أربعة رسامين من تونس

هناك ثلاثة بلدان عربية تكاد تكون غائبة عن الخريطة التشكيلية العربية. أقلها غيابا تونس ثم تليها الجزائر أما الأكثر غيابا فهي ليبيا. ولكن هل يكفي أن المشرقيين قد تعرفوا على تجربة نجا المهداوي لكي تكون تونس حاضرة؟ المهداوي نفسه هو في حقيقته اختراع مشرقي. ذلك لأن تبنيه نظرية استلهام الحرف العربي جماليا أخرجه من إطار التجربة الفنية التونسية ليكون محاولة منه للتماهي مع تجربة فنانين عرب، كانت بلدانهم تعج بتجارب الخطاطين. من مصر حامد عبدالله ومن سوريا محمود حماد ومن العراق شاكر حسن آل سعيد الذي أطر التجربة نظريا من خلال تجمع البعد الواحد. غير أن تونس التشكيلية التي يعود تأسيس صالونها الفني إلى عام 1894 هي غير ما عرفناه من خلال المهداوي الذي لا يمكن لتجربته أن تختصر جزءًا صغيرا من ذلك التاريخ العريق.

الجديد  فاروق يوسف [نُشر في 01/04/2017، العدد: 27، ص(38)]

لوحة: نجيب بلخوجة
باستثناء الهادي الخياشي وهو رسام البلاط فإن رسامي الجيل الأول كانوا بطريقة أو بأخرى تابعين لمدرسة تونس التي أنشأها الفرنسيون ليختصروا من خلالها طريقتهم في رسم المشهد التونسي، وهي طريقة يغلب عليها الطابع الوصفي التقليدي، بالرغم من أن قيام تلك المدرسة كان متزامنا مع التحولات الفنية لكبرى التي شهدتها باريس وبالأخص ما حدث مع السريالية وقبلها التكعيبية.

رسامو تونس الفرنسيون كانوا منفصلين عمّا يجري في بلدهم الأصلي وهو ما انتقل إلى رسامين تونسيين مثل الهادي التركي وعمار فرحات وحاتم المكي. علي بن سالم هو الفنان التونسي الوحيد الذي نجا من تلك الوصفة الاستشراقية الجاهزة. من المؤكد أن سفره المبكّر إلى السويد قد وضعه على طريق مختلفة.

بعد علي بن سالم صار ممكنا الحديث عن فن حديث في تونس، هو الفن الذي خلقه جيل ظهر في ستينات وسبعينات القرن الماضي. وهو جيل عُرف بقدرته على المواءمة بين محليّته وعالميّته. بين تراثه البصري ومنجزات الحداثة الفنية في العالم. كانت تونس دائما منجما فنيا يزخر بالتنوع الأسلوبي والفكري، من غير أن ينتبه إليه العرب إلا في ما ندر. لقد حقق قويدر التريكي نوعا من الاختراق إلى حد ما، غير أن الفنان المقيم في أعماق الريف التونسي لم تكترث به المؤسسات الفنية العربية بما يبعث في روحه الحماسة على الاستمرار في الظهور فآثر الاختفاء.

كانت تونس مقيمة دائما في قلب الحداثة الفنية في الألم العربي، غير أن فنها كان قليل الحظ من جهة قدرته على الانتشار عربيا. فريادة تونس الفنية يمكن النظر إليها من زاوية أن بدايات الرسم في السنوات الأولى من القرن العشرين لا تعود إلى اهتمامات شعبية أو أسباب دينية، بل إلى شغف فنيّ خالص. بمعنى أن الرسم بدأ فنا بصريا لا هدف له سوى التقاط اللحظات الجمالية التي هي المرئيات. وإذا ما كانت البدايات قد اكتفت بالجانب الوصفي فإن ذلك الجانب سرعان ما طواه النسيان ليتماهى الرسم مع وظائفه التعبيرية والجمالية.

لماذا هؤلاء الأربعة؟

الأربعة هم علي بن سالم وعبدالرزاق الساحلي ورضا بالطيب ونجيب بلخوجة. كل واحد منهم شكّل بأسلوبه الفني نوعا من القطيعة مع الماضي الفني فاتحا الأبواب على كشوفات بصرية جديدة. ما يجمع بينهم أنهم تونسيون بعمق بالرغم من أن أحدا منهم لم ينظر إلى تونسية في سياق النظرة الفنية الواقعية. لقد أمدهم الشعور بالانتماء الوطني بطاقة خلق فني فتحت أمامهم فضاءات متخيلة، بعضها حكائي والآخر بصري، هو نوع من المزج بين كل ما تلتقطه الحواس من وقائع لا يمكن أن تجتمع إلا في الخيال. فإذا ما كان علي بن سالم قد أطلق نساءه ليكون من خلالهن صياد جمال فريد من نوعه فإن نجيب بلخوجة لم يغادر مدينته لكي يكون في حاجة إلى أن يصفها، باعتبارها لقية لا تمت إلى الجغرافيا الأرضية بصلة. لقد عثر الاثنان على ضالتهما في مكان خفيّ هو الفن. وإلى جوار بلخوجة فقد كان رضا بالطيب يسعى إلى استدراج المدينة عينها إلى موقع تكون فيه بمثابة المصيدة وليست الضحية. أما عبدالرزاق الساحلي فإنه لم يخطئ طريقه إلى مدينته الساحلية الحمامات غير أنه لا يوردها إلا باعتبارها لغزا لن يتمكن سوء الفهم من محو لذة الذهاب إليه. بطريقة دعائية يمكن القول إن في إمكان لوحات الرسامين أن تقدم تونس في حقيقتها ولكن تلك الطريقة لا تعنيني في شيء. ألا يكفي أنني أعجبت بأعمالهم سببا لانحيازي إليهم؟ الأربعة هم أبناء تونس غير أنهم في الوقت نفسه أبناء الرسم. فهم إلى جانب عدد آخر من الرسامين حققوا نقلات نوعية لافتة في مفهوم الحداثة الفنية (رفيق الكامل وإبراهيم الضحاك وسامي بن عامر وسهيلي على سبيل المثال). وهم إلى جانب ذلك وهبوا المحترف الفني التونسي شيئا من خصوصيته. فالعين الخبيرة لا يمكن أن تخطئ الطريق إلى ما تنطوي عليه أعمالهم من عناصر الهوية المحلية.

صنع الرسّامون الأربعة معجزاتهم الصغيرة (التعبير مقتبس من مارك روثكو) من امتزاج حياتهم الشخصية بالرسم، فكانت رسومهم أشبه باليوميات البصرية التي لا يمكن فصل الواقعي فيها عن المتخيل. فالحياة الواقعية بالنسبة إلى رسّام حقيقي حين يرسم نوع من الحلم الذي يمكن إعادة تركيبه على سطح اللوحة. ما يؤكد ذلك أن تلك الحياة، بمشاهدها المتكررة تأخذ صيغا شكلية وتعبيرية مختلفة حين تنتقل إلى الرسم بين رسام وآخر. لكل رسام طريقته لا في النظر الحسي بل وأيضا في تحويل المرئيات إلى ممتلكات شخصية.

لوحة: علي بن سالم

علي بن سالم: النساء يا لروعتهن

ما من فنان في العالم العربي رسم النساء بعمق ومتعة ورقيّ مثلما فعل التونسي علي بن سالم (1910-2001) في أقدم لوحاته ضمن المجموعة (تعود إلى عام 1938) هناك شيء من الترف الشهواني، يجسده اشتباك حرفة اليد بخيال العين. في ما بعد لم تعد المرأة موضوعا حسيا خالصا، بالرغم من أنها غالبا ما كانت تحضر عارية. لن يكون ذلك العري إيروتيكيا. لقد خفّت الشهوة مقابل بذخ التعبير عن حياة، هي بمثابة رشقة خيال مفاجئة. لا يفرّق بن سالم بين امرأة يستعيرها مباشرة من الواقع وبين أخرى لا يزال خيالها يمشي بها مثل شبح بين صفحات الكتب. كل واحدة من نسائه هي حكاية غير مكتملة. رسوم بن سالم هي مناسبة تقف فيها المرأة أمام مرآتها لترى تحوّلاتها وترى في الوقت نفسه العالم وهو يتغير من خلالها. رسم بن سالم المرأة في كل حالاتها كما لو أنه أراد أن يؤلف معجما عاطفيا عن الحياة في أرقى تجلياتها. يتيح بن سالم لنا السفر في خيال نسائه. وهو خيال أسطوري، بالرغم من أن كل أدواته تشير إلى واقعيته. هذا الرسام يملك أصابع ساحر، ما أن تمسك بالشيء حتى تعيده إلى مصدره الشعري. سريالية بن سالم هي انعكاس للغته البصرية التي تخترق الأشياء لتصل إلى جوهرها. بقوة الحلم يستحضر بن سالم بيسر كائناته الأنثوية، لا ليرعى أنوثتها بل ليمكّننا من أن نستظل بتلك الأنوثة التي ينظر إليها باعتبارها معجزة. بالنسبة إليه فإن كل واحدة من نسائه هي معجزة. لقد رسم مئات النساء. واقعيات ومتخيلات. غير أن واحدة منهن لم تكن تشبه الأخرى. كل واحدة منهن تملك إيقاعا جماليا فريدا ونادرا من نوعه. يمكنك أن تكتفي برؤية واحدة منهن لتقول “إنه الجمال المطلق” غير أنك ما أن ترى سواها حتى تنفتح أمامك بوابات جمال غير متوقع. يرتجل بن سالم صورة متعددة الإيقاعات لأنثى لا تزال في طور التشكّل. فالحياة التي تؤثثها المرأة بعاطفتها وحنانها ورفعتها لم تكتمل بعد. هناك عالم جنيني تسبح فيه الكائنات. في العلاقات التي يقيمها بن سالم بين نسائه في اللوحة الواحدة ينشئ خريطة مترامية الأطراف لنوع عميق من الشعور الإنساني. الجمال باعتباره نوعا من المستحيل. هذا رسام يهب الحياة المباشرة خيالا هو في حقيقته واحد من هبات المرأة الخالدة. وهو ما كان بن سالم يؤمن به ويقدسه.

عبدالرزاق الساحلي: تفكيك العلامات

عبدالرزاق الساحلي (1941-2009) هو هبة مدينة الحمامات التونسية إلى الفن. فالرسام الذي ولد في تلك المدينة الساحلية حمل إلى الفن آثار طفولته بكل علاماتها التي انتقلت إلى سطوح لوحاته لتشكل مفردات عالمه الجمالي الخالص الذي صار يشير إليه، من غير أن يحتاج المرء إلى قراءة توقيعه. كان ذلك العالم يتكون تلقائيا، بطريقة تكشف عن قدرة الرسام على ابتكار صلة بين مفردة وأخرى، كما لو أنه يروي واحدة من الحكايات التي سمعها من أسلافه. لقد اكتشف الرسام أن في إمكانه أن يتسلّل إلى القوة الجمالية الخفية التي تنطوي عليها العلامات المرسومة من قبل ناس عاديين على جدران مدينته. وهو ما جعل الرسم بمثابة مرآة، يرى من خلالها الرسام وقائع سيرته الشخصية منذ اللحظة التي تحول فيها معنى العيش إلى تجربة بصرية. وإذا ما كان الساحلي يفكّك تلك العلامات فإنه في الوقت نفسه يعيد بناءها بالطريقة التي تدعم شعوره بالاطمئنان. تلك هي الحياة التي عاشها كما يحب. إنه يرسم لكي يكتب يومياته. ومن خلال تلك اليوميات يكشف عن افتنانه بمدينته التي وهبته ألغازها. ولأنه تماهى مع تلك الألغاز فقد اهتدى إلى الطريق التي تقوده إلى التمكن منها روحيا فكان ذلك بمثابة الباب الذي انفتح أمامه ليدخل إلى جناته التجريدية. لقد جرّد الساحلي تلك العلامات التي استعارها من الواقع من دلالتها الواقعية ليهيم بها في عالم سحري، فالجمال الخالص هو عنصر خياله الوحيد. ما نجح فيه الساحلي أنه استعاد مدينته عن طريق خياله. خلقها من جديد، غير أنه لم ينكر وجودها. تعيدنا تجريدياته إلى مدينة خيالية، تعلي من شأن العيش فيها، كونه نوعا من البطولة الاستثنائية. عبدالرزاق الساحلي هو رسام الحياة الممكنة في لحظة خيال. لقد حوّل كل ما رآه إلى أحلام، فصار يحلم بحياته كما لو أنه لم يعشها إلا لحظة الرسم.

لوحة: رضا بالطيب

رضا بالطيب: تجريد الأبنية

يتبع رضا بالطيب (1939-1993) حدسه الجمالي وهو يسعى إلى استحضار إنشاءاته اللونية على سطح اللوحة. فالرسام المولع بالاختزال لا يبقي مما كان قد رآه في أوقات سابقة شيئا حين الرسم. إنه لا يرسم لكي يتذكر. لا يتذكر من أجل أن يرسم. للرسم ذاكرته الخاصة التي قد تكون هي نفسها ذاكرة اليد التي ترسم. لذلك يغلب على رسومه طابع الحلم. كل الأمكنة التي رسمها تبدو مستعارة من عالم الأحلام. خفتها تتقدمها لتلهمها إمكانية الغياب في أيّ لحظة. الرجل الذي كان يفضل أن يتوارى خلف فنه أنتج رسوما تشبهه، من جهة تمنعها على ألاّ تحدث ضجيجا أو أن تكون مادة للجدل. لم يكن يعنيه أن يرسم الشيء ليذكر به. كانت الأشياء التي يرسمها مثله قابلة للاختفاء. لقد تخلّى بالطيب عن الواقع مقابل أن يقبض على سنتميتر مكعب واحد من هواء الرسم. لذلك فإنه يقيم أبنيته في الفضاء الذي يعرف أن مزاجه يتغير في استمرار. وهو ما أضفى على رسومه هالة من المرح المتفائل. تجري تلك الرسوم عمليات تنظيف للعين التي تراها. تعيدها إلى لحظة صفائها، هناك حيث لم يتعرض العالم بعد للتلوث. فن بالطيب يستدرج البيئة إلى مواقع عفّتها ونزاهتها وينصفها، بعيدا عمّا لحق بها من تجريف. رسومه تطلق حواسنا في الفضاء بعد أن تعيد تربيتها وتهذيبها. للرسم هنا منطق أخلاقي مستعار مما ينطوي عليه الجمال من معان نبيلة ورقي. يواجه بالطيب صخب الحياة المعاصرة بثراء الصمت الجمالي الذي ينطوي عليه عالم يقيم قريبا منا، يضربنا هواؤه في كل لحظة، من غير أن نفتح عيوننا عليه. هذا الرسام يعيننا على اكتشاف ذواتنا الحقيقية من خلال تعرية حاجتنا إلى استعادة أوقاتنا المفقودة. ما يرسمه بالطيب هو أشبه بمزاج المسافر العابر الذي يترك أثره في المكان قبل أن يغادر. كان بالطيب نفسه خفيفا فكان على وشك أن يغيب كلما ظهر. أليس من حق رسومه أن تلحق به إلى عالم الغياب؟

نجيب بلخوجة: مدن خياله

حين استعار نجيب بلخوجة (1933-2007) أشكاله من المدينة التونسية فإنه كان يفكّر بخيال المدينة وليس بشكلها المتاح للنظر. لذلك تبدو المشاهد التي يرسمها على سطوح لوحاته كما لو أنها جُلبت من عالم غير مرئي، بالرغم من أن مفرداتها يمكن أن تحيلنا بيسر إلى ما نراه من حولنا. يكمن سر ذلك في أن بلخوجة، وقد أسره الإيقاع العاطفي لمعمار مدينته، قد اهتدى إلى الممرات التي تقود إلى الهندسة الرياضية التي يستند إليها ذلك الإيقاع، فصار يستخرج أشكاله من طبيعة مجاورة. تلك الطبيعة التي يمتزج من خلالها التجريد بالتشخيص في أسلوب فني، هو في حقيقة ما يهدف إليه محاولة للإفصاح عن قدرة الأشياء التي نراها على أن تشفّ عمّا لا نراها منها. مدينة بلخوجة هي مناسبة للحلم. المدينة تحلم أيضا. الحلم وحده يكفي. لا يحتاج المرء إلى أن ينصت إلى حكاية لكي يعرف وقائع ما يجري خلف تلك الأسيجة التي لا تتكرر، بالرغم من هندستها الغامضة التي تتحصّن بالألغاز. وهي ألغاز يمعن الرسام في محو الآثار التي تقود إليها. ذلك لأن كل شيء في لوحات بلخوجة يبدو نظيفا، كما لو أن الرسام كان قد تعمد أن يُحيّد انفعاله الذي ينطوي على الكثير من الشعر. لقد سعى بلخوجة إلى أن تكون مشاهده بصرية خالصة. وهو في ذلك إنما يعدنا بتجربة جمال لا يمكن التعبير عنه بالكلمات. لغة ذلك الجمال تنبعث من داخله ولا تصفه من خارجه. فالمدينة التي يرسمها هي روحه وقد تجسدت على هيأة أشكال، امتزجت من خلالها الأصوات بالصور التي صنعت منه رساما. لقد قضى بلخوجة الشطر الأكبر من حياته وهو يدور بين أزقة مدينته المتخيّلة، لا يودّ الخروج منها لئلا تغادره قوة الحلم. فما رسمه لم يكن إلا عالما محلوماً به. ذلك العالم الذي يحنّ إليه وظل مشدودا إلى خصائصه الجمالية إنّما يقع في الجانب الخفيّ من الوجود، هناك حيث تقيم أمّه الهولندية التي ترتقي بخفة سلالم الموسيقى. هذا رسام سلّمته الموسيقى إلى عالم رياضي، فتح أمامه أبواباً أفضت به إلى مدينة سحرية، تحرسها أشباح الشعراء.


شاعر من العراق مقيم في لندن