أطواق نجاة

قصائد

الجديد  محمد ميلاد [نُشر في 01/05/2017، العدد: 28، ص(26)]

شراسة النسيان

تشقق الماء في شفاههم فعادوا يفرغون النهارات من بقايا عُريهم من أجل أنّة مكتومة فرّطتْ فيها الآلهة.. لم تتبق من تلويحة الأيدي سوى شراسة النسيان. والغيمة التي عبّت أصداءَ الصباح ولم تشِحْ بوجهها عن الحجر حَبُلتْ بالأشباح. قطّروا وجوههم في العتمة فصَلّتْ معها الذئاب. لم يَشْفِهم غرق. ومن فرط ضلالتهم صارت كل موجة طوقَ نجاة.

قارِب مثقوب

الحبر الحائل لم تَحْزِرْه حتى أنفاسُ الموتى، والكلمات المطموسة كاد يعرّيها هذيانهم لولا زفراتُ المكان. الكأس التي عُقِد عليها الأملُ قطفها من الشفاه المخبولة طيفها. فبدّدوا مراياهم في شقوق الحيطان وتدويمات الطيور. تهرّأتْ أخفافهم من السَّيْر في المنام. ولا يزال الصمت في القاع يجفّف لعابَه ويَنْزِحُ قارِبا مثقوبا.

انتظار

أغرقوا النهر في الكلام، لم يصنعوا موجة واحدة أو يَبْسُطوا له طبقة من حصى ليسمعوا خطاهم. ثم جلسوا ينتظرون أن تعيد سَحْناتُهم الضالة المياهَ الفائضة إلى سريرها. مهما عطّلتْ ضجة القادمين مراياهم لن تولدَ على وجوههم سوى تجاعيد مرمّمَة لا تلائم نظراتهم المرتجفة.

الغـيــوم

بعد أن يتكاثف البخارُ الصاعد من البحار والبحيرات

وأنفاس الكائنات، ويَثقلَ حِمْلـُهُ بالتدريج، لا يضطجع

إلا وقد ابتعد عن اليابسة وصار غيوما.

تنبسط هذه الأغطية المبطّنة،

لتدبّ كمثل حلازين عملاقة لا يُفْطَنُ لها

كيف تغيّر مكانها.

وقد تَجِدّ السَّيْرَ كمثل أشرعة

أو قطعان من الخرفان،

بكَوْماتها الصوفية المنفوشة ترسم ما يعِنّ لها،

تعدّل أشكالها فتضيف بعض النّدَف من جهة إلى أخرى،

وكلما لاحت صورة تملصتْ منها

فلا وقت لديها للرسم أو للمحو،

يسابق بعضها بعضا

كأنها تستعجل الزوال!

لكن هل ستصفو سماء،

وهذه الغيومُ الرُمْدُ في غير مواسمها تنفجر في الأفق:

تتصاعد نافخة عضلاتِها

لتندسّ في السّحاب…

بأيّ مطر يا ترى سيَحْبُل عندما يتلبّس بهذا السُّخام؟

تخطيط: حسين جمعان

الحَــجَــر

قد لا تكون للحجارة -أكثر من أي شيء آخر- حاجة في أن

توجد بفعل الكلمات، فهي منتشرة في كل مكان تقريبا.

أيّ صدفة نثرتْ هذه الكتلَ العمياء، عديمة الشكل والجائعة

دائما للعراء؟

تسبقني في الطرقات المتربةِ كما يسبق الحدْسُ في الذهن

لتلتقط أشكالها عيناي: من الحجر إلى الحصاة.

لا سبيل إلى الدخول إلى جوف هذه الكتلة الملمومة التي ينبو

عنها كل طارئ* وتستهزئ حتى من الوصف، مثلما

يستهزئ لونها بين الأعشاب والأزهار من جميع الألوان.

لا تحرّكها الريح ووحده الماءُ قد يجرِّرُها على هواه لكنه

مهما لمّعها تظلّ أثرا غيرَ مكتمل.

في الأرياف لا تخجل الأحجار من عريها، أما في الحواضر

فهي لا تكشف عن وجهها إلا لتستعرض ملاستَها أو خشونتها:

في أحواض النوافير مثلا أو في أجزاءَ من المباني الباذخة،

لكنها تطلّ كذلك من الأنقاض مكشّرة عن أنيابها، حيث يكون

من المحال انتزاعُها من المِلاط كمثل العظم الذي لا يمكن

فصله عن اللحم..

عبثا تحاول العبارة النفاذ إلى صلابة الحجر وأن تخلع ثوبها

البالي على قسماته المتمرّدة، فالحجر هو الذي يثقبها مثلما

يثقب البِرَكَ والمستنقعات مقتحما كل المعاجم.

*إشارة إلى بيت الشاعر (الجاهلي) تميم بن مُقبل:

ما أطيب العيش لو أنّ الفتى حجرٌ تنبو الحوادث عنه وهو ملمومُ.

اليـــد

مثلما يُميَّز المرءُ من صوته ومن رائحته والعينُ من قزحيّتها،

تُميَّز اليدُ أوّلا من صورتها وثخانتها وطول أصابعها.

للبصمات والكفّ كمثل ثوب أحمرة الوحش خطوط فريدة،

وهي تقلد صاحبَها في أثناء حديثه وغضبه وهدوئه مثلما تقلد

حزنه عندما ترتخي بكماء فتتدلّى كجناح مكسور.

لكنها قد لا تطاوعه أحيانا فتتعثر أو تظل تتردّد في حركاتها،

تومئ إلى الفراغ.

تحْزِرُ اليدُ ما لا يدركه البصر، وإذا ما أبهر العينَ شيءٌ،

غارتْ في مرآته لتملأ منه راحتها لكنها تعود فارغة،

تخمِش سطحا باردا بأظفارها.

ربما من فرط حساسية الأنامل نبتت هذه الأظفار كسدادات

لتصدّ الدّم عن الخروج من دورته عندما يتأجج صهيل الشهوة

في الشرايين إلى حدّ الانفجار.

قد لا تكون اليد سوى قفازٍ عالقٍ، لذلك تمتدّ بين السّبّابة

والإبهام إصبعٌ سادسة: هي القلم.

ها إنّ الجُمَلَ تطول كالمفاصل بحثا عن بداية السَّطر

لكنّ الأصابع تلتوي ولا تُخرج ظفرا واحدا تنشبه

في لحم الورقة.


شاعر من تونس