العرب وسؤال الدولة

في ظل مجتمع منقسم

الجديد  عامر عبد زيد [نُشر في 01/05/2017، العدد: 28، ص(6)]

لوحة: أحمد عبد العال
بعد ظهور النهضة وصولا إلى حركة التحرر القومي نجد أن القراءات المعاصرة القومية والطائفية تستعيد تلك اللحظات الماضية قراءات تحاول إضفاء الشرعية على الدولة القائمة على المجتمع العصبوي وهو المجتمع الذي يحصل فيه التوظيف السياسي للعصبيات المختلفة، لقد كانت البداية في لحظة ظهور الفكر القومي في تركيا وما أثاره من ردود عربية إذ كانت «الوقائع التاريخية تؤكد لنا أنه لم يكن لدى الأتراك العثمانيين أي نزوع قومي أو عرقي قبل النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فقد عاشوا تسعة قرون متتالية في ظل الإسلام، لا انتماء لديهم إلا للعقيدة الإسلامية، حتى أنهم كانوا لا يعترفون بتركيّتهم، لا يفتخرون بها بل كانوا مسلمين قبل كل شيء. ولم تكن اللغة التركية في عهد السلاجقة مثلا تستعمل في الدواوين، كما أنها لم تكن لغة أدب أو شعر، بل كانت العربية والفارسية» كما يشير إلى هذا قيس جواد العزاوي في كتابه «الدولة العثمانية قراءة جديدة لعوامل الانحطاط».

كانت تلك الدولة العتبة الرابطة بين دولة السلاجقة وفهمها للإسلام وقد وظفت الدولة العثمانية في صراعها مع الأتراك الصفويين في شمال إيران على الرغم من كونهم من القومية نفسها إلا أنهم تمايزوا عنهم بالمذهب وكانت تلك لحظة في الصراع الطويل بين السلطة ومعارضيها موظفةً الدين في الشرعية السياسية؛ لكن مع ما عاشته الدولة العثمانية من نكسات أخذت الأفكار الحديثة تغزوها وأخذت الأواصر القديمة تتفسخ ويتذكر الأتراك أصولهم وقوميتهم ولغتهم، وهنا انشق الخطاب الإسلامي إلى تركي وعربي وأخذت حركة القومية العربية تتولد بين صفوف العرب المسيحيين الذين بشّروا بها بعد نقلها من قبل الأتراك وما اعتمدوه من سياسة التتريك جعلت العرب ينحازون إلى هويتهم القومية إلا أنها ممزوجة بالمكونات المسيحية والإسلامية (السنيّة والشيعية). كان السطح قومياً إلا أنه في العمق يكمن الانقسام الإثني سواء لدى القوميين أو الشيوعيين، ففي العمق يكمن الوحش الطائفي.

إلا أن الوعي الحديث الذي كان بمثابة وعي يوتوبي بمثابة مخرج إنساني لأفق لا محدود يجب أن يتحقق؛ لأنه يمثل العدالة بأفقها الإنساني كما كان يبشر به مثقفو التنوير العرب بوصفه البديل الأخلاقي والعقلي عن الاستبداد العثماني، وهذا ما جعل هؤلاء المثقفين يقفون بشجاعة ضد التتريك الذي اتبعته تركيا والذي قاد الكثيرين إلى حبل المشنقة دفاعاً عن الحلم اليوتوبي.

إلا أن ثمة وعيا إسلاميا كان يعارض هذا التحول الحداثي ويجد في تركيا الدولة المسلمة على الرغم من كل استبدادها. كان رجال الدين في النجف يدفعون الناس إلى مساندة جيش الأتراك ضد الإنكليز على الرغم من وعود الإنكليز بالتحرر لهم ضد الأتراك وسياستهم الطائفية التي حرمتهم من أن يكونوا يوما جنودا بجيشها.

وجاءت الأحداث بالتحرر وظهور الدول العربية الحديثة وهي تقع بين وعي الحداثة وقيم المواطنة ومفهوم دولة الأمة القائمة على دمج المكوّنات في بناء أمة حديثة ووعي الملل والنحل الذي كانت تتبعه الدولة العثمانية القائم على بقاء المكونات منعزلة تحتفظ بخصوصيتها لكن من دون أن تكون لها مشاركة في الثروة وإدارة الدولة بل تتمّ معاملتها كرعيّة من الدرجة الثانية مع تقدم العنصر التركي.

بنية الدولة في معظم البلدان العربية قائمة على حكم القبيلة والطائفة والمذهب سواء أكانت السلطة فيها مدنية أو عسكرية فإن الطبقة الحاكمة تتصرف على أساس عصبوي الأمر الذي يدفع المجتمع إلى الاحتماء بعصبياته

لكنّ الوضع الجديد المتمثل في مدة حكم الاستعمار الأوروبي، (المباشر وغير المباشر)، في كثير من بلدان الشرق الأوسط (الاحتلال البريطاني ثم السيطرة البريطانية في مصر والانتدابات في العراق وسوريا)، جعل المشاعر السائدة بين الغالبية من غير المسلمين (وقطاع واسع من البرجوازية المسلمة) مؤيدة لحكم الأوروبيين، إذ كان لديهم إحساس بالأمن على حياتهم وممتلكاتهم وبسيادة القانون التي كلها كانت تشيع أجواء ملائمة للتجارة والتبادل التجاري. فضلاً عن توافر قدر من حرية الاتصال والتعبير تكفل بوجود حيز محدود للمشاركة في الحياة العامة.

وكان هذا الوضع على نقيض حاد مع أنظمة الحكم العشوائية والقمعية التي سادت في العقود الأخيرة من الحكم العثماني وما اقترنت به سنوات الحرب العالمية الأولى من أعمال نهب. وفي الوقت نفسه انخرط كثير من المثقفين والمهنيين غير المسلمين بدور بارز في النضالات القومية ورحبوا بالاستقلال (أنظر فالح عبدالجبار-هاشم داود، الإثنية والدولة الأكراد في العراق وإيران وتركيا) والمجتمع العراقي جزء من العالم العربي، ومنذ عقد الاتفاقية الثلاثية بين بريطانيا والعراق وتركيا، وقد أقرّتها الأخيرة بالمصادقة عليها في الثامن عشر من شهر يوليو 1928، والتي وافقت تركيا بموجبها على خط بروكسل مع إجراء تعديل طفيف عليه بمقابل استلام نسبة عشرة بالمئة من العوائد التي يحصل عليها العراق من نفط ولاية الموصل لمدة خمس وعشرين سنة، وتحديد الحدود العراقية التركية (أنظر هنري فوستر، نشأة العراق الحديث).

أنا أجد أن هذا الحدث حيوي إلى أكثر من سبب الأول تكوّن العراق الحديث بأراضيه اليوم وانفصاله عن تركيا، الأمر الثاني تكوّن مشكلة العراق، فالعراق بدون الموصل يتكوّن من قومية واحدة هي العرب الذين ينقسمون إثنيا إلى سنة وشيعة وهم بهذا قد ورثوا بامتياز الإرث السلجوقي الذي بقي حياً من خلال هيمنة مكوّن على مكوّن، أما الأمر الجديد فيتمثل في أن دخول الموصل أحدث انقساماً قومياً وهو انقسام حديث بين مكون كان موحّدا هو السنة (عرب، أكراد، تركمان)، بمقابل الشيعة (عرب ، أكراد ، تركمان) ، أصبحت هناك إذن ثلاثية (عرب سنة، عرب شيعة، وأكراد أكثرية سنة وأقلية شيعية)، وهذا المجتمع يعبر عن حقيقتين سياسيتين:

غياب علاقات المواطنة

مفهوم المواطنة مفهوم حديث جاء بعد الثورة الفرنسية وبحثها عن سياسة دولة الأمة القائمة على الدمج بين المكونات المختلفة في دولة الأمة في ظل مفهوم المواطنة، فالمواطنة بوصفها غاية لتوزيع سياسي لأفراد المجتمع على قاعدة الاعتراف بمساواتهم جميعاً إمام القانون وبتكافؤ حقوقهم تجاه الدولة، (أعلنت الدول المستقلة مساواة المواطنين بصرف النظر عن الدين و الانتماء الإثني. وكانت القوى الاستعمارية وعصبة الأمم حساسة و يقظة بصفة خاصة إزاء « الأقليات» الدينية، فيما كانت الصحافة الغربية والرأي العام الغربي سريعي التأثر بقصص التمييز أو الاضطهاد ضد المسيحيين أو اليهود. وقد أعلنت تركيا و مصر وسوريا والعراق ثم دول المغرب من بعدها مبدأ المواطنة العامة والمساواة بين جميع المواطنين. ولكن هذا المبدأ في المساواة و المواطنة العامة كان مقيدا بقواعد وممارسات أبقت على جوانب من صيغ التعامل العثماني مع «الملل». وإن الطوائف غير المسلمة، على سبيل المثال، اعتبرت دوائر انتخابية منفصلة نشأت فيما بعد، (تركيا ليست منها) وإنّ قانون الأحوال الشخصية بمرجعيات دينية كانت تحدد أحكامه على وفق ما تمليه مذاهبها. وكانت قوانين الأحوال الشخصية في البلدان المسلمة تستمد نصوصها من الشريعة، وفي بعض الحالات تتولاها محاكم شرعية مختصة. وكانت الطوائف المسيحية واليهودية تشكل محاكمها الخاصة في إطار تنظيم جماعي أوسع لشؤون الطائفة الدينية. ويعتقد على نطاق واسع، عن صواب، أن مبدأ المواطنة العامة ضرب من الوهم، وإن أوضاع غير المسلمين السياسية والاجتماعية ظلت أوضاعاً مغايرة في الممارسة العملية. وعلى أيّ حال فإن «المواطنة « بالمعنيين القانوني والسياسي هي في الغالب مفهوم مبهم في أكثر دول الشرق الأوسط، فحكم القانون لا يعتد به والممارسة الإدارية لا يركن إليها.

لوحة: محمد عبدالله عتيبي

إن بنية الدولة في معظم البلدان العربية قائمة على حكم القبيلة والطائفة والمذهب سواء أكانت السلطة فيها مدنية أو عسكرية فإن الطبقة الحاكمة تتصرف على أساس عصبوي الأمر الذي يدفع المجتمع إلى الاحتماء بعصبياته فتنهار التسوية الشكلية بين الدولة والمواطن وينشأ ما يسمى بمسألة الأقليات.

وفي العراق هناك شعارات قومية إلا أنها مذهبية تمارس التمركز على سيطرة إحدى المكونات وإقصاء الآخرين المختلفين قوميا ومذهبيا، هذا رهان تم التأسيس له في التعليم والجيش والمراكز الحكومية وبالنتيجة «يمكن القول إنه في ظل الدولة العراقية الريعية، انتظمت العشيرة والطائفة والإثنية فيما يشبه الهرم تقف الدولة التي شخصنت في الغالب، على رأسه، فيما يحصل الآخرون على مزايا ومكافآت أو عقوبات أو حرمان، وذلك بناء على قربهم أو بعدهم عن النظام» (أنظر علي وتوت، في سؤال الهوية عراق واحد).

الدولة الحديثة وأزمة الشرعية

الدولة الحديثة دولة عصبوية تعتمد على طائفة أو عشيرة توسع بها سيطرتها. ومعظم الدول نشأت على قاعدة تمكين عصبيات محلية: (طائفية أو قبلية أو عشائرية ) من كيان سياسي تتوسع به حدود سيطرتها الاجتماعية والسياسية إلى نطاق جغرافي يفيض عن حدودها البشرية؛ لهذا نشأ واستقر النظام بحسب ذلك نظاما سياسيا قبلياً أو عائلياً أو طائفياً معبراً عن مصالح المشايخ والزعماء والإكليروس الطائفي مجندا جمهور عصبيته للدفاع «المقدس» عن تلك المصالح بحسبانها، مصالح عامة للعصبية، بل وللمجتمع برمته.

كان هذا يشكل عجزاً عن تأسيس مجال سياسي حقيقي وحديث بل وإقامة أركان الدولة على مقتضى السياسة المدنية إذ الدولة والسلطة حق عام. فمبدأ الشرعية القبول الطوعي والحر للمواطنين بالنظام القائم الممثل للإرادة العامة، فإن استمرار اشتغال الدولة على الآليات نفسها في التكوين والممارسة يهدّد بإعادة إنتاج أسباب الإخفاق السياسي وتجديد شروط النزاع الأهلي (أنظر محمد جابر الأنصاري وعبدالإله بلقزيز دولة اغترابية، وهي وريثة الاحتلال فهي ثمرة لزراعة خارجية).

إن الدولة الحديثة العربية بعد الاستقلال هي وريثة دول الاحتلال أي ثمرة لزراعة خارجية لم تكن نابعة من حاجة فرضتها حالة تفكك بين النظام السياسي التقليدي، أو تجاوز بين العصبية المحلية ومؤسساتها السياسية فالتهم الموجهة إلى هذه الدولة تتمثل في كونها «عملت على تكريس الحداثة المستوردة التي أدّت إلى استنفار خامة الاعتراض واستنهاض طاقة الرفض لدى الجمهور رأي من النظام السياسي للنخب الحاكمة انتحارا ثقافيا وحضاريا للمجتمع، وكان لا بد أن يكون لهذا ثمن، إنها فقدت شرعيتها أمام الشعور العام ولم يعد أمامها طريق لتحصيل شرعيتها من الجمهور إلا باستعمال القوة المادية المجردة -وهي في نظام قيم الأفكار الحديثة شرعية أو غير مشروعة- فلقد هيمنت تلك الوسائل مما جعلها تؤثر في روح هذا الشعب بدلا من جعلهم كياناً مدنياً مستقلا قادراً على الحركة والعطاء، ونراها -أي السلطة- إلى قدر محتوم يدوم بدوام وسائل القهر والسيطرة وخطط العنف المحدث».

نوجز هذه الفقرة بالقول إن الواقع المعيشي هو ناجم عن تراكم أمرين: الأول الموروث الفكري الذي ترك تركة كبيرة تتعلق بتلك التركة الصراعية المذهبية والفكر الاستبدادي القائم على مركزية الحاكم من جهة. والأمر الثاني هو الحكومة المعاصرة في عالمنا العربي فهي تكريس لخيار غربي على مستوى المعدّات والأدوات السلطوية. أي أنها لم تأت بفعل تطور داخلي ومن جهة أخرى هي نتيجة لهذه النزعات المحلية عشائرية وطائفية أو عرقية. إذن هي تجمع بصورة تلفيقية بين الحداثة في الوسائل الحضارية وتخلف في الوسائل الثقافية؛ لهذا تراها متخلفة بشكل مريع في مجال الثقافة المعاصرة التي تنبع من مقومات الهوية المحليّة. الملاحظ أن هذه التلفيقية في سياسة الدولة التي ترجرج بين الأيديولوجيات بأسلوب تعطي بالأمس قومية علمانية ثم إسلامية من خلال مقولات «الإسلام هو الأصل» و»الإسلام هو الحل» واستعملها الإسلام للتأثير في التوازنات الداخلية مما أصاب خطابها بالالتباس والتناحر والتناقض والاضطراب مما أثّر في مؤسساتها وسياستها وعلى المجتمع بأسره.

لقد ساهمت تلك الموجهات في ظهور خطاب العنف، فإنّ الوقوف عند هذه الأحداث وبأصولها التراثية وامتداداتها الاجتماعية التي تشكل اللاشعور الاجتماعي المحرك للجماهير والسياسات المقترنة القائمة على الفشل السياسي والاجتماعي من جهة أخرى أدى إلى ظهور العنف الذي يعد استعمالاً غير قانوني لوسائل الإكراه المادي من أجل أغراض شخصية أو اجتماعية بقصد إرغام الآخرين على اتخاذ مواقف لا يريدونها أو على القيام بأعمال ما كانوا قد قاموا بها لولا هذا الضغط والعنف بأدواته الحادة الذي يقف سداً منيعاً أمام الفهم الصحيح لحركة الإصلاح والتجديد عبر تزييف للوعي ولإنشائه خطاباً منفعلاً قائماً على التسطيح والقفز على منطق التاريخ وتجاوز الزمن التاريخي للحضارات، فالعنف فعل غير عقلاني ينبع من الانفعالات الفورية والعنف قادر على إحداث شرخ كبير في الوحدة الوطنية ويمكن تمييز بعدين للعنف هما الممارسة والأيديولوجيا.

العنف بوصفه ممارسة

هو كل عمل من أعمال الخروج على النظام أو التدمير أو الإصابة تكون آثاره واختيار أهدافه وضحاياه وظروف تنفيذه ذات مدلول سياسي. فهذا الفعل يرمي إلى تغيير في سلوك الآخرين في وضع من أوضاع المساومة له أثر في النظام الاجتماعي، أي أنه ممارسة إجرامية ذات أهداف سياسية تتخذ من العنف وسيلةً ومن الأفراد أداةً للضغط على الكل الاجتماعي وبالآتي على السلطة السياسية المهيمنة التي لا يعتقد بشرعيتها ممارسو العنف لهذا يوصف بنظر الدولة ومفكريها على كونه «مظهرا لخلل موضوعي في بنيان المجتمع وشبكة العلاقات المتنوعة التي يقوم عليها فتزداد عناصر الخلل وعدم التوازن في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ويظهر العنف السياسي بوصفه ظاهرة حتمية ويبدو كرد فعل ونتيجة لتلك الأوضاع، فالعنف بوصفه ممارسة نجد أن الدولة تلجأ إلى اعتماد القوة العسكرية في الرد عليه؛ فيزداد العنف والعنف المضاد، وهو الأمر الذي نجده يظهر اليوم بوصف كل أعمال العنف التي تصفها أجهزة الإعلام بـ»الإرهاب» بغض النظر عن دوافعها. وهو فعل وممارسة يذكراننا بالعنف الثوري لدى الحركات اليسارية، فهو يحمل الدلالة نفسها ويعبر عن ممارسة الإكراه في فرض إرادته على المنافسين أو الخاضعين له، وهو يوصف بأنه إسلام سياسي، وهو مفهوم يستعمل منذ ثلاثة عقود وهي العقود التي شهدت ظهور المد الإسلامي والظاهرة الإسلامية بمعنى الحركات الإسلامية التي تشتغل بالسياسة. وهي تسمى أيضاً بالحركات الإسلامية التي تنشط في الساحة السياسية وتنادي بتطبيق الإسلام وشرائعه في الحياة العامة والخاصة وهي تسمية أطلقتها الحركات الإسلامية على نفسها». (انظر إبراهيم غرابة، الحركات الإسلامية).

العنف سواء كان ممارسة بلا منطلق فكري أم كان ممارسة ذات منطلق فكري فهو إرهاب دموي يقلب الكثير من المفاهيم الراسخة في الوعي السليم إلى فوضى مشوشة تنشر الانفعال غير العقلاني وتؤسس سلوكيات التعصب

العنف بوصفه أيديولوجيا

إذا كانت الأيديولوجيا تمثل حقل دراسة المعاني والظواهر النفسية عاملة على اكتشاف أصلها فهي أيضا نسق من الأفكار السياسية والخلقية والجمالية والدينية، وبهذا فإن العمل السياسي الذي يعتمد على العنف وسيلة للوصول إلى السلطة أو التأثير في السلطة فإنه ينطلق من منظومة سياسية، وعلى هذا فأعمال العنف التي تدفع الأفراد إلى إرادة القتل والإزاحة أساساً هم ينطلقون من منظومة أيديولوجية تدفع الأفراد إلى التضحية بالذات من أجل ما يؤمنون به. فهذا العنف لا يمكن اختزاله إلى مجرد ممارسة إجرامية بل بحاجة إلى كشف الأوهام الأيديولوجية من ناحية والدوافع التي خلفتها من ناحية أخرى؛ لأنها توفر القناعة باعتبار العنف هو الطريقة الوحيدة أمامهم. ونحن نجد العنف سواء كان ممارسة بلا منطلق فكري أم كان ممارسة ذات منطلق فكري فهو إرهاب دموي يقلب الكثير من المفاهيم الراسخة في الوعي السليم إلى فوضى مشوشة تنشر الانفعال غير العقلاني وتؤسس سلوكيات التعصب والتشدد والتحزب والتصادم وبذلك تعزز في المجتمع ظواهر الانشقاق والتفكك والانحلال والإحباط والانعزال، وكل هذا يؤدي إلى تدمير حركة البناء والإصلاح والقضاء على الحركة الطبيعية لنمو الإنسان ويحوله إلى كائن ينمو في ظروف غير طبيعية.

وتجتمع الممارسة والنظرية في الأفعال الإرهابية اليوم في المنطقة ومنها العراق سواء كانت مع» القاعدة» أم مع «داعش»؛ فهي قد ارتكبت كثيراً من الأفعال التي توصف بالجرائم ضد الإنسانية وهي أفعال إرهابية من حيث الممارسة والنظرية وتنتمي إلى ذلك السلف الذي استعرضناه في المبحث الأول.

مسوغات الفعل الإرهابي

طبعاً للإرهاب أسباب داخلية وخارجية إلا أننا هنا نود التركيز على الإرهاب الذي جاء في الأحداث الأخيرة على الرغم من كوننا نعلم بكونه جريمة في كل الأشكال سواء كان يمارس بشكل شرعي في ظل الدول الطائفية أم في دول الحزب الأوحد التي تمارس الإبادة الجماعية سواء كانت مدعومة من الخارج أم غير مدعومة.

إلا أن الإرهاب الذي تمارسه حركات أصولية يقوم على منظومة عقائدية تتخذ من التكفير والهجرة أساساً لها عبر إقصائها المجتمع والدولة والحكم عليه بالتكفير. فهي تستبعد مقولات صراعية تراثية وطائفية لتوظفها في بناء مخيال جهادي يتمركز حول تلك القراءات السلفية ويحاول أن يسقط الخصم في الكفر أو التفسيق حتى يبيح سفك دمه باعتباره خارجا عن طبيعة هذه المنظومات الأصولية بوصفها أيديولوجيات، فهي بهذا ينطبق عليها هذا التعريف «الأيديولوجيا التي تدين بنيتها ووظائفها التوعية للشروط الاجتماعية لإنتاجها وتوزيعها وتداولها، أي الوظائف التي تؤديها».

فهذه المنظومات الأصولية تدين إلى مصلحة الطبقة التي تعبر عنها بالتوصيف الغربي بحسب مجتمع المدن والطائفة بالتوصيف العربي العرفي، بل للمصالح الخاصة لأولئك الذين ينتجونها، أي تلك القراءات الأصولية للماضي وللمنطق النوعي الذي يتحكم في مجال الإنتاج. أي أن الفكر السلفي مرتبط بالطائفة بشكل عام وبالمتدينين الأصوليين بشكل خاص والفضاء الذي يعملون داخله.

أما عن العمل الأصولي الذي يطرحه المفكرون وهو ما يعرف بـ «المنظومة الرمزية والفكرية» التي تعتمد على ألفاظ تعبوية وعلى الإبانة الموصلة إلى الإقناع بإمكانية تغير العام من السلب إلى الإيجاب يعني المؤمنين، وإن هذا الكلام لا يعدو ممكنا إلا متى اكتسب اعترافا شعبيا «لأن الرموز تتجسد بالأشخاص وفي الفضاء الحماسي الذي يوافق الموقف» والطقوس تجعل المجردات تجسد «فالطقوس هي تحقيق وحدوي لهذه المجردات، كما أنّ المجردات هي تصور خيالي لما هو ممكن حدوثه بالفعل»، وهذا معناه وهنا نجد أنّ دراسة الإرهاب بوصفه بنية قائم على بعدين الأول: النظرية التي يقوم عليها الفكر والذي يسرق وجوهنا ويجعل قتل الآخر أمراً طبيعياً فهو فكر يجمع بين أمرين توظيف التاريخ بكل أبعاده النفسية والذاكرة التي شكلها المؤرخون عنه والتي تم تبنيها في المنظومات الفقهية والكلامية. والأمر الآخر هو التوظيف الأيديولوجي وهو ممارسة سياسية معاصرة، فضلاً عن توظيف الخوف عبر استعمال القوى المتوحشة وهذا ما سوف نحاول تحليله من خلال دراسة الفكر وآليات التلقي عند الناس له بحيث تتحول إلى حواضن له تزوده بالرجال والمال.


كاتب من العراق