اليابان أسطورة وحقيقة

اخترت العنوان ليكون معبرًا عما أردته وقصدته؛ فكانت اليابان الحقيقة كما رأيتها وعشتها وعايشتها وخبرتها من خلال إقامتي فيها وتفاصيل حياتي اليومية كما أحياها بلا رتوش. الحقيقة والحقائق كما هي على أرض الواقع بعيدًا عن الفكرة الراسخة في الذهن العربي إجمالًا -والمصري خاصة- عن اليابان والتي عنيت بها الأسطورة في العنوان؛ الأسطورة التي تسكن مخيلتنا ولا علاقة لها بالواقع والتي هي إلى الخيال أقرب، فاليابان وكل ما هو ياباني يرتبط في أذهاننا بالكمال أو كامل الأوصاف، وكامل الأوصاف لا يوجد إلا في أغنية عبدالحليم حافظ وليس في اليابان أو أيّ مكان آخر!

الجديد  محمد غنيم [نُشر في 01/04/2017، العدد: 27، ص(126)]

لوحة: حسين جمعان
لا أحب الاستطلاعات المصورة التي تبدو مثل «كارت البوستال» السياحي والتي أراها لا تصلح إلا لأغراض الدعاية السياحية وليست للقارئ الذي يودّ أن يعرف تفاصيل الحياة اليومية اليابانية والحياة الاجتماعية هناك وكيف يعيش اليابانيون واليابانيات وعن حياتهم وتفاصيلها وعن عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم ومأكلهم ومشربهم، عن كل شيء وأيّ شيء في اليابان، عن اليابان ذلك المجهول.

ومن هنا نبدأ كما كتب يومًا المفكر خالد محمد خالد، أو من هنا نعلم كما رد عليه الداعية الشيخ محمد الغزالي، أو كلاهما معًا وقد أصبحا من بعد صديقين حميمين!

أقيم في طوكيو العاصمة وهي أغلى العواصم في العالم وفق آخر دراسة نشرت فقد استعادت اللقب بعد أن انتزعته منها بعض عواصم أخرى بعض الوقت وها قد عاد إليها من جديد، عاد وليس كل العود أحمد!

طوكيو مدينة مزدحمة دومًا وإيقاع الحياة فيها سريع والنَّاس في عجلة من أمرهم تراهم يهرولون في الصباح إلى أعمالهم حتى لتظن أن اليابانيين واليابانيات جميعهم قد تأخروا في الاستيقاظ لذا يهرولون محاولين اللحاق بأعمالهم والملابس الرسمية هي الطابع العام للموظف أو الموظفة اليابانية، لا فرق بين من يعمل بالقطاع العام أو المؤسسات الحكومية ومن يعمل بالقطاع الخاص، وهم يحرصون على الرسميات ويراعونها في كل أعمالهم، واليابانيون واليابانيات يدعو كل منهم الآخر باسم عائلته وليس بالاسم الأول رجلًا كان أو امرأة، لا أحد يستخدم الاسم الأول لزميله أو زميلته في التخاطب والتعامل والمعاملات في أعمالهم. ويسبق اسم العائلة كلمة «سن» وتعني باليابانية سيد أو سيدة وفق المنادى، ولا أحد يدعو الآخر باسم عائلته من دون لقب سيد أو سيدة إلا فيما ندر، وقد يكون ذلك بين الشباب من العاملين والذين تجمعهم علاقات صداقة، ولكن يظل اسم العائلة وليس الاسم الأول هو المستخدم، واليابانيون رجالًا ونساء مهما بلغت العلاقات من ودية وأريَحَيَة لايتزاورون فيما بينهم في المنازل كما يحدث في بلداننا مهما طال أمد العلاقة داخل العمل ولو امتدت لسنين طويلة، العمل يبقى عملًا والعلاقة بداخله علاقة عمل حتى لو نمت إلى صداقة، هكذا هم وهكذا عاداتهم، ولا أحد يحاول الخروج عنها أو التمرد عليها أو تغييرها حتى جيل الشباب يسير بصورة ميكانيكية وفق العادات والتقاليد التي لها قوة القانون وصرامته، قوانين ليست بالمكتوبة ولكنها متعارف عليها.

والياباني أو اليابانية لا يشغل باله ولا ينشغل بالسؤال حول جدوى ومنطقية ما قد يبدو غير منطقي أو غير ذي جدوى بالنسبة إلينا، ذلك لا يعنيه بكل بساطة، فقط يسير وفق اللوائح والقوانين المعمول بها وحرفيًا ولا مجال للنقاش أو السؤال فيها وكأنها مقدسات، إنها العقلية العسكرية اليابانية العتيدة وإن لم تأخذ الشكل العسكري ولكنك ستلمحها دومًا وفي كل مناحي حياتهم ولن تفهم إن حاولت أن تفهم، ولا يعنيهم أن تفهم ولا يعنيهم حتى أن يفهموا هم!

ونصيحتي الذهبية لكل من يزور اليابان أو يرغب في الإقامة فيها لأيّ غرض كان، للعمل أو للدراسة أو لأي سبب آخر، أن يتقبل اللوائح والقوانين اليابانية في كل مكان يذهب إليه ولا يحاول أن يناقشها أو يجادلهم فيها، لأنك إن فعلت فكل ما ستفعله مضيعة للوقت ولن تفهمهم ولن يفهموك ولن يغير كل حديثك شيئًا، والشيء الوحيد الذي أضمنه لك إن فعلت هو ارتفاع ضغط الدم لديك أو السكر أحدهما أو كلاهما، وما عدا ذلك ستخرج بخفّي حنين.

وإذا أردت أن أصف لك الأمر في كلمتين حتى تعيه كما ينبغي سأقول لك إنها ردود «الأنسر ماشين»! فهل إذا أتاك صوت الأنسر ماشين عندما تحاول الاتصال بأحدهم، هل تحاول الحديث مع الأنسر ماشين؟ الاجابة لا بالطبع، وكذلك الحال مع الموظف أو الموظفة اليابانية في كل مكان، «صحراء كان أو بستانا» كما تغني نجاة الصغيرة!

ولكي أدلل على قولي ومن واقع تجربتي واسأل مجربا ولا تسأل طبيبًا: أردت في بداية عهدي باليابان أن أفتح حسابًا مصرفيًا في أحد البنوك، وهو كما ترى وكما هو متعارف عليه في كل الدول إجراء بسيط لا يستغرق منك سوى بضع دقائق لا أكثر تكون خلالها على الرحب والسعة من الجميع في البنك، هذا ما أعرفه أنا وإياكم ومتعارف عليه، ولكن الأمر ليس كذلك في اليابان! ستسألني كيف؟ سأقول لك أول شرط تعجيزي يقابلك إنه ينبغي مرور ستة أشهر على إقامتك في اليابان كحدّ أدنى لكي تتمكن من فتح حساب بنكي. تستوي في ذلك كل البنوك ولا استثناء فيها، الأمر سيصيبك بالدهشة والغضب وستتساءل ما علاقة أن يكون قد مضى على إقامتي ستة أشهر بفتح حساب بنكي؟ وستأتيك إجابة الموظفة كالأنسر ماشين «نعتذر لك لا يمكننا ذلك، اللوائح لا تسمح»! ستسأل أنت وماذا أفعل إذا كان عليّ أن أقوم بمعاملة بنكية أحتاجها؟ مرة أخرى ستأتيك إجابة الموظفة كالأنسر ماشين «نعتذر لك، ونحن نتفهم ما تقول ولكن ليس بوسعنا عمل شيء» لتسأل مرة أخرى إن كان هنالك حل ولو في مكان آخر؟ وسيأتيك الجواب من الموظفة كالأنسر ماشين «نعتذر لك ليس لدينا علم بحلول أخرى في أماكن أخرى ولكن بوسعك أن تسال في أماكن أخرى»، وكما رأيت وسمعت هذا ما جرى لي شخصيًا وقاربت معه على الانفجار من الغيظ، ولا يعنيهم أن تفهم أو لا تفهم، وهل يعني الأنسر ماشين أن تفهم أو لا تفهم!

لا نتحدث الإنكليزية

هذا فضلًا عن شروط أخرى تبدو عبثية مثل أن يشترط البنك أن تتحدث اليابانية! ستسأل وماذا لو كنت لا أتحدثها؟ يجب عليك اصطحاب مترجم معك ليقوم بالترجمة، وقد تقول «وما حاجتي لمترجم ألا تتحدثون الإنكليزية في اليابان؟» والإجابة « نأسف؛ لا نتحدث الإنكليزية».

لا تحاول أن تسأل كيف ذلك وأنت في اليابان، حاولت أنا قبلك والإجابة «نأسف لا نتحدث الإنكليزية!»، وهناك بنوك ترفض حتى أن تصطحب مترجمًا وتشترط عليك شخصيًا أن تتحدث اليابانية. خرجت من البنك أضرب كفًّا بكف وأقول «يا مثبت العقل والدين يا رب» والنَّاس تختلس النظرات إليّ وقد ظنوا بي الجنون وأنا أنظر لهم وأقول «لكم حق أن تظنوا أنني مجنون، ده أنتو تجننوا اللي عمره ما اتجنّن»، ومضيت أكلم نفسي لا ألوي على شيء.

في اليابان لا يهم إن كنت خبيرًا أو خفيرًا، كبيرًا أو صغيرًا، امرأة أو رجلًا أو بين هذا وذاك، لا يهم طالما أنت زبون والزبون دومًا على حق وإن كان على باطل وأنت تعرف

الأسئلة الممنوعة

كان ذلك ما حدث لي شخصيًا وأردت أن أوضح للقارئ العزيز كيف أن فهمك لطبيعة اليابانيين سيساعدك كثيرًا في كل مناحي حياتك إن فكرت في الإقامة فيها يومًا أو حتى زيارتها.

واليابان تتميز بالنظام والنظافة والالتزام والانضباط والدقة في كل ما يقومون به من أعمال، هكذا هم في كل شؤون حياتهم، واليابانيون مجاملون بطبيعتهم لدرجة النفاق أحيانًا، لذا أنصحك ألاّ تأخذ رأي ياباني أو يابانية في أي شيء يخصك، لأنك لن تسمع إلا كلمات إعجاب أو مديح أو ثناء أو تقريظ، حتى لو لم يكن رأيه كذلك -وفي الغالب رأيه لن يكون كذلك- ولكنه أبدًا لن يقول لك رأيه كما يعتقده هو. وهم يعتبرون ذلك لباقة ولياقة وكياسة وحسن ذوق ولا يعدونه نفاقًا أو كذبًا، بل مجاملة لك. لذا فإنهم يتحسسون من أيّ نقد يوجه إليهم، ولا تحاول أن تفعل لأن الياباني أو اليابانية لن يتقبل أو تتقبل ذلك! وخذ عندك مثالًا: حدث أن صببت بعض عصير المانجو لإحدى زميلاتي في العمل أثناء الراحة كنوع من الضيافة والمجاملة كعادتنا، أخذته وشكرتني وتناولت بعضًا منه وأثنت على طيب طعمه وقالت: إنه طيب ولذيذ. وانشغلت بأداء بعض الأعمال ووضعت الكوب بجانبها. لاحظت أنها لم تتناول منه شيئًا بعدها، فظننت أن الأمر يرجع لانشغالها وأنها ستتناوله حينما تفرغ من أعمالها، وتصادف أن كنت أنظر ناحيتها عندما قامت إلى حوض الغسل داخل غرفة العاملين التي نجلس بها ولم تلاحظ أنني أرقبها، وشاهدتها تسكب العصير وتقوم بغسل الكوب وتعود لمكانها دون أن تفطن إلى أنني رأيت ما فعلت. وأخذت تشكرني مرة أخرى على العصير اللذيذ الذي أعطيتها إياه! وما لم تقله لي وقتها -وعلمته فيما بعد- أن اليابانيين لا يحبون العصائر المركزة والمحلاة، ولكنهم يستحون أن يقولوا لك ذلك ويعتبرون ذلك ليس من الذوق، لذا يتقبلون منك ما تعطيهم شاكرين لك ولكنهم لن يتناولوه، وعرفت وقتها السر وراء رخص ثمن العصير الذي ابتعته ولم أفهم وقتها السبب رغم أن العصير كان مستوردا من باكستان وهو ما يستوجب ارتفاع ثمنه لا رخصه.

ولكن إذا عرف السبب بطل العجب، فالباكستانيون كحالنا يحبون العصائر المركزة والمحلاة بعكس اليابانيين وهو ما لم يفطن إليه من قام باستيراده. فلم يرغبه اليابانيون وركد في الأسواق فاضطروا إلى بيعه بثمن بخس وكانوا فيه من الزاهدين، واشتريته أنا وظننت نفسي وقتها أنني أتيت بما لم يأتِ به الأولون! وحقا أتيت بما لم يأتِ به الأولون والذين هم اليابانيون فعزفوا هم عنه ورغبته أنا وتعلمت ممّا جرى أنه ينبغي عليّ أن أتأكد أولًا من تقبل اليابانيين لما أقدمه لهم وهل يحبونه أم لا حتى لا يتكرر ما حدث.

والياباني بطبعه لا يحب المغامرة ولا التجريب ويحرص على كل ما هو مضمون ومؤكد، لذا فهم يفضلون وضع مدخراتهم في البنوك التي تكاد تقترب فوائدها من الصفر، على أن يقوموا بالمضاربة أو شراء أسهم أو سندات أو القيام بتجارة، والبنوك تعلم ذلك وتسير في نفس الاتجاه، والبنوك اليابانية ليست كالأوروبية أو الأميركية وإنما كل ما تقدمه من خدمات مالية صارمة ومقننة حتى لو طلبت أنت وعلى مسؤوليتك وأبديت استعدادا لتوقيع إقرار بتحملك المسؤولية، ستأتيك الإجابة الأنسر ماشين «نأسف ليس مسموحًا حتى لو على مسؤوليتك»، والبنوك لا يعنيها أن تكون مليونيرا أو مجرد مواطن عادي، لا تهتم أن تكسبك وتستثنيك من بعض الروتين واللوائح، لن يحدث ولا يعنيهم أن تذهب بملايينك إلى بنك آخر أو تذهب للجحيم أو أيهما أقرب إليك، لا فرق!

الزبون دوما على حق

الزبون في كل مكان في اليابان مقدس تقابله الانحناءات والترحيب الشديد والمستمر من الجميع إلى درجة تشعر معها أنهم أخطأوا بشأنك معتقدين أنك رئيس جمهوريتك لأن معاملة كالتي تحظى بها لا تقدم في بلادنا إلا لرئيس الجمهورية أو لوزير وذلك أضعف الإيمان! أما في اليابان فلا يهم إن كنت خبيرًا أو خفيرًا، كبيرًا أو صغيرًا، امرأة أو رجلًا أو بين هذا وذاك، لا يهم طالما أنت زبون والزبون دومًا على حق وإن كان على باطل وأنت تعرف أنه باطل وهو يعرف لكن العمل لا يعرف ذلك، لذا فالزبون مقدس والمقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه! وسأضرب مثالًا عشته وعايشته بنفسي: كنت أعمل في شركة كبرى للملابس الجاهزة وهي أكبر شركة للملابس الجاهزة في اليابان وآسيا والرابعة عالميًا، ولها ما يزيد عن ثمانمئة فرع في اليابان فقط وصاحبها من أغنى رجال الأعمال في اليابان، لاحظت في أول عملي بها الحرص الشديد من الجميع من المدير لأحدث موظف على الزبون والترحيب المستمر به وإطرائه بأحلى العبارات أينما ذهب أو ذهبت داخل المتجر المكون من ثلاثة طوابق، وطلباته أوامر مقدسة لا تقبل إلا الإجابة بنعم وحاضر وبكل سرور، وخلال ثوان معدودة يأتيه ما طلب وأحيانا كان مدير الفرع ينزل بنفسه كأي موظف ليلبّي طلبًا لزبون. وعند استخدامنا للسلالم صعودًا أو هبوطًا يجب على الموظفين أن يلتزموا الجانب الأيسر من السلم التصاقا بالحائط أو دخولا فيه إن أمكن، وإفساح أكبر قدر من مساحة السلم للزبون مع الترديد الآلي لعبارات الترحيب والثناء والشكر له لتشريفه متجرنا بطلعته البهية مع ابتسامة مشرقة لا تعرف الغروب.

وقد حدث مرة أن اصطحبني المدير ليطلعني على بعض الأمور في أحد الأقسام ونزلنا على الدرج ففوجئت بالمدير يلتزم الجانب الأيسر من الدرج ويكاد يلتصق بالحائط وأنا من خلفه لا أفهم ما يقوم به وإن حاولت تقليده فيما يفعل من باب «إنا وجدنا آباءنا على ذلك» وإن لم أفهم سبب هذا الترحيب المتطرف، والزبون لا يلتفت إلينا وهو صاعد ليس يعنيه ما تقول وتفعل. ولكني عرفت بعد ذلك من زميل ياباني أنه على الرغم من أن الزبون لا يعنيه ما نفعله ولا يلتفت في أحايين كثيرة إلى ما نقول إلا أنه لا يتسامح إن أغفلوا هذه الطقوس المتعارف عليها في كل مكان في اليابان تحمل أنت فيه صفة الزبون! حتى البنوك تجد أن الموظف (أو الموظفة) إذا قابلك حتى ولو لم تكن معاملتك البنكية معه، يجب عليه الترحيب بك أينما التقاك، وأنت لا تفهم ما الداعي إلى هذا العرس الذي يقيمونه للزبون أينما يكون ولماذا لا يكتفون بالترحيب الطبيعي والخدمة المتعارف على تقديمها وجودتها وتجويدها ولا داعي لهذه الأعراس والليالي الملاح التي تصيبك بالصداع والسأم وتود أن تصرخ فيهم في أحايين كثيرة «كفى، راسنا وجعنا» ولكن هكذا اليابانيون وعليك أن تقبل ذلك ولا تسأل أو تعلق أو تناقش؛ لا جدوى. وما يصيبك بالدهشة أن الأجيال الجديدة والشباب من الجنسين أكثر التصاقًا باللوائح من الكبار أنفسهم، وتتساءل في عجب «أليس الشباب المنوط به التغيير والتجديد، وكيف يحدث العكس؟» الشباب لا يحاولون السؤال أو التغيير ولا يفكرون فيه، وإن فكر فلن يُقدم على التغيير رافعًا شعار «للتفكير فقط» كما «للعرض فقط» ولا عزاء للشباب!

كنت بحكم اختلافي الثقافي أسأل وأحاول فهم ما يجري ولماذا؟ ويأتيني الرد «لا أعرف، أو لا يعنيني، أو نحن لا نسأل وليس من عادتنا». فأجيب مغتاظًا ومندهشا أحيانًا «ولماذا لا تسأل؟ وهل هي أسرار عسكرية؟» فيجيبك وأحر ما عندك أبرد ما عنده «إنها عاداتنا، لا نسأل، ولست مستعدًا أن أفعل، نعتبره ليس من الأدب أن نفعل»، عندها يمكنك أن تتحسس جيبك بحثًا عن أدوية الضغط والسكر والكوليسترول والمرارة لتناولها جميعا قبل أن تداهمك الأعراض!

كنت مشغولًا بأداء بعض الأعمال حين اقترب مني المدير وقال لي «يا سيد غنيم أريدك أن تقوم بالتخلص من هذه الجوارب»، فاعتقدت أنه يقصد أن نعيد تدويرها بإرسالها إلى بلاد أخرى كأفريقيا كما تفعل الشركة يوميًا إذ تضع صناديق فارغة كبيرة أمام المحل مكتوب عليها إعادة التدوير، يقوم الزبائن أو العابرون باصطحاب الملابس المستعملة التي لديهم في بيوتهم ويرغبون في التخلص منها أو التبرع بها، فيحضرونها إلى المتجر ويضعونها في أكياس وتوضع الأكياس في الصناديق، بعض الزبائن أو المتبرعين يقومون بغسلها وكيها قبل التبرع بها والبعض الآخر مجرد غسلها، وقلة يحضرونها كما هي حتى لو كانت متسخة. تقوم الشركة بتفريغ الصناديق في كراتين يتم إحكام لصقها وإغلاقها وتُرسل إلى مخازن مخصصة ليتم بعد ذلك شحنها إلى وجهتها. ظننت أن المدير يريدني أن أفعل ذلك ولكنه قال لي «لا، أريدك أن تمزقها أولًا بحيث لا تصلح للاستعمال ثم تلقي بها في النفايات وليس لإعادة التدوير» وكان الذي يطلب مني المدير تمزيقه عبارة عن جوارب جديدة تمامًا ذات ألوان وجودة عالية ولم أر فيها أيّ عيب، ولم أفهم السبب الذي يدعوني لفعل ذلك؛ فسألت أحد زملائي بعد أن شرحت له مطلب المدير فاندهش وأجابني بأنه لا يعلم السبب وأنه مندهش أيضًا ولكنه لا يسأل ولا يعنيه! واضطررت وأنا أشعر بالأسف والحزن على الكميات الكبيرة من الجوارب الجديدة والجميلة وغالية الثمن وعالية الجودة، وأنا أتساءل إذا كان لا بد من التخلص منها فلماذا لا يرسلونها كما هي لبلاد سيسرّ بها الناس أكثر من الملابس القديمة والمستعملة التي يرسلونها إليهم، أو يبيعونها بثمن زهيد أو منحها لمن يرغب من العاملين. لكن الأوامر كانت واضحة وصارمة ولا تقبل النقاش ولا السؤال «افعل ما تؤمر به» وفعلت ولم أفهم حتى الآن، ولا يهم أحدًا أن أفهم أو لا أفهم. وهكذا اليابانيون وعليك أن تتعلم كيف تتقبلهم إن أنت أردت أن تعيش بين ظهرانيهم، والمثل يقول «اللي عاجبه الكحل يتكحل واللي مش عاجبه يترحل». ولم يعجبني الكحل ولكني لم أرغب في أن أرحل أيضًا.


كاتب من مصر مقيم في اليابان