أبعد‭ ‬من‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار

احتضار‭ ‬مفهوم

الجديد  خلدون الشمعة [نُشر في 01/06/2017، العدد: 29، ص(8)]

لوحة: محمد ظاظا
لا‭ ‬أتكلم‭ ‬عن‭ ‬احتضار‭ ‬مفهوميّ‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬لكي‭ ‬أوفق‭ ‬بينهما،‭ ‬ولا‭ ‬لكي‭ ‬اشدد‭ ‬على‭ ‬اختلافهما،‭ ‬وإنما‭ ‬أشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاحتضار‭ ‬الذي‭ ‬نكاد‭ ‬نحن‭ ‬العرب‭ ‬المعاصرين‭ ‬نقتصر‭ ‬في‭ ‬رؤيته‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬السياسي‭ ‬فيه،‭ ‬ليس‭ ‬حدثاً‭ ‬جزافياً‭ ‬أو‭ ‬طارئاً‭.‬

وفي‭ ‬تقديري‭ ‬أن‭ ‬شبكة‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬يثيرها‭ ‬جان‭ ‬فرانسوا‭ ‬ليوتار‭ ‬في‭ ‬كتابه‭: ‬‮«‬الوضع‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثي‮»‬‭ ‬قد‭ ‬تصلح‭ ‬لإضاءة‭ ‬بعض‭ ‬تفاصيل‭ ‬هذا‭ ‬الاحتضار،‭ ‬وروزه‭ ‬وتفسيره‭.‬

يرى‭ ‬ليوتار‭ ‬أن‭ ‬العلم،‭ ‬الشكل‭ ‬المهيمن‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة،‭ ‬بدأ‭ ‬يفقد‭ ‬مشروعيته‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬مع‭ ‬اكتساب‭ ‬أشكال‭ ‬المعرفة‭ ‬الأخرى‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الدين،‭ ‬مشروعية‭ ‬خاصة‭ ‬بها‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬تبدو‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الشعبوي‭ ‬وكأنها‭ ‬بديل‭ ‬معرفي‭ ‬للعلم‭. ‬لنقل‭ ‬إذن‭ ‬إن‭ ‬التفكير‭ ‬العلمي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يشغل‭ ‬المركز‭ ‬المسيطر‭ ‬كلياً. ‬إزاحة‭ ‬التفكير‭ ‬عن‭ ‬المركز‭ ‬شكلت‭ ‬ما‭ ‬دعاه‭ ‬ليوتار‭ ‬بمجتمع‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬أهداف‭ ‬مفكري‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬التشكيك‭ ‬بغائية‭ ‬التقدم‭ ‬وحتميته. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬هؤلاء‭ ‬المفكرين‭ ‬لاحظ‭ ‬أن‭ ‬التغيير‭ ‬التاريخي‭ ‬الشامل‭ ‬صار‭ ‬يتجه‭ ‬إلى‭ ‬لامكان‭. ‬فالماركسية،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬التغير‭ ‬حتمي‭ ‬ويتجلى‭ ‬في‭ ‬انتقال‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬الرأسمالية‭ ‬إلى‭ ‬الاشتراكية‭ ‬والشيوعية‭. ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬الضرب‭ ‬من‭ ‬التحول‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مقنعاً‭ ‬لمفكري‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬الذين‭ ‬رأوا‭ ‬فيه‭ ‬سردية‭ ‬عظمى‭ ‬تتناقض‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬التاريخي‭ ‬الذي‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬عزوف‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬منح‭ ‬ثقتهم‭ ‬للعمل‭ ‬والسياسيين‭ ‬وحتمية‭ ‬التقدم‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭.‬

وما‭ ‬يشهده‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬تدمير‭ ‬وتقسيم‭ ‬وتهجير‭ ‬وارتداد‭ ‬عصبوي‭ ‬معصوب‭ ‬العينين‭ ‬إلى‭ ‬الطائفة‭ ‬والقبيلة،‭ ‬يعزز‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬السلبية‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد‭.‬

يصف ‭ ‬‭ ‬ليوتار‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬بالقول‭ ‬إنها‭ ‬تمثل‭ ‬انهيار‭ ‬السرديات‭ ‬العظمى‭ ‬لتحل‭ ‬محلها‭ ‬سرديات‭ ‬صغرى. ‬وتتمثل‭ ‬السرديات‭ ‬العظمى‭ ‬في‭ ‬قصص‭ ‬التحول‭ ‬الافتراضية‭ ‬المشبعة‭ ‬بأيديولوجيا‭ ‬التقدم‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬توحي‭ ‬بثقة‭ ‬غير‭ ‬مشروطة‭ ‬للعلماء‭ ‬والاختصاصيين‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التطور‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والحضاري‭ ‬والاقتصادي‭ ‬بشكل‭ ‬عام. ‬وهكذا‭ ‬فإن‭ ‬العالم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثي‭ ‬يدشن‭ ‬واقعا‭ ‬افتراضياً‭ ‬مغايراً‭ ‬للواقع‭ ‬الذي‭ ‬نعرف،‭ ‬واقعاً‭ ‬متشظياً‭ ‬تشغل‭ ‬فضاءه‭ ‬سرديات‭ ‬الصور‭ ‬المتداولة‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬أفلام‭ ‬وبرامج‭ ‬تلفزيونية‭ ‬لا‭ ‬عد‭ ‬ولا‭ ‬حصر‭ ‬لها،‭ ‬وفي‭ ‬مواقع‭ ‬إلكترونية‭ ‬منتشرة‭ ‬على‭ ‬شاشات‭ ‬الانترنت‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬المراوغ‭ ‬يطرح‭ ‬السؤال‭ ‬التالي: ‬من‭ ‬يملك‭ ‬فكر‭ ‬التقدم‭ ‬وصناعته؟‭ ‬اليسار‭ ‬المهزوم‭ ‬أو‭ ‬المنكفىء‭ ‬أم‭ ‬اليمين‭ ‬المسيطر‭ ‬على‭ ‬الأمر‭ ‬الواقع؟

الحال‭ ‬أن‭ ‬المثال‭ ‬السوري‭ ‬ربما‭ ‬يعزز‭ ‬صورة‭ ‬عن‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬أسوأ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬نظرية‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬من‭ ‬أمشاج‭ ‬سلبية‭ ‬مهيمنة‭.‬

II

في‭ ‬تقدير‭ ‬جان‭ ‬بورديلار‭ ‬إن‭ ‬وسائط‭ ‬الاتصال‭ ‬الإلكتروني‭ ‬تمكنت‭ ‬فعلاً‭ ‬من‭ ‬خلق‭ ‬الفوضى‭ ‬واطلاقها‭ ‬ونشرها‭ ‬فقطعت‭ ‬بذلك‭ ‬العلاقة‭ ‬بقيم‭ ‬التقدم‭ ‬التي‭ ‬طرحتها‭ ‬الحداثة‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬موضعتها‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬مركزي‭ ‬من‭ ‬الفكر‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬وسائط‭ ‬الاتصال‭ ‬الجماهيريMass‭ ‬Media‭ ‬دمرت‭ ‬الحدود‭ ‬القائمة‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬وبين‭ ‬التمثيل‭ ‬عليه،‭ ‬مخلفة‭ ‬واقعاً‭ ‬افتراضياً‭ ‬واحداً‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬يصير‭ ‬إدراكنا‭ ‬للأحداث‭ ‬وفهمنا‭ ‬للعالم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬معتمداً‭ ‬على‭ ‬مشاهدة‭ ‬التلفزيون‭ ‬واستعمال‭ ‬وسائط‭ ‬الاتصال‭ ‬الجماهيري‭.‬

وهذا‭ ‬التوصيف‭ ‬المعبر‭ ‬عنه‭ ‬بلغة‭ ‬افتراضية‭ ‬ربما‭ ‬يفسر‭ ‬عنوان‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬دراستي‭ ‬بورديلار‭ ‬اللتين‭ ‬أثارتا‭ ‬قدرا‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الالتباس‭: ‬‮«‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬لن‭ ‬تقع‮»‬‭ ‬و‮»‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬لم‭ ‬تقع‮»‬‭.‬

والحال‭ ‬أن‭ ‬تقلقل‭ ‬التراتبية‭ ‬الطبقية‭ ‬وانحسار‭ ‬الفكرة‭ ‬المعتمدة‭ ‬للهوية‭ ‬وظهور‭ ‬جماعات‭ ‬متعددة‭ ‬الثقافات،‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬مفكري‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬يشيرون‭ ‬إلى‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬حديث. ‬فالحداثة‭ ‬في‭ ‬زعمهم‭ ‬باتت‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬احتضار‭ ‬يعزز‭ ‬القول‭ ‬إننا‭ ‬دخلنا‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬الهوية‭ ‬الطبقية‭ ‬مازالت‭ ‬عنصراً‭ ‬مهماً‭ ‬يحدد‭ ‬الوضع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للناس،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬الفرص‭ ‬المتاحة‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الهجرات،‭ ‬وأنا‭ ‬أتكلم‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬الهجرات‭ ‬العربية‭ ‬القسرية‭ ‬منها‭ ‬والطوعية،‭ ‬شرعت‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬توصيف‭ ‬جديد‭ ‬للهوية،‭ ‬مغاير‭ ‬ويختلف‭ ‬عما‭ ‬كان‭ ‬شائعاً‭ ‬قبل‭ ‬عقود‭. ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬التبني‭ ‬Affiliation‭ ‬وهي‭ ‬هوية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الاختيار‭ ‬الشخصي‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الهوية‭ ‬الموروثة‭ ‬التي‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬المرء‭ ‬فرضاً‭ ‬بعملية‭ ‬التوريث‭. ‬وفي‭ ‬قصيدة‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭ ‬‮«‬طباق‭ ‬لإدوارد‭ ‬سعيد‮»‬‭ ‬صورة‭ ‬تصف‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الافتراضي‭ ‬بوضوح‭:‬

‮«‬والهوية؟‭ ‬قلت

الهوية‭ ‬بنت‭ ‬الولادة‭ ‬لكنها

في‭ ‬النهاية‭ ‬إبداع‭ ‬صاحبها،‭ ‬لا

وراثة‭ ‬ماض‭. ‬أنا‭ ‬المتعدد‭.. ‬في

داخلي‭ ‬خارجي‭ ‬المتجدد،‭ ‬لكنني

أنتمي‭ ‬لسؤال‭ ‬الضحية،‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬أكن

من‭ ‬هناك‭ ‬لدربت‭ ‬قلبي‭ ‬على‭ ‬أن

يربي‭ ‬هنا‭ ‬غزال‭ ‬الكناية‮»‬‭.‬

هنا‭ ‬يتكلم‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭ ‬الشاعر،‭ ‬رافع‭ ‬لواء‭ ‬غزال‭ ‬الكناية،‭ ‬لواء‭ ‬‮«‬البيان‮»‬‭ ‬الفردي،‭ ‬ليعيد‭ ‬موضعته‭ ‬مكان‭ ‬‮«‬التبيين‮»‬‭ ‬الجماعي‭. ‬وهذه‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬تنتصر‭ ‬لفكرة‭ ‬التبني‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الاختيار‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬البنوة‭ ‬البايلوجية‭ ‬الموروثة‭ ‬ربما‭ ‬تجد‭ ‬قرينها‭ ‬التحليلي‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬أمين‭ ‬معلوف‭ ‬الذائع‭ ‬الصيت‭ ‬حول‭ ‬مشكلية‭ ‬الهوية‭.‬

ترى‭ ‬هل‭ ‬يفسر‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬إشادة‭ ‬جزافية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬اليسار‭ ‬بالطبقة‭ ‬الوسطى؟

III

أخلص‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إنه‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬المستغرب‭ ‬أن‭ ‬مفاهيم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬مازالت‭ ‬خلافية‭ ‬المنزع‭. ‬إلا‭ ‬أننا‭ ‬إذا‭ ‬أردنا‭ ‬اختزال‭ ‬عملية‭ ‬احتضار‭ ‬مفهومي‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬فسنجد‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬من‭ ‬الإلماع‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نزوعها‭ ‬الخلافي‭ ‬يعززه‭ ‬قول‭ ‬أنتوني‭ ‬غيدينز‭ ‬باستحالة‭ ‬تفسير‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬طالما‭ ‬أنه‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬فكر‭ ‬الحداثة‭.‬

والحال‭ ‬أن‭ ‬فكرة‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬ذات‭ ‬جذر‭ ‬أيديولوجي‭ ‬جلي‭. ‬وهي‭ ‬تعود‭ ‬في‭ ‬أصولها‭ ‬إلى‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭. ‬وأما‭ ‬الآن‭ ‬فإن‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬ينظر‭ ‬إليها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬محايدة،‭ ‬أي‭ ‬ليست‭ ‬منحازة‭ ‬أو‭ ‬مضَلّلة‭. ‬فهناك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬روزها‭ ‬ودراستها‭ ‬ومقارنة‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬بالآخر‭. ‬وفي‭ ‬ثلاثينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬حاول‭ ‬كارل‭ ‬مانهايم‭ ‬إحياء‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬في‭ ‬تصوره‭ ‬لتأسيس‭ ‬سوسيولوجيا‭ ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬بعض‭ ‬أنماط‭ ‬الفكر‭ ‬وبين‭ ‬قواعدها‭ ‬الاجتماعية‭. ‬وقد‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬المعرفة‭ ‬يمكن‭ ‬انتاجها‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬طبقات‭ ‬اجتماعية‭ ‬مختلفة‭. ‬ولهذا‭ ‬فهي‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزئية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإنه‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬سوسيولوجيا‭ ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬يقترحها‭ ‬أن‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬التمثيلات‭ ‬التي‭ ‬تتعلق‭ ‬بهذه‭ ‬الطبقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لكي‭ ‬تقدم‭ ‬فهما‭ ‬أفضل‭ ‬للمجتمع‭ ‬ككل‭. ‬ولكن‭ ‬القول‭ ‬بمفهوم‭ ‬محايد‭ ‬للأيديولوجيا‭ ‬لم‭ ‬يلق‭ ‬رواجاً‭ ‬آنذاك‭. ‬واليوم‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الاهتمام‭ ‬بقوة‭ ‬الأفكار‭ ‬وهيمنتها‭ ‬مستمداً‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬ميشال‭ ‬فوكو‭ ‬الخاصة‭ ‬بالخطاب،‭ ‬ومن‭ ‬علاقة‭ ‬المركز‭ ‬المسيطر‭ ‬بالهامش‭ ‬المسيطر‭ ‬عليه‭. ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬انفجار‭ ‬الشعبوية‭ ‬المنفلت‭ ‬العقال‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬الفوضوي‭ ‬الذي‭ ‬يتصل‭ ‬مباشرة‭ ‬بانفجارات‭ ‬السرديات‭ ‬الصغرى‭.‬


ناقد من سوريا مقيم في لندن