أوهام العظام المقبورة

الجديد  بسام شمس الدين [نُشر في 01/05/2017، العدد: 28، ص(70)]

لوحة: شادي أبوسعدة
ظل يمعن النظر في الخرائب الواقعة في أسفل الجبل المتاخم للقرية، ويتخيّل أبّهة القصور التي شيدت هناك، وثراء سكانها الفاحش، والقبور المحيطة بالمكان الميمّمة ناحية القدس، مما ينم عن أن اليهود كذلك سكنوا في هذا المكان كما تقول الروايات، بل إن هناك قبوراً غير ميمم نحوها مما يعني أن الوثنيين سكنوا أيضاً هناك قبل وجود الأديان، ويوم كان طفلاً سمع جده يقول:

ـ الخرائب مليئة بالكنوز، وقد كانت في قديم الزمان تحتوي على معامل لصياغة الذهب، وربما يكون هناك منجم مطمور تحت الأطلال.

ولهذا السبب تظل الخرائب على الدوام محط أنظار أصحاب القرى والثكنات المجاورة، وليس هناك توقيت مناسب لزيارتها سوى في الظلام، ويكون ذلك الموضع في الليل خالياً ومعزولاً، تلفّه الوحشة والحكايات المرعبة، ولا تسكنه سوى البومات والحشرات والزواحف والضباع الجائعة والجان وكائنات لم يسبق أن رآها أحد. وعلى من يغامر في الذهاب إلى هناك أن يملك قلباً قوياً، وقبل ذلك ينبغي أن يتوقّع أبشع العواقب، ومازال من فينة إلى أخرى، يظن أنها أرض بكر لم يفضّ أسرارها أحد، حيث لا يجرؤ إنسان عاقل على الاقتراب نحوها بعد مغيب الشمس، ولذا ظلت محصّنة من النبَّاشين العابثين، كما بدا له أيضاً أن ما ينسج حول هذه الخرائب من المحاذير هو نوع من التضخيم والمبالغة، ومهما يكن فإنها تستحق عناء المخاطرة من رجل بائس محطّم غارق في هموم الحياة، يدفعه إلى ذلك صوت زوجته الأجش:

ـ لا تقف هكذا عاجزاً عن فعل أي شيء يا مسعود. لم يعد في هذه الأرض أيّ خير في ظل هذا القحط الشديد.

ـ ماذا أفعل؟ السبل مغلقة في وجهي، ولعل الله يسخّر لي كنزاً في الخرائب أسدّد به ديوني، وكل ما أتمناه هو أن يهتم الأهالي لأمري.. وأن ينظروا إليّ باحترام، وأن أعيش ما تبقى من حياتي في هناء دون أن أسمعك تتبرّمين..

تجيب بشيء من السخرية المُرّة:

ـ اطرد هذه الأوهام من رأسك، من هذا الذي يستطيع دخول أرض الخرائب؟ إلا إذا أردت أن تضع حداً لحياتك، هذا شأنك يا مسعود. ولكن تأكد أني لن أذرف من أجلك دمعة واحدة.

أجاب بمزيد من المشاكسة:

ـ ربما حالفني الحظ، وأجد في اسمي نصيباً.

ـ تريد أن تحرق أعصابي وحسب.

ـ …

لماذا لا يجرّب حظه، أحياناً يكون بين البؤس والسعادة خيط رقيق غير مرئي، وعليه أن يمسك هذا الخيط، لقد كان جاداً بالرغم من ميله إلى المشاكسة، بل هو في أوج رغبته وتصميمه على تنفيذ الزيارة، ولو يمرّ هذا اليوم دون أن يقدم على هذه الخطوة الجريئة، فلن يتمكن بعد ذلك من فعلها.. لا سيما أنه في هذا اليوم في أفضل حالاته كما لم يحدث من قبل، إنها مسألة اقتناص للحظة، وعليه أن يتصدّى لأيّ محاولة من قبل زوجته لدحض إرادته.. وأطلّ برأسه من النافذة، ومكث بضع دقائق، تطلّع إلى الأفق البعيد متجسساً على خباياه، كان البرد شديداً يصعق الجلد، إنها ليلة باردة معتمة من ليالي الشتاء، وليس هناك شيء ظاهر عدا النجوم التي تظهر على استحياء خلف بعض السحب الرمادية، فأسرع ليقوم ببعض الإجراءات الضرورية، أخذ المعول والمجرفة والجردل، وتدثر بمعطف ثقيل، ثم تناول مصباحه اليدوي، وحشا مسدسه تحت حزامه تحسباً لأيّ خطر يقابله لا سيما من الحيوانات. كان يتحرك بصمت منتظراً اللحظة التي ستهاجمه زوجته بالسؤال الطبيعي عمّا ينوي أن يفعل. ولكنها على ما يبدو تريد أن تنتظر حتى ينهي آخر أفعاله. ولما توقف مستعداً لمغادرة المنزل وصار يفكر في تبرير معقول لخروجه. سمعها تقول ببرود:

ـ هاه، أين ستذهب يا رجل؟ أراك تتحرك كالآلة، شارد الذهن، وكأنك ستقدم على سفر طويل..

ـ عسى أن أتمكّن هذه الليلة من ريّ الحقل. تعرفين أن موزع الماء يماطلنا وأريد اليوم أن أطالبه بحصتي.

ـ ولكن الماء شحيح جداً. لا يمكن أن تحصل على شيء. الأولى بك أن تصنع مأوى للدجاجات. أخشى أن يأكلها الثعلب هذه الليلة..

ـ في الغد سأفعل. سأحاول أن أرى حظي هذا اليوم في الريّ.

ـ أخشى أنك ستذهب إلى التسكع..

وخرج دون أن يعطيها فرصة إتمام عبارتها.. وسلك طريقه المألوف بحذر شديد، فالجيران متيقظون مصابون بالأرق بفعل ما يتناولونه من «القات» خلال ساعات النهار، ويخشى أن تكون زوجته متلصّصة خلف زجاج النافذة، لأنها لا ريب تتوقع أن يذهب نحو الخرائب، أو قد يأخذها الظن نحو تفسير آخر لا يبتعد عن تفكير معظم النساء لا سيما القرويات. ستظن أنه سيزور امرأة ما في هذا الليل البهيم، رغم معرفتها بأنه غدا على مشارف الخمسين، وهو العمر الذي لا تنتظر النساء أن يحدث فيه شيء خارق للعادة.. ولكنهن لا يتوقفن عن التوجّس من الخيانة حتى يتأكدن بأن الزوج قد فارق الحياة، أو بات مقعداً على فراش المرض، ويخشى كذلك من فضول جاره الحاج غانم ضعيف البصر والسمع في النهار، ولكنه في الليل يبصر مثل بومة، وفي بعض الأيام يحكي له عمّا جرى في الليل، لذا عليه أن يضع خطواته بهدوء في الأماكن الصحيحة. ورغم ذلك سمع كلب جارته «عتيقه» ينبح بشدة، ولعل الحاج غانم والآخرين ينتبهون إلى خروجه إذا لم يكونوا قد انتبهوا. وما يزعجه أكثر هو أن هذا الكلب يهرّ في وجوه الجيران ومن يعرفهم من الأهالي.. بينما يدع الثعالب تسطو على الأقبية لتلتهم الدجاجات والبيض، وقد رآه ذات مرة وهو يلهو وثعلب أصفر صغير كما لو كانا صديقين حميمين، وهذا دفعه ليشكو إلى جارته «عتيقه» فأجابت بعنف:

ـ أنا لم أقتنِ هذا الكلب ليحرس دجاجاتك، بل ليؤنسني بعد أن فارقني الجميع.

وها هو الكلب يعلن عن وجوده بنباح شديد، وهذا أغاظه فصاح:

ـ صه، أيها البغيض. وفِّر نباحك إلى حين يأتي الثعلب الذي يأكل دجاجاتي، وحين أعود من الريّ سألقنك درساً لن تنساه.

وبدا له هذا كافياً لصرف أنظار المتلصّصين، وما إن توغل وسط الوادي حتى مال باتجاه الخرائب سائراً بأناة، وعندما شعر أنه بات بعيداً عن الفضوليين ازدادت خطواته تسارعاً، وبدأ اللعاب يتدفّق في فمه، وراح يتخيل سبائك الذهب التي يمكن أن يعثر عليها، وكأنها قطع حلوى لحجية، ثم أنذره شيء ما أن يتوقف ليبني خطة ما، ولكنه استمر في السير وكأنه عابر سبيل، حتى وصل إلى مشارف الخرائب، وحينئذٍ صوّب نور المصباح هنا وهناك، ولم يجد شيئاً.. كان يقف تحت هضبة غريبة تقع أسفل جبل صغير أملس، واستغرب كيف عاش أولئك القوم في هذا المكان الموحش، وأحس أنه في موضع مجهول عمق كوكب آخر، كل شيء هامد من حوله، ويمكنه أن يصرخ أو يغنّي كما يشاء، ومضى يتنقل بين الجدران المحطمة، ورأى عينين تلمعان فأجفل قليلاً، ولكن سرعان ما اتضح بأنها بومة على شجرة قريبة، فضحك على نفسه، وانتهى إلى المقبرة، وهناك حفر أكبر قبر ميمّم صوب القدس، ولم يجد غير عظام بالية.. ثم حفر في موضع آخر في قبر وثني، كان ينثر التراب جانباً متحسباً لغنيمة قد تظهر، ولكن ظهر هيكل عظمي متفحم بفعل البلى، وخيل إليه بأن عظم الساق بدأ يتحرك، وازدادت دقات قلبه، وابتلعته قشعريرة شديدة، وخانته شجاعته التي يفخر بها. فبدأ يتسلق الحفرة وهو يتوقع أن تمتد ذراع الرجل الميت لتتشبث بجسده من الخلف، ولم يعبأ بالمصباح الذي سقط من يده إلى قعر الحفرة، بل مضى يسحق الظلام بقدميه العاريتين.


روائي وكاتب من اليمن