المشهدية ولغة تفتيت الخوف

تبدو رواية الكافرة لعلي بدر من الروايات التي تبحث عن مبنى الصراع لإدامة ديمومة الحكاية داخل المتن السردي فهي تجنح إلى إضافة هذا الفعل من أجل استكمال أدوات الرّوي والتحول من فعل الحكاية إلى فعل السرد. وبغض النظر عمّن يريد القول إنها رواية متأثرة بنتاجات آخرين فإن ما أمامنا من رواية تحاول الإجابة على سؤال الرّوي ورواية سؤال الحكاية وحكاية رواية الأحداث والمصائب من وجهة نظر سردية، عملت على تقويض الحركة واختصارها في مكانين وإن اتّسعا في المفردات أكثر من اتساعها في منطقة المتن السردي.

الجديد  علي‭ ‬لفته‭ ‬سعيد [نُشر في 01/05/2017، العدد: 28، ص(148)]

رواية الكافرة الصادرة عن دار منشورات المتوسط في طبعتها الثانية لعام 2016 لا تختلف عن الروايات الأخرى التي أنتجها بدر أو غيره من الروائيين بشكل عام عن كون استهلالها يبدأ بمستوى إخباري، وهي تبحث عن تقشير معنى الرواية والاستهلال وارتباطه بالعنوان لكي تكون سبل فهم لمقدصية قابلة في نهاية التلقي.

ولذا فإن الاستهلال جاء كمدخلٍ إخباري يتحرك من مكان إلى آخر، من أرضٍ ملعونةٍ بالحروب دلالة معرفية لها التحليل للتدليل على مكامن الصراع والحاجة إلى القليل من سبر أغوار هذا المكان، وتحديد معالمه عبر تسليط القراءات السابقة والمعرفة المسبقة للمتلقي بالمكان وتفاصيله، لذا نرى أن الاستهلال، وهو إخباري، أنتج لغة الحوار لكي يضفي على الاستهلال ماهيةً متحركة أيضا كونه ليس حواراً في المتن بل هو حوار داخلي في روحية السرد، خاصة وأن الاستهلال جاء بلغة المخاطب من أنثى، امرأة، حبيبة إلى ذكر شاب/حبيب/مريض، «أنا هنا قربك، قادمة من بلاد الحروب التي لا تنتهي. من الأرض الملعونة، من خضم أحداث القتل الغامضة. من عالم الشعوذة. من خنق الزوجات، وقتل الصبايا» (ص7).

والاستهلال جاء أيضا بهذه الحوارية على شكل استرجاع إلى الماضي، مسك الخيط في زمن ماض لاكتمال أهمية هذا الحوار الداخلي وإعطاء معلومة للمتلقي أن ما يقرأه/يسمعه من الراوي هو حكاية مقابلة بين ثلاث شخصيات. الراوية/المرأة/المروي له/ الحبيب/المروي من أجله/المتلقي وهو الحلقة الأهم في معادلة الرّوي لأنه من يقوم بربط تلك العلاقات بشبكتها لتكوين محطة ارتقاءٍ بمعنى الرّوي وقصدية الحكاية وتأويل السرد.

«قلت لك ناولني هذا الكأس/وأنت ستعرف، أعطيتني كأسك، فشربته دفعة واحدة! كأن لديّ رغبة كبيرة ذلك اليوم أن أسكر» (ص7).

إن الاستهلال خضع حتى الزمن إلى طريقه كي يأسرنا إلى تلقيه، لأن الروائي مزج بين زمنين منذ الوهلة الأولى وتركهما في بوتقةٍ واحدةٍ بلغة المخاطب، بهدف تراكم المعرف بهدوء حين يبدأ بعدها بتقشير الحكاية داخل المتن السردي لينطلق من حالة تذكّرٍ إلى حالة مواءمة مع الواقع، «أتذكر ذلك اليوم، بوضوح شديد/وهو يرتسم في ذاكرتي مثل مصباح، في ليل مظلم» (ص8).

بناء الروي بين السرد والحكاية

قد تبدو الرواية مختلفة في بنائها السردي عن الكثير من الروايات العراقية وحتى روايات علي بدر لأنه انتقل من روي إلى آخر ومن طريقةٍ إلى أخرى وتدخل طرق الروي مع بعضها في المتن الواحد والتقليل من مساحات الفصول والفقرات بهدف تلاقي زمن الروي مع زمن الحكاية واستمرار الزمن مع المتلقي، لذا نرى أن بناء الروي انتهج طريقة التناوب بين الغائب والمخاطب دون أن تكون هناك ملامح خاصة لهذا البناء في الفقرة الواحدة أو الفصل الواحد.

بمعنى أن الروائي ترك لراويه مهمة بناء وإدارة المتن السردي بعد أن ضخ له الحكاية التي تشابهت مع حكايةٍ أخرى أوعزها بعض القراء إلى وجود تشابه بينها وبين رواية «حجر الصبر» للروائي الأفغاني عاتك رحيمي الحاصلة على جائزة غونكور للعام 2008، وهناك ثماني سنوات بين الروايتين من ناحية الثيمة والحكاية والمتن السردي مع أن بدر تلاعب بإدارة المتن السردي ليتخلّص من هذا التشابه، الذي ربما فكر مع نفسه، وهو المطلع بكل تأكيد على رواية «حجر الصبر» التي انتهجت ذات الإدارة، ولكن بطريقة التصاعد العمودي للمخاطب والأفقي للغائب لمسك مقدرة السرد والوصول بالحكاية «الواقعية» وأخذ زمام المبادرة من المتلقي الذي يبحث عن غوايات الأماكن الملتهبة كأفغانستان.

إن في رواية «الكافرة» غياب لمعالم عراقية واضحة كما يذكر ذلك في المكان الأوروبي حتى أنه لم يذكر مثلا العباءة العراقية وإن هناك أسماءً ليست ثياباً عراقية «كنت أرتدي مئزري الأحمر الذي تمزقت أطرافه/فلممتها تحت قدمي» (ص113).

نقول إن اللعبة في بناء المتن بطريقة الروي شابها ما يمكن أن نطلق عليه الارتباك لحظة الكتابة دون الانتباه إلى أن ما تريده الشخصية الرئيسية (صوفي/فاطمة) بطريقة المخاطب يتحوّل إلى طريقة الغائب حين لا تكون هي المتحدثة ولكن في الكثير من الأحيان يتداخل هذه اللعبة فتكون تارةً متحدثةً لتخاطب الشخصية الثانية «أدريان» اللبناني المسيحي الذي التقت به في مهجرها الأوروبي حيث الاثنان يبحثان عن مأوىً هادئ..

وبالعودة إلى مستويات السردي نراها ترتبط ببناء الروي حيث ثمة قفز بين المنظومة البنائية داخل المقطع الواحد وانتقالات مندسة في بطن الروي قد تجعل المتلقي يكون قريبا من الحدث أو تتركه في حيرة من أمر ربط صيغ الروي بطريقة روي الغائب والمتكلم والغائب والمخاطب، والمخاطب بقصد الغائب وبالتالي هناك كمية كبيرة من الإحالات ومراقبة الأحداث لكنها تمتلك مسعى سرديا للكف عن كوامن الأفعال الماضوية أو بؤر الصراع الذي أدى إلى كل هذه الصراعات المتعددة..

ولأن الماضي يحتاج إلى ذاكرة فإن إدارة البناء اعتمدت على فعل الذاكرة والتذكر أكثر من مرة وتحويلها أي الذاكرة إلى متن سردي وتحويل المتن إلى حكاية وتحويل الحكاية إلى لحظة استثمار الوعي بقوة من أجل التنبيه والاستنكار لما حصل سواء في العراق من خلال الإرهاب أو لبنان من خلال الحرب الأهلية.

إن هذا الانتقال من الحاضر بطريقة الوصف إلى الماضي بطريقة التذكر مهمة جيدة تبنّاها الروائي لإخراج متن الرواية «تتلكم صوفي مع صديقها، بينما هو ممدد على سرير، في مستشفى، يرقد أمامها نحيف الجسم. ذراعاها هامدتان، تمتدان على طول جسده» (ص16). «كلما أكون معك، وأنت جالس على الكنبة بالشورت والقميص الأبيض، وأنت تقرأ الصحيفة، أتذكر الحجرة المربعة الضيقة في منزلنا، تلك الحجرة التي عشت فيها كل طفولتي وشبابي تقريبا. أتذكر منزلنا الصغير والكئيب، والواقع على حافة الصحراء، وعلى طرف من مدينة صغيرة، مدينة ليس فيها سوى سوق واحد، وبضعة منازل متداعية» (ص17)

فعل الروي وطريقة الكولاج

الروائي علي بدر

تبدأ بنية الكتابة في أغلب أقسام الرواية بالحاضر، كما أن كل مقطع تكون ديباجته في فعل حاضر ليعود إلى الماضي ويسرد على لسان راويه أو الشخصية المحورية الذكريات التي تقشر الصراع والقصد والمستوى الفلسفي لكشف المخبوء والمضمر.. مثلما تعتمد البنية الكابية على تناوب الروي بين الغائب والمتكلم من خلال مستويين متناغمين ومتجاورين ويتسابقان مع بعضهما وهو المستوى الإخباري والمستوى التصويري مثلما تعتمد على صيغة التقطيع لتلاحق الثيمة مع الصراع من جهة وتركيب الزمن وتقطيعه من جهة أخرى.. ومن خلال تعاضد المستويين يأخذ المتن السردي طريقة الروي إلى شرح تفاصيل الحياة اليومية..

سرد مقابل حكاية وحكاية مقابل سرد وهي صيغة مهمة من صيغ إعلاء شأن الرواية ولهذا تتخذ إدارة الحدث مهمة الروي مرة بين شخصين متحاورين وهما الشخصية المحورية صوفي إلى الشخصية الثانية الحبيب وأخرى بين الروائي والراوي فيكون الشرح طويلا لكل جزئية مكان الروي.. النسيان.. الهدوء.. اللذة.. البحر.. اللقاء.. الماضي.. ربط الأحداث مع بعضها، تخييل الواقع وتقريبه، إزاحة المخيلة إلى الواقع وتركيبها، وضع أسماء لأماكن واقعية سواء ما هو مرتبط بالآني أو بالماضي، وكلا الشخصيتين هنا من الشخصيات المهاجرة من أماكن الحروب إلى أماكن الهدوء والأمان، ولكن الاستقرار ينقص كل شيء فتكون الإدارة باحثة عن كيفية ترابط هذه الماضويات وهي المهمة في سرد الحكاية أو حكاية الرواية وبين الزمن اللحظوي الذي تعيشه الشخصية المحورية والتي من خلالها يتم تقشير حياة وماضي الشخصية الثانية.

وما بين منطقتين شهدتا حروبا ومعارك تتصلان بالطائفية الدينية أو المذهبية في لبنان والعراق فإن الواقع هو الهروب إلى أماكن أخرى للبدء بتكوين حتمية إدارية لتثبيت الواقع وإدانته من جهة وتثبيت أركان الحكاية على المتن السردي من جهة أخرى، ومع الشخصيتين المحوريتين تبرز شخصيات أخرى كالأب والأم والأهل والزواج والمعارك والقتل والدنس والتطهير والاستهجان واليأس والاغتصاب والطلاق والمتعة والجهاد والسلاح والثأر والهرب إلى مجهول للبحث عن واقع جديد.. فالشخصيتان تعانيان من الماضي ومن حروبه وتكفيره والضياع الذي حصل مع اختلاف طريقة الهرب إلى الخارج حيث أوروبا وبروكسل تحديدا واعتقد هو مكان الروائي بدر حيث يقيم.

إن المستوى الإخباري كما ذكرنا هو المهيمن بكليّاته ولذلك فإن المتن اعتمد على حالتين الأولى هي الحديث المباشر ومهمته ربط الثيمة بالمتن، والثانية حديث الماضي ومهمته ربط المتن بمخيلة المتلقي ولذلك يغيب المستوى القصدي كثيرا، فيبرز حين يتعلق الأمر بالماضي فينتحي لتوضيح تحليلا الأبعاد كما يراه الروائي أمام هذه الحادثة أو تلك وأمام مجموع الحوادث لتشكيل منطقة قصدية كبرى تقول نيابة عن الروائي ما يريد قوله للمتلقي.

إن بنية الروي احتاجت إلى تعهد كتابي لربط الأجزاء بالممكنات ولربط ماضي صوفي (فاطمة) لتبيان شبكة العلاقات من خلال ذكر اليوم والشهر كعنوان في غياب السنة. فهذا المردود التاريخي له فائدة الإخبار عن كل هذا الهلع الذي ربط ماضي صوفي حين كانت فاطمة مع المسلحين وهو متن يحيل جزئياته إلى حالة الصراع الذي خلف كل هذا الخوف في داخلها وجعلها امرأة تريد الانعتاق من هذا العمر المعتق بالموت وتريد أن تكون شبيهة الكافرة التي تم تعذيبها لأنها لم ترتد الحجاب.

لذا فإن الزمن في مجمله العام داخل بنية الروي كان على مرحلتين متناسبتين من الزمن مع صوفي وأدريان وهما أولا زمن الماضي قبل اللقاء أو الهرب إلى أوروبا، وثانيا زمن المكان الأول للشخصيتين العراق ولبنان وما فيهما من صراع الحروب والطائفية والقتل والدمار.

ونرى من جانب آخر طريقة البناء تعتمد في مقاطعها العديدة على فكرة الكولاج وخاصة تلك التي تستخدم طريقة الروي المخاطب وعملية التذكر وفعل التواريخ التموزية المثبتة في أعلى كل مقطع وهي مقاطع حياتية جعلت من تكرارها يبدو وكأن الكولاج هو الهدف الأعلى لرسم المشهد السردي ورسم المعلومة في المأساة ولهذا أخذ الكولاج على عاتقه عملية جمع الزمن وبعثرته ضمن الحدود والمواقف فتناوب مع الحركة وفيها من نقطة محددة ليذهب مرة إلى اليسار وأخرى إلى اليمين ثم يقف في منتصف الطريق ليعيد الذاكرة وترتيب البنى السردية.

دلالة المفردة وتعويض المشهدية

اللغة وسيلة الكتابة وفي الرواية وسيلة المخيلة وإكمال نواقص الحركة المشهدية.. اللغة تفكيك وتركيب لقريب المشهدية إلى المتلقي فهي التي تعوضه عن رؤية مشهد سينمائي يجتهد المخرج لإيصال كل التفاصيل.

في الرواية اللغة مفتاح الحل.. وفي رواية «الكافرة» اللغة اتكاء الروي ومحمول دلالي لا يحتاج إلى خاصية الشعرية فيها ولا محمول لغوي يحمل دهشته الكامنة في معنى المفردة وإزاحتها التأويلية. لذا فإن البنية الكتابية في الرواية تعتمد على الجملة السردية الوصفية الخارجة من فم الراوي على لسان الشخصية المحورية أو من فم الشخصية التي يلقنها الراوي.. فتأتي الجملة طويلة عاكسة ما ظهر من الشخصية للوصول إلى ما بطن من العلاقات التي تحملت وطأتها أو التي حملتها معها لتكوين شخصيتها.. واللغة هنا ستكون شارحة لهذا الوصف متابعة للحركة المشهدية التي يراد لها أن تقترب من المشهدية السينائية المقابلة..

اللغة قافزة على موانع الروي إلى ساحة المشهد الواحد لذا فإن تعدد المشاهد يضفي نوعا من التتابع المقصود لبناء الجملة والمفردة غارقة في روحها المتابعة للحركة الوصفية أيضا، والوصف جزء من المشهدية داخل المتن الحكائي مثلما تكون الجملة جزءا من المتن السردي فيكون جمع الخاصيتين هو إعطاء صورة للكائن الراهن وتقشير كل الماضي للوصول إلى احتدام لحظة معرفة كينونة الكافرة التي وضعت كعنوان فيما يريد الروائي من المتلقي أن يبرهن مثله على أن التأويل هو تلك الأسئلة التي حملت مدلولها اللغوي حين يتكلم جمع الأسئلة التي بثت على لسان الروائي من خلف اللغة التي بثها الراوي أو تلك التي قالتها إحدى الشخصيات.

إن المفردة في الرواية تتقافز وتتكرّر أيضا وكأنه يريد أن يجبرنا على تصور ما يرده ليقرب إجبار المتلقي لما يريده والتكرار في بعض حالاته يكون مثل تصوير المشهد من زوايا عديدة وبعضها يعود إلى ذات الزاوية لذلك كان التكرار واحدة من العلامات التي تغوص فيها اللغة في مشهدها السردي.. لذا نرى لغة التقريع مثلما نرى جملة السخرية والخوف والهلع.. جمل متلاحقة ومتلاصقة ومكررة مثلما نوهنا.. لذلك يكون المتن السردي في الكثير من المفاصل عبارة عن منولوج أو هذيان فرداني، تقابل بين من هو مسجى في المستشفى وبين العاشقة التي نستدلّ على أنها تمكنت من الهرب عن طريق مهربين، فقد تمكن من اغتصابها وهو هارب من جحيم الحرب الأهلية اللبنانية ليبحث عن ثأره فيجد نفسه وقد تزوج من بنت الأب الذي قتل عائلته لأنّه لا يقوى على القتل وتلك قصدية وتأويل منزاح رغم ما يمكن تأشيره من خطأ عقائدي وديني لأن الشخصية هنا هي مسيحية ومن قتل أهله، والأحداث جرت على لسان والده، هم مسيحيون فكيف تتزوج المسيحية من مسلم حتى لو كان المكان أوروبيا.

المستوى الإخباري كما ذكرنا هو المهيمن بكلياته ولذلك فإن المتن اعتمد على حالتين الأولى هي الحديث المباشر ومهمته ربط الثيمة بالمتن، والثانية حديث الماضي ومهمتها ربط المتن بمخيلة المتلقي ولذلك يغيب المستوى القصدي كثيرا

إن المفردة كذلك تختفي تحت عباءة المستويين التصويري والإخباري وهي لغة شاردة متسارعة تحاول رسم ملامح الشخصية بأبعادها الثنائية الداخلية والخارجية سواء ما كان منها الشخصيات الطبيعية أو الدينية أو تلك المتصوفة أو الاعتبارية لما حصل في لبنان من قتل وحرب وما حصل في العراق من إرهاب جماعات القتل وما حصل في بعض المناطق المشار إليها في الرواية إشارات عابرة لكي لا يستدل عليها موقع محدد ومعين فكانت القرية تارة أو الناحية تارة أخرى ومدينة تارة ثالثة والأسواق والترتيب الحياتي لهؤلاء الإرهابيين وكيف يتهمون الناس بالكفر.

إن المفردة في بعض أوجه تدوينها السردي تبدو سريعة ومتراكمة فضلا كما ذكرنا عن تكرارها وكأنه يعيد سبكها لذلك يبدو لنا المتن السردي يخالج الحالة النفسية، ولذا فإن الراوي يراقب الحوار والداخل المضمر للشخصية، ويلفّ ويدور حول المفردة بمستواها التصويري المخترق من المستوى الإخباري والمحمل بالمستوى الفلسفي المبثوث مع الأسئلة وهو بهذا يريد أن يتقرب من السرد ويتجنب روي الحكاية بطريقة الإخبار المباشر فتتحول لديه الثيمة عبر مفردات سريعة إلى متن متصارع خاصة وأن الحالة النفسية للشخصيتين مأزومة بحاضرها وماضيها بهدف ألّا تبقى مشاعة، لكنّ الخوف يحيطها والراوي العليم يريد تسطيرها من خلال الأسئلة تارة ومن خلال حالة الهذيان تارة أخرى. كل شيء يمر عبر بوابة المفردة فتكون لغة المخاطب في ردهات المستشفى منوطة بقوة السيكولوجي لتكون عتبة مرهونة بتشويق تصاعدي للصراع. ولذا فإن صيغة المخاطب تعتمد على حوار فرداني.. حوار ذاكراتي لتدوين ما حصل وهو حوار مع النفس لتذكر تفاصيل الماضي.

إن فعل الهذيان ليس سبة أو خللا بل هو طريقة توصيلية لما يتصارع من أجله الواقع وما يريد طرحه من بعد فلسفي هجائي ساخر ناقد متسائل. لذا نجد أن الراوي يتحول من فعل الهذيان إلى فعل السرد من خلال التحول بطرقة الروي ليأخذ زمام المبادرة في إخراج اللغة من جعبة الأنا إلى الآخر ليتيح له أن يكون قادرا على الإتيان بالماضي إلى اللحظة التدوينية.. ولأن الحدث في بعض أجزائه سيكولوجي فإن التكرار في المفردة وفي حالة الوصف تحديدا جعل الروي يحتاج إلى مساحات من التوضيح لكنه بات توضيحا طويلا لأنه، أي الراوي، كان يحتاج إلى روي أكثر لتوصيف المشهدية فارتبكت اللغة في وجعها وهو ما أثّر حتى على الزمن كما في حالة شخصية أدريان الذي جاء ليقضي أسبوعا من الإجازة ويحجز في الفندق يومين فيما بدا الحدث مع صوفي وكأنه يمتد لأكثر من أسبوع.

التحليل وفعل التأويل

تمتاز الرواية كونها تحمل ألغازها معها وهي ألغاز لا تعد أحجية بل قابلة لتدارك معناها بالنسبة إلى المتلقي وهو ما تم استثماره في إدارة البنية الكتابية سواء من ناحية المستويات السردية أو من ناحية اللغة ومفرداتها.. وهذه الأحجية تحتاج إلى فهم التأويل الدلالي لها وربطها مع معانيها المبثوثة سواء تلكم التي تشكلت على شكل أسئلة أو التي جاءت على شكل حوار أو منولوج أو رؤية الراوي داخل المتن السردي. «لا تنصت إلى نحيبي أنا امرأة ملعونة، امرأة كافرة، خرجت عن العشيرة، فشحبت روحها» (ص34)، «كيف أحكي لك عن حياتي؟! صديقي، وماذا أحكي لك؟! ماذا أقول لك؟! كنت أعيش في مدينة بائسة، وزيادة في بؤسها، سيطر عليها المسلحون. هل تتخيّل؟» (ص36)، «اجلبوا هذه الزانية الكافرة من السجن»! هكذا كان الصوت خشنا قاسيا» (ص40).

وهنا يبدو وجود ترابط بين الجمل التي لها علاقة بتقشير العنوان وبين الواقع الذي يفضي إلى معرفة الدليل والدلالة والمدلول فهي ليست كما يقول المسلحون وليست كما فعل المهرب وعدّها كذلك وليست كما هي بعرف المجتمع العشائري حيث ترفض ما يقال لها عن الدين والمجتمع والحياة.. الكافرة تأويل وفعل تأويل وهي تحليل وشاهد لنتائج التحليل وهي نعت لامرأة لمخالفتها التعاليم.. صارت فعلا لردة فعل معاكسة وهي ردة فعل لفعل حاضر أمامها في التصوف والطرق العبادية وغيرها ليكون فعل التمرد على الواقع والأب الأم التي تم رجمها، «بقيت إلى المساء.. لم أعد إلى المنزل. بقيت أفكر بهذه الكافرة. كنت أريد أن أكون الكافرة. لا لشيء إلا لمواساتها» (ص47)، «كان علينا أن نكون كلنا كافرات، لا ندعها تموت وجدها» (ص48). «ثم اصطادهم فيما بعد واحدا بعد الآخر، أي بعد التحاقه بالمسلحين، لقد اتهمهم، بالتقاعس، عن الجهاد ضد الحكومة الكافرة» (ص68).

والتأويل سؤال أيضا يضعه الروائي على لسان أبطاله الذين يتحركون بحسب ما يقتضيه الراوي وهو فعل سردي داخل بنية تبث ما يمكن أن يريد طرحه من رؤى وأفكار وحتى مبادئ لمواجهة الأجوبة التي تعود إلى محاجرها بلا هوية:

«سألت أمي:

هل الله عادل؟

نعم هو عادل.

هل هو رجل أم امرأة؟

هو روح، لا رجل ولا امرأة.

لماذا نقول هو ولا نقول هي؟

لأنه لا يصح أن نخاطب الله باسم امرأة.

لماذا؟

لأن المرأة أقل منن الرجل» (ص48).

«لماذا أنت خائفة يا أمي؟

لأني امرأة.

لماذا تخاف المرأة؟

لا أعرف.. هي تخاف».

والرجل ألا يخاف؟

«هو يخاف أيضا ولكن من أشياء مختلفة» (ص62).

«هل تعتقدين- يا أمي- أننا نستطيع أن نعيش حياة صحيحة، في مجتمع، ليس صحيحا؟» (ص85).

لوحة: راشد حسو

الخوف الذي بدأ من الحرب والإرهاب والسلاح والأب الذي تغير أيضا «كنت أخشى لحاهم الطويلة التي لا تستطيع الريح تحريكها.. فأعود راكضة لأبي، راكضة إلى حضنه! كنت أريد أن ألمس وجهه! وجهه العتيق القريب من وجهي، والذي لا أرى فيه سوى ابتسامته العذبة. ورائحته التي أعرفها، وأنا مغمضة العينين، في حضنه، وكنت أشمها منبعثة من لحيته.. من صدره، من وجوده بأسره! غير أن هذه الرائحة وهذه الابتسامة قد اختفتا تماماً، من وجهه، ومن جسده بعد ظهور المسلحين المتشددين في مدينتنا» (ص63).

وكذلك الخوف من الفقر لأنه يتحول إلى قوة قاهرة.. والخوف من الحب ذاته:

- «لم غير مسموح لي الحب، يا أمي؟» (ص70)

- «هل هذا هو العدل الإلهي، يا أبي؟ وماذا سيفقد الرجل؟» (ص71).

- «لا لنجوم السماء المشعّة، وإنما لإذلال شخص أو جلد مخالف، أو تقريع امرأة، سقط نقابها سهوا. فأعود محزونة مذعورة، لقد عشت -على الدوام- خائفة منبوذة بين المنبوذين» (ص92).

- «لديّ خوف دائم من ألاّ أحصل على طعامي، أو لا أحصل على مأوى» (ص159).

- «أين كنت؟ في أيّ ظلمة كنت أعيش. في أيّ مخبأ، كانت حياتي؟» (ص165).

- «بل إن الخوف وصل حتى من الهوية العرقية والاسم، وهكذا قررت أن أغير هويتي. أن أغير حياتي، برمّتها، الشيء الأول الذي قررت تغييره هو اسمي، لم أعد فاطمة العربية، إنما صوفي البلجيكية» (ص174).

هذه أسئلة الخوف المتعلقة بأردان التأويل الذي يطرحه الروائي على لسان شخوصه ليترك الإجابة على لسان المتلقي تبعا لوعيه وتلقيه.. والأسئلة أو المستوى الفلسفي أو خاصية الخوف والهلع وضعت في أغلبها على شكل حوار وهي دلالة ذكية من الروائي لكي يجعل المتلقي متحاورا معه باحثا عن جدوى الأسئلة ومشاركا في صناعة الأجوبة.. خاصة وأن الخوف جزء من الصراع والكينونة والهوس وهو المحفّز في ذات الوقت على التمرد..

ولذا نرى ما بين الحوارات تبرز منطقية الفكرة والثيمة وما يريد أن يطرحه الروائي والتي يراد من المتلقي الاستحصال عليها وللفلسفة ما يربطها بفهم الروائي والواقع لما حول الاثنين.. ولهذا فإننا إزاء فلسفة وإزاء خوف من كل شيء وهي أسئلة الارتباك السياسي والديني والارتباك الماضي والهوية، فحمل الحوار على متنه خارطة الطريق لاستئناف الحركة من جديد وكسر لروتين الروي انطلاقا من زمن حاضر إلى زمن ماض والعودة من جديد وكذلك العكس يحدث في مرات قليلة، ففعل الحوار يريح ارتباك السرد وتكراره ولهذا فإنه يلجا إلى منطقة الفلسفة لتكون أكثر دفئا.

النهاية وملمح القصة

النهاية كانت في إدارتاها البنائية أقرب إلى القص.. فأسلوب القصة كان واضحا لإعطاء ملمح تفكيري للبحث عن نهايات مفتوحة.. رسم المشهدية كان مضغوطا على العكس من المتون المشهدية السابقة.. شبكة علاقات ترسم لها ملامحها فتكون متدرجة وفق أطر الصراع الخاص بمشاهد القصة.. علاقة السكر بالهذيان بالخطاب العلني لشخص يريد مشاكستها والرسالة إلى آخر الحبيب أدريان.. ونهايات أخرى جمعها في بؤرة واحدة وأدخلها في بنية كتابية مختلفة ليختصر تلك الشبكات المتعلقة بالماضي ويجمعها في بؤرة التأويل بين الزاهر والمضمر وكأنها نهاية تريد أن تبقى كما هي فضلا عن كونها متحركة لتبقي قصدية الرواية وحكايتها ومتنها السردي على أطر كثيرة، حتى كأن القصدية التي انبثقت من أجلها الحكاية ودونت كانت بارزة في نهايتها..

ولهذا فإن التوسع في النهاية وإدراكها يأتي بسبب توسع الواقع الذي ظل على حاله مهووسا بالتبعية للإرهاب والخوف والارتباك والماضي.. الواقع الذي لا لون لمستقبله ولا حلول لحاضره فتبقى صوفي «فاطمة» وحيدة مثلما ظلت في مدينة المسلحين وحيدة ومثلما هربت وحيدة ومثلما اغتصبها الكثيرون وهي وحيدة، ومثلما بدأت في التحول من هوية إلى أخرى وحيدة حتى وإن تحولت إلى متمردة بعد أن كانت تبحث عن سلام وإجابات لأسئلتها سواء تلك المتعلقة بالحياة أو بالعقائد.


كاتب من العراق