بالضبط

الجديد  أسماء عبدالعزيز [نُشر في 01/05/2017، العدد: 28، ص(64)]

لوحة: شادي أبوسعدة
هنا لدينا صالة متوسطه الحجم مرتبة تحتوي ما نحتاجه بالضبط.. أرضيتها صافية كالبِلوّر. كل ما نحتاجه دون زيادة أو نقصان، زوجة أبي امرأة من طراز فريد. لم أعرف أنها ليست أمي إلا من وقت قريب. دوماً أناديها بحجم أطنان من السعادة. أمي، هادئة بجمال ناعم. تلبس ما يليق بالضبط، تقول ما يلزم وبالضبط. تربينا على بالضبط. إنها تنثني كغيمة مليئة بالخير والعطاء، وكأنها كل ليلة تمسح علينا بكف الله؟! لقد خُلقت من وهج، وجدت لتضبط كل شيء.

- هل أقرأ درس القراءة والمطالعة يا أمي؟!

- لا يا ولدي اقرأ درسك وفقط، حين تأتي عطلة الصيف يمكنك أن تخصص وقتا للمطالعة والثقافة كل ما هو مطلوب منك الآن استذكار درسك المفروض وبالضبط..

منذ ثلاثة أسابيع نجهز المنزل، فشقيقتي ستضع مولودها الأول. وأمي تهيئ كل شيء، كتبت كل شيء. رتبت كل غرض في مكانه، تماماً وبالضبط.

قهوة الوالدة (النفاس) ملابس المولود، مهدئات. اشترت بطانيتين، عقمت ملايتين. والأهم من كل هذا صنعت بخور الوالدة بتراكيبه المختلفة وطقوسه. جهزت أمي حتى مطحون الذرة والشعير حتى الدخن. اختارت التمر الرطب أخذت نوعين، نوع يدعى العجوة أتذكره جيدا ً فسعره خيالي، وأضافت نوعا آخر أقل كلفة، وقالت إنه جيد لوجبة الفطور الأربعيني للوالدة.. التي ستكون بالسمن البلدي (مكسوس) حيث ستقدم هذه الوجبة الصباحية مع قهوة البن المطعم بالهيل ولا بد أن تكون سااااخنة. يااااه كم جهزت وجهزت..كانت مستمتعة وهي بين ترتيب وتسجيل وإكمال لتشطب ما انتهت إليه. جاءت هذه المناسبة ونحن الراغبون المحرومون جاءت في وقتها وبالضبط الحمد لجلالك يا الله، سأصبح خالاً والحمد لله كم هذه الدنيا جميلة.

أجمل ما كان يثير انتباهي هو دولابها. أدخل في ذهول حين أتأملها وهي ترتب تلك الملابس المعدودة..تنظفها بعناية فائقة. اللون الأبيض يظل ناصعاً من يوم شرائه إلى أن تودّعه، حيث سيذهب إلى امرأة أخرى. تحب خالتي أو بالأصح أمي أن تتخلى عن ملابسها بعد عام من ارتدائها. ولأنها تحافظ عليها، كانت تبدو جديدة على الدوام، بألوانها الأصلية. حياة خالتي أي أمي كلها مقاسة. كان قلب أبي على حق فقد أخذت بمجامعه. أبي الذي بصمته الفوضى. أبي موظف في واحد من البنوك الحكومية، وكل ساعاته ينفّذ حسابات وحسابات. يوثّق ويرص تلك الملفات، لذا طال بحثه عن تلك المرأة التي قد تنقذ حياته بعد صعود روح أمي الحقيقية إلى بارئها. لا أتذكر ربما هو من حكي لي عن الأمر.

كانت حياتيه متعبه جداً، مليئة بالهموم والمتاعب؛ العشوائية العارمة، الفقر، ومهما حاول تحسين الوضع يظل فقيرا، فقيراً، صاغرا.

هي فقط من حولت تلك الحياة. ببساطتها، بعقلها المترامي الأطراف.لا لا إنها فلتة. كما كان يحلو لأبي مغازلتها.

ذلك اليوم امتلأت شفتاها بابتسامه عذبه. نحن حول تلك المائدة، في الوسط تربع الزربيان، بكميته المضبوطة، وعلى أركانه تلك الخضروات المقطعة بجمال، بألوانها الجاذبة للنظر. طبق وسطي الحجم، وأمام كل واحد منا مع كوب من عصير الليمون. يااااه رائحة منعشة. تلك الملاعق اللامعة، رغم بساطة مائدتنا إلا أن طقوس الأكل تعيدنا إلى مائدة الملك فاروق. هكذا ألقى أبي بمزحة مناسبة وبالضبط، هي تدير الغداء بسلاسة وبراعة. ببساطة هي محترفه. شقيقتي الحامل تدلف بعبارة: إن خالتي كأنها ليست من نساء الدنيا؟!

كل ما فيها جميل..تكاد تكون مكتملة..

لحظتها كانت أمي كما يحلو لي تسميتها قد غادرت المطبخ لتجهز الشاي الأحمر بحبات القرنفل. وصلت رائحة الشاي لأنوفنا، ذاب طعمه في فمي قبل شربه.

عيون جميلة، ناعسة، بياضها أبيض وسوادها أسود، تلك العيون الحوراء.

وجه بدري الطلعة، بملمسه الناعم. إنه ملمس الزبدة البلدي.

يبتسم فاغراً فاه الأدرد. رغم سنواته الثلاث إلا أنه يبدو ابن خمس سنوات. كم تبهجني ضحكته، أخي الصغير إنه ابن خالتي. يا الله طفل بريء وبالضبط.

وجدتني فقط، أني وحيد، وحيد، فقط أنا وأخي. نهض بأطرافه الصغيرة طالبا مني حاجته الملحة للذهاب للحمام. أمسكت بيديه الإسفنجيتين، وقفت بينهم مصطحبا له. ألقيت بكلمتي الدائمة هيا يا ولدي فأنا أبوك وأخوك وقد أكون أمك، غادرت حاضنا لجسده الصغير بين ضحكاتهم وسخريتهم من تذمري، وقدر الله أن تكون آخر وقفه بينهم.

سمعت كلمة خالتي الأخيرة، أخوووووك. قالتها بتوسل. بعد أن أكملت التفتّ بروحي الفرحة لأخبر خالتي أنني أنهيت مهمتي بسعادة فأخي أغلى ما أملك. لحظتها كانت خالتي قد تحولت إلى أشلاء متطايرة!

أبي أيضا ذهب معها للمصير الأخير، شقيقتي وجنينها قد ذهبا أيضاً، ولن أصبح خالاً بعد اليوم.!

ليست إلا جزءا من الثانية، كان بعدها كل شيء قد تحول إلى رماد، رمااااد، رمااااااد. لم نسمع صوت طائرة، هذا هو الغريب، كطاعن خائن هجم الصاروخ فجأة بغتنا بغتاً.

أيتها العاصفة لعنتي ولعنة كل بشر الدنيا عليك.

الركاااام يحيط بكل شيء، ذهبت البهجة، غيمة المحبة، فرح الدنيا غادرنا.

ها أنا حيّ، أنا وأخي، فقط أنا وأخي، أخذ الله البقية. وأنا يا الله، ألم تكن بحاجة إليَّ؟! كيف سأعيش؟ من سينظّم حياتي كما اعتدتها؟ كم فتنتنا الحياة مع تلك المرأة.

يا الله، أيّ غدٍ مأمول ينتظرنا؟ كيف سأكون أباً وأماً وأخاً لهذا الطفل؟!

يا رب أنا اعتدت أن أكون ولدا ولداً وبالضبط.


كاتبة من اليمن