صناعة تاريخ الآخرين

فصل من رواية

الجديد  عبدالله مكسور [نُشر في 01/04/2017، العدد: 27، ص(118)]

لوحة: بهرام حاجو
أقسى الخطيئة ألَّا تُحب، وجدتُ في حياتي نساء كثيرات، عرفتُ بعضهنَّ في الحانات وأخريات في الشارع وثالثات في أماكن العمل، مررن جميعهنَّ على أطراف القلب، لم تسكن واحدة فيهنَّ مقاماً يرقى بها إلى الخلود عندي، كانت العقدة لديَّ، في كلّ مرة أحزم فيها الحقيبة لسفر يأتي مباغتةً منذ أن صارت أحلام المستقبل تزورني في صورة امرأة ترافقني لباب المطار وتترك عطرها على قميصي، لتذكِّرني دوماً أنها تحاصرني، وحدي كنتُ أعلم أنّي مُحاصَرٌ بنفسي التي لا تقبل القسمة على اثنين، منذ عامين اشتغلت بتزوير حياة الآخرين، بدأت القصة عقب الاحتلال الأميركي للعراق، مصادفةُ الحرب جعلتني واحداً من تجارها، وحدنا المهمِّشون لم نهتم كثيراً لوقوعها، في ذلك النهار حين دخل أبو مرسال على البار في باب توما بالشام، بحث عنّي بعيون زائغة في الدخان، كنتُ أراقبُهُ من خلف الحاجز الزجاجي الصغير الذي يكشف امتداد الشارع في دمشق، مديراً ظهري إلى الحائط وأمامي شاشة تلفاز كبيرة تنقل أخباراً من وِجهة نظر صانعيها، خطواته المتثاقلة نحوي جعلتني أستعيد جزءاً من توازني الذي أفقدتني إياه المدينة منذ سنوات، جملٌ قصيرة، كلمات مباشرة، أورثني اللعنة بعد رحيله، حمَّلني أحلاماً لم تكن بوارِدِ خاطري، صرتُ أفكِّر في الأموال التي سأجنيها، المال هو لعنةُ البقاء.

كان أبو مرسال حذقاً منذ أن قدِم إلى سوريا مع مطلع تسعينات القرن الماضي، كان جندياً في الجيش العراقي قبل الدخول إلى الكويت، وجد نفسه مصادفة يحمل السلاح في الجنوب إلى غير اتجاهه، فرماه وهرب إلى صحراء الرطبة، هناك استخرج أوراقاً ثبوتية جديدة ولجأ إلى البدو الذين تكفَّلوا بتهريبه إلى سوريا بعد أن دفع لهم ما يملك من دنانير، هذه الرواية لطالما سمعتها منه بعد أن تعرفت عليه في إحدى الليالي الماطرة في البار، كان يشرب العرق دون ماء أو ثلج، يرميه بحلقِه مباشرة دون تفكير بذلك الطعم الحاد الناري الذي سيسكن بلعومه، تكفَّل خلال سنوات وجوده الأولى في الشام بلعب حلقة الوصل بين العراقيين الهاربين وأهلهم، كان بمثابة البريد الإلكتروني قبل اكتشافه في البلاد.

أبومرسال، يتحلَّق الجميع حوله بمجرّد وجوده في مكان، فهو يملك من القصص والحكايا والأخبار ما يكفي لتمرير الوقت الذي لا وصفة لقتله هنا سوى بالكلام عن أشياء خارج الحدود.

تعود علاقتي به إلى سنوات خلت، حين التقيته لأول مرة في مقهى الروضة، ظن أنّي من المخابرات لكن سرعان ما توطّدت أواصر المحبة بيننا رغم فارق السن، اعتدنا اللقاء وكنت أنتظر حكاياه التي كنتُ أعرف غالباً أنها من صُنع خيالاته ومع ذلك كنت أحبها، حاولت أكثر من مرة أن أسأله عن حياته قبل أن يأتي إلى الشام، كان يكتفي بالحديث عن العراق بالإشارة إليه بضمير الغائب، أحياناً يستخدم لفظ التذكير وأطواراً يلجأ للتأنيث، كأن يقول مثلاً لرجل عراقي آخر «اشتَكِتلَـه، الله يجازي يلي كان السبب، وحرمنا منها»، مع الزمن صرت أدرك أنه يفرِّق بين البلاد وبين منطقته الممتدة في الجنوب والتي لم أستطع أبداً أن ألفظ اسمها حتى الآن: «الجِبايِش».

لطالما فكَّرتُ فيه كشخصية روائية، طوله المتوسط وانتفاخ بطنه قليلاً، إصراره على ارتداء السراويل ذات القصَّة الفرنسية، وعنايته بشاربِه الكثّ تحت أنفه، كل هذا يجعل منه شخصية روائية تعيش بفضاءات مختلفة، أخبرته مرة عن تفكيري في هذا الاتجاه فسرَد قصصاً عن أسابيع التعذيب التي تعرَّض لها في قاعدة الإمام علي بالناصرية بسبب تأخره بالالتحاق بقطعته العسكرية، وعن أسابيع أخرى في بناء مخيمات مؤقتة في بحر النجف لتنفيذ مشاريع عسكرية، مغامرات بالجُملة يرويها، ربما استهوته فكرة أن يعيش في رواية، قالها لي مرة.

ذلك سيكون مثيراً حتماً

ليه عم تحكي فصحى؟

على مود الرواية يابه!

ظلّ يطاردني بعد ذلك خلال لقاءاتنا بالسؤال اللاهث عن مشروع الكتاب وكنتُ أختلق الأعذار حتى أيقن أنّي غير قادر على الكتابة أبداً، فصار يتهمني بالكذب، إلى أن جاء اليوم، كنت أخال أنه نسي الأمر تماماً، لكن بمجرّد أن رآني، بخطواته المتثاقلة كرجل يمشي في وحل، سحب كرسياً دون اهتمام وجلس قبالتي، بيني وبين اللوح الزجاجي الصغير فحجَب المدينة عن ناظريّ، ألقى التحية دون إظهار اكتراث المهتم بوجودي، وبدأ يتناول بعض حبَّات الموالح، يتلذذ بطعمها بينما أراقبه بصمت.

اعتدنا خلال السنوات القليلة الماضية على الحديث في كل شيء دون الحديث فيما نريد، ليكون الذي نريده هامشياً، هكذا تشابكت الخيوط بيني وبينه، هو الذي كان يبحث عن وطن وجده أخيراً بعد أن رحل بجواز سفر مزوَّر من مطار دمشق الدولي إلى هولندا، وأنا الذي كنت أتمسَّكُ بالشام أكثر، وضع أبومرسال حبَّة الكاجو الأخيرة من يده اليمنى ومدَّ أصابعه الخشنة على الطاولة في الفضاء بيننا، انتبهت حينها أنه لم يكن إلا مزارعاً في حياته الماضية، أصابعه تشبه أصابع جدّي إلى حدٍّ كبير، هي النسخة المزوَّرةُ عنها، كان هاجسي خلال سنوات مراهقتي الأولى اكتشاف مهن الأشخاص من أشكال أصابعهم، وكانت المرة الأولى التي أرى أصابعه بهذا القرب، لمستها بأعيني فأدرك أني اكتشفتُ سرَّاً، فراح يتحدَث بصوت خافت.

أعلم أنك لا تعمل منذ أشهر، هناك مصلحة نقضيها سوا.

قال ذلك، فوضعت يدي على جبهتي وتركت أصابعي تنساب في شعري مستنداً بمرفقي إلى الطاولة الصغيرة، في الحقيقة كنتُ مفلساً وصاحب البار الذي اعتدت معه على جرد حساب شهري، مرَّ عليه أكثر من ثلاثة أشهر دون أن أدفع له، صرتُ خلال الأشهر الماضية لا أسلك طريقاً واحداً في تنقُّلاتي اليومية هرباً من الدائنين، حفظتُ الشوارع الفرعية والزواريب الصغيرة التي لا يعرفها إلا القليل، كانت هوايتي اكتشاف الشام كي لا أبقى وحيداً في البيت، كل المخطوطات التي اشتغلت عليها لسنوات ماضية صارت طيّ النسيان، فقدت الحماسة لكل شيء، حتى أمام إصرار أبي مرسال على إشراكي في الحديث إلا أنّي اكتفيت بمراقبة شاشة التلفاز من خلفه بينما كان يظنُّ أني أستمع له باهتمام.

خمس دقائق ألقى فيها ما أراد، وتناول من أمامي كأس الشراب، دفَقَه كلّه مرة واحدة في جوفه قبل أن يعيده قائلاً: كعبك أبيض!، خرج بذات الخطوات التي دخل بها، ابتلعته المدينة مع الذين تبتلعهم كل يوم، بعد انصرافه حاولت أن أتذكَّر ما قال، أعدتُ ترتيب الجمل التي اختلطت مع أخبار عملية تفجير استهدفت قوات التحالف في الرمادي ظهرت كخبر عاجل في التلفاز.

أراد أبومرسال أن أشاركه بصناعة ماضي الآخرين، أن أخلق حياة لهم لم يعيشوها، شباب هاربون من الحرب والمواجهات الطائفية، لا ينقصهم سوى ماضي نظيف يثبت بالدليل القاطع أنهم لم يكونوا يوماً جزءاً من تلك الأحداث الدامية، استهوتني الفكرة، وقعت بغرامها، صارت شغلي الشاغل بعد ذلك، صار اللقاء شبه يومي مع أبي مرسال عند «قاسم أبو الكص» في جرمانا، كزبونَين عاديَّين نشتري الشاورما مصادفة ونقف على كتف الطريق نأكل ونتحدث، قبل أن يومئ لشاب يقف مبتعداً بخطوات عنا، عادة ما يقترب الشاب مباشرة فهو بانتظار هذه الإشارة، بكلمات بسيطة يُعرِّفه عليَّ ويتركه يقص ما عنده من حكاية، معظم الحكايات التي سمعتها كانت كاذبة، مع مرور الأيام صرتُ خبيراً بصناعة ماضي الآخرين، أشطب ما أريد من انتماءاتِهِم الدينية أو العرقية، أضعهم في الخانة التي أريد، أنسبُهُم إلى أحياء لم يروها أبداً في العراق قبل أن أسافر معهم إلى حمص أو حماه لاستخراج أوراق إقامة قديمة في سوريا بناء على القصة التي أضعها لهم، عادةً ما كنتُ ألجأ إلى القرى الصغيرة حيث المخاتير عادة لا شاغل لهم سوى حالات الولادة أو الزواج والطلاق، هناك ببعض المال والمعارف كل شيء ممكن، وخلال نصف ساعة يملك الشاب ورقة تثبتُ أنه مقيم في سوريا منذ 2003، يقيني كان يخبرني أنَّ هؤلاء مجرمون، متورطون حتى آذانِهِم بالدم، إلا أني كنتُ متورطاً أيضاً بكثير من الديون التي عليَّ إيفاؤها وإلا انكشف حالي أمام الجميع.

يقبض أبومرسال عشر أوراق، آخذ منها خمسمئة، وبعد أسابيع قليلة يخبرني أنَّ الشاب صار بعيداً في بلاد أخرى، شبكةٌ كبيرة يشتغل فيها أبومرسال على مستويات عديدة، غرقتُ في أطرافها فتركني على الضفاف دون أن أكون في دائرة التهريب وتوصيل الشباب إلى المطار، قبل تسليمهم لمضيفة الطائرة كي تتكفل بإجلاسهم على أحد المقاعد كمسافرين عاديين.

عامان كاملان كان أبومرسال واحداً من الذين أعادوا تشكيل نظرتي لدمشق، هذه المدينة التي استطاعت اختزان رائحة كل من يمرّ فيها، غريبٌ مثلي عنها، غارقٌ فيها حدَّ حمل هويَّتها السرية، في ليلها كنَّا نقضي الساعات نمشي حتى يطلع النهار، كلُّ من يعبُر بنا بعد سطوع الشمس نتخيَّلُ أنَّ المدينة تبتلعه، خلفنا كان ثقبها الأسود مباشرة، صارت خطوط شوارعها جزءًا من تكويننا، فتفاصيلُها المنسية على الجدران تحملُ أنفاس الغرباء مثلنا، هذه المدينة لا أبناء لها، كما قال مرَّةً أبومرسال، كلُّهُم أبناء مدينة أخرى، جاؤوا إليها بعد فطامِهِم الأوَّل فاكتشفوا كيف يكون مخدع المدن، أمُّ الأيتام هي، سألني مرةً عن حبّي لها، اكتفيتُ بالشرود في عمق الشارع، كانت تلك النقطة هي سقف العالم حينها.

اكتشفتُ في غرفة أبي مرسال السرية هوايته القديمة بالكتابة، جُملهُ كانت تشبه إلى حدٍّ كبير تلك التي قرأتُها مراراً في كتُب الأيديولوجيات المُقَنَّعة، ضحكتُ وأكملتُ شربَ الشاي العراقي الثقيل المحلَّى، حين باغتني بالقول:

«أتضحك، إنها خيبة السنوات التي أتت فيما بعد، خيبةٌ كانت بحجم الأحلام التي حملناها في جيلنا، انتبَهتُ أنه كتبَ في أعلى الورقة التي بين أصابعي، الخيبات تأتي على مقاس الطموحات، تابعَ قائلاً وهو يحرِّكُ السكَّر بكأس صغير فرنسي الصنع، أشفقُ عليكم، على جيلكم الجديد، أنتم جيلٌ بلا أحلام، وأفرحُ لكُم بذات الوقت، لأنَّ خيباتكم ستكون على قدر أحلامكم!».

سكنتني تلك المشاهد المتتابعة التي اختصرت معرفتي العميقة به خلال العامين الماضيين، كان وحيداً مثل كل أيتام الشام فيها، حين غادرها وذهب إلى بلاد بعيدة قرّر أن يحمل اسماً آخر، فاسمه الذي عُرِف به وهو على عصمة الشام، لم يُرِد أن يعيش به في مدينة أخرى.

لا فاصل بين الحقيقة والخيال في هذه الرواية، كلُّهم عبروا فيها، وحدي أجلس الآن لأكتب فصولها بعدما مات أو سافر أبطالها الذين عرفتهم عن قلب وقرب، منذ أشهر علِمت أن «أبومرسال» مات بمرض نقص المناعة المكتسب، حمل الفيروس من عاهرة التقى بها مصادفة في أمستردام، لا أعلم حقيقة صدق هذا الخبر من عدمه، لكني أثق بخيارات الرجل الذي أمضى لياليه في الشام وحيداً يحلم بالحب.

الموت الذي صار يلبس أقنعة مختلفة هو المدخل الأفضل لهذه الحكاية التي كنت الهامش فيها، لم أتعب لأحصل عليها، جاءتني كهدية نهاية الخدمة قبل الرحيل من هذه المدينة التي تفنَّنَت بقتل أبنائها، عرفتُ الأبطال وبعض دوائر معارفهم فكنتُ الوحيد الذي أحملُ القصة الكاملة رغم عدم اشتراكي بخلق فصولها، كنتُ الغائبَ الحاضر فيها كالمدينة، يحدث أحياناً أن يكون الرجل بطلاً في قصة بعباءة آخرين دون أن يعرف.

***

كثيرةٌ هي الأشياء التي أؤمن بها وكثيرةٌ أيضاً تلك التي لا أؤمن بها، الإيمانُ وحده لا يحتاجُ إلى دليل أو وراثة، يأتي من القلب والروح معاً، الروحُ الهائمةُ منذُ أن قتلَ قابيلُ هابيلَ على الأرض التي نمشي عليها كلّ يوم، هكذا الأشياء تأتي بالتخيير ضمن دائرة التسيير معاً، تطيرُ في العبث المتسلسل من نقطةٍ إلى أخرى، وحدَنا المُعلَّقين على سيل الدماء الصاعد والهابط معاً نحو السماء ضد الجغرافية، هناك قوَّةٌ خارقةٌ تجعل هذه المتتالياتُ تتدافع لتكون كلَّاً واحداً في تشابكها، تفاصيل التعقيد صارت جزءاً منّي منذُ أن اشتريتُ الحاسب الآلي من سوق الحرامية في دمشق، لم يكن هدفي أبداً أن أمتلك في ذلك اليوم حاسوباً، البائعُ هو من أقنعني بأخذهِ مع قائمةٍ من الأشياء التي اعتدتُ اللجوء إلى أرصفة الحرامية المؤقتة كي تكون لي.

اللصوص ليسوا دوماً أشرارا، هم في الحقيقة يقدّمون خدماتٍ للفقراء المُعدمين وللراغبين بالثراء السريع على حدٍّ سواء، كنتُ من الطرف الثالث بين الفقراء والأغنياء حين ذهبتُ إلى هناك تسبقني قدماي نحو قدَري الأخير، حتفُنا يسيرُ في طرقات دمشقَ إلى جوارنا منذ الجريمة الأولى، ننتبِهُ إلى مرور الموت بعد حدوثِه، نصيرُ نرسُمُ المواقف ونعيد إنتاجها لنقول إننا كنّا نستشعرُ بالتسيير القادم من القوة الغائبة، بغيرِ اضطراب ولا غضَب نقبل ما كانَ، وما كان ما كان ليكون لولا أننا مشينا باختياراتنا نحو النقطة المرسومة لنا، نُصدِّقُ أقدارَنا ونؤمنُ بها لتكون رُكناً من حياتِنا الأخرى، هي الزاوية التي ننطلق منها نحو العالم الثاني.

محمولاً على الأكتاف، مجموعاً بشظايا القنبلة التي انفجرت منذ ساعات، تُقاسمني بعض الحجارة التابوتَ الخشبي الذي وضعوني به على عجَلٍ منذ أن صار الموت مكشوف الوجود للجميع، مؤمنين وغير مؤمنين صاروا يقينين بوقوعِهِ ومعاشرته لنا، أيتامُ الشام يحملونني على الأكتاف إلى اللامكان، ميِّتٌ جديد بلا هُويَّة، حتى الحاسب الآلي المسروق في أصلِه صار جزءاً من ذلك الوجود الخارجي، الوجود الذي بات ينحسرُ أكثر في خطواتِه الأخيرة، بحثت لحظتها بعيوني المُسمَّرة على باب الرحمة عن بقايا العمل الصالح فلم أجد، لم أكن صالحاً، لكن لم يطلب منّي أحدٌ أن أقدّم صكّ اعتراف للإله، الخطوات تتسارع نحو العدَم، الأصوات تغيب وعوالم الغيب باتت تتكشَّفُ واحدةً واحدة، وحدي وبقايا الذاكرة التي نقلتُها معي لأروي لنفسي القصة الكاملة، هناك في القبر على بعد أمتار ثمّةَ فائضٌ من الوقت لأروي، ثمَّةَ فائضٌ من الموت لأستعيد تفاصيل الحدث الأخير عن قصّةٍ مشيتُ على حوافِّ الانفجار فيها فكنتُ ضحية الرحيل المؤجّل، الرحيلُ الذي قادتني قدمايَ نحوه، أسمعُ ارتطامَ الحجارة على ظهر التابوت، أصرخُ لكن لا أحد يريدُ أن يسمعني، أنهرُ أجزائي كي تصرخ معي، لا أحد، الترابُ ينهالُ ونور الشمس الذي كان يتسرَّبُ من شقوق التابوت بدأ يغيب.

أصواتُ المعاول تتسارعُ ومع صمتِها تبدأ أقدامُ العابرين من الأيتامِ بالنقرِ على الأرضِ فوقي، صارت الأرضُ فاصلاً بيننا، أرفعُ بقاياي لألحقَ بهم فأصطدِمُ بالتابوت لأحدِثَ صوتاً صمّ أذنيّ فأهبط نحو السكون، أنا وحدي هنا أفردُ سطوتي على المكان.

لم أكن أعي أنّ الموت سهلٌ إلى هذا الحد، بسيط عاديٌّ كخلع ثياب واستبدالها بأخرى، موتٌ يأتي دون مقدّمات الموت ليمنع موعداً للحب كان من المفترض أن يكون بعد انتظار، حبٌّ مؤجّلُ الشهوة والكلمات واللقاء الأول، هكذا تختفي الحياة كلَّها ليبقى منها فقط ما يُمكن إدخاله إلى القبر بعد رحلة جنائزية تليق بشابٍّ عاش حياته على الهامش باسمين وقلبين وعقلين وسبعة أرواح، الروح السابعةُ تكسَّرت في الخطوات الأخيرة نحو نوهادرا، على باب القلب وبوابة العبور نحو الكأس السابع للقاء لم يكُن، جاء الاختصار ليضع نقطة النهاية على موت مفاجئ غير متوقع الحدوث.

الليلة الأولى في المقام الجديد، أجزائي المبعثرة لا تلتئم، والروح تسعى في مناكب التابوت الذي ضمّني على عجل الدفن، ألتفت لأبحث عن رفيق في هذه المساحة الخالية، لا أتذكَّرُ شيئاً مِن كلّ ما كان سواها، نوهادرا ترافقني في القبر وهذه الليلة الأولى معها، الليلة الأولى التي انتظرتها طويلاً في الحياة لم أجد مُتَّسعاً من الوقت هناك لأحياها فداهمتني في خطوة البداية بحياةٍ جديدة لا تخضعُ لقانون اللقاء المُفتَرَض ولا تحدُّها نقاط اشتباك الزمان مع المكان، الحقيقة الواحدة هي نوهادرا وأجزائي والتابوت.


كاتب‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬بروكسل