المختصر

الجديد  كمال البستاني [نُشر في 01/05/2017، العدد: 28، ص(154)]

انتكاس التمرد العربي

في “أعراض مرضية”، يعالج الباحث اللبناني جلبير أشقر، الأستاذ المحاضر بمعهد الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، تعطل المسار الثوري الذي انطلق في 2011، والصدمة المضادة في سوريا أولا حيث تحولت الانتفاضة الشعبية إلى كارثة تلقى تبعاتها على حلفاء النظام وواشنطن، ما أدّى إلى تصاعد الجهادية القتالية، وتعزيز النظام الحاكم بدعم من إيران وروسيا، وتضييق مجال المطالب الشعبية حدّ الاختناق، فبدا المشهد مجرد مواجهة بين بربريتين. وفي مصر ثانيا بانقلاب الجنرال السيسي على الإخوان بعد فشلهم في تسيير البلاد، وعودة المؤسسة العسكرية إلى الحكم، مع ما تبع ذلك من خنق للحريات وتبرئة لرموز النظام البائد، والنتيجة عودة إلى عبادة الشخصية، ونيوليبرالية جشعة، ومناخ اجتماعي ينذر بالانفجار. ويتناول الكتاب أيضا ما حاق بالثورة في اليمن وليبيا، وكلاهما يشهد حربا مدمرة، والتجربة التونسية التي تحاول أن ترسي دعائم دولة مدنية حديثة، رغم مشاركة إخوان النهضة في الحكم. ويختم أشقر كتابه بتحليل مآل اليسار في الوطن العربي.

رجال بلا نساء

ماذا يفعل الرجال من دون النساء؟ سؤال يطرحه الكاتب الياباني الكبير هاروكي موراكامي من خلال مجموعة قصص موسومة بـ”رجال بلا نساء” (وهو عنوان مستمد من إحدى قصص إرنست همنغواي)، ليعالج مسألة الوحدة وتبعاتها الوجدانية في سبع قصص مؤثرة تصور رجالا من شتى الأعمار تخلت عنهم زوجاتهم أو هنّ بصدد هجرهم. سبع حكايات تغلب عليها الكآبة وتثير الشجن في نفوس القراء لنبرة الصدق فيها ومعالجتها بشكل يوهم بأنها سرد لحيوات حقيقية، عاشر الكاتب أصحابها أو خالطهم عن قرب. لماذا اختار الكاتب هذا العنوان؟ “لست أدري، يقول. لقد استقر هذا العنوان في ذهني مثل حبّة ألقتها الريح في حقل مصادفة”. هي قصص ذات وحدة مضمونية تميل أحيانا إلى الفنتازيا، النوع الذي طبع أعمال موراكامي الروائية إلى حدّ كبير.

أكلة اللحوم

في كتاب طريف بعنوان” البشرية اللاحمة” تتساءل الفيلسوفة فلورانس بورغا ما إذا كان الإنسان يدمن أكل اللحوم منذ القدم، وهل سيظل كذلك إلى ما لا نهاية؟ وترى أننا لا يمكن الاكتفاء بالإجابة “نعم، لأن ذلك طيب”، فلحم البشر هو أيضا طيب، ولولا القوانين السماوية والوضعية التي تحرّم أكل لحوم البشر لكانت من أطيب الأطباق في نظر بعض الشعوب. والكاتبة إذ تسوق أمثلة عن الطقوس الدموية التي كان يراد منها تأكيد تفوّق الإنسان على الحيوان والتحولات الأنتروبولوجية التي شهدها استهلاك اللحم، تذكر بما كان من تعدد أنماط التغذية في العصور القديمة حين كان الإنسان يستغني عن اللحوم بأنواعها، لتؤكد أن بإمكان الإنسان اليوم أن يستعيض عن الحيوان بلحوم نباتية أو لحوم تستحضر في المختبرات. ويندرج بحثها هذا ضمن اشتغالها على الوضع الحيواني، من زاوية فينومينولوجية في إطار المعهد الوطني للبحوث الزراعية.

رواية بوليسية لنقد الواقع

“حراشف الذهب” رواية جديدة للكاتب السوداني جمال محجوب الذي يقيم في إنكلترا ويوقّع أعماله باسم مستعار هو باركر بلال. رواية بوليسية في ظاهرها وبنيتها وأسلوبها المشوق، ولكنها ذات مضمون سياسي لا غبار عليه، تروي سيرة أشخاص عاشوا في مجتمع عربي تتنازعه الليبرالية المتوحشة والأصولية الدينية، وتنتأ في أعطافها ثورة تريد أن تخرج عن هذه الثنائية المانوية، التي أريد لها أن تكون قدر الشعوب. في إطار مجتمعي يغلي بالاحتجاج والنقمة، يسرد الكاتب سيرة بطله مَكانة، شرطي سوداني سابق لا يزال مسكونا بموت ابنته، وتقاطعها مع سير سعد حنفي رجل أعمال واسع الثراء، وعادل روماريو نجم من نجوم كرة القدم، وامرأة مدمنة مخدرات لا تزال تعود إلى القاهرة بحثا عن طفلة كانت ضيّعتها في زحام المدينة. شخصيات واجهت حوادث الحياة على قدر ما استطاعت، وظلت تحنّ إلى ماض تولّى، مقارنة بما آلت إليه أوضاع الراهن، وتواجه مستقبلا لا تدري ما يخفي.

الوجه الآخر للبولشفية

“متمردة” عنوان سيرة كتبتها الروسية إيفغينيا ياروسلاف سكاياماركون في زنزانتها، على عجل وهي تستشعر دنوّ موتها، ولم تكن قد بلغت الثلاثين. وهو ما حصل فعلا في يونيو 1931 بعد أشهر من مصرع زوجها الشاعر ألكسندر ياروسلافسكي. كتبت تقول إنها طالبة ملآنة بالأحلام، استاءت من دكتاتورية البولشفيك، فاختارت حياة الزعران التي بدت لها الطبقة الوحيدة الثائرة بحق، وعاشت عيشتهم، تقيم في الشوارع وتقترف السرقات عن قناعة سياسية لا محالة، ولكن حبا في المغامرة أيضا، كما تعترف بنفسها. هذا الكتاب جدير بأن يقرأه أولئك الذين لا يزالون يعتنقون الشيوعية ويؤمنون بما قدمه لينين وجماعته للبشرية، فهو أبعد ما يكون عن الصور البطولية لـ”بناء الاشتراكية”، إذ يقدم موسكو ولينينغراد في وجههما البشع، وجه المهمشين وأطفال الشوارع والسكارى والعاهرات والمتسكعين كواقع دأب البلشفيون وأتباعهم على إخفائه.

رفاق السلاح

آخر ما ترجم لمو يان، الكاتب الصيني الفائز بجائزة نوبل عام 2012، رواية بعنوان “التقاء رفاق السلاح”. في هذه الرواية يصور الكاتب ضابطا عائدا من الحرب إلى قريته، يلتقي برفيق من رفاق السلاح فيستحضران معا طفولتهما في القرية وعبثهما ومقالبهما وذكريات جمعتهما أو فرقتهما، مثلما يستحضران حياة الثكنات التي مرّا بها وشظف العيش في جبهات القتال واضطرارهما إلى التخلي عمّا يحبان وعمّن يحبّان استجابة لأوامر عليا دعتهما إلى أداء واجب لا يعرفان منه إلا أنهما سيكونان عبدين مطيعين لمن يعلوهما رتبة. جاء ذلك في لغة صافية وأسلوب يجمع بين التراجيدي والنقد اللاذع والسخرية المرة. يتبدى مو يان في هذه الرواية غاضبا على الحرب وعلى سخف من يقودون إليها، ويتعاطف مع الذين يقعون فريسة لها.

يوميات مقاوم

“حكاية تضحية” كتاب يروي فيه عالم الاجتماع والمؤرخ نيكولا ماريو الأشهر الأخيرة لعالم الاجتماع الشاب روبير هيرتز التلميذ المفضل لدى إميل دوركايم، من خلال رسائل كان يبعث بها إلى زوجته أليس منذ أغسطس 1914، بعد أن التحق بجبهة لم يدم بقاؤه فيها طويلا، إذ لقي حتفه بعد بضعة أسابيع من وصوله إليها، وردودها عليه. وقد تتبّع المؤرخ تلك الرسائل المتبادلة لتصوير إصرار الشاب على المقاومة واختياره طريقا لا يرتجى منها رجعة، إذ كان دائما يردّ على زوجته التي ترجوه أن يلزم الحذر ويحافظ على سلامته بأنه ماض في طريق شاقة لا يعلم مداها، ويهيئها نفسيا لعاقبته الوخيمة بقوله “إن لم أعد…” ولكن الغرض من هذا الكتاب كما يقول واضعه كان التركيز على هذا الإصرار على ركوب الخطر وتحليل تيمة “الموت لأجل أفكار”.

خذوهم بأقوالهم

جديد سيسيل ألدوي أستاذة الأدب بجامعة ستانفورد والباحثة بمعهد العلوم السياسية بباريس كتاب بعنوان “ما يقولون حقّا”، تقوم فيه لأول مرة بتحليل علمي لفكّ منطق خطاب رجال السياسة الذين يتنافسون للوصول إلى رئاسة فرنسا في انتخابات هذا العام، سواء من لا يزال منهم داخل المنافسة، أمثال مارين لوبان وفرنسوا فيون وإمانويل ماكرون، أو المنسحبون أمثال فرنسوا هولاند ونيكولا ساركوزي وألان جوبي. أخضعت الباحثة ما يزيد على 1300 نص -أي ما يعادل مليونين ونصف المليون من الكلمات- كُتبت أو ألقيت بين عامي 2014 و2016، للوقوف على الكلمات السحرية التي يحب السياسيون استعمالها، ويؤثرونها على سواها، والتعرف من خلالها على موقع كل واحد على خارطة المشهد السياسي. وقد شمل البحث الجوانب السيميائية والأسلوبية والبلاغية للكشف عن بنية عميقة لرؤية العالم لدى السياسيين متخفية وراء زبد الجمل القصيرة.

مقاربة سوسيولوجية للقيم

خلافا لفلسفة الأخلاق التي تدّعي قول ما هي “الأخلاق الحق”، يتمسك علم الاجتماع الأخِلاقيّ بماهية القيم لدى الفاعلين، وكيفية إضفائهم قيمة أولية على مختلف الأشياء والأفراد، ثم كيف تتحول إلى قيمة بمعنى ثانٍ كالسلم والعمل والعائلة، وكيف يرتكز مسار إسناد القيم على قيم ذات معنى ثالث، أي مبادئ متفق عليها كالحقيقة والطيبة والجمال، ولكن استعمالها يختلف باختلاف واضعي القيم والمواضيع المقيَّمة، وظروف التقييم. وفي رأي الباحثة نتالي هاينيش صاحبة كتاب “قيم” يُبرز التحليل العملي للأحكام الصادرة في وضعية خلاف حقيقية يصعب القطع فيها أن ثقافة القيم يتقاسمها أفراد مجتمع واحد. فنكتشف أن الرأي، خلافا للأفكار السائدة، لا يُردّ إلى رأي العام، وأن القيمة لا تقاس بثمن، وأن القيم لا تحصر في الأخلاق، تلك القيم التي لا تنتمي إلى يمين أو يسار، ولا هي كائنات ميتافيزيقية في جوهرها.

اللحظة الشعبوية

“يمين – يسار، انتهى!” هو عنوان كتاب للمفكر ألان دو بونوا، يؤكد فيه أننا نعيش اليوم لحظة شعبوية لا فرق فيها بين يمين ويسار، وأن الشرائح المجتمعية الواسعة ملت من أحزاب الحكم والطبقة السياسية بعامة، وصارت تفضّل عليها حركة من نوع جديد تنعت بالشعبوية، وهي في رأيه أهم مظهر من مظاهر التغيير الحاصلة في المجتمعات الغربية خلال العشريّتين الأخيرتين. وقد تسارعت الظاهرة مؤخرا بانتخاب دونالد ترامب وفوز دعاة البريكسيت، ما يقيم الدليل في نظر الكاتب على اتساع الهوة بين الشعب والطبقة الجديدة المهيمنة، وإلغاء الفوارق بين اليمين واليسار. ويتساءل هل الشعبوية عرض أزمة عامة للتمثيل النيابي، أم هي أيديولوجيا، أم أسلوب، أم عمل ديمقراطي في صميمه ضدّ نخبة تُتّهم بأنها تمارس السياسة لغايات نفعية، وتريد أن تحكم بمعزل عن الشعب.

رأس المال ذلك العدو الأزلي

جان كلود ميشيا هو من الفلاسفة الوازنين في المشهد الفكري الفرنسي، غالبا ما تستقبل كتبه بترحاب كبير لمواقفه اليسارية الثابتة ونقده للطبقات المهيمنة وأساليب هيمنتها، مثل “تدريس الجهل”، “مأزق آدم سميث”، ألغاز اليسار”. آخر أعماله كتاب بعنوان “عدوّنا، رأس المال” يقول فيه “إذا أردنا فعلا جمع أغلبية الطبقات الشعبية حول برنامج تفكيك متدرج للمنظومة الرأسمالية (وليس فقط تنمية بعض الامتيازات الانتخابية)، لا بدّ أن نضع موضع مساءلة تلك المنظومة القديمة القائمة على ‘الثقة العمياء في فكرة التطور’ التي تزداد فرضياتها الفلسفية شللا، من نوع حزب الغد ضد حزب الأمس، وحزب الزراعة الريفية أو ثقافة الكتاب، ولا تنفك تمنح اليسار الأوروبي وسيلة مثلى لإخفاء تصالحه التام مع الرأسمالية، تحت ستار خارجي يوهم بنضال المواطن الدائم ضد كل الأفكار الرجعية والماضوية”.

التصحر النقدي

يهتم رونو غارسيا، إلى جانب تدريس الفلسفة، بالأنارشية والنقد الاجتماعي وانحسار التنمية. صدر له مؤخرا كتاب بعنوان “صحراء النقد: تفكيك وسياسة” ينتقد فيه الأمكنة المشتركة التي يلتقي فيها دعاة التفكيكية الذين يعتبرون أن الطبع البشري وهم خطير، والعقل التحليلي أداة تنميط ثقافي، والحقيقة مسألة نسبية تخفي هيئات السلطة، واللغة سجّان الخلق، والكونية تعلّة الغرب للهيمنة على العالم، والجسد طين قولبة رهين المستحدثات التكنولوجية. فقد أعدّ اليسار الراديكالي كما يقول الكاتب برنامجا آليا يرى وراء كل فكرة أو سلوك علاقة هيمنة، ولكنه يسكت عن التسليع العام، وهيمنة الصناعات الثقافية وجعل العالم مصطنعا. ويعتقد الكاتب أن اليسار الراديكالي، وهو ممعن في تفكيك الظواهر وتفكيك نفسه إلى ما لا نهاية، أهمل الحقل الاجتماعي الذي اجتاحه يمين متطرف وانتهازي، مستغلا يأس خاسري التاريخ. والكتاب في مجمله يحاول أن يفهم كيف وصل الفرنسيون إلى هذه الحال ويدعو إلى الصراع من جديد ضد الرأسمالية على أسس نظرية مغايرة.


كاتب‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭-‬بريطانيا