العبد‭ ‬التكنولوجي

اللوح‭ ‬الكوني‭ ‬لإنسان‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحقيقة

الجديد  نوري الجراح [نُشر في 01/06/2017، العدد: 29، ص(4)]

لوحة: صفوان داحول
ها نحن‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬السحرية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬مابعد‭ ‬الصناعة،‭ ‬حيث‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يلمسه‭ ‬الناس‭ ‬عرضة‭ ‬للتبدل‭ ‬والاختلاف‭ ‬والتغير‭ ‬بأسرع‭ ‬من‭ ‬لمح‭ ‬البصر‭. ‬إذن،‭ ‬كيف‭ ‬ينبغي‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نفكر‭ ‬بأنفسنا‭ ‬نحن‭ ‬العرب‭ ‬الخارجين‭ ‬مرة‭ ‬من‭ ‬‮«‬كتاب‭ ‬القومية‭ ‬العربية‮»‬‭ ‬وأخرى‭ ‬من‭ ‬‮«‬كتاب‭ ‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‮»‬،‭ ‬وقد‭ ‬جزنا‭ ‬الأرض‭ ‬تحت‭ ‬سماء‭ ‬طبيعتنا‭ ‬الأولى‭ ‬وبلغنا‭ ‬أرض‭ ‬المابعد،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬عالم‭ ‬باتت‭ ‬لخرائطه‭ ‬ملامح‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬فسقطت‭ ‬العلامات‭ ‬وسقطت‭ ‬معها‭ ‬تصورات‭ ‬خلناها‭ ‬خالدة،‭ ‬ونهضت‭ ‬على‭ ‬أنقاضها‭ ‬تصوّرات‭ ‬مختلفة‭ ‬أخذت‭ ‬تطرق‭ ‬أبواب‭ ‬العقل،‭ ‬وترجّ‭ ‬المعتقدات‭ ‬كلها،‭ ‬بل‭ ‬وتهدمها‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬ديناً‭ ‬جديداً‭ ‬مقبلاً‭ ‬لا‭ ‬يقاوم‭. ‬إنه‭ ‬عالم‭ ‬مابعد‭ ‬الأيديولوجيا،‭ ‬مابعد‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار،‭ ‬والشرق‭ ‬والغرب،‭ ‬بل‭ ‬ومابعد‭ ‬الحقيقة‭ ‬نفسها،‭ ‬فنحن‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬التي‭ ‬ترتقي‭ ‬الذروة‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬فوق‭ ‬الجغرافيا،‭ ‬حيث‭ ‬ترتطم‭ ‬أقدار‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬بأقدارهم‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬ويتحول‭ ‬الكوكب‭ ‬إلى‭ ‬كرة‭ ‬ملتهبة‭ ‬تتدحرج‭ ‬في‭ ‬مدار‭ ‬من‭ ‬اللامعقول‭ ‬نحو‭ ‬مستقبل‭ ‬مجهول‭.‬

***

كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬كهذا‭ ‬أن‭ ‬نقرأ‭ ‬الصراع‭ ‬البشري،‭ ‬بينما‭ ‬القوى‭ ‬المتصارعة‭ ‬نفسها‭ ‬باتت‭ ‬لها‭ ‬طبيعة‭ ‬معقدة‭ ‬وزائغة،‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬استكشاف‭ ‬وقراءة‭ ‬وتوصيف،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬ومصطلحات‭ ‬جديدة‭ ‬تعرّفها‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬السؤال‭ ‬الجوهري،‭ ‬الآن،‭ ‬هو‭: ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬يمضي‭ ‬العالم‭. ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬الأكثر‭ ‬جوهرية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلينا‭ ‬هو‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للعرب‭ ‬أن‭ ‬يتفكروا‭ ‬في‭ ‬حاضرهم‭ ‬ومستقبلهم‭ ‬بينما‭ ‬هم‭ ‬ينظرون‭ ‬الأحاجي‭ ‬تتشكل‭ ‬وتعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬اللوح‭ ‬العملاق‭ ‬لتكنولوجيا‭ ‬العالم،‭ ‬فما‭ ‬تظهر‭ ‬وتتلاشى‭ ‬إلا‭ ‬لتظهر‭ ‬من‭ ‬ثم‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الشاشة‭ ‬الكونية،‭ ‬وقد‭ ‬بات‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يعمّر‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أكثر‭ ‬الأشياء‭ ‬واقعية،‭ ‬لغزاً‭ ‬تستغلق‭ ‬معه‭ ‬حقائق‭ ‬الأشياء‭ ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬الطبيعة‭ ‬الإنسانية‭ ‬وجوداً‭ ‬يتخبط‭ ‬في‭ ‬فراغ‭ ‬ضاعت‭ ‬معه‭ ‬العلامات‭ ‬وانعدمت‭ ‬الأوزان،‭ ‬وصارت‭ ‬الحقائق‭ ‬شظايا‭ ‬أوهام‭ ‬في‭ ‬رؤوس‭ ‬بشر‭ ‬تسكنهم‭ ‬الكوابيس‭.‬

***

العالم‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬خلل‭ ‬كبرى،‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬هذا،‭ ‬ولذلك‭ ‬أسباب‭ ‬وأسباب،‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أيديولوجي؛‭ ‬فالأيديولوجيات‭ ‬الخلاصية‭ ‬أرضية‭ ‬ودينية‭ ‬سقطت‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تمت،‭ ‬كما‭ ‬خيّل‭ ‬للبعض،‭ ‬فأشباحها‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تشوش‭ ‬الأذهان‭. ‬ومن‭ ‬الأسباب‭ ‬ما‭ ‬يتصل‭ ‬بجشع‭ ‬الأسواق‭ ‬الكبرى،‭ ‬والاقتصاديات‭ ‬العابرة‭ ‬للجغرافيات‭ ‬والمجتمعات،‭ ‬وهيمنة‭ ‬منطق‭ ‬القوة‭ ‬‭(‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬البلطجة‭)‬‭ ‬اقتصادياً‭ ‬وعسكرياً‭ ‬ورجحانها‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬الأخلاق‭ ‬والنزعات‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬والعمل‭ ‬والعلاقات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬وفي‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬كبيرة‭ ‬وصغيرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تسبّب‭ ‬بانفلات‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬لقوى‭ ‬الشرّ‭ ‬الكامنة‭ ‬في‭ ‬منطق‭ ‬القوة،‭ ‬وانهيار‭ ‬مجتمعات‭ ‬بأكملها،‭ ‬واحتراق‭ ‬جغرافيات‭ ‬بدت‭ ‬حتى‭ ‬وقت‭ ‬قريب‭ ‬آمنة‭ ‬من‭ ‬الشرور‭.‬

***

حدث‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬وهو‭ ‬مستمر‭ ‬في‭ ‬الحدوث‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬برهة‭ ‬عالمية‭ ‬تصدعت‭ ‬فيها‭ ‬فكرة‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار،‭ ‬وبدا‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أفكار‭ ‬جديدة‭ ‬تجيب‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬مستقبلية‭ ‬توالدت‭ ‬من‭ ‬أسئلة‭ ‬تهرّأت‭. ‬وبدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭ ‬إذا‭ ‬بلحظة‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الموازية‭ ‬تفتح‭ ‬الباب‭ ‬لوحش‭ ‬العنصرية‭ ‬والفاشية‭ ‬ليطل‭ ‬برأسه‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬مهدداً‭ ‬العالم،‭ ‬ربما،‭ ‬بأسوأ‭ ‬مما‭ ‬هدده‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وقد‭ ‬طحنت‭ ‬حربان‭ ‬عظميان‭ ‬عشرات‭ ‬ملايين‭ ‬البشر‭.‬

***

ها‭ ‬هو‭ ‬لوح‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬العظيم‭ ‬يخاطبنا‭ ‬بغوايات‭ ‬خاطفة‭ ‬للأبصار‭. ‬شكليا،‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬خطابه‭ ‬يستدعي‭ ‬فظاظة‭ ‬‮«‬الأخ‭ ‬الأكبر‮»‬‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬أورويل،‭ ‬لكنه‭ ‬يملك‭ ‬مخططه‭ ‬نفسه‭ ‬وكثيراً‭ ‬من‭ ‬تقنياته‭ ‬الغريبة‭. ‬والسؤال،‭ ‬الآن،‭ ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬إلا‭ ‬أسرى‭ ‬نموذجيين‭ ‬لتطور‭ ‬تكنولوجي‭ ‬مهول،‭ ‬مذهل‭ ‬في‭ ‬سرعته‭ ‬وصوره‭ ‬المدهشة،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يترك‭ ‬لمنتجيه‭ ‬ولا‭ ‬لمستهلكيه‭ ‬فرصة‭ ‬للتأمل‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يخسره‭ ‬الإنسان‭ ‬جراء‭ ‬هذه‭ ‬الاندفاعة‭ ‬المخيفة‭ ‬في‭ ‬العوالم‭ ‬الموازية‭ ‬وقد‭ ‬استلبت‭ ‬الإنسان‭ ‬وتسلطت‭ ‬عليه،‭ ‬ولسوف‭ ‬تقوده‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬سجيّته،‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬استنسخته‭ ‬على‭ ‬الشاكلة‭ ‬التي‭ ‬تعوزها‭ ‬هذه‭ ‬الاندفاعة‭ ‬الجهنمية‭ ‬لتوليد‭ ‬‮«‬إنسان‭ ‬المابعد»؛‭ ‬العبد‭ ‬التكنولوجي‭ ‬بامتياز؟

والسؤال،‭ ‬الآن،‭ ‬أيضاً،‭ ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬تقهقر‭ ‬قيمي‭ ‬يعود‭ ‬بإنسان‭ ‬الكوكب‭ ‬إلى‭ ‬الماقبل،‭ ‬أم‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬برهة‭ ‬مُلْزِمة‭ ‬لا‭ ‬محيد‭ ‬عنها‭ ‬يسبق‭ ‬فيها‭ ‬الوعي‭ ‬حاضره‭ ‬ليبلغ‭ ‬بإنسانه‭ ‬مساحات‭ ‬مفتوحة‭ ‬من‭ ‬فضاء‭ ‬المابعد؟

كل‭ ‬شيء‭ ‬مشوّش‭ ‬اليوم،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الأسئلة‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬الوعي‭ ‬الحضاري‭ ‬ونجمت‭ ‬عنه‭. ‬فنحن‭ ‬في‭ ‬برهة‭ ‬الفشل،‭ ‬فشل‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬اعتنقنا‭ ‬من‭ ‬أفكار،‭ ‬وقد‭ ‬أنتجت‭ ‬مهاد‭ ‬الـ‭ ‬‮«‬مابعد‮»‬‭ ‬مابعد‭ ‬اليمين‭ ‬ومابعد‭ ‬اليسار،‭ ‬مابعد‭ ‬‮«‬الشرق‮»‬‭ ‬ومابعد‭ ‬‮«‬الغرب‮»‬‭. ‬تهاوت‭ ‬الأفكار‭ ‬الشمولية‭ ‬أرضية‭ ‬وسماوية‭ ‬وتركت‭ ‬موضعها‭ ‬فراغات‭ ‬كبرى‭. ‬تهاوت‭ ‬مقولات‭ ‬ومعها‭ ‬تهاوت‭ ‬نقائضها‭. ‬وها‭ ‬هو‭ ‬العالم‭ ‬الحائر‭ ‬بنفسه‭ ‬يعود،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬لغزا‭ ‬عصياً‭ ‬ويحتاج‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬هذا‭ ‬الكوكب‭ ‬المعذب‭ ‬إلى‭ ‬فكر‭ ‬جديد‭ ‬يفك‭ ‬هذا‭ ‬اللغز‭.‬

لوحة: موسى النعنع

***

فلنتّفق،‭ ‬إذن،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬مخاض‭ ‬عسير،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬مخرج‭ ‬للإنسان،‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬الجواب،‭ ‬فالأمر‭ ‬ليس‭ ‬مرهونا‭ ‬بالتطور‭ ‬العلمي‭ ‬وحسب،‭ ‬ولا‭ ‬بالقوى‭ ‬الكبرى‭ ‬دون‭ ‬سوها،‭ ‬ولكن‭ ‬حتى‭ ‬بالأمم‭ ‬التي‭ ‬اضطهدت‭ ‬وهمّشت،‭ ‬وهذا‭ ‬ينطبق‭ ‬علينا‭ ‬نحن‭ ‬العرب‭ ‬كأمّة‭ ‬لها‭ ‬ماض‭ ‬عريق‭ ‬وتليد‭ ‬وحاضر‭ ‬يستضعفها‭ ‬ويجعلها‭ ‬إما‭ ‬أن‭ ‬تحترق‭ ‬بنيران‭ ‬التخلف‭ ‬والاستبداد،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تهيم‭ ‬في‭ ‬عراء‭ ‬العالم‭. ‬جغرافية‭ ‬العرب‭ ‬عظيمة‭ ‬الأهمية‭ ‬ومصادر‭ ‬ثروتهم‭ ‬كبيرة،‭ ‬وهذا‭ ‬أحد‭ ‬مصادر‭ ‬اللعنة‭ ‬التي‭ ‬حلّت‭ ‬بهم‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬الحديثة،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يكفي،‭ ‬فهم‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬يتخلّوا‭ ‬عن‭ ‬أوهام‭ ‬الماضي،‭ ‬ويستقيظوا‭ ‬من‭ ‬غفلتهم،‭ ‬وقد‭ ‬طالت،‭ ‬ليحافظوا‭ ‬على‭ ‬وجودهم‭ ‬ويسهموا‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬المستقبل‭.‬

***

ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬صراعات‭ ‬وحروب‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬بعيداً‭ ‬أبداً‭ ‬عن‭ ‬النتائج‭ ‬الكارثية‭ ‬للجمود‭ ‬الفكري‭ ‬الذي‭ ‬تعاني‭ ‬منه‭ ‬البشرية‭ ‬كلها‭. ‬أمّا‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬العربية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬المشرق‭ ‬العربي،‭ ‬إنّما‭ ‬يتحمل‭ ‬مسؤوليته‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المستبدين‭ ‬تلك‭ ‬النخب‭ ‬المثقفة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تملك‭ ‬الجرأة‭ ‬الفكرية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬لمواجهة‭ ‬استحقاقات‭ ‬الواقع،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬نزاع‭ ‬غير‭ ‬متكافئ‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬الماضي‭ ‬وقوى‭ ‬المستقبل. ‬نحن‭ ‬ندفع‭ ‬اليوم‭ ‬ثم‭ ‬أخطاء‭ ‬متراكمة‭ ‬ارتكبتها‭ ‬القوى‭ ‬المجتمعية‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬خضعت‭ ‬نخبها‭ ‬الحاكمة‭ ‬ومعها‭ ‬النخب‭ ‬المعارضة‭ ‬للخطوط‭ ‬التي‭ ‬رسمتها‭ ‬لها‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬إبّان‭ ‬مرحلة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬التي‭ ‬مازلنا‭ ‬نطحن‭ ‬بمطاحنها. ‬وما‭ ‬لم‭ ‬نمتلك‭ ‬إرادة‭ ‬التفكير‭ ‬الحرّ،‭ ‬والعمل‭ ‬الخلاق‭ ‬أفرادا‭ ‬وجماعات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إيمان‭ ‬إنساننا‭ ‬بأهمية‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الميزات‭ ‬الخاصة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بسجيّته‭ ‬الشرقية‭ ‬المنفتحة‭ ‬على‭ ‬جهات‭ ‬العالم‭ ‬الأربع‭ ‬وثقافاته‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعد،‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬لدينا‭ ‬مجتمعات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحيا‭ ‬تحت‭ ‬شمس‭ ‬العصر،‭ ‬وتقف‭ ‬كأمة‭ ‬جديرة‭ ‬بتراثها‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬‭(‬وفي‭ ‬مواجهة‭)‬‭ ‬الأمم‭ ‬الأخرى‭ ‬ذات‭ ‬الطموحات‭ ‬الحضارية‭.‬

***

العالم‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬قلق‭ ‬كبرى،‭ ‬فكريا‭ ‬وروحيا،‭ ‬ولن‭ ‬يجد‭ ‬البشر‭ ‬أنفسهم،‭ ‬حقاً،‭ ‬لا‭ ‬فرديا‭ ‬ولا‭ ‬جماعيا،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يردموا‭ ‬تلك‭ ‬الفجوة‭ ‬المرعبة‭ ‬بين‭ ‬الفكر‭ ‬والضمير،‭ ‬فالفكر‭ ‬اليوم‭ ‬يقف‭ ‬عاجزاً‭ ‬عن‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬الضمير،‭ ‬مادام‭ ‬إنسان‭ ‬عصرنا‭ ‬متورطاً،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬وسواه،‭ ‬بمغريات‭ ‬القوة‭ ‬والجشع‭ ‬والأنانية‭ ‬التي‭ ‬فرضها‭ ‬مجتمع‭ ‬الاستهلاك. ‬الضمير‭ ‬هو‭ ‬المرآة. ‬لكن‭ ‬المسألة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تربية‭ ‬روحية‭ ‬جديدة،‭ ‬وإلى‭ ‬وعي‭ ‬بقيم‭ ‬الحضارة،‭ ‬ومنها‭ ‬قيم‭ ‬التعارف‭ ‬والتشارك‭ ‬في‭ ‬كوكب‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬الإنسان‭ ‬سواه،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فهناك‭ ‬بين‭ ‬البشر‭ ‬من‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تدمير‭ ‬هذا‭ ‬الكوكب‭.‬

نعم‭ ‬العالم‭ ‬ليس‭ ‬مثاليا،‭ ‬والقوى‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬ترضخ‭ ‬أمام‭ ‬كلمات‭ ‬الحكمة،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يمنعنا‭ ‬نحن‭ ‬المفكّرين‭ ‬والمثقفين‭ ‬والمتعلّمين‭ ‬من‭ ‬مواصلة‭ ‬التفكير‭ ‬والبحث‭ ‬والعمل‭ ‬لأجل‭ ‬كبح‭ ‬الشرور‭ ‬في‭ ‬الأرض،‭ ‬أيّا‭ ‬كان‭ ‬مصدرها‭. ‬ومادمنا‭ ‬خلصنا‭ ‬إلى‭ ‬اعتبار‭ ‬الزمن‭ ‬التكنولوجي‭ ‬ديانة‭ ‬جديدة‭ ‬بديلة‭ ‬من‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬التي‭ ‬سقطت،‭ ‬وتريد‭ ‬أن‭ ‬تحتل‭ ‬مقاعد‭ ‬الأديان،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الديانة‭ ‬ستسقط‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬‭(‬إنما‭ ‬بأيّ‭ ‬ثمن‭!‬‭)‬،‭ ‬ولن‭ ‬يبق‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬ينفع‭ ‬الناس‭.‬

ما‭ ‬من‭ ‬حكمة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬نعادي‭ ‬التطور‭ ‬فالتطور‭ ‬سنّة،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬منطقياً‭ ‬أبداً‭ ‬أن‭ ‬نتخيل‭ ‬العلم‭ ‬مؤمناً‭ ‬وكافراً‭ ‬فالعلم‭ ‬هو‭ ‬العلم‭ ‬أيّا‭ ‬كان‭ ‬مصدره،‭ ‬وعلينا‭ ‬أن‭ ‬نقتدي‭ ‬بتلك‭ ‬الإشارة‭ ‬العظيمة‭ ‬في‭ ‬ثقافتنا‭ ‬العربية‭ ‬‮«‬اطلبوا‭ ‬العلم‭ ‬ولو‭ ‬في‭ ‬الصين‮»‬‭.‬

ولمّا‭ ‬كانت‭ ‬الحكمة‭ ‬علما‭ ‬والفكر‭ ‬علم،‭ ‬فإن‭ ‬الحكمة‭ ‬أيضا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤتى‭ ‬من‭ ‬أبعد‭ ‬بعيد‭.‬

***

فكر‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬عالم‭ ‬متحول،‭ ‬باستمرار‭. ‬هل‭ ‬يبدو‭ ‬هذا‭ ‬طلباً‭ ‬واقعياً؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬وهم‭ ‬المابعد‭ ‬سوف‭ ‬يستولد‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬المابعدية‭: ‬مابعد‭ ‬الواقع،‭ ‬ومابعد‭ ‬الإنسان.‭ ‬‭ ‬

لندن‭ ‬أواخر‭ ‬أيار/‬‭ ‬مايو‭ ‬2017‭ ‬



مقالات أخرى للكاتب:

  • الأمة المرجأة والروح الحائرة
  • النخب إلى الصراع والجموع إلى المصارع
  • اغترب‭ ‬تتجدد
  • أُنْشُودَةُ‭ ‬يُوسُفْ
  • بحيرة العجائب السبع وضفاف الثقافات
  • كبوة‭ ‬الآباء‭ ‬ونهوض‭ ‬الأبناء
  • الشعر أسطورة العشاق والشعراء فرسان أزليون
  • القصيدة ما بعد الأخيرة
  • الديني والدنيوي والصراع على الأجيال الجديدة
  • حدث‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬كأنه‭ ‬لم‭ ‬يحدث
  • سماء عامرة بالنجوم في صيف لا ينتهي
  • الإقامة‭ ‬في‭ ‬جغرافية‭ ‬المتاهة
  • ربيع‭ ‬محترق
  • القصيدة كائن يتيم والديوان ملجأ للأيتام
  • أصوات المسرح أصوات المجتمع
  • أهو‭ ‬حقا‭ ‬صراع‭ ‬سرديات‭ ‬أم‭ ‬عبث‭ ‬بالهويات‭!‬
  • الحرائق تكتب والأدب يتساءل
  • حملة‭ ‬الأقلام‭ ‬وحملة‭ ‬التوابيت
  • ثقافة‭ ‬الماضي‭ ‬وثقافات‭ ‬المستقبل
  • قارب‭ ‬إلى‭ ‬لسبوس
  • الآخر مرآة الأنا
  • عام على ولادة مجلة “الجديد”
  • لغة‭ ‬الأسئلة‭ ‬رداً‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬الإبادة
  • هواء‭ ‬خفيف
  • الشعراء‭ ‬سارقو‭ ‬النار
  • في وصف ما يحدث على أرض العرب
  • سلمى الخضراء الجيوسي: أمة عربية يتيمة
  • أرض‭ ‬الشعر‭ ‬وأرض‭ ‬الآلام
  • قنطرة عربية
  • مراثي هابيل
  • العرب يكتبون القصص
  • هالة المستبد وقناع المثقف وفراشة الحرية
  • لاعاصم إلا الثقافة
  • من‭ ‬حدائق‭ ‬الصور‭ ‬إلى‭ ‬حرائق‭ ‬الخارطة