سؤال المخَلّص

انتظارٌ مهيضٌ ومُنقذٌ لا يَجِيءُ

الجديد  عبد الرحمن بسيسو [نُشر في 01/05/2017، العدد: 28، ص(36)]

لوحة: سعد يكن
تتنوَّعُ أسماء المخلِّصين أو المنقذين أو المحرِّرين المُنْتَظَرِين، وتتعدَّد صفاتهم، وحساسياتهم، وملابسات شعورهم، وقسمات وجوههم المُتوهَّمة، وسماتهم العقائدية والفكرية، وملامح رؤاهم المستقبلية، بقدر تنوَّع الثقافات والدِّيانات والشُّعوب وتعدُّدِ المنظورات الوجودية والرؤى للعالم التي تبثُّها هاته الثقافات والديانات عبر اعتناقها، أو الأخذ بها، من قبل الشُّعوب التي أبدعتها، أو التي أخذتها عن غيرها تحت ضعظ ضرورارت أخذتها إليها.

ولا ريب في أنَّ التباينات الثقافية والاختلافات العرقية والدينية والمذهبية والسياسية والقبلية وغيرها، قد لعبت دوراً لافتاً في إحداث هذا التَّنوُّع والتَّعدُّد والتَّغاير؛ فاليهود وبعض النَّصاري وبعضُ المسلمين ينتظرون عودة «المسيح»، مع تصوُّرهم وجود تغاير في هوية هذا المسيح المنتظر إلى حدِّ التناقض الذي يتطلَّب اليقظة العالية، وحُسنَ الإدراك في تدقيق العلامات، لتفادي خديعة السقوط في مهاوي «مسيح دجَّال»!

ولدى الأعم الأغلب من فرق الشيِّعة، وبعضُ أهل السُّنة، من المسلمين، اعتقادٌ بعودة «المهدي المُنتظر» الذي تتباين وجوهه، وتتعدَّد أسماؤهُ، ما بين قريشيٍّ من آل البيت عموماً أو من سلالة أولاد الحسين بن علي تحديداً، أو حطَّاني، أو سفيانيٍّ، أو كُليبيٍّ، أو تميمي، أو غير ذلك؛ بحيث يجري اصطفاءُ واحدٍ فقط من بين هؤلاء المهديين المنتظرين، ليكون هو «المهدي الحقيقي» المُنتظَرُ من قبل الجماعة التي تتبنَّاه جاعلةً من انتظاره مكوناً عقيدياً تأخذُ به نفسها، فلا يكون كلُّ آخر سواه إلا مهدياً زائفاً، قميئاً وملعوناً، أو رديفاً آخر لذاك «المسيح الدَّجال»!

وفيما ينتظرُ مسيحيو الحبشة عودة ملكهم «ثيودور»، فإنَّ المغول ينتظرون عودة «جنكيزخان» أو تيمورلنك»، أما المجوس فينتظرون، وفق الأساطير أو الخُرافات أو الدِّيانات الفارسية، عودة «أشيدربابي» أحد أتباع «زاردشت» الذي منه نبع المُخلِّص النيتشوي الشَّهير الذي بشأنه «تكلَّم زارادشت» مع نيتشه، والذي أرجعه نيتشه إلى الإله الإغريقي «ديونيسوس» الذي رأي فيه المنقذ الأوَّل والأخير، بل رأسُ سلالة المنقذين وآخر تجلياتها، هذا الذي سيأتي من ماضٍ بعيدٍ ليُنقذُ الإنسانية من حاضرها المأساوي، المتمدِّد في واقعها الرَّاهن، عبر إيقاظ أسطورة غافية تأخذ الإنسان إلى مستقبلٍ حُرٍّ طليقٍ يُخلِّصه من حضارةٍ جفَّفتها العقلانية الجرداء فوسمتها بالتَّوحش والشَّراسة.

وعلى نقيض ما تتضمَّنه، وتروِّجُ له، قصص المخلِّصين ونبوءات ظهورهم المُشْبَعةُ بالاضطراب الكوني والاحتراب والدَّم، فإنَّ الخلاصُ النيتشوي الديونيسوسيِّ إنما يتحقَّق بعودة الإنسان إلى أحضان الطبيعة البكر وصفائها الأوَّل، ليعودَ إلى نفسه السَّامية المُفعمة بروحٍ وثَّابة، ووعي جديد، يؤسِّسان لانبثاق إبداعٍ إنسانيٍّ خلاق يملأ الأزمنة فنوناً، ويبثُّ في فضاءات الوجود أنغاماً ذاتِ إيقاعات موسيقيَّة خلَّابة تُثَوِّر المجتمعات الإنسانيَّة، وتُنهضُ من العدمِ الحياة!

وإننا لنلاحظُ أنَّ مصادر تكوين المُخلِّصين المُنْتَظَرين تَتَنَوَّعُ ما بين رؤية أسطورية قديمة، أو دينية، كتابيَّة أو مُبتدعة، أو أدبيَّة إبداعية، ملحميَّة أو سيريَّة، أو فلسفية خُلاصية تبشيرية؛ كما أننا نلاحظُ أنَّ أسماء المُخلِّصين تتعدَّدُ، فيما أمداءُ الأزمنة والقرون، التي يتوجَّبُ على هذه الجماعة أو تلك من النَّاس أنْ تمكثها ممعنةً في انتظار مجيئ مخلِّصها الذي لا يجئ، تتمدَّدُ وتتسع وتزدادُ غموضاً!

وفوق ذلك، فإنَّ الأمكنة والمواضع والحالات التي يتَصَوَّرُ المنتظرون أنَّ مُخلِّصهم مقيمٌ فيها الآن تتنوَّعُ وتتباين ما بين موتٍ سيولدُ منه هذا المُخَلِّص؛ أو خفاءٍ سيخرجُ عنه؛ أو جدارين صلدين احْتُجِزَ جسده بينهما في انتظار فرجٍ سيأتي مع سقوطهما؛ أو حفرةٍ عميقة معتمة ورطبةٍ سُدَّت فوَّهتها عليه ليصعدَ منها حين يشاءُ، أو حين يُشاءُ له، أنْ يرفع بساعديه، المفتولين بقوَّة الغاية التي ينشدها، تلك الصخرةَ العملاقة التي تسدُّها؛ أو سماءٍ سيهبطُ من شاهق أعاليها على جناحي براقٍ من نار ونور!

غير أنَّهُ مهما كان قدرُ هذا التنوع والتعدد والتَّمدد والتباين والغموض، ومهما كان التَّصوُّر التفصيلي بشأن أي أمر يتصل بمنحنى حياة وموت وقيامة وعلامات قدوم أي من المخلِّصين المنتظرين، فإنَّ غاية قدومه، الموعود والمنتظر بغير موعدٍ مضروب، إنَّما هي إقامةُ العدل والقسط في الدُّنيا بعد أنْ عمَّها البلاء ومُلئت جوراً وظلماً وطغياناً، وذلك على نحو يُفضي إلى صوغِ نمطِ للحياة تذوى فيه التناقضات والصراعاتُ، وتتعايشُ فيه النَّقائضُ جميعاً بعد طوال اصطراعٍ وفراق حتَّى «ترتع الأسودُ مع الإبل، والنُّمور مع البقر، والذِّئابُ مع الغنم، ويلعبُ الصبيان مع الحيَّات فلا يضرُّ بعضهم بعضاً»، بحسب ما يخبرنا «الثَّعالبيُّ» في مؤلَّفه «قصص الأنبياء»!

فمن ذا يكونُ، إذنْ، هذا المنقذُ القادر على تحقيق تلك الغاية السامية لإنقاذ نفسه وآخره، وهي الغاية التي يرى نفسه مكلفاً بإنجازها من قبل خالقه ونفسه المسكونة بآخره الذي يرى فيه، أياً من كانَ أو ما كان هذا الآخر، اكتمال أَنَاهُ وتمام رسالته؟! ستكون لنا مع هذا السُّؤال وقفة أخرى.


ناقد‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬سلوفاكيا