المدينة العربية

مشهد حضري مأساوي

الجديد  هيثم الزبيدي [نُشر في 01/05/2017، العدد: 28، ص(160)]

لوحة: شادي أبوسعدة
المهندس المعماري أهم من الفنان التشكيلي. ذوق المعماري يشكل حياتنا بواقع البناء والعمارة والقدرة على تخيل سير الحياة في مبنى. أين تكون غرفة المعيشة وكم بعد المطبخ عن غرفة الطعام. لا يمكن وضع باب الحمام وسط غرفة الجلوس أو أمام المكان الذي يمكن أن يجلس فيه الضيوف. الزوايا والانسياب في الحركة والتقاطعات مهمة ربما أكثر من الجماليات التقليدية. القدرة على وضع الأساسيات ضمن المساحة الأرضية المتوفرة هي فن بحد ذاته. الفنان التشكيلي، رسما ونحتا، ليس مضطرا إلى مراعاة الكثير. يكفي أن يستهوي العمل الناظر إليه ويحسّ بالتجاوب معه.

المهندس الحضري أهم من المهندس المعماري. تخطيط الأحياء في المدن مهمة عسيرة. توفير الرخص للأبنية الجديدة مهمة أكثر من عسيرة. كيف يمكن التنسيق بين الدور الحياتي للمدينة مع جماليات العمارة. المبنى الذي يقترحه المعماري ويقدم تخطيطاته قد يكون جميلا بحدّ ذاته، ولكن ضع هذا التصميم إلى جانب ما يحيط به من أبنية وقد يصبح الأمر كله نشازا تاما. المهندس الحضري قد يحبّ ما يرسمه المهندس المعماري، ولكنه قد لا يتفق معه في أنه التصميم الأصلح من وجهة نظر حضرية.

جماليات المدينة لا تسمح بالاعتباطية في التصاميم، بل إن جمال المدن يكمن في هدوئها وقدرتها على تمثيل هذا الهدوء بأنساق معمارية متقاربة في الروح وبعيدة عن التناقض. المدينة المحترمة لا تسمح بإقامة ناطحات سحاب بجوار فيلاّت من طابقين. الأحياء الراقية ترفض أن تكون وسطها مبان جميلة تشكيليا، لكنها فاقدة لحس الانسجام مع الذائقة البصرية للحي.

المجلس البلدي أهم من المهندس الحضري. هو الأمين التاريخي على صورة الأحياء في المدن. المجلس البلدي يحرس قيم العمارة والملامح الحضرية للمدينة بعيدا عن الأهواء والمصالح التي يمكن أن تبرز خلال محطات زمنية مختلفة من حياة المجتمعات. مهمته ألاّ يتجاوب مع رغبات الأثرياء ومحدثي النعمة في تشويه وجه المدينة بدعوى تجميلها بنفس الطريقة التي يتصدى بها لحالة تحويل المدينة إلى عزبة صفيح بدعوى الفقر. هو الحارس ضد منظومة الرشوة التي تستميل هذا أو ذاك لتمرير التغييرات الجوهرية في المنظومة الحضرية ككل. المدن تحتاج أن تنسجم مع نفسها وناسها وألاّ تكون عرضة للأهواء مهما كانت الإغراءات.

في مسار العلاقة بين المهندس المعماري والمهندس الحضري والمجلس البلدي نستبعد أيا منهم ممن يكون قليل الذوق. قلة الذوق وضعف الوعي الفني والمعماري وتراجع الفهم لأهمية المدينة مشاكل من نوع آخر. قليلو الذوق لا يحسبون على قائمة الفن والعمارة والتخطيط الحضري.

معضلة المدينة العربية الحديثة واضحة للعيان. ثمة انتهاك غير مسبوق للمدينة. المدينة العربية لا تنوء بأثقال الوافدين عليها من كلّ حدب وصوب، أو من الانفجار السكاني الذي تعاني منه كل الدول العربية بلا استثناء، بل تقف عاجزة أمام العبث في معمارها وانسياباتها الحضرية.

صور عدن الستينات وعدن اليوم تروي قصة مأساوية. قارن بين محيط ساحة “بيغ بين” عدن أيام زمان والآن. مشاهدة فيلم من قاهرة الخمسينات وقاهرة ما بعد الألفية الثانية تجعلك تحس بالصدمة. مقابر القاهرة تبدو أكثر انسجاما مع نفسها من أبنيتها العشوائية أو من شبكة الجسور التي تقطع أوصالها.

محافظ الإسكندرية السابق لم يجد مكانا يمرّر منه الطريق السريعة للمدينة إلا على حساب كورنيشها الراحل. انظر هدوء الطرف النهائي من كورنيش الإسكندرية عند قلعة قايتباي، وقارنه بكارثة الطريق السريعة (دلالات تسميتها شارع الجيش مؤشر أيضا للعقلية السائدة). شوارع قاسية التهمت واحدا من أجمل ملامح المدينة العريقة. الناس في كل العالم تبني الكورنيش ليكون حديقة. في الإسكندرية أصبح ممرا خرسانيا.

في بغداد ثمة سباق على اقتطاع ما تبقّى من الأرصفة لإقامة مبان مضحكة عليها. حدائق البيوت التي ميزت بغداد أصبحت مفرخة لما يسمّى بالمشتمل، وهو بيت أو شقق صغيرة تقام فيما ترك من أرض حول البيوت الأصلية. الأبنية الإيطالية الجميلة في طرابلس تحوّلت إلى ساحة استعراض للتجربة الجماهيرية أولا ثم إلى ساحة للنزاعات بين الفصائل الوريثة للحكم في ليبيا. هل نستمر في العدّ والتذكير؟ لا حاجة. فقط يطل القارئ من شباك بيته ليرى العجب.

المدينة العربية هذه الأيام أشبه بلوحة تشكيلية معاصرة تحتاج إلى الكثير من التأمل لكي تفهم من أين تبدأ وأين تنتهي. المعالم غائرة والتقاطعات حادة وتحديات اللون والشكل أصعب من قدرة الكثير من الجمهور على فهمها. متذوق الفن لديه الوقت لكي يتأمل ويفهم المعنى من اللوحة. ابن المدينة يغرق في فوضى مدينته.


كاتب من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • كوميكس: من 7 إلى 77
  • نزار قباني التسجيل الكامل لتاريخ ما لم يحدث
  • كتلة حرجة
  • مطلوب أدب نسوي
  • لا تظلموا المثقفين ولا يظلمون وزراء الثقافة
  • مأزق اسمه الفكر النقدي
  • قلق المستقبل
  • السؤال الضائع
  • هل نملك غير الثقافة ردّا على العنف؟
  • تيه المجتمعات يبدأ من تيه المرأة
  • احتفاء‭ ‬بالبلدة‭ ‬المغربية‭ ‬شيء‭ ‬تناساه‭ ‬المشرق‭ ‬العربي
  • أدب الشغف
  • بوصلة‭ ‬شعبوية
  • المصدومون
  • المثقف‭ ‬كاتباً
  • ‬المتعة‭ ‬الغائبة
  • وداعاً لبراءة الطفل
  • الصحفيون ألسنتهم طويلة
  • يقظة‭ ‬ثقافية‭ ‬لا‭ ‬‮\'‬ثورة‭ ‬ثقافية‮\'‬
  • ثقافة‭ ‬غربية‭ ‬ومنتجات‭ ‬شرقية
  • حادثة سعيدة حقا: المطالعة
  • الأسيران، المثقف والمفكر
  • مثقف‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة
  • لماذا‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬مسرح
  • الهوية‭ ‬المستبدلة
  • أهلا‭ ‬بكم‭ ‬إلى عالم الرواية الممل
  • دع‭ ‬الثقافة‭ ‬وشاهد‭ ‬التلفزيون
  • كلام‭ ‬في‭ ‬الصحافة
  • غيتو إسلامي
  • عام أول من المحاولة
  • تحية‭ ‬متأخرة‭ ‬للأسطى
  • قصيدة‭ ‬حقد‭ ‬واحدة
  • ثقافة الرخيص، ثقافة \'القط بسبعة أرواح\'
  • نحو‭ ‬مثقف‭ ‬جديد‬‬‬‬
  • الدولة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة لصاحبها ‬‮\'‬ماد‭ ‬ماكس‮\'‬
  • أيها النقد لا تكن موضوعيا أبداً
  • حكاية‭ ‬فيديو‭ ‬عقلي
  • تلك الأدوات التي تغيرنا
  • عقول‭ ‬سطحية لا‭ ‬تستطيع‭ ‬التركيز
  • تكنولوجيا‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬أيدٍ‭ ‬متخلفة