سليل مدرسة شيكاغو

الترامبية: الجذور والآفاق

الجديد  أيمن بكر [نُشر في 01/04/2017، العدد: 27، ص(68)]

«برز اقتصاد جديد واضح المعالم، في خضم تجارة الأسلحة وجنود القطاع الخاص وإعادة الإعمار الهادفة إلى تحقيق الأرباح وصناعة الأمن القومي، كنتيجة لنمط معالجة الصدمة الذي انتهجته إدارة بوش بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001. صُمّم هذا الاقتصاد في عهد بوش، لكنه بات اليوم موجودا بمعزل عن إدارة أيّ رئيس قد يأتي، وهو سيبقى راسخا إلى حين تُرصد الأيديولوجيا السيادية التي تدعمه، وتُعزل وتُقاوم»، (انظر نعومي كلاين،عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث، ت: نادين خوري، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2011، ص 16).

لا يمكن فهم ذروة المرحلة الترامبية التي تمكن فيها رجال أعمال من الوصول إلى سدة الحكم في دول صناعية كبرى، وهي المرحلة التي بدأت بمقدمات لا تخفى على عين المراقب المختص، من مثل تولي بيرلسكوني رئاسة وزراء إيطاليا، (وهو رجل الأعمال الذي يقال الكثير عن علاقته بالمافيا الإيطالية)، ولا يمكن فهم هذه المرحلة دون العودة إلى جذرين رئيسين نبتت منهما بصورة مباشرة، الجذر الأول تنظيري معرفي وهو نظرية السوق الحرّ المتخلص بصورة كاملة من أيّ رقابة للدولة عليه، وهو الاتجاه الذي تأسس في جامعة شيكاغو على يد ميلتون فريدمان في خمسينات القرن الماضي، ليعبر عن الطموح الأقصى للنظام الرأسمالي. والجذر الثاني سياسي-تاريخي وهو فترة حكم تاتشر-ريجان التي استطاعت فيها أفكار فريدمان السابقة أن تنتصر بصورة تبدو نهائية حتى الآن.

ظهرت أفكار ميلتون فريدمان التي عبر عنها بوضوح في كتابه åالرأسمالية والحريةò، في الوقت الذي كانت برامج الحماية الاجتماعية قوية في أميركا وغيرها من بلدان أوروبا. من ناحية أخرى أعلنت المسارات الاقتصادية في ستينات القرن العشرين أن بعض دول العالم، الذي كان ناميا بحق في هذه الحقبة، قد أخذت تصنع اتجاها ثالثا تحت مظلات مختلفة مثل حركة دول عدم الانحياز، والاتحادات الإقليمية، والاتفاقات بين دول الجنوب، وهو اتجاه يحاول الجمع بين الرأسمالية والاشتراكية (وإن كان أقرب للأخيرة) لا يجعل من الدولة وحدها مالكا للثروة ومسيطرا على أوجه إنفاقها وتنميتها، وإن كانت صاحبة الصلاحيات الأكبر، لاعبة دور المراقب والموجه للسياسات الاقتصادية بهدف حفظ حق الطبقات الأكثر فقرا في رعاية اجتماعية مناسبة، وكبح جماح الجنون الرأسمالي في مراكمة الثروات بأيّ طريق وعلى جثة أي شيء؛ بدءا من الطبيعة وانتهاء بالإنسان والقيم.

ظهرت بذور هذا الاتجاه بوضوح في بعض دول أميركا اللاتينية والشرق الأوسط وآسيا (تشيلي، الأرجنتين، مصر، إيران، العراق، إندونيسيا على سبيل المثال)، ورغم تبنّي هذه الدول لنموذج أقرب للاشتراكية السوفييتية في هذا الوقت، كانت القيود المفروضة على حركة رأس المال فيها أقل حدة ممّا كان عليه الأمر في الاتحاد السوفييتي، ما أراه بداية للطريق الثالث الذي لم يقدّر له الاستمرار بسبب الحرب الشعواء التي شنتها دول المركز الرأسمالي الغربي عليه.

بعد استقلال إندونيسيا عن هولندا أصبح أحمد سوكارنو أول رئيس للبلاد في العام 1945، مقترحا نظام åالديمقراطية الموجهةò للسيطرة على وحش الرأسمالية الغربية الذي كان يسعى بلا كابح كي يصبح الوريث الشرعي للفترة الاستعمارية بكل طموحاتها في السيطرة على العالم ونهب ثرواته، من خلال بديل اقتصادي أكثر خفاء وشراسة معا وهو اقتصاد السوق الحر. في إيران صعد محمد مصدق إلى الحكم عام 1951، وكان جلّ همه هو تنمية بلاده عبر ترسيخ مبادئ الحماية الاجتماعية واستعادة السيطرة على الثروات النفطية من يد بريطانيا، ما دعاه لتأميم قطاع النفط. بالمثل حاولت فترة حكم جمال عبدالناصر في مصر تحقيق التنمية عن طريق التوجه نحو التصنيع مع تبني برامج واضحة للرعاية الاجتماعية. غير أن نظام عبدالناصر لم يكن متشددا في التعامل مع رؤوس المال الخاصة، حتى أغلقت دول المركز الرأسمالي السبل أمام تمويل السدّ العالي، ما قاد عبدالناصر إلى تأميم قناة السويس في نهاية المطاف. وفي تشيلي صعد سلفادور الليندي للحكم في العام 1970 بأفكاره الماركسية التي حاول من خلالها الموازنة بين حركة رأس المال التي توجهها الدولة وبرامج التعليم والحماية الاجتماعية، محاولا كغيره من قادة التحرر الوطني منذ خمسينات القرن الماضي أن يستعيد مصادر الثروة من يد الشركات والحكومات الغربية.

إن وجود مثل هذا المشروع في أفق السياسات الاقتصادية الأميركية هو ردة من نوع خطير عن خط مدرسة شيكاغو للاقتصاد الحر غير المقيد، الخط الذي لم يحد عنه أحد سواء أكان من الحزب الديمقراطي أو الجمهوري

المدهش في كل ما سبق أن الدول الغربية وعلى رأسها أميركا التي صنعت من الشيوعية في هذا الوقت الشيطان الأكبر والعدوّ الأوحد، استخدمت أسلوبا واحدا في القضاء على كل محاولات النهوض في هذا الوقت وهو دعم الانقلابات العسكرية بيد رجال موالين لها يتمتعون بقدر غير قليل من الدموية والعنف. ففي إندونيسيا قام سوهارتو بالسيطرة على الحكم في العام 1968 بعد أن تمكن من قمع انقلاب ضد سوكارنو في العام 1965 حاولت مجموعات شيوعية القيام به، ثم إنه استولى على الحكم ووضع سوكارنو رهن الإقامة الجبرية حتى وفاته. وفي إيران انقلب فضل الله زاهدي على مصدق بدعم من المخابرات البريطانية والأميركية في العام 1953، وفي تشيلي قام أحد أكثر شخصيات التاريخ دموية وهو الجنرال بينوشيه بالانقلاب على نظام الليندي ليدخل البلاد في حالة سوق حرّ غير محسوب مقترن بمستوى تاريخي من العنف، ما قضى على كل مكاسب الفترة السابقة من حريات وأنظمة حماية اجتماعية. أما في مصر فلم يتمكن الغرب من تنفيذ انقلاب عسكري على عبدالناصر حتى بعد هزيمة 1967، إلا أن الانقلاب قد تم بمجرد موت عبدالناصر وبصورة درامية على يد خلفه السادات، الذي قام إيمانا منه بأن 99 بالمئة من أوراق اللعبة في يد أميركا كما كان يحلو له أن يردد، بتغيير دفة الحكم بصورة لا تقل عنفا عن أيّ انقلاب، باتجاه رأسمالية متوحشة عمياء غير منظمة، أودت بالاقتصاد المصري إلى غياهب الفوضى الاقتصادية والسياسية بالتبعية، ما أدى لانهيار العملة ومفاقمة نسب الفقر والفقر المدقع، وهو ما نشهده بجلاء حاليا.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة شهدت فترة ريجان بداية التمكين الحقيقي لأفكار ميلتون فريدمان عن الاقتصاد الحر واستغلال الصدمات والكوارث الكونية في صنع تحوّل جذري لنمط الاقتصاد باتجاه السوق الحر غير المراقب، وسحق دور الدولة. لم تتغير سياسات الخصخصة الساعية لسوق غير مراقب حكوميا تماما، ويعمل لصالح رجال الأعمال دون سواهم، رغم المحاولات الباهتة لباراك أوباما في مغازلة الطبقات الأكثر فقرا بوعود انتخابية لم يستطع تنفيذ أيّ منها. وعلى سبيل المثال قدم أوباما مشروعا لتوفير مظلة تأمين لعوام الأميركيين تحت مسمى åأوباما كيرò، لكنه سار بخطى متعثرة طوال سنوات حكم أوباما، ولم يتم تطبيقه ولو بصورة جزئية، والمدهش، وربما الأكثر منطقية، أن أول قرار وقّع عليه رجل الأعمال المنتخب ترامب، حتى قبل أن ينتقل إلى البيت الأبيض، كان قرارا بإلغاء مشروع "أوباما كير".

إن وجود مثل هذا المشروع في أفق السياسات الاقتصادية الأميركية هو ردة من نوع خطير عن خط مدرسة شيكاغو للاقتصاد الحر غير المقيد، الخط الذي لم يحد عنه أحد سواء أكان من الحزب الديمقراطي أو الجمهوري، فإعادة أيّ صورة من صور الحماية الاجتماعية للأذهان لهو خطر شديد على åالسلام الاجتماعيò الذي يتحكم فيه تماما رجال الأعمال الكبار.

والمفارقة أن الخطاب الشعبوي الذي صعد به ترامب لسدة الحكم يبدو مضادا تماما لأفكاره وتوجهاته الرأسمالية المعبرة عن مدرسة شيكاغو في الاقتصاد، فقد تحدث كثيرا وبصوت مرتفع عن إعادة تشغيل المصانع المتعثرة، وضمان حياة أفضل لمئات الآلاف من العمال الصغار، وهو أمر يبدو مضحكا في ظل ولاءات ترامب التي لا تخفى على أحد.

يمكن النظر لصعود ترامب بوصفه النهاية الطبيعية لسيطرة مدرسة ميلتون فريدمان في الفكر الاقتصادي على السياسات الأميركية، فلقد تمكن ميلتون فريدمان شخصيا من الوصول للحكم في شخص ترامب، إنها الذروة الأخطر والأهم لنجاح سياسات فريدمان التي بدأ تبنيها في العالم على يد دكتاتوريات عتيدة منذ ستينات القرن العشرين، والتي تم ترسيخها في الولايات المتحدة نفسها منذ فترة ريجان.

ولعل أخطر ما فيها هو طبيعة شخصية ترامب النزقة الاستعراضية والاعتقادية أيضا، والتي لن يوقفها شيء عن فتح أسواق جديدة لحركة رأس المال بكل أشكاله، سواء ما يتصل بتجارة الأسلحة أو ما يسمونه إعادة الإعمار أو -وهو الأهم- الحرب على الإرهاب. ويغلب على ظني أننا سنشهد توترات غير معتادة في العلاقات الدولية بسبب تلك السياسات ربما تصل بنا إلى حواف حرب عالمية.


ناقد من مصر