أن تكون هنا في أميركا

دونالد ترامب والاستبداد المُـعَولَم

الجديد  نجيب جورج عوض [نُشر في 01/04/2017، العدد: 27، ص(58)]

لوحة: موفق قات
خلال العقود الستة المنصرمة، غادر العديد من السوريين، ومن كافة المشارب والخلفيات والانتماءات والمعتقدات والإثنيات، بلدهم الأم سوريا باتجاه الولايات المتحدة الأميركية لأسباب عديدة ومتشعبة، ليس أقلها جدية وقهرية رغبتهم بالهروب من العيش في ظل نظام استبدادي فاسد طغياني شعبوي وعنصري ومصالحي كنظام الأسد الأب وبعده الابن. وقد كنت أنا أحد هؤلاء السوريين الذين قرروا أن يهاجروا من البلد بحثا عن فضاء عيش آخر يقدم لإنسانيتي الحرية والكرامة والعدالة والحق وفضاء العيش الذي يحترم حقوق الإنسان الأساسية والطبيعية ويحمي حقي الطبيعي بالحصول عليها.

كنت في التاسعة عشرة من عمري حين بدأت رحلتي هذه. وقد بدأتها وشرعت بها مدفوعاً (ومازلت) بعطش جارف للمعرفة والعلم والبحث عن الحقيقة في فضاءات الأكاديميا والثقافة العلمية في أصقاع العالم المتقدم. قادتني خارطة رحلتي من مدينتي الأم اللاذقية إلى بيروت أولاً ومنها إلى لندن، لأعيش وأدرس فيها وأحصل على درجة دكتوراه الفلسفة الأولى، ومنها إلى أميركا كباحث زائر لفترة قصيرة وبعدها إلى ألمانيا، حيث عشت وعملت كمحاضر جامعي وحصلت على درجة دكتوراه فلسفة ثانية، قبل أن أصل أخيراً إلى الولايات المتحدة الأميركية لأستقر فيها حتى هذه الساعة محاولاً أن أجعلها وطناً بديلاً لي وأن أصبح مواطناً من أحد مواطنيها.

هي رحلة بدأت بحلم الهروب من أرض وفضاء الاستبداد والقمع والفساد. اعتقدت أنني في الولايات المتحدة بتُّ أبعد ما يكون ثقافياً وسياقياً وجغرافياً عن عالم سوريا الاستبدادي. ولكن، ولاندهاشي العميق، ها أنا أرى نفسي مع سواي من السوريين الكثر المهاجرين لهذا البلد نقف على عتبة قيادة أميركية سياسية جديدة تحت إدارة دونالد ترامب لا يبدو أنها ستكون مختلفة كثيراً في ذهنيتها وممارساتها ومنطقها الإداري عن منظومة الفساد والاستبداد والكراهية والعنصرية والمصالحية والشعبوية التي اعتقدنا أننا تحررنا منها.

لم يمض على دخول دونالد ترامب وفريقه إلى البيت الأبيض أكثر من ثلاثة أسابيع وإذ بالبلد باتت تغرق في فوضى شعبوية وعنصرية ومجتمعية مخيفة وسوداوية على صعد عدة. لم يتورع دونالد ترامب عن الإفصاح دون مواربة أو دبلوماسية عن قناعاته ومواقفه ورؤاه ورغباته التي ستقرر طبيعة وأهداف إدارته للبلد حين يصل للبيت الأبيض. قال ما سيفعل دون أيّ تلميح. قاله وكأنه رسالة خلاص مسيانية يعلنها مخلص البشرية في ملء الزمان. قالها أمام الشعب الأميركي برمته وأمام العالم بأسره، مستغلاً العصر الإعلامي والإلكتروني والتكنولوجي العالمي الذي نعيش فيه ليعولم مشروعه الاستبدادي العنصري والشعبوي المغطس بالكراهية وليجعله خطاباً ناظماً لماهية المستقبل الذي تقف على أعتابه القرية العالمية التي نعيش فيها. قال بأنه سيكون مستبداً وعنصرياً وتفريقياً ومع هذا وصل إلى الموقع الذي لا يجب أن يصل إليه.

مثير جداً أن نتوقف ونتطلع لبرهة في ماهية التداعيات والإرهاصات المنهجية والحياتية لموجة عولمة الاستبداد التي تضرب الحياة البشرية اليوم على امتداد الكوكب والتي أوصلت دون سواها شخصا مثل دونالد ترامب إلى موقع رئيس أقوى دولة في العالم. مثيرة تلك العولمة المذكورة وقدرتها على تجاوز كافة أنواع الحدود والجغرافيا، وتأثيرها على موازين القيم والأخلاقيات والإنسانيات في السياق البشري، لتصل باستطالاتها وتمظهراتها إلى أركان العالم العربي والأوروبي-البريطاني، الأميركي والآسيوي، الروسي والأفريقي على حد سواء وتؤثر عليها جميعاً بطريقة تبدو واحدة تقريباً. بتنا نسمع اليوم عن العديد من الطغاة والمستبدين حول العالم لا يتورعون عن التعبير عن استعلائهم الطغياني على إرادة شعوبهم ووصايتهم عليه وعن تمسكهم بالسلطة وتغوّلهم فيها وتوظيف أيّ خطاب أو سياسة لتعزيزها مهما كانت تلك الأخيرة شعبوية وعنصرية وتفريقية ومليئة بالكراهية. ليس دونالد ترامب سوى åدعوة نمذجةò حية معولمة وعالمية وجدت من يحتضنها ويتبناها ويعمل على تطبيقها حول القرية المعولمة التي نحاول أن نبقى على قيد الحياة فيها. ما عاد يمكن اليوم الحديث عن åالعالم الغربي المتقدم والحرò مقابل وضد åالعالم غير الغربي المتأخر وغير الحرò. ما عدنا نستطيع أن نتحدث عن åعالم ديمقراطي وتعددي ودولة قانونò ضد åعالم استبدادي أحادي ودولة هيمنة ووصايةò. مع سقوط مفهوم åالجغرافياò وفكرة åالموقع» (locationality and territoriality) ، انعدمت الحدود الفاصلة بين تلك التصنيفات وقامت حالة åالعالم الافتراضيò (virtual world) اليوم برميها في سلة التاريخ الحداثوية التي أنتجتها، تاركة الساحة للميل النهليستي والتشرذمي والاستنسابي المتطرف الذي جاءت به مابعد الحداثة. ليس غريباً أبداً أن دونالد ترامب يقدم نفسه ويتواصل مع الناس وكأنه يمثل في برنامج تلفزيون الواقع (reality TV) مصراً على جعل هذه الحالة بديلاً عن الواقع المعيش ومقياساً مرجعياً للحقيقة بحديث فريقه عن åالحقائق البديلةò (alternative facts) كبديل عن حقائق الحياة والتاريخ والعقل. وكأنه يريد خلق أميركا بديلة افتراضية لتحل محل أميركا الحقيقية. لدينا هنا تمرد من فضاء العالم الافتراضي ضد العالم التاريخي: ثورة من إنسان الشبكة العنكبوتية على إنسان الزمان والتاريخ. لدينا صورة نرسيس في المرآة تسعى لقتل نرسيس نفسه الواقف أمام المرآة.

كإنسانٍ قضى نصف عمره البلوغي سائحاً على دروب الأرض ومتنقلاً بين قارات العالم على جانبي المحيط الأطلنطي، وكسوري ترك أرضه الأم وهاجر نحو جغرافيا العالم الغربي وعاش في كافة مناخاتها وسياقاتها الفرنكوفونية والجرمانية الموجودة، أجد اليوم أن ما أعيشه في أميركا من نتائج سياسات إدارة ترامب العنصرية والتفريقية والطغيانية والمصالحية الشعبوية لا يختلف كثيراً عن سياسات تفشت في سوريا ووجدت لها تمظهرات في مناطق أخرى من القرية العولمية. ما هربت منه بات اليوم كابوساً يلاحقني في غربتي وشاطئ هروبي. لم تعد الجغرافيا لا عائقاً ولا مصدر وقاية ولا فرصة انعتاق. باتت مرآة متشظية كسرتها الصورة وخرجت منها وراحت تبحث عن صاحب الصورة لتطعنه في الصميم وتغتاله. باتت الجغرافيا نفسها تحتاج لانعتاق ولوقاية من مخيالها الافتراضي. باتت الجغرافيا ضحية العالم الافتراضي التخيلي الذي يجرفنا في دوّامته ويفرض علينا أن نحيا في شبكة عنكبوتية إلكترونية تعمل على تسويق الاستبداد وعلمنته. في هذه العولمة الافتراضية الإلكترونية بالذات تكمن قوة دونالد ترامب وفاعلية وتأثير ما يمثله: ترامب هو صورتنا النرجسية في المرآة تهبّ وتهجم علينا كي تحلّ محلنا.

أيّ مصير للسوريين في قلب هذه المعمعة؟ لا يبدو مصيرهم واعداً أو مشرقاً أبداً. فهم خسروا بلدهم وأرضهم الأم، وخسروا إنسانيتهم وحيواتهم، وخسروا مستقبلهم وحقوقهم بسبب واقع استبدادي استخدم الجغرافيا لقتلهم بها. وهاهم اليوم يبدون كمن على وشك خسارة حتى شواطئ هجرتهم وترحالهم بسبب موجة استبداد تريد طحنهم في نفس المطحنة التي تفرم فيها الجغرافيا. يبدو فعلاً أن السوري ليس له سوى الترحال، والسؤال هو أيّ نوعٍ من الترحال في ظل موت الجغرافيا وفي ظل موت فكرة åالواقع»؟ ويبدو أن قصة ترحالي لم تصل إلى خواتيمها بعد، ففي ظل عولمة الاستبداد لا أعلم إن كنت سأجد مفراً ممّا قررت التحرر منه يوماً منذ أكثر من 25 عاماً مضت. يبدو أن رحلتي في الأرض اليباب مازالت تخط درباً طويلاً عبر تلك الصحراء في انتظار أن أتابع تيهي عليها. لطالما قلت في السنوات الأخيرة لأصدقائي الغربيين: السوري والسورية لا يخافان أبداً من الأرض اليباب، بل يفتحان أذرعهما ويعانقانها. نحن لا نخاف التيه… نحن غارقون فيه.


شاعر وباحث أكاديمي من سوريا مقيم في أميركا