ترامب والقوميون الجدد

توجهات الطريق أمام تحولات العولمة

الجديد  رفعت السيد علي [نُشر في 01/04/2017، العدد: 27، ص(70)]

لوحة: محمد عمر خليل
في جديث له مع فوكس نيوز في 6 فبراير 2017، قال دونالد ترامب «ينتابني شعور سريالي بسبب الرئاسة»، وهو تصريح مشحون بالمعاني.

في تحول بدا غريبا على المزاج الأميركي العام فاز دونالد ترامب بالانتخابات الأميركية فيما بدا أنه يشكل مفاجأة من العيار الثقيل، ففي خضم الحملة الانتخابية أدلى بكثير من التصريحات المثيرة للجدل والاستهجان والتي بدا أنها تفقده كثيرا من الأرض وتحجب عنه أصواتا انتخابية كثيرة وكأنه يقامر بكل مستقبله السياسي:

• بالنسبة إلى المسلمين شنّ عليهم هجوما عنيفا في أغلب خطبه الانتخابية ودعا لحظر دخولهم للولايات المتحدة و "وقف كامل وكلي" لدخولهم واصفا توجهه ذاك بأنه "لا يوجد هناك أيّ خيار آخر"، وأن "الحدود يجب أن تظل مغلقة أمام المسلمين حتى يتوصل نواب الشعب الأميركي إلى فهم واضح لأسباب كراهية المسلمين للولايات المتحدة".

• توعد فور فوزه بالرئاسة بترحيل كل المهاجرين غير الشرعيين من الولايات المتحدة، وأعلن أنه في حال فوزه سيبني سورا عازلا بين الولايات المتحدة والمكسيك لوقف تسلل المهاجرين وتهريب المخدرات، وسيعمل على إبعاد 11 مليون مكسيكي متواجدين على الأراضي الأميركية.

• أطلق تصريحات غريبة حول الأفارقة والدول الأفريقية وهاجمهم بقسوة قائلا إن الأفارقة بحاجة إلى عودة الاستعمار إليهم لمئة سنة أخرى، وقال عن الأفريقيين أنهم "لا يعرفون شيئا عن القيادة والاستقلال"، ووصفهم بالكسل والغباء والشره للطعام والهوس بالجنس والعنف.

ولقيت تصريحات ترامب تنديدا واسعا من قبل السود الأميركيين والأفارقة لمحتواها العنصري، غير أنه حاول التقرب من السود الأميركيين أصحاب الأصوات الانتخابية، فأشاد بدورهم الكبير في بناء الولايات المتحدة على الرغم من عدم إيمانه بذلك.

دينيا ينتمي ترامب للطائفة المشيخية المسيحية (PRESPYTERIAN)، وهي طائفة تعتنق تعاليم العالم اللاهوتي البروتستانتي جون كالفين، ولا يمكن القول إنه متعصب دينيا، فهو لم يطلب الغفران من الله أبدا في أيّ كنيسة من خطيئة أو معصية، وقد صرح ذات مرة قائلا "أعتقد أني لو ارتكبت ذنبا أو خطيئة فأنا أحاول تصويبها بنفسي ولا داعي لأن أشرك الله في مثل تلك الأمور".

تغيرت ميوله السياسية كثيرا على مدى اشتغاله بالسياسة، فحتى العام 1987 لم تكن له أيّ ميول سياسية واضحة على الرغم من دعمه المبكر لحملة رونالد ريجان الجمهوري للرئاسة في نهاية عقد السبعينات من القرن العشرين، وفي العام 1987 بدأ في تحديد موقفه السياسي وأصبح عضوا في الحزب الجمهوري. في العام 1999 ترك الحزب الجمهوري والتحق بحزب الإصلاح (Reform party USA) وبقي به على مدى ثلاث سنوات وأدار حملات الحزب التجريبية والاستكشافية لمرشحي الحزب إلا أن الحزب خبا وهجه بسبب صراعات أعضائه وفضائحهم وتدخلات دافيد ديوك، وبات بوكانان، وليونورا فولاني. ترك ترامب حزب الإصلاح والتحق بالحزب الديمقراطي من 2001 حتى 2008، ولكنه في عام 2008 تبنى ترشيح جون ماكين الجمهوري لرئاسة الولايات المتحدة على عكس انتمائه الحزبي الديمقراطي. وفي عام 2009 غير انتماءه رسميا من الحزب الديمقراطي للحزب الجمهوري مرة أخرى مع تعهده للحزب بالاستمرار به.

ساهم ترامب في الحملات الانتخابية لمرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري على حدّ سواء، وكانت أهم عشر حملات انتخابية دعمها، ست منها لصالح الحزب الديمقراطي وأربع حملات لصالح الحزب الجمهوري. أما بعد العام 2011، فقد أصبح دعمه السياسي موجها بوضوح لأعضاء الحزب الجمهوري، وفي فبراير 2012 تبنى بقوة حملة ميت رومني الجمهوري للرئاسة أمام إعادة انتخاب باراك أوباما الديمقراطي.

يشكّل دونالد ترامب إذن توجها جديدا يطل برأسه إلا أنه علامة مبكرة على ملامح العقود السياسية القادمة وهي في طور التكون والتشكل، هناك شكل واضح من ملامح التوجهات القومية الجديدة التي ظهرت بوادرها في إنكلترا مع نتيجة الاستفتاء الذي حبذ خروج إنكلترا من الاتحاد الأوروبي تحت وطأة موجات الإرهاب الدولي والتطرف الديني الذي أدى إلى انتعاش التيارات القومية المتعصبة.

القاعدة العريضة من الشعب الأميركي من البيض، التي تعتنق المذهب المسيحي البروتستانتي، تبلغ نسبتهم حاليا حوالي 70 بالمئة من مجمل تعداد شعب الولايات المتحدة، وهم في أغلبهم من أصول أوروبية، ويشعرون بالخطر من زحف السود الأميركيين، وزحف المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين من أصول لاتينية وآسيوية. جاء انتخاب ترامب كتعبير عن "ثورة أولئك البيض" كما كان محتوى خطابه السياسي أثناء الحملة الانتخابية متوافقا مع توجهات تلك القاعدة البيضاء التي وجدت فيه معبّرا عن تذمرها وإحساسها بالخطر، خاصة بعد أن تبينوا أن المحافظين الجدد قد خذلوهم ولم يضعوا المصلحة الأميركية على رأس اهتماماتهم وفشلهم في إدارة الأزمة المالية القاسية التي وقعت في عام 2008 وكذلك نقمتهم على العولمة التي أدت لانتقال المؤسسات الصناعية الكبرى من منطقة حزام الصدأ في الشمال الأميركي إلى مناطق حزام الشمس بشمال المكسيك ودول جنوب شرق آسيا بحثا عن مزيد من الأرباح بسبب رخص الأيدي العاملة خارج نطاق الولايات المتحدة ممّا حرمهم من فرص العمل خاصة أن أغلب القاعدة العمالية الأميركية من البيض في شمال أميركا، يضاف إلى ذلك كارثتي حربي أفغانستان والعراق وما ترتب عليهما من خسائر بشرية واقتصادية.

يمثل الإيمان بتفوق العرق الأبيض، وكراهية الأجانب الأسس الرئيسة لأيديولوجية تلك الحركة التي ترفع رموز وشعارات النازيين الجدد، وتتخذ مواقف راديكالية صريحة ضد الأقليات والأجانب، خاصة ضد المسلمين في الولايات المتحدة، في دولة تعتمد في جوهرها ونشأتها واستمراريتها على المهاجرين، طبقا للدستور التأسيسي للولايات المتحدة الأميركية. تبلورت تلك المشاعر إلى إحساس بالخطر لدى تلك القاعدة خاصة بعد انتشار العمليات الإرهابية، وتبلور الإحساس بالخطر إلى خطاب يقوم على "تفوق الجنس الأبيض وكراهية الأجانب"، وانتظمت تلك التوجهات في تبلور تيار "اليمين البديل"، (ِALT-RIGHT) أو (ALTERNATIVE RIGHT )، وأدى فوز ترامب المعبر عن تلك التوجهات إلى انتعاش تلك الحركة بشكل أكبر. اليمين البديل إذن لم ينشأ من فراغ، وتعبير اليمين الجدد ظهر لأول مرة في العام 2010 في المحتوى الخطابي لليميني المتطرف ريتشارد سبنسر رئيس معهد السياسة الوطنية (معهد غير حكومي) الموجه للرأي العام الأميركي، ويطلق هذا المصطلح على القوميين الأميركيين البيض، الذين يرون أن التيار القومي المحافظ الحالي من المحافظين الجدد غير كاف، ويعتقدون بضرورة تطوير خطاب أكثر قوة.

دفعت ظاهرة انتشار مصطلح "اليمين البديل" قاموس أوكسفورد الشهير إلى اعتباره المصطلح الدولي للعام، كما وضعت مؤسسات صحافية كبرى مثل وكالة "أسوشيتد برس» تعريفا للمصطلح بأنه "مزيج من العنصرية والشعبوية وقومية العرق الأبيض"، واعتبرت أنّه يهدد حقوق غير البيض وغير المسيحيين من مسلمين ويهود والنساء والمهاجرين وكثير من الأقليات الأخرى.

ساهم ترامب في الحملات الانتخابية لمرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري على حدّ سواء، وكانت أهم عشر حملات انتخابية دعمها، ست منها لصالح الحزب الديمقراطي وأربع حملات لصالح الحزب الجمهوري

أصبح معهد السياسة الوطنية الذي أسسه اليمينيان المتطرفان وليام ريجنري وصامويل غرانسيس في العام 2005 مقصدا للقوميين الأميركيين البيض منذ تأسيسه. وخلال الأعوام من 2010 حتى 2015، حاولت حركة "اليمين البديل" استقطاب قاعدة شعبية عريضة والوصول إلى الرأي العام من خلال طرح شعارات من قبيل "أميركا دولة للبيض"، و"لا مكان للأقليات"، و"البيض الذين يمثلون 70 بالمئة من السكان لا يلقون الاهتمام الكافي".ٍ

واعتبرت الحركة أنها حصلت على داعم قويّ لها منذ أن أعلن ترامب خوضه سباق الترشح الجمهوري للفوز بترشيح الحزب الجمهوري له لخوض انتخابات الرئاسة.

عادت بقوة أفكار "القومية الأميركية البيضاء" لتفرض نفسها على ساحة الجدال في الولايات المتحدة، وأدّى سبنسر ومؤيدوه في اجتماع في واشنطن التحية للنازية القومية، ورددوا هتافات "فليحيا ترامب، ليحيا الشعب، ليحيا النصر". كما لو كانت تحية "هايل هتلر" قد عادت للوجود مع تغير الاسم والمكان.

بعد أيام من الاجتماع، قال سبنسر في اجتماع مماثل في تكساس "لقد انتصرنا، علينا الآن أن نعيد تعريف أميركا، في النهاية فإن أميركا للبيض".

ورأى لورانس روزينثال رئيس مركز دراسات اليمين بجامعة كاليفورنيا، ببيركلي، أن "ما ردده ترامب حول اعتزامه طرد 11 مليون مكسيكي من الولايات المتحدة، وما قاله بخصوص المسلمين، جعل حركة اليمين البديل تعتقد أنها وجدت من يتحدث بلغتها، الخطاب الذي يستخدمه ترامب شجع على صعود الحركات العنصرية البيضاء، وشعار ترامب القائل ‘أميركا للأميركيين’ منح كثيرا من الشجاعة للمجموعات العرقية البيضاء المتطرفة".

وأضفى تعيين ترامب لليميني المتطرف ستيف بانون مدير موقع "برايت بارت" الإخباري في منصب كبير المستشارين الاستراتيجيين في البيت الأبيض، المعروف بتعصبه القومي للأميركيين البيض، ولديه علاقات وثيقة بحركات اليمين المتطرف الأوروبية، -أضفى- "الطابع المؤسسي على حركة اليمين المتطرف".

عاد الخطاب القومي الخاص بالحزب الجمهوري الذي بلغ ذروته في عهد الرئيس الجمهوري رونالد ريجان (حكم من 1981إلى 1989 ) من خلال تبني الرئيس الحالي دونالد ترامب شعارات مثل "عودة أميركا إلى مجدها"، و"أميركا أولا" ووعوده بتغيير تاريخي غير مسبوق للولايات المتحدة، لكن بينما كان ريجان يدعو إلى دولة تتجه باهتمامها خارجيا لا داخليا وتساهم في بناء عالم آمن، جاء ترامب داعيا إلى تغليب المصلحة الأميركية على كل شيء، حتى أن مجلة "الإيكونومست" وصفت ذلك بأن "الولايات المتحدة كانت متفائلة تحت حكم ريجان وتحولت إلى غاضبة في عهد الرئيس الجديد الذي خلق قومية جديدة تجعل القوى الكبرى -للمرة الأولى- عبيدا لأنواع مختلفة من الشوفونية، أي الوطنية المتعصبة".

حركة التغير الدولي التي بدأت مع سقوط سور برلين وسقوط الاتحاد السوفييتي منذ ثلاثين عاما وحركة العولمة وثورة الاتصالات التي سيطر عليها فكر التدخل الغربي وفكرة أن الغرب خرج منتصرا بفكره وأيديولوجيته من الحرب الباردة وأفرزت الليبراليين الجدد والمحافظين الجدد أطاح بها تصاعد وتيرة التطرف والإرهاب، وأدت الموجات الإرهابية وعلى رأسها ضربة نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر 2001 إلى انتعاش التيارات القومية المتعصبة التي ترى أن الحفاظ على المصالح الداخلية للدولة مقدم على حقوق الأقليات والعلاقات الخارجية وعلى كل اعتبار آخر.

القوميون الجدد إذن يعارضون العولمة، ويعارضون حرية التجارة، ويعارضون ازدياد التدخل العسكري، ونقل المؤسسات الاقتصادية من دولتهم إلى دول أخرى ويعتبرون أن كل بلد مسؤول عن مصيره. سياق التطور الجديد دفع بكثير من القوميين الجدد إلى صدارة السلطة في أكثر من دولة بالعالم، في روسيا، وتركيا، وفي شكل انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانتعاش حركة اليمين الفرنسي المتطرف بزعامة ماري لوبن. حركة جديدة طارئة تدفع للانسحاب القومي للداخل وتغليب المصلحة الفردية للدولة مما يعني الحد من انتقال رؤوس الأموال وارتفاع نبرة الحمائية الاقتصادية والحد من حرية التجارة وكل مفرزات العولمة، بل والحدّ من انتقال البشر الذي وصل إلى درجة طرح أفكار تشييد أسوار عازلة بين الدول مثل ذلك السور الذي ينوي ترامب إقامته لعزل الولايات المتحدة عن المكسيك، ومنع دخول المسلمين والعرقيات المغايرة. ارتفاع معدلات البطالة في الدول الأوروبية الذي وصل في فرنسا إلى 12 بالمئة ويربو في إيطاليا وإسبانيا على 20 بالمئة يخلق موجة من كره الأجانب الذين يقبلون بأجور متدنية ويحرمونهم من فرص العمل، وكذا العمليات الإرهابية التي وقعت في بروكسل وباريس باسم تيارات إسلامية متطرفة غذت وتيرة انتشار واتساع تيار القوميين الجدد المعادي للمهاجرين في المجمل وشيوع الخوف من المسلمين على الأخص (الإسلاموفوبيا).

ما الذي يمكن إذن أن نتنبأ به للأعوام أو العقود القادمة في ظل صعود ترامب ومن يمثلون القوميين الجدد إلى رأس السلطة في أكبر قوة عظمى في العالم ومن المحتمل أن تلحق بها العديد من الدول الأوروبية؟

في ظل تعقيدات الوضع الدولي الراهن ستكون أول النتائج انخفاض مريعا في الاهتمام بالمنظمات الدولية والإحجام عن تمويل العمليات الإنسانية في العالم من رعاية لاجئين وضحايا حروب ومجاعات إلى ضحايا الكوارث الطبيعية، فالانتماء القومي الجديد لا يكترث بالآخر ولا بالقيم الإنسانية العامة بقدر ما يهتم بمصالحه الذاتية، وحيث أن الولايات المتحدة من أكبر مموّلي دول العالم للمنظمات الدولية وعلى رأسها منظمات وهيئات الأمم المتحدة، سيحدث انخفاض مريع في مستوى التكافل والتضامن البشري الإنساني الذي تقوم به تلك المنظمات وستتقلص فاعلية المنظمات الدولية، وتتدنى مستويات التعاون الدولي، وسيحدث نوع من الانكفاء على الذات، وضمور دور منظمة الأمم المتحدة، الذي لن تدفع ثمنه سوى الدول الصغرى التي لا تجد ملاذا لها إلا من خلال اللجوء لحماية القانون الدولي الممثل في منظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها الفاعلة، فإذا تراجعت المؤسسات والتنظيمات القادرة على تطبيق القانون الدولي ستسود شريعة وقوانين الدول الأقوى على الدول الأضعف، أي أن المتوقع أن تشتعل حروب بدوافع قومية لتكريس النفوذ والمنافع، مع اشتداد وتيرة الصراع الدولي وسباق التسلح (إيران وكوريا الشمالية مثالان) الذي قد يفضي إلى حرب واسعة المدى كما حدث من قبل نتيجة للمد القومي لبعض دول العالم في ثلاثينات القرن الماضي.

قد تكون القومية مفيدة إذا تم استغلالها بمفهومها المدني لجمع الشعوب على أفكار لا يمكن تنفيذها فرديا، مثل تشجيع الفرق الرياضية الوطنية أو الدفاع عن مصالح الوطن، وتبني المبادئ العالمية والإنسانية كالحرية والمساواة، على عكس القومية العرقية الجديدة التي تعتمد على الحنين إلى الماضي والأفكار العدائية، ولا تفيد أي طرف في النهائية إلا الدفع قسرا نحو اندلاع مزيد من الحروب.


كاتب من مصر