سقوط‭ ‬الإنسان

لم‭ ‬يكن‭ ‬هيجل‭ ‬مثالياً‭ ‬حين‭ ‬رأى‭ ‬العقل‭ ‬يمتطي‭ ‬حصاناً‭ ‬وهو‭ ‬يشاهد‭ ‬نابليون‭ ‬من‭ ‬نافذة‭ ‬بيته‭ ‬في‭ ‬‮«‬يينا‮»‬‭. ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬أصاب‭ ‬حين‭ ‬أعلن‭ ‬‮«‬بأن‭ ‬التاريخ‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬مسار‭ ‬وعي‭ ‬الحرية‭ ‬لذاتها‮»‬‭. ‬ولقد‭ ‬وضع‭ ‬ماركس‭ ‬يده‭ ‬على‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬يهرب‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬مُرها‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬المصلحة‭ ‬بوصفها‭ ‬محركاً‭ ‬للتاريخ‭. ‬هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬الثلاثة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬سوى‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬تعينه‭ ‬التاريخ،‭ ‬فالإنسان‭ ‬المجرد‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬له‭ ‬إلى‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬الذي‭ ‬جرده‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬المتعين‭. ‬الموجود‭ ‬هو‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬تعينهم‭ ‬التاريخي‭. ‬فالمصلحة‭ ‬والحرية‭ ‬يحددان‭ ‬روح‭ ‬العالم‭ ‬ومسار‭ ‬تاريخية‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬تعينهم‭ ‬في‭ ‬الجماعات‭ ‬والأقوام‭ ‬والشعوب‭ ‬والأمم‭.‬ والحق‭ ‬بأن‭ ‬البشر‭ ‬لا‭ ‬يعون‭ ‬حريتهم‭ ‬‮«‬عند‭ ‬هيجل‭ ‬وماركس‮»‬‭ ‬إلا‭ ‬بوعي‭ ‬عبوديتهم‭. ‬والملكية،‭ ‬تاريخياً،‭ ‬شرط‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬شروط‭ ‬ولادة‭ ‬العبودية‭ ‬واستمرارها‭. ‬والمصلحة‭ ‬بدورها‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭ ‬عن‭ ‬العبودية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬كانت‭ ‬ولادة‭ ‬الإنسان‭ ‬ولادة‭ ‬وعيه‭ ‬بالحرية‭ ‬بوصفها‭ ‬وعياً‭ ‬بعبوديته‭ ‬وما‭ ‬ترتب‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬وعي‭ ‬مكتوب‭ ‬أو‭ ‬شفاهي‭. ‬ووعيه‭ ‬بالحرية‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬حمله‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬معنى‭ ‬وجوده‭ ‬الحر‭.‬

الجديد  أحمد برقاوي [نُشر في 01/06/2017، العدد: 29، ص(10)]

لوحة: موسى النعنع
وإذا كانت‭ ‬البرجوازية‭ ‬بوصفها‭ ‬طبقة‭ ‬قد‭ ‬أعلنت‭ ‬مركزية‭ ‬الإنسان‭ ‬وأنتجت‭ ‬أهم‭ ‬فكر‭ ‬إنساني‭ ‬وصاغ‭ ‬نظريات‭ ‬العقد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬فإنها‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬أنتجت‭ ‬أشكالاً‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬العبودية‭ ‬في‭ ‬انتصار‭ ‬العلاقات‭ ‬الرأسمالية‭. ‬ولهذا‭ ‬فالديمقراطية‭ ‬هذا‭ ‬المنجز‭ ‬الأوروبي‭ ‬بوصفه‭ ‬نمط‭ ‬حياة‭ ‬سياسي‭ ‬واجتماعي‭ ‬واقتصادي‭ ‬لم‭ ‬يأتِ‭ ‬على‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬الحرية‭ ‬وسلبها‭ ‬بل‭ ‬جعل‭ ‬منه‭ ‬حالة‭ ‬قابلة‭ ‬للصراع‭ ‬الداخلي‭ ‬ذي‭ ‬الطابع‭ ‬السلمي‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬نشأ‭ ‬مفهوما‭ ‬اليسار‭ ‬واليمين‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هما‭ ‬تعبيران‭ ‬عن‭ ‬التناقض‭. ‬ولم‭ ‬يلغ‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬اقتسام‭ ‬العالم‭ ‬غير‭ ‬الأوروبي‭.‬

فأوروبا‭ ‬بوصفها‭ ‬أعلى‭ ‬شكل‭ ‬لوعي‭ ‬الروح‭ ‬لذاتها‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الإمبريالي‭-‬الاستعماري‭ ‬سيدة‭ ‬على‭ ‬عالم‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬آسيا‭ ‬وأفريقيا‭ ‬وأميركا‭ ‬اللاتينية‭. ‬ولقد‭ ‬وفرت‭ ‬هذه‭ ‬السيادة‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬غير‭ ‬الأوروبي‭ ‬للإنسان‭ ‬الأوروبي‭ ‬حظاً‭ ‬من‭ ‬الرفاه‭ ‬بحيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬فيه‭ ‬التناقض‭ ‬الطبقي‭ ‬صارخاً‭. ‬بل‭ ‬صار‭ ‬الخلاف‭ ‬بين‭ ‬اليسار‭ ‬واليمين‭ ‬خلافاً‭ ‬على‭ ‬درجات‭ ‬الرفاه‭ ‬ومستوياته‭. ‬فالتقنية‭ ‬والمال‭ ‬والديمقراطية‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬الأوروبي‭ ‬سعيداً‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬الرفاه‭ ‬ودولة‭ ‬العناية‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬كان‭ ‬عالم‭ ‬الأطراف‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التقنية،‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الثروة،‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الديمقراطية‭. ‬عالم‭ ‬التبعية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬مضمونها‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬العبودية‭.‬

لقد‭ ‬نظر‭ ‬فوكوياما‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬وأميركا‭ ‬على‭ ‬أنهما‭ ‬نهاية‭ ‬التاريخ‭ ‬بالمعنى‭ ‬الهيجلي،‭ ‬فلقد‭ ‬وصل‭ ‬الروح‭ ‬الموضوعي‭ ‬إلى‭ ‬الدولة‭ ‬الدستورية‭-‬الديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬أنهت‭ ‬التناقضات‭ ‬الطبقية‭ ‬والقومية‭ ‬والإثنية‭ ‬والدينية‭. ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬الرأسمالية‭ ‬نحو‭ ‬العولمة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬أن‭ ‬يتوقع‭ ‬تناقضاتها‭.‬

لقد‭ ‬عادت‭ ‬العولمة‭ ‬كل‭ ‬المفاهيم‭ ‬الدالة‭ ‬على‭ ‬تعين‭ ‬مسار‭ ‬الحرية‭ ‬وانتصار‭ ‬مركزية‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬التفكر‭ ‬والمراجعة‭.‬

ما‭ ‬العولمة‭ ‬التي‭ ‬‮«‬خربطت‮»‬‭ ‬مسار‭ ‬التاريخ‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تاريخ‭ ‬الرأسمالية؟

نعتقد‭ ‬أن‭ ‬العولمة‭ ‬ثمرة‭ ‬تاريخ‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬سيرورة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬أهم‭ ‬ملامحها‭ ‬توحيد‭ ‬العالم،‭ ‬وقد‭ ‬أشار‭ ‬ماركس‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الطبيعة‭ ‬التوحيدية‭ ‬للرأسمالية‭.‬

والحق‭ ‬أن‭ ‬توحيد‭ ‬العالم‭ ‬رأسمالياً‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬بأشكال‭ ‬متعددة،‭ ‬تعينت‭ ‬بتطور‭ ‬الرأسمالية‭ ‬عالمياً‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الوليدة‭ ‬قد‭ ‬أنجزت‭ ‬الوحدة‭ ‬القومية‭ ‬‭(‬الأمة‭)‬‭. ‬فإن‭ ‬الإمبريالية‭ ‬توسع‭ ‬الرأسمالية‭ ‬خارج‭ ‬حدودها‭ ‬وقد‭ ‬حاولت‭ ‬توحيد‭ ‬العالم‭ ‬عبر‭ ‬السلطة‭ ‬والقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬والاستعمار،‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬الدولة‭ ‬القومية‭ ‬بوصفها‭ ‬دولة‭ ‬استعمارية‭. ‬وسيشهد‭ ‬العالم‭ ‬صراعاً‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الإمبريالية‭ ‬نفسها‭ ‬والحروب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية‭ ‬وبين‭ ‬الدولة‭ ‬الإمبريالية‭ ‬والشعوب‭ ‬المستعمرة‭.‬

تأتي‭ ‬العولمة‭ ‬اليوم‭ ‬كتعين‭ ‬خاص‭ ‬للرأسمالية‭ ‬كمتحكمة‭ ‬بمصير‭ ‬العالم‭ ‬اقتصادياً‭ ‬وسياسياً‭ ‬وثقافياً‭. ‬إنها‭ ‬إمبريالية‭ ‬جديدة‭ ‬وليست‭ ‬تشكيلة‭ ‬اجتماعية‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬هذا‭ ‬القطع‭ ‬التاريخي‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬عبر‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬الإقطاع‭ ‬إلى‭ ‬الرأسمالية،‭ ‬بل‭ ‬استمرار‭ ‬في‭ ‬الرأسمالية‭ ‬عبر‭ ‬تحولات‭ ‬داخل‭ ‬الرأسمالية‭ ‬العالمية‭.‬

فالعلم‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬منذ‭ ‬نشوء‭ ‬الرأسمالية‭ ‬يقوم‭ ‬بدور‭ ‬القوة‭ ‬المنتجة،‭ ‬والرأسمال‭ ‬المصرفي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬مندمجاً‭ ‬بالرأسمال‭ ‬الصناعي‭ ‬الاحتكاري،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬العالم‭ ‬موضوع‭ ‬سيطرة،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬التأثير‭ ‬الثقافي‭ ‬حاسماً‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المركز‭ ‬على‭ ‬الأطراف‭ ‬بل‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬وسيلة‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬العالم‭. ‬كالحرب‭ ‬العدوانية‭ ‬الأميركية‭ ‬على‭ ‬العراق‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬العولمة‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬إمبريالية‭ ‬جديدة‭ ‬تتميز‭ ‬بالاستقلال‭ ‬النسبي‭ ‬للشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬القومية،‭ ‬بل‭ ‬وتحولت‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬مساندة‭ ‬لهذه‭ ‬الشركات‭ ‬عالمية‭ ‬إنتاج‭ ‬السلعة‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬الدولة‭ ‬القومية،‭ ‬ثم‭ ‬ثورة‭ ‬المعلومات‭ ‬والاتصالات‭ ‬ومظهرها‭ ‬والمحطات‭ ‬الفضائية،‭ ‬مما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬الثقافي‭ ‬العولمي‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬وجود‭ ‬مؤسسات‭ ‬عالمية‭ ‬غير‭ ‬متعلقة‭ ‬بدولة‭ ‬واحدة‭.‬

وكما‭ ‬أنتجت‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الإمبريالية‭ ‬حركة‭ ‬مناهضة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭ ‬‭-‬الطبقة‭ ‬العالمة‭-‬‭ ‬وشعوب‭ ‬العالم‭ ‬الثالث،‭ ‬تنجح‭ ‬الآن‭ ‬العولمة‭ ‬حركة‭ ‬عولمية‭ ‬مناهضة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭ ‬أيضاً‭. ‬لكن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬أنتجته‭ ‬العولمة‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يسمى‭ ‬بدول‭ ‬الأطراف‭ ‬أصبحت‭ ‬الآن‭ ‬دول‭ ‬الهامش‭.‬

هذه‭ ‬هي‭ ‬العولمة‭ ‬كواقع‭ ‬موضوعي،‭ ‬لكن‭ ‬العولمة‭ ‬كواقع‭ ‬موضوعي‭ ‬أنتجت‭ ‬بدورها‭ ‬قيلاً‭ ‬أيديولوجياً،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬أنتجت‭ ‬الإمبريالية‭ ‬بدورها‭ ‬القيل‭ ‬الأيديولوجي‭.‬

في‭ ‬ظل‭ ‬العولمة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬موْت‭ ‬الإنسان‭ ‬صرخة‭ ‬فيلسوف‭ ‬يعي‭ ‬العالم‭ ‬بل‭ ‬واقعة‭ ‬تودي‭ ‬بالإنسان‭ ‬إلى‭ ‬حال‭ ‬اليأس‭. ‬اليأس‭ ‬الذي‭ ‬عبر‭ ‬عنه‭ ‬المجتمع‭ ‬الرقمي‭ ‬بكل‭ ‬وضوح‭ ‬حين‭ ‬أعلن‭ ‬موْت‭ ‬الحزب‭ ‬والنقابة‭ ‬وموْت‭ ‬اليسار‭ ‬واليمين‭ ‬التقليدي

نقصد‭ ‬بالقيل‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬التبرير‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬والدفاع‭ ‬عنها‭ ‬لنفي‭ ‬الطبيعة‭ ‬التوحشية‭ ‬للرأسمالية‭ ‬المتعولمة‭.‬

العولمة‭ ‬أيديولوجياً‭ ‬هي‭ ‬جملة‭ ‬أفكار‭ ‬حول‭ ‬الدولة‭ ‬والأمة‭ ‬والإنسان‭ ‬والهوية‭ ‬والثقافة‭.‬

أول‭ ‬فكرة‭ ‬أيديولوجية‭ ‬عولمية‭ ‬هي‭ ‬انحسار‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭. ‬تستند‭ ‬هذه‭ ‬الدعوة‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬إلى‭ ‬عالمية‭ ‬الشركات‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعتد‭ ‬بالدولة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الدولة‭ ‬صارت‭ ‬عقبة‭ ‬أمام‭ ‬توسع‭ ‬فاعلية‭ ‬الشركات‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭. ‬يجري‭ ‬الحديث‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬بعامة‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الوقوف‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬السيل‭ ‬الجارف‭ ‬والعارم‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العولمي‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الثورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسلعية‭ ‬والرأسمالية‭ ‬هي‭ ‬قوة‭ ‬مهيمنة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭. ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬كفّت‭ ‬الدولة‭ ‬المتعولمة‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فاعلة‭ ‬في‭ ‬هذه؟

لنأخذ‭ ‬أكبر‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬العولمة‭ ‬وهي‭ ‬أميركا‭. ‬فالحرب‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬هو‭ ‬قرار‭ ‬دولة‭ ‬أميركية‭ ‬ودولة‭ ‬بريطانية،‭ ‬والجيوش‭ ‬التي‭ ‬زحفت‭ ‬على‭ ‬بغداد‭ ‬هي‭ ‬جيوش‭ ‬دول‭ ‬وتمويل‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬هو‭ ‬تمويل‭ ‬دولة‭ ‬والأهداف‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬هي‭ ‬أهداف‭ ‬دولة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬باستطاعتنا‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الدولة‭ ‬الأميركية‭ ‬هي‭ ‬دولة‭ ‬استعمارية‭ ‬تقليدية‭ ‬بامتياز‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬العولمة‭ ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬على‭ ‬الذهنية‭ ‬الاستعمارية‭ ‬للدولة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬المتعولمة‭.‬

وبارتباط‭ ‬بمفهوم‭ ‬ضعف‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬زوالها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬العولمة‭ ‬تطرح‭ ‬فكرة‭ ‬زوال‭ ‬الحدود‭ ‬القومية‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬تكوين‭ ‬القرية‭ ‬الكونية‭ ‬حيث‭ ‬يطرح‭ ‬قيل‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬ازدياد‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬وبتبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬وحرية‭ ‬الانتقال‭ ‬المزعومة‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬يأذن‭ ‬بولادة‭ ‬إنسان‭ ‬جديد‭ ‬يأخذ‭ ‬ملامحه‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬جديد‭ ‬وينتمي‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬عالمية‭ ‬هي‭ ‬لغة‭ ‬العالم‭ ‬وبالتالي‭ ‬يغدو‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬القرية‭ ‬الكونية‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬الأمة‭ ‬أو‭ ‬القومية‭.‬

أن‭ ‬تكون‭ ‬العولمة‭ ‬ظاهرة‭ ‬موضوعية‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬مرحلة‭ ‬عليا‭ ‬من‭ ‬انتصار‭ ‬الرأسمالية‭ ‬فهذا‭ ‬مما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭. ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬البشر‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقفوا‭ ‬من‭ ‬الظواهر‭ ‬الموضوعية‭ ‬موقف‭ ‬المذعن‭ ‬لها،‭ ‬والقابل‭ ‬بها‭ ‬والراضخ‭ ‬إليها،‭ ‬فالإمبريالية‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬موضوعية،‭ ‬والاستعمار‭ ‬الذي‭ ‬تولّد‭ ‬من‭ ‬الظاهرة‭ ‬الإمبريالية‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬ظاهرة‭ ‬موضوعية‭ ‬ولكن‭ ‬الإمبريالية‭ ‬بصفتها‭ ‬الاستعمارية‭ ‬قد‭ ‬أنتجت‭ ‬حركات‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬الموضوعي،‭ ‬أنتجت‭ ‬كفاحاً‭ ‬عالمياً‭ ‬ضد‭ ‬شرور‭ ‬الإمبريالية‭.‬

فكيف‭ ‬يتعين‭ ‬الآن‭ ‬العالم‭ ‬الأوربي‭-‬الأميركي‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تعين‭ ‬الحرية‭. ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬أنتجته‭ ‬العولمة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الممارسة‭ ‬النظرية‭ ‬والعملية؟

إن‭ ‬أهم‭ ‬ملمح‭ ‬من‭ ‬ملامح‭ ‬التغير‭ ‬الطبقي‭ ‬للعولمة‭ ‬هو‭ ‬اتساع‭ ‬الطبقة‭ ‬الهامشية‭ ‬التي‭ ‬انحدرت‭ ‬إليها‭ ‬فئات‭ ‬من‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭ ‬التي‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬بلا‭ ‬عمل،‭ ‬وفئات‭ ‬من‭ ‬الفئات‭ ‬الوسطى‭. ‬وهذا‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬السياسي‭ ‬الداخلي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬أنتج‭ ‬العولمة‭ ‬أصلاً‭.‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬الفئات‭ ‬الهامشية‭ ‬موجودة‭ ‬دائماً‭ ‬وقد‭ ‬أشار‭ ‬إليها‭ ‬هربرت‭ ‬ماركوز‭ ‬في‭ ‬حينه،‭ ‬كما‭ ‬أشار‭ ‬سارتر‭ ‬إلى‭ ‬اغتراب‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الرأسمالية،‭ ‬وكانت‭ ‬الحركات‭ ‬اليسارية‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬نقابات‭ ‬وأحزاب‭ ‬شيوعية‭ ‬واشتراكية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬اليمين‭ ‬الرأسمالي‭ ‬التقليدي‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬ذاتها‭ ‬أعلن‭ ‬الوعي‭ ‬الأوروبي‭ ‬نهاية‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬وموْت‭ ‬المثقفة،‭ ‬وموْت‭ ‬المؤلف‭ ‬بل‭ ‬وموْت‭ ‬الإنسان‭. ‬وكأن‭ ‬الروح‭-‬العقل‭-‬الحرية‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬اغتراب‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الأمل‭ ‬ظل‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬عبر‭ ‬عنه‭ ‬إريك‭ ‬فروم‭ ‬في‭ ‬حينه‭.‬

في‭ ‬ظل‭ ‬العولمة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬موْت‭ ‬الإنسان‭ ‬صرخة‭ ‬فيلسوف‭ ‬يعي‭ ‬العالم‭ ‬بل‭ ‬واقعة‭ ‬تودي‭ ‬بالإنسان‭ ‬إلى‭ ‬حال‭ ‬اليأس‭. ‬اليأس‭ ‬الذي‭ ‬عبر‭ ‬عنه‭ ‬المجتمع‭ ‬الرقمي‭ ‬بكل‭ ‬وضوح‭ ‬حين‭ ‬أعلن‭ ‬موْت‭ ‬الحزب‭ ‬والنقابة‭ ‬وموْت‭ ‬اليسار‭ ‬واليمين‭ ‬التقليدي‭. ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬كان‭ ‬اليسار‭ ‬واليمين‭ ‬التقليدي‭ ‬يتناوبان‭ ‬على‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬الفروق‭ ‬بينهما‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬معضلات‭ ‬المجتمع‭ ‬الأوروبي‭ ‬و‭ ‬الأميركي‭. ‬وحين‭ ‬وصلا‭ ‬في‭ ‬العولمة‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬التشابه‭ ‬في‭ ‬العجز‭ ‬تفتقت‭ ‬المجتمعات‭ ‬عن‭ ‬الشعور‭ ‬العملي‭ ‬لموت‭ ‬الإنسان،‭ ‬الموت‭ ‬بوصفه‭ ‬يأساً‭. ‬وعن‭ ‬اغتراب‭ ‬الروح‭ ‬بوصفها‭ ‬تشيؤاً،‭ ‬وعن‭ ‬مأزق‭ ‬الحرية‭ ‬بوصفها‭ ‬تغولاً‭ ‬للرأسمال،‭ ‬وهزيمة‭ ‬للحقيقة‭ ‬بوصفها‭ ‬مأزق‭ ‬العقل‭.‬

إن‭ ‬التاريخ‭ ‬والحال‭ ‬هذه‭ ‬لا‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬إلا‭ ‬بأعلى‭ ‬درجات‭ ‬التأفف‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬توسل‭ ‬الخلاص‭ ‬الفاشي‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬شعارات‭ ‬القوة‭ ‬والمجد‭ ‬والأمة‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬الشعارات‭ ‬التي‭ ‬طرحت‭ ‬أيام‭ ‬أزمة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬بين‭ ‬الحربين،‭ ‬وهي‭ ‬شعارات‭ ‬لا‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬روح‭ ‬العولمة‭ ‬بل‭ ‬ناتجة‭ ‬عن‭ ‬مشكلاتها‭ ‬والثمن‭ ‬الذي‭ ‬سيدفعه‭ ‬العالم‭ ‬قبل‭ ‬استقرارها‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬انفجار‭ ‬العرب‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬معلماً‭ ‬من‭ ‬معالم‭ ‬هذا‭ ‬المأزق‭ ‬التاريخ‭ ‬للعالم‭.‬

وبعد‭: ‬إن‭ ‬الرأسمالية‭ ‬وقد‭ ‬وحدت‭ ‬العالم‭ ‬بالمعنى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمعرفي‭ ‬والثقافي‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما،‭ ‬فإن‭ ‬العولمة‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬بوصفها‭ ‬المرحلة‭ ‬الأعلى‭ ‬للرأسمالية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬قد‭ ‬دمجت‭ ‬العالم‭ ‬بعجره‭ ‬وبجره‭. ‬وبالتالي‭ ‬فكما‭ ‬قلت‭ ‬الرأسمالية‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬العولمة‭ ‬حركة‭ ‬عالمية‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬الإنسان‭ ‬المغترب‭ ‬والمقهور‭ ‬فإن‭ ‬العولمة‭ ‬بدورها‭ ‬ستخلق‭ ‬الحركة‭ ‬العالمية‭ ‬ضد‭ ‬موت‭ ‬الإنسان‭.‬


كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات