسيكون من السخف اعتبار كل مطالب الجماعات هو الاعتراف السياسي. ليس هذا لأن هذا الاعتراف كان في متناول الجماعات في الماضي ولكن لأن هذه الجماعات لا تعلق أيّ أهمية خاصة للاعتراف السياسي من قبل من هم خارجها. فكل عضو يكسب مكانته واحترامه من داخل الجماعة، كما أن رأي من هم خارج الجماعة ليس ذو أهمية طالما لا يمثل خطراً أو تهديداً على وحدة كيان الجماعة ومصالحها الخاصة. ولذلك لا تسعى الجماعة للحصول على الاعتراف بها من قبل من هم خارجها ومختلفون عنها في أسلوب حياتهم.

يمكن وصف المرحلة الثانية كمطلب للاندماج، فقد برزت، في مرحلة معيّنة من تطور الدولة الحديثة، فكرة أن يكون لكل عضو في المجتمع السياسي منزلة فوق انتمائه الخاص كالعضوية في طائفية دينية مثلا. أي بدت فكرة المواطنة المشتركة، الفكرة التي ينبغي أن تكون لها الأولوية لدى كل عضو في المجتمع السياسي فوق كل انتماء لهذه الجماعة أو تلك.

واجهت قضية المواطنة بعض الصعوبات كتفضيل بعض الأعضاء على الآخرين، أو تحدّي من قبل جماعات ظهرت وبدأت تضغط مطالبةً بأن تُـعامل على مبدأ المساواة. وغالبًا ما ترافق هذا مع تغيير في أفكار الهوية الوطنية، وفي ما يعنيه من أن يكون الفرد عضوا مخلصًا ومساهمًا في قضايا الشأن العام في أمّته. حيث قُبل المسيحي بالمواطنة الكاملة في الثقافات الوطنية الحديثة في الدولة العربية وقُبل الكاثوليك بالمواطنة الكاملة في الثقافات البروتستانتية مثل بريطانيا. إن المنطق الأساسي للحجة هنا هو أن جماعة لها خصائص مميزة åجò تسعى لإظهار أن امتلاك أو عدم حيازة åجò غير ذي صلة بمطلب شخص للتمتع بالمساواة في حقوق المواطنة؛ إما لأن åجò لا صلة لها بالمواطنة أو لأن وجود åجò يجعل المرء لا بأسوأ أو بأفضل من وجهة نظر المواطنة في حال وجود åجò. مهما كان الشكل الدقيق للحجة فالمطلب هو أن يحق لأي فرد أن يُعامل كمواطن يتمتع بحق المساواة بصرف النظر عن الجماعة التي ينتمي إليها. فلا ينبغي أن يعتمد القبول في المجال العام على خصائص ثقافية أو اعتقادية كالتي لدى العضو في مجموعة åجò.

يمثل السعي للاندماج، في جزء منه، محاولة للحصول على الفوائد المادية الملموسة التي تُكتسب من حقوق المواطنة الجديدة كالوصول إلى المناصب العامة. فأن يريد أعضاء الجماعات المستبعدة الاعتراف بهم كمواطنين متساوين من قبل الجماعات المهيمنة؛ هذا يعني ضمنًا أنهم يتبادلون هوية مشتركة مع تلك الجماعة المهيمنة، الأمر الذي يجعل الاعتراف بهم من قبل غير المنتمين لهم له أهمية عندهم. فلم يعد الاحترام كافيا بذاته من قبل عضو في المواطنة لعضو آخر ينتمي لجماعة معينة. من ناحية أخرى، المطلوب هو الاعتراف بمواطن لا غنى عنه وليس الاعتراف بعضو جماعة لا غنى عنها. أي المطلب هو، أن يكون الفرد منتميا إلى جماعة (دينية أو مذهبية أو عرقية)، ولكنه مواطن في دولة، ولديه ولاء وقيمة مواطن كما هو الآخر. إذن هنا، لدينا جماعات تحمل هويتين -هوية جماعة معينة، والهوية الوطنية التي تتشاركها مع الآخرين- ففي بعض السياقات يريد أعضاء هذه الجماعات في مجريات تعاملهم مع مواطنيهم أن تكون الأولوية للاعتراف بهوياتهم الجماعية. وفي سياقات أخرى – خاصة في السياقات العامة- يريدون ألاّ يُنظر إلى هويتهم الجماعية كأولوية ويُعاملون وفقاً لهوياتهم الوطنية ويحضون بالاحترام على أساسها.

كيف يمكن تفسير هذا التحول من قبل بعض الجماعات (أو على الأقل المتحدثين باسمها الأكثر صخبًا)، من سياسة الإدماج إلى سياسة الاعتراف؟ لماذا أصبحت المشاركة السياسية مهمة للناس ليس كمواطنين متساوين لكن كَحَمَلة لهوية فئوية؟ يمكن إعطاء إجابتين عن هذا السؤال. إن الجواب المفضل عند المدافعين عن سياسة الاعتراف هو، لا يمكن أن تنجح سياسة الإدماج وفقا لشروطها الخاصة. فمن الصعب جدا أن يُعامل أعضاء الجماعات كمواطنين متساوين بتجريدهم من صفاتهم وتفضيلاتهم الجماعية باعتبارها غير ذات صلة بالأهداف والأغراض السياسية، وأن الفضاء العام متحيز ضدهم لأنه يجسد المعايير التي من الصعب على أعضاء تلك الجماعات إطاعتها. ربما يبدو هذا الانحياز أقل علنية بمقارنة مع المفاهيم السابقة من المواطنة، لكنه على الرغم من ذلك مازال موجوداً. فتزعم يونغ على سبيل المثال åعمل المجال العام التقليدي للمواطنة العامة على استبعاد الأشخاص الذين يوحدون بين الجسم والشعور.. يتبنى العديد من المنظّرين المعاصرين للمشاركة الديمقراطية التصور عن جمهور مدني يترك به المواطنون خلفهم خصوصياتهم واختلافاتهم، ولأن هذا التصور العمومي يستمر يهدد باستبعاد البعض، ينبغي أن يتحول معنى åالجمهورò إلى تقديم إيجابية اختلافات الجماعة، وعاطفتها، وأدائهاò.

إن الإدعاءات حول تأصل وملازمة الانحيازات الجماعية في المجال العام لا تصمد أمام التمحيص الدقيق. فلا يوجد أي سبب للاعتقاد بأن مفهوم المواطنة الجمهوري الذي يرى أن المواطن يلعب دوراً فاعلاً في تشكيل الاتجاه المستقبلي لمجتمعه من خلال النقاش السياسي وصناعة القرار، يضع جماعات مثل الأقليات العرقية أو الدينية في وضع غير مُوات لها. أما فيما يتعلق بالجواب الثاني عن سؤالنا حول سياسة الهوية فهو أن يصبح الاعتراف السياسي العلني بالهويات الجماعية مهمًا للجماعات عندما تكون هذه الهويات في أوضاع غير آمنة ومهددة بالتلاشي. ومطلوب من هذا الاعتراف تعزيز وإضفاء الشرعية على الهويات الجماعية التي قد تتسبب العوامل الاجتماعية بطريقة أو أخرى في خفض أهميتها. وهناك العديدة من الأمثلة عن الهويات الجماعية تكون فيها هذه الجماعات خاضعة أو مضطهدة، وتتطلب اعترافا خاصاً كما تزعم يونغ.

عندما نفكر في جماعة طوائفية (دينية أو عرقية)، فإننا غالبًا ما نفكر بمجتمع مغلق، يعترف به أعضاؤه بعضهم ببعض، وينظر الآخرون لهم من الخارج بوصفهم ينتمون إلى تلك الجماعة. تميزهم ثقافة وتقاليد وعلاقات اجتماعية وربما قيم مشتركة، ولا تعتمد هوية الجماعة على الخيارات التي يقوم بها أعضاء منفردين، على الرغم من أنه في بعض الحالات يمكن أن تُـقارب العضوية في جماعة هذه الصورة الأخيرة. على كل حال، يمكننا اعتبار الهوية مسألة اختيارات حاصلة إما عن طريق الجماعات أو الأفراد. ويمكن تختار الجماعات التعريف عن نفسها في هذه الطريقة أو تلك؛ ولدى الأفراد المتساوين، في كثير من الأحيان، مجموعة من الخيارات التي تتعلق بالهوية للتفضيل فيما بينها، والأمر متروك لهم في أيّ الخيارات التي يفضلونها في سياق تحديد الهوية الذاتية. إذن كل هذه الهويات متاحة لأعضاء الجماعة ليقوموا بالخيارات المختلفة. علاوة على ذلك، فإنه قد يتحوّل مركز ثقل الجماعة بأكملها مع مرور الوقت، ومع تغيير في ثقافتها الداخلية والظروف الخارجية.

يسلّط هذا الضوء على مدى قدرة الأفراد تحديد أيّ من جوانب انتماءاتهم لها الأولوية، ففي الظروف التي يكون فيها لدى الجميع أصول مختلطة، يختار معظم الناس عدم التخلّي عن هوياتهم الجماعاتية أو الطوائفية لصالح الهوية الموحدة، ولكن يختارون هوية واحدة أو مختلطة وفقا لتفضيلاتهم الثقافية الشخصية، وفقا للجاذبية الاجتماعية النسبية لمختلف الهويات. التي تبرز واضحة مثلا في أحد أشكالها التي تعرف بـòالعرقية الرمزيةò على حد تعبير جي. أج. جينس في كتابه بهذا العنوان. حيث يستفيد الناس من شعورهم بالانتماء إلى جماعة محددة. بالتأكيد لا يمكن تعميم هذه الهويات على المجتمعات كافة إذ من الخطأ أن تُعتبر الهويات من هذا النوع نسخة معيارية للهويات في المجتمعات الليبرالية المعاصرة مثلا. فقد يختلف الموقف كثيرًا بالنسبة إلى جماعات مغلقة وثابتة.

قد يكون الاعتراف السياسي بالهويات الجماعية مهمًا لأنه يساعد على ترسيخها. فإذا نجحت جماعة في كسب هذا الاعتراف، فإنها تؤسس لواحد من بين العديد من الخطوط الممكنة للانقسامات الاجتماعية من ناحية أولى؛ ومن ناحية أخرى تكون قادرة علناً على تحديد ما يعنيه أن تنتمي إلى جماعة.

الهويات الجماعية والديمقراطية

سألت أعلاه عمّا الذي قد يدفع جماعة ما بعد مطالبتها بالتسامح أو الاندماج كمواطنين متساوين أن تطالب بالاعتراف. لا تنشأ سياسة الاعتراف في الأعمّ الأغلب من فشل سياسة الاندماج أو من أوضاع تصبح فيها الهويات الجماعية متحولة وخاضعة للخيار الفردي على نحو متزايد، وإن ظلت هذه الهويات مهمة لحامليها. إن سؤالي التالي هو ما إذا كانت السياسة من هذا النوع قابلة للحياة: ما إذا يمكن أن توفر دولة ديمقراطية من أوضاع يتم فيها الاعتراف بالجماعات على قدم المساواة وتتشرعن هوياتهم في إطار سياسي.

إن إحدى المشكلات التي تنشأ مباشرة من تحليلي هذا، هي تحديد الجماعات المؤهلة للاعتراف السياسي. إن باحثين مثل يونغ يضعون معياراً واحداً تتأهل به الجماعة للاعتراف وهو أن تكون åمضطهدة ومحرومةò، بصرف النظر عن الصعوبات التي قد ينطوي عليها تطبيق مثل هذا المعيار على جماعة غير متجانسة كأفراد طائفة دينية معينة مثلًا، لا تزال هناك مجموعة واسعة جدا من الاحتمالات. فإذا أخذنا بنظر الاعتبار بعض العوائق ما تتعلق منها مثلا بــ: الجنس والطبقة والعرق، أو حتى بالانتماء الديني أو الهوية السياسية.

النموذج الثاني من السياسة الديمقراطية الذي يغاير سياسة الاعتراف هو النموذج الجمهوري. تقع على الأفراد الناشطين في المنتظمات السياسية، طبقا لهذا النموذج، تبنّي الهوية الوطنية الجامعة والتي تتجاوز هوياتهم الفئوية كأفراد

إن إحدى الطرق الممكنة لتأسيس جماعات قد تأخذ مع كل بعد شكل منفصل: إن هؤلاء الأفراد الذين ينتمون لمذهب ديني منهم من ينتمون لأحزاب علمانية، ومن بينهم من ينتمون لعرق معين، أو جنس كالنساء وهكذا كلهم يمكن أن يشكلوا هويات جماعية ويكونوا مؤهلين للحصول على الاعتراف السياسي. أيّ وسيلة هي الوسيلة الصحيحة؟

إن جواب يونغ، بشكل عام، كلما كانت الجماعة تميل إلى الانفصال أكثر كلما كان ممكنا تمييزها بشكل أوضح. فهي تنادي بفكرة åجماعة الانتماءò. فتقول åتضمّ فكرة ‘جماعة الانتماء’ أولئك الناس الذين أشعر معهم بالراحة أكثر، والألفة. والشبه في الأسماء، والترابط العاطفي، ولكن ليس وفقا لبعض الصفات الطبيعية العامة. قد يتحول بروز انتماءات شخص لجماعة معينة وفقا للحالة الاجتماعية أو وفقا لتغيرات في حياته.. يتم بناء هوية الجماعة خلال عملية مستمرة يعرف بها الأفراد أنفسهم والآخرين من ناحية صلتهم بالجماعات، وبالتالي تتحول هوية الجماعة نفسها مع التغييرات في هذه العملية الاجتماعيةò.

يتناسب هذا الوصف مع تحليل الهويات الطوائفية والجماعات الأخرى حيث كنت حريصًا على التأكيد إنه لا ينبغي أن يُنظر إلى هذه الهويات بوصفها ثابتة، ولكنها متحولة، سواء على مستوى الجماعة أم الأعضاء. يطرح هذا صعوبات شديدة على فكرة تمثيل الجماعة والجوانب العملية الأخرى لسياسة الاعتراف. فأيّ سياسة هي المناسبة والضرورية لتمييز هويات جماعية معينة على حساب أخرى.

قد يبدو للوهلة الأولى أنها مجرد مسألة تفصيل عملي في إطار سياسة الاعتراف. لكنها في واقع الأمر تدل على عدم تماسك الدفاع عن الهوية السياسية جنبا إلى جنب مع الادعاء بأن الهويات الجماعية لا تُعطى مسبقا ولا ثابتة ولكن تتجدد باستمرار وفقا للانتماءات التي يشعر بها مختلف الأفراد؛ فلا يمكن لسياسات الهوية أن تبقى مرنة بلا حدود.

لا بد أن تؤطر الجماعات نفسها لتحصل على الاعتراف السياسي، وتثبيت شروط عضويتها وتحديد الحقوق التي سيتمتعون بها. يعتمد هذا على بعض الخصائص مثل نوع الدين أو المذهب الديني أو الجنس أو العرق الذي يمكن تحديده بسهولة في الغالبية العظمى من الحالات واستخدامه كأساس لتصنيف الجماعة. قد يشتغل هذا الأمر على مستوى سياسي وقد لا يشتغل، لكن بقدر ما يشتغل فإنه يفعل ذلك عن طريق تثبيت وتفضيل بعض الهويات على حساب أخرى. إنه ببساطة غير متوافق مع الادعاء بأنّ كل شخص يمكن له أن يكون قادراً باستمرار على تغيير تفضيلات هوية جماعته على أساس مشاعر الانتماء.

تتعلق المشكلة الثانية في ماذا يعني أن تكون هوية جماعية معترف بها سياسيا. في ما يتعلق ببعض جماعة "ج"، هو أولا وقبل كل ذلك أن أولئك الذين ليسوا أعضاء في åجò عليهم أن يفهموا ما يعنيه أن تكون جزءاً مع "ج"، و ما هي وجهة نظر أولئك الذين ينتمون إلى "ج" في الواقع. ثانيًا، لا بد من الاعتراف بهذه الهوية كهوية ذات قيمة، بل في الحقيقة اعتبارها هوية ذات قيمة متساوية مع هويات الجماعات التي تقع خارج "ج"، وأخيرا، من الضروري أن تتجلّى هذه القيمة عمليًا في السياسات التي تحترم مطالب الجماعات، على سبيل المثال السياسات التي تمدد امتيازات غير الأعضاء في "ج" إلى أعضاء في "ج". دعنا نطلق على هذه العناصر الثلاثة: فهم الاعتراف، التأييد العملي، والتقييم.

لا يواجه العنصر الأول الذي يتعلق بالفهم أيّ صعوبات. يبدو لي أن هناك حجة قوية مؤيدة لفكرة أن وجود أعداد كافية من جماعة معينة على الساحة السياسية تكون قادرة على إسماع صوتها يساعد غير الأعضاء على فهم ما يهتم به أعضاء "ج"، وإضفاء معنى على مدعياتهم ومطالبهم التي ربما تبدو للوهلة الأولى غير ذات قيمة. إن وجود هذه المطالب لا يضمن فهمها، ولكنه شرط ضروري لها، والفهم ضروري لأيّ وجهة نظر سياسة تجسد المبدأ الديمقراطي الذي يحسب صوت أيّ فرد بالتساوي مع أصوات الآخرين. فإذا كنا لا نفهم ما يريده أعضاء "ج" ولماذا يريدون ذلك، فإننا لا يمكن أن نوازن مطالبهم وبالتساوي تجاه الآخرين.

يكون العنصر الثاني، التقييم العملي أكثر صعوبة عندما يكون هناك تعارض بين قيمة الهوية التي تنادي بها åجò وإعلاء القيم الخاصة من قبل شخص معين، سواء كانت هذه القيم لجماعة محددة أو قيما اجتماعية عامة. ولكي نتجنب سوء الفهم، لا أقصد لا يمكننا أن نجد قيمة في حياة أولئك الذين يعيشون وفقا لمعايير مختلفة عن عاداتنا وتقاليدنا. إذا أخذنا مثلا، المسيحية فنجد من الممكن للمسلم أن يُقيم ويحترم هذه الهوية الدينية المسيحية بينما يحمل قيمه الإسلامية في الوقت نفسه. فمن المرجّح أن يكون هناك الكثير من التداخل في الفضائل التي يجسدها الإيمان المسيحي مع قيم الهوية الإسلامية، وحتى مع أنه لا يرغب في اعتناق هذه الهوية الدينية. إن المسألة التي أطرحها هي لا يمكن أن يضمنَ هذا التقييم مقدما معرفة أيّ هويات معينة سندعو لتأييدها. إن تقييم أمر ما، هو الحكم بأنه يلبّي معايير معينة، حتى لو كانت هذه المعايير واسعة أو غير مرنة فلا نذهب، هنا، إلى أن مطلب الهويات الجماعية غير معقول أو غير مقبول تأييدا لرأي جارلس تايلور في كتابه "التعددية الثقافية".

عندما نفكر في جماعة طوائفية (دينية أو عرقية)، فإننا غالبًا ما نفكر بمجتمع مغلق، يعترف به أعضاؤه بعضهم ببعض، وينظر الآخرون لهم من الخارج بوصفهم ينتمون إلى تلك الجماعة. تميزهم ثقافة وتقاليد وعلاقات اجتماعية

ينبغي تطبيق الشيء نفسه على العنصر الثالث، التأييد العملي. فللموافقة على المطالب التي تقدمت بها الجماعة التي لا نجد لهويتها قيمة إيجابية، سوف يكون دعمنا لما هو أقل قيمة على حساب ما نعتبره أكثر قيمة، وهذا لا يمكن أن يكون أمرا معقولا. وحتى عندما تكون الهوية المعنية باعتبارها هوية ذات قيمة، فقد تبقى هناك صراعات على توزيع الحرية أو على تخصيص الموارد. هذا يعني أن ليس كل ما تطلبه الجماعة يمكن أن يكون مقبولًا من قبل من هم خارجها.

ما أود التأكيد عليه هنا هو النتائج العكسية المحتملة والخطيرة التي تثيرها سياسة الاعتراف في العلاقات بين الجماعات. يتطلّب التسامح من الجماعات ترك الآخرين أحرارا في ممارسة قيمهم الخاصة (في حدود معينة). وتتطلب سياسة الإدماج أن يتعامل المواطنون مع بعضهم البعض كمتساوين، بصرف النظر عن هوياتهم الجماعية. ولا تطلب من أيّ الجماعات أن تُقيّم الواحدة منها الأخرى فيما يتعلق بطريقة حياتها أو ممارساتها. تبحث سياسة الاعتراف عن مثل هذا التقييم الإيجابي، ولكن تحمل في طياتها خطر رفض هذا التقييم، وأيضا شبه اليقين بأن بعض السياسات التي تعتز بها جماعات معينة لن يكون لها دور عند إيجاد تسويات سياسية.

الهويات الجماعية والهوية الوطنية

قدمتُ لحد الآن ملاحظتين نقديتين حول سياسة الاعتراف. الأولى، يبدو أن هناك توترا شديدا، بل وربما تناقضا بين الاعتراف بالانفتاح وبين صيرورة وتحولات الهويات الجماعيًة في مجتمعات معاصرة والسعي لإبعاد جماعات معينة من النظام السياسي ومنحهم حقوق حرية الوصول للسلطة، وسياسة حق النقض التي رفضت من قبل جماعات أخرى. الثانية، لا يمكن ضمان الاعتراف السياسي -الذي يشمل التقييم الإيجابي والتأييد العملي للهويات الجماعية وليس مجرد فهمهم- مقدما وفي جميع الأحوال. فقد يكون من المستحيل على بعض الجماعات الاعتراف وتأييد بعض جماعات أخرى بالطريقة المطلوبة دون أن يكون هناك انتهاك لهويّاتهم الخاصة. قد يكون التسامح ممكنا، لكن الاعتراف ليس كذلك. إنّ سياسة الاعتراف عرضة لنتائج عكسية من خلال ما قد تتعرض له جماعات من رفض صريح ومباشر لم تواجهه حتى في ظل نظام سياسي أقل تسامحا.

سوف أنتقل الآن إلى القضية الثالثة والأخيرة والتي تتطلب منا النظر في العلاقة بين هويات هذه الجماعات والهويات الأكثر شمولية التي قد يحصل عليها الناس كأعضاء في المجتمعات الوطنية. هنا أود أن أبدأ بالتأكيد على أنه لا يصبح لسياسة الاعتراف معنى إلا إذا افترضنا أن هذه الهويات العامة (الوطنية) موجودة بالفعل من قبل. ماذا أن تعني لي، بوصفي عضوا في جماعة åجò، إذ أن هويتي مسلّم بها من قبل أعضاء الجماعات أ-ص وض- ي؟ إنها قد تعنيني فقط إذا كان هؤلاء الناس الآخرون هم åمهمينò لي وأن تقديرهم لممارساتي وطريقة حياتي يؤثّر على إحساسي الخاص بقيمتها. نحن لا نطالب بالاعتراف من الناس الغرباء عنا تمامًا: كل ما نطلبه هو أن يتم احترام حقوقنا الأساسية، وبخاصة إذا تُركنا للمضيّ قدما في حياتنا بطريقتنا الخاصة. كما قلت سابقًا، إن الجماعات المستقلة التي تعيش بتقارب (مثل الطوائف الدينية في القرون الوسطى)، لم تطالب بالاعتراف بعضها ببعض بالمعنى الذي نتحدث به الآن، ولكن طالبت بتسامح بسيط. نحن نطلب الاعتراف من هؤلاء الذين حددناهم بالفعل كأعضاء في المجتمع الأكبر مثل الأمة؛ وبالمقابل، سنكون مستعدين لمنح الاعتراف فقط لأولئك الذين لدينا بالفعل هذه الرابط معهم.

تستحق هذه النقطة التأكيد عليها، لأن دُعاة سياسة الاعتراف غالبا ما يسعون إلى الحط من قيمة هذه الهويات الكبيرة باعتبارها مصطنعة من قبل الجماعات المهيمنة وعلى أعضاء الجماعات المضطهدة والمحرومة التبرؤ منها. أي أنهم يرون، أن فكرة الأمة الموحدة تتضمن فكرة وجود جمهور متجانس يستبعد الجماعات التي يراها منحرفة. ويترتب على ذلك أن åنظام الحكم العادلò ينبغي أن يكون متجانسًا بشكل جذري، فتقول يونغ åلا ينبغي تجاهل الاختلافات الجماعية..، ولكن يجب أن تكون مقبولة ومعترف بها علنًا، بل أكثر من ذلك ينبغي قبول الاختلافات الجماعية للأمة أو العرقية. كانت الدولة المثالية في القرن العشرين تتكون من تعددية أمم أو جماعات ثقافية، مع وجود قدر من حق تقرير المصير والحكم الذاتي المتوافق مع المساواة في حقوق وواجبات المواطنةò.

توصلت يونغ إلى هذا الاستنتاج، لأنها عادلت المثل الأعلى للوحدة الوطنية مع فكرة إجبار الأقليات الجماعية على التخلي عن ثقافاتهم المحلية من أجل استيعابهم في ثقافة وطنية واحدة. على سبيل المثال، في حالة السياسة اللغوية، فسرت يونغ سياسة أن تكون هناك لغة رسمية وحيدة لدولة تقطنها جماعات ذات لغات أخرى تنطوي على الإدماج القسري لجماعات لغوية أخرى، وأنها تعبّر عن ‘إبادة å لتلك الأقليات الثقافية. لكن من الممكن تماما معاملة اللغة الواحدة كلغة عامة للدولة، وإلزام الجميع اكتساب الكفاءة في اللغة كشرط أساسي للمواطنة، مع الاعتراف في الوقت نفسه، بل التشجيع على تكون لغات أخرى هي اللغات الأولى لجماعات عرقية معينة. وهذا يوضّح المغالطة التي تتعلّق بالهوية الوطنية المشتركة على أنها تطبق ضمنًا التجانس الثقافي: فممكن أن تكون هناك ثقافة عامة مشتركة تُعرف الهوية الوطنية (يشمل في معظم الحالات لغة وطنية) جنبا إلى جنب مع تعدد الثقافات الخاصة التي تساعد على تحديد هويات الناس كأعضاء في جماعات (بما في ذلك ربما لغات الأقليات). على الرغم من أنه سيكون هناك نقاط توتر بين مجموعتين من القيم الثقافية، لم تقُل يونغ وغيرها من مناصري سياسات الاختلاف شيئا يدُل لماذا مثل هذا التعايش مستحيل.

لا تسعى الجماعات الأقلية دائما وبكل الأحوال إلى تعزيز هوايتها الخاصة على حساب الهوية الوطنية المشتركة؛ بل على العكس من ذلك، غالبًا ما تحرص على تأكيد التزامها بالأمة من أجل استباق الاتهام أن الاختلافات الثقافية تجعل من أفرادها مواطنين غير أوفياء لهويتهم الوطنية على حد تعبير جون هارلس(في كتابه: السياسة في قارب نجاة المهاجرين والنظام الديمقراطي الأميركي). لكن لنفترض، وفقا لمنطق سياسة الاختلاف، أن على هذه الجماعات التخلّي عن انتماءاتهم الوطنية، وتعريف أنفسهم من خلال عضويتهم في جماعتهم حصراً. ماذا سيكون حال السياسة في دولة تتكون من هذه الجماعات؟ إن الأمر سيأخذ حتما شكل مساومات تستخدم كل جماعة ما لديها من موارد وإمكانيات متاحة من أجل تعزيز مصالحها المادية والثقافية. وبهذه الحالة لم يعد هناك أي سبب لجماعة أن تنظم إلى أيّ مطالب أخرى، إلا إذا مكنها ذلك من الحصول على بعض المزايا عند القيام بذلك. قد تلقى المناشدات من أجل المصلحة المشتركة أو التزامات العدالة آذانا صماء في مثل هذه الظروف، لأنه في حالة عدم وجود هوية مشتركة أو غياب الشعور بالانتماء، فإن كل جماعة تفسر هذه المناشدات على أنّها مجرد قناع للمصالح ووجهات النظر التي تصنعها الجماعة الأخرى. باختصار، سيكون هذا في أحسن الأحوال، لمصلحة سياسة جماعة بعينها على راي سايبونش ( في كتابه بعض القلق من الاختلاف).

يتطلّب التسامح من الجماعات ترك الآخرين أحرارا في ممارسة قيمهم الخاصة (في حدود معينة). وتتطلب سياسة الإدماج أن يتعامل المواطنون مع بعضهم البعض كمتساوين، بصرف النظر عن هوياتهم الجماعية. ولا تطلب من أيّ الجماعات أن تُقيّم الواحدة منها الأخرى

ليس هذا نمط السياسة الذي يدافع عنه مؤيدو سياسة الاعتراف. إنهم يسعون إلى شكل من سياسة تقدم بها الجماعة مجموعة حقيقية من المطالب من خلال حوار داخلي، ويمكنها أن تلجأ إلى معايير للعدالة تكون مقبولة من قبل الجماعات الأخرى للحصول على قبول لتلك المطالب وتسويغها. فكما تقول يونغ åفي السياسة التحررية الإنسانية، إذا خضعت جماعة للظلم، على جميع المهتمين في مجتمع عادل أن يتحدوا لمكافحة القوى التي تمارس ذلك الظلم. علاوة على ذلك، إذا كان العديد من الجماعات يخضع للظلم، فإن عليهم أن يتوحّدوا للعمل من أجل مجتمع عادلò. وقد قارنت يونغ هذا النوع من السياسة مع مصلحة الجماعات المتعددة، والتي بموجبها åتعزز كل جماعة مصلحتها الخاصة بقوة وعلى أكمل وجه قدر الإمكان، وليس من الضروري النظر إلى المصالح الأخرى المنافسة في الساحة السياسية ما عدا الاستراتيجي منها، كحلفاء أو خصوم محتملين في سعيها ذلك. ولا تتطلب قواعد مصلحة الجماعات المتعددة تبرير مصلحة أحد كحق، أو كمتوافقة مع العدالة الاجتماعية. ومع ذلك فإن الجمهور غير المتجانس، يعتبر جمهوراً، بينما هو يشارك معنا في نقاش القضايا المعروضة عليه ليتوصل إلى قرار بشأنها وفقا لمبادئ العدالةò.

وبناءً عليه، يكون السؤال، إذن، ما هي الأوضاع أو الشروط التي يمكن أن يتوصل فيها جمهور غير متجانس إلى قرارات وفقًا لمبادئ العدالة. طالما لدى مبادئ العدالة المتعلقة بالأمر هنا جانبان، الأول معرفي والآخر تحفيزي: ما هي الظروف التي يتوصّل الناس بموجبها إلى اتفاق مرض حول مبادئ العدالة الاجتماعية من أجل أن تقودهم تلك المبادئ للوصول إلى قرارات جماعية؟ ما هي الظروف التي بموجبها سيكون هناك دافع الناس للتعامل مع احتياجات بعضهم البعض على أساس مبادئ العدالة وليس على أساس مصلحة المساومة أو بالطرق العنيفة لحل النزاعات؟

يبدو واضحا لي أن الجواب الكافي عن السؤالين ينبغي أن ينطوي على فكرة أن المجتمع الذي يشترك في أسلوب الحياة الذي يخدم كمصدر للمعايير الأخلاقية وأيضا كإطار يريد الناس الذين بداخله أن يبرر أحدهم للآخر قراراتهم استنادا إلى معايير العدالة. إذا كان اهتمامنا يتعلق في سياسة الدولة، فإن المجتمع هنا لا بد أن يكون هو الأمة أو الشعب، وعليه فإن الوطنية هي المؤهلة لتوفير الخلفية المشتركة المجدية والوحيدة التي تُمكن جماعات متنوعة من حل خلافاتها طبقا للمعايير المشتركة عن العدالة. فإذا كنا نريد تشجيع تنوع الجماعات ونفضل في الوقت نفسه السياسة الديمقراطية التي تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، فإنه علينا القيام بترسيخ الهويات الوطنية بدلا من محاولة تبديدها.

تعتقد يونغ أن الاهتمام بالعدالة ينشأ من مطلب وهو أن تبرر الجماعات تفضيلاتها السياسية لجماعات أخرى ذات خبرات وتجارب مختلفة. وهذا قد يفضح محاولة تمرير المصالح الجماعية كمصالح مشتركة. إنه من المؤكد ضمان حضور الجماعات المستبعدة من المجال السياسي سيكون وضع مرغوب به بالنسبة إلى هذه الجماعات. لكن بشرط أن يوصلهم هذا الوضع إلى اتفاق ينسجم مع مبادئ العدالة كما يرى أم. اس. وليامز (في مقالته نحو عدالة للجماعات).

أما إذا كان هذا الوضع مفقودا فإن الجماعة المساومة سوف لا تقلق من هذا الواقع لأنها ستنخرط بانفتاح أكثر إزاء سياسة مساومة المصالح. يبدو أن يونغ تعتمد في بعض النقاط هنا على فكرة أغلبية تحالف قوس قزح من الجماعات المحرومة التي تعمل معا لانتزاع تنازلات من الأقوياء، ولكن يعتمد هذا مرة أخرى على ظهور التزامات ومعايير مشتركة للعدالة تربط هذه التحالف معا، وكما نعلم من خلال التجربة من غير المرجح أن يحدث هذا دائما، أو نادرا ما يحصل. فمواجهة جماعات أخرى لوجهات نظر ومطالب مختلفة لا تستلزم عدالة تلك المطالب. قد لا يكون أكثر من مجرد تأثير في انحياز جماعات بعضها لبعض. فإذا لم يتحلَّ المواطنون بشعور الهوية المشتركة التي تتجاوز خصوصية هوياتهم الجماعية فإن تحقيق العدالة الاجتماعية يبقى احتمالا بعيدًا.

لقد قدمنا هنا موقفا نقديا إزاء سياسة الاعتراف، وناقشت مسألة هوية الجماعات المفتتة والمقلقة في المجتمعات المعاصرة. إن سياسة الهوية في جوهرها هي دفاع ذاتي، لتأكيد الهويات التي لا يمكن أن يوفرها المجال السياسي بطبيعته؛ ولتشجيع الجماعات على تأكيد هوياتها المفردة على حساب الهويات الوطنية المشتركة، إنها تقوض الشروط التي تمكن الجماعات ولا سيما المحرومة منها من أن تأمل في تحقيق العدالة لمطالبها.

لا يعني هذا القول أن الجماعات والهويات الجماعية لا صلة لها بالسياسة. لقد كان هناك في الآونة الأخيرة قدر كبير من النقاشات للظروف التي تسوّغ للجماعات المطالبة بحقوق خاصة لها، لما يعانيه أعضاؤها من مصاعب نتيجة انتمائهم إلى الجماعة طبقا لرأي ويل كاميلكا (في كتابه: المواطنة والتعددية الثقافية).

لا أرغب في إجهاض نتائج هذا النقاشات، ولكن أشير إلى أن الحجج التي تساق لصالح الالتزام بحقوق الجماعة يمكن الحصول عليها عن طريق الاستعانة بمعايير العدالة التي يشترك فيها جميع المواطنين وعلى نطاق واسع والتي لا تختص أو تقتصر على أيّ جماعة بعينها. وهكذا يدخل أعضاء الجماعة الساحة السياسية في نظام الحكم الجمهوري، كمواطنين ويقدمون مطالبهم لا من حيث هويتهم الجماعة ولكن من ناحية المبادئ والسوابق المتجسدة في ممارسة المجتمع السياسية، ويكون متساوقا مع منح حقوق خاصة للجماعات الموجودة.

إن تمثيل وجهات النظر كافة في المجال السياسي يُعدّ مما هو أساس في السياسة الجمهورية. لذلك تمثل القرارات التي تنبثق عنها إما بالإجماع أو على الأقل بتسوية عادلة بين مجموعة من الآراء السائدة في المجتمع؛ يلزم عن هذا كما أشار أي. فيليبس (في كتابه سياسة الحضور)، أن اختيار أيّ نظام للتمثيل عليه أن يضمن حضور أكبر قدر ممكن من أعضاء كل جماعة في المجالس التشريعية والمنتديات السياسية الأخرى. وهذا يستلزم أيضا العودة إلى سياسة الاندماج، واستمرار معركة تحرير المجال العام من الرموز والممارسات والافتراضات غير المعلنة التي تمنع أعضاء بعض الجماعات من المشاركة كمواطنين متساوين.

هنا لا أقصد أن المجال العام ينبغي أن يصبح محايدًا ثقافيًا، فهو يعبّر عن الهوية الوطنية المشتركة للمواطنين، وبالتالي أن يكون له البعض من المضامين التي قد تختلف من مكان إلى آخر. ولأن الهويات الوطنية في حالة تغير متواصل فالتحدي هو في إعادة صياغتها بطريقة تتقبل أكثر الأقليات الدينية والعرقية والجماعات الأخرى دون أن يؤدي ذلك إلى إفراغها من محتواها وتدمير أسس السياسة الديمقراطية.


كاتب وأكاديمي من العراق مقيم في اسكتلندا