عودة‭ ‬الايديولوجيا‭ ‬وظهور‭ ‬الحركات

في‭ ‬زمن‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية‭ ‬وتداعيات‭ ‬الشمولية‭ ‬المنهارة

الجديد  خطار أبو دياب [نُشر في 01/06/2017، العدد: 29، ص(14)]

لوحة: محمد ظاظا
كثر‭ ‬الكلام‭ ‬عن‭ ‬‮«‬نهاية‭ ‬الأيديولوجية‮»‬‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الستينات‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬‭(‬المقصود‭ ‬أساساً‭ ‬النظريات‭ ‬التوليتارية‭ ‬الكلية‭ ‬النازية‭ ‬والفاشية‭ ‬والشيوعية‭)‬،‭ ‬ومع‭ ‬سقوط‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬أوائل‭ ‬تسعينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬تصور‭ ‬البعض‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬نهاية‭ ‬التاريخ‭ ‬مع‭ ‬‮«‬‭ ‬انتصار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرأسمالي‮»‬‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬انتكاسة‭ ‬العولمة‭ ‬الشمولية‭ ‬إثر‭ ‬زلزال‭ ‬وول‭ ‬ستريت‭ ‬في‭ ‬2008‭ ‬أعادت‭ ‬إلى‭ ‬الصراع‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬أوراق‭ ‬اعتماده‭ ‬مع‭ ‬صعود‭ ‬حركات‭ ‬مناهضة‭ ‬للعولمة‭ ‬وأشكال‭ ‬تنظيم‭ ‬سياسي‭ ‬جديد‭ ‬وأن‭ ‬الاستقطاب‭ ‬التقليدي‭ ‬بين‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬يخلي‭ ‬الساحة‭ ‬لقوى‭ ‬متنوعة‭ ‬الاتجاهات‭ ‬يتصاعد‭ ‬نفوذها‭ ‬مع‭ ‬تصدع‭ ‬العولمة‭ ‬والانكفاء‭ ‬نحو‭ ‬الهويات‭. ‬أما‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية‭ ‬فقد‭ ‬أخذت‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬وتؤثر‭ ‬فيه‭ ‬وتنتج‭ ‬حركات‭ ‬جديدة‭ ‬أخذت‭ ‬تطبع‭ ‬المشهد‭ ‬الأوروبي‭.‬

لقد ‭ ‬سقطت‭ ‬النظريات‭ ‬الشمولية‭ ‬والكلية‭ ‬التي‭ ‬مهرت‭ ‬بطابعها‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬نافية‭ ‬لبقية‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬و‮»‬الآخر‮»‬‭. ‬بينما‭ ‬صمدت‭ ‬الليبرالية‭ ‬ليس‭ ‬لسيطرة‭ ‬اقتصاد‭ ‬السوق‭ ‬التي‭ ‬تصاحبها‭ ‬بل‭ ‬تكمن‭ ‬قوة‭ ‬الليبرالية‭ ‬في‭ ‬قبولها‭ ‬التسامح‭ ‬و‮»‬التعايش‮»‬‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬والاتجاهات‭ ‬والنظرات‭. ‬لكن‭ ‬العولمة‭ ‬غير‭ ‬الإنسانية‭ ‬والمنفلتة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬قيد‭ ‬والهادفة‭ ‬للكسب‭ ‬تكاد‭ ‬تحول‭ ‬الليبرالية‭ ‬إلى‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬بنص‭ ‬مغلق،‭ ‬مثلها‭ ‬مثل‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬أيديولوجيات،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬المأزق‭ ‬الذي‭ ‬عبرت‭ ‬عنه‭ ‬تطورات‭ ‬2016‭ ‬مع‭ ‬البريكست،‭ ‬انتخاب‭ ‬ترامب‭ ‬وصعود‭ ‬الشعبوية‮…‬‭ ‬وهذه‭ ‬‮«‬الغيبوبة‮»‬‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬‭(‬وحماية‭ ‬المنظومة‭ ‬القيمية‭)‬‭ ‬جرت‭ ‬فرملتها‭ ‬مع‭ ‬قدرة‭ ‬بلدان‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬على‭ ‬صدّ‭ ‬تيار‭ ‬القطيعة‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬هولندا‭ ‬وفرنسا‭ ‬لهذا‭ ‬العام‭.‬

في‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة‭ ‬وفي‭ ‬أواخر‭ ‬العقد‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬قرنها‭ ‬الأول،‭ ‬نستنتج‭ ‬بذهول‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬مع‭ ‬صعود‭ ‬الأصوليات‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬حدب‭ ‬وصوب‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الهويات‭ ‬القاتلة‭. ‬لقد‭ ‬تفاقم‭ ‬البعد‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬من‭ ‬القدس‭ ‬إلى‭ ‬ميانمار‭ ‬‭(‬بورما‭)‬،‭ ‬واحتدام‭ ‬النزاع‭ ‬السني‭-‬الشيعي‭ ‬وتزامن‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يسمّى‭ ‬الجهاد‭ ‬العالمي‭ ‬بتلويناته‭ ‬المختلفة‭ ‬وانتشار‭ ‬خطر‭ ‬الإرهاب‭ ‬الذي‭ ‬عززته‭ ‬حروب‭ ‬أفغانستان‭ ‬والعراق‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭.‬

تواكب‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬حروب‭ ‬تنهش‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬وتحطم‭ ‬دوله‭ ‬وإنسانه،‭ ‬بعد‭ ‬فشل‭ ‬داخلي‭ ‬وإفشال‭ ‬خارجي‭ ‬لحلم‭ ‬الشباب‭ ‬العربي‭ ‬بالتغيير‭ ‬وإحالته‭ ‬نحو‭ ‬اليأس‭ ‬أو‭ ‬الانتظار‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬مثالب‭ ‬التطرف‭ ‬الراديكالي‭ ‬ودائرته‭ ‬المغلقة‭. ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬المتوسط‭ ‬والأطلسي‭ ‬وبعيدا‭ ‬في‭ ‬أستراليا‭ ‬تأتي‭ ‬أصوات‭ ‬نشاز‭ ‬عبر‭ ‬تعميم‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬الإسلام‭ ‬والإرهاب‭ ‬ونشر‭ ‬الإسلاموفوبيا‭.‬

قبل‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬تطل‭ ‬الفرحة‭ ‬بلحظة‭ ‬اليقظة‭ ‬العربية‭ ‬أواخر‭ ‬2010‭-‬2011‭. ‬فكما‭ ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬المسارات‭ ‬الثورية‭ ‬لا‭ ‬نعلم‭ ‬متى‭ ‬يبدأ‭ ‬الحراك‭ ‬الثوري‭ ‬ولا‭ ‬متى‭ ‬ينتهي،‭ ‬لكن‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يكرر‭ ‬التاريخ‭ ‬نفسه‭ ‬وما‭ ‬قيل‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرنين‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬عن‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬التي‭ ‬‮«‬تأكل‭ ‬أبناءها‮»‬‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬مسارات‭ ‬ثورية‭ ‬عربية‭ ‬متعثرة‭.‬

يبدو‭ ‬أن‭ ‬الحلم‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يراود‭ ‬صناع‭ ‬اللحظة‭ ‬الثورية‭ ‬العربية‭ ‬تبدد‭ ‬نسبياً‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الوقائع‭ ‬الصعبة‭. ‬لقد‭ ‬انبهر‭ ‬العالم‭ ‬بالطابع‭ ‬السلمي‭ ‬المميز‭ ‬وبقدرات‭ ‬الجماهير‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬التغيير‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬التحرير‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬ساحات‭ ‬درعا‭ ‬وحمص‭ ‬وصنعاء‭ ‬وبنغازي،‭ ‬عبر‭ ‬ضغط‭ ‬الكتل‭ ‬البشرية‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ينظر‭ ‬إليه‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬السياسي‭ ‬‭-‬من‭ ‬أبرزهم‭ ‬غوستاف‭ ‬لوبون‭-‬‭ ‬بحذر،‭ ‬وأصبح‭ ‬مثالا‭ ‬يحتذى‭ ‬لانتفاضات‭ ‬الكرامة‭ ‬‭(‬أو‭ ‬حركات‭ ‬الناقمين‭ ‬Les‭ ‬indignés‭)‬‭ ‬من‭ ‬مدريد‭ ‬إلى‭ ‬وول‭ ‬ستريت‭. ‬كان‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يؤشر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نشوب‭ ‬لهيب‭ ‬الحرية‭ ‬سينتج‭ ‬عنه‭ ‬بناء‭ ‬مشروع‭ ‬حداثي‭ ‬يتأقلم‭ ‬مع‭ ‬أحوال‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬لأن‭ ‬العيش‭ ‬الكريم‭ ‬والتحول‭ ‬الديمقراطي‭ ‬واحترام‭ ‬الفرد‭ ‬والحرية‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحضارات‭ ‬والثقافات‭ ‬والحدود‭. ‬لكن‭ ‬اللعبتين‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬بالإضافة‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬أحزاب‭ ‬حاملة‭ ‬للمشروع‭ ‬التغييري‭ ‬أو‭ ‬معبّرة‭ ‬عنه‭ ‬أوصل‭ ‬إلى‭ ‬مأزق‭ ‬تجسّد‭ ‬بصراعات‭ ‬عنيفة‭ ‬وتفكك‭ ‬مجتمعي‭.‬‭ ‬مما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية‭ ‬لعبت‭ ‬دورا‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬الثورية‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬حكاية‭ ‬التونسيين‭ ‬مع‭ ‬الإنترنت‭ ‬واختراق‭ ‬جدار‭ ‬المراقبة‭ ‬إلى‭ ‬المنظمات‭ ‬غير‭ ‬الحكومية‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬ودورها‭ ‬المفصلي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يره‭ ‬البعض‭ ‬إلا‭ ‬تحت‭ ‬مجهر‭ ‬التدخل‭ ‬الأميركي‭ ‬والغربي‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬فكم‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬أحزاب‭ ‬وقوى‭ ‬وتنظيمات‭ ‬عملت‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬السكايب‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬وسيلة‭ ‬التواصل‭ ‬المثلى‭ ‬لإسقاط‭ ‬سدود‭ ‬الخوف‭ ‬والطغيان‭. ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬الحركات‭ ‬والقوى‭ ‬الناشئة‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬اعتمدت‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬اعتمدت‭ ‬على‭ ‬أساليب‭ ‬الاستقطاب‭ ‬التقليدية‭. ‬وبالطبع‭ ‬استفادت‭ ‬التنظيمات‭ ‬المسلّحة‭ ‬المصنّفة‭ ‬إرهابية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الطفرة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬التي‭ ‬تكرّست‭ ‬كسلاح‭ ‬ذي‭ ‬حدين‭. ‬

لوحة: موسى النعنع

أمام‭ ‬تمدد‭ ‬‮«‬‭ ‬داعش‮»‬‭ ‬وفزاعة‭ ‬الإسلاموفوبيا‭ ‬أتى‭ ‬الإنذار‭ ‬النمساوي‭ ‬في‭ ‬ربيع‭ ‬2016‭ ‬حينما‭ ‬كاد‭ ‬زعيم‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬في‭ ‬النمسا‭ ‬يفوز‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الرئاسية،‭ ‬واتصل‭ ‬ذلك‭ ‬بإطلالة‭ ‬وجه‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الفاشية‭ ‬مع‭ ‬انتشار‭ ‬خطاب‭ ‬القطيعة‭ ‬عبر‭ ‬القارات‭ ‬ومقولة‭ ‬رفض‭ ‬الآخر‭ ‬والتطرف‭ ‬على‭ ‬أنواعه‭ ‬وحروب‭ ‬الهويات‭ ‬والحضارات‭. ‬وليس‭ ‬من‭ ‬المصادفة‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬النمسا‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬أوروبا،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تعكس‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬القارة‭ ‬من‭ ‬انهيار‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬ومن‭ ‬تحديات‭ ‬متصلة‭ ‬بمواضيع‭ ‬اللجوء‭ ‬والهجرة‭ ‬وموقع‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2016‭ ‬شهدنا‭ ‬انهياراً‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬‮«‬القديم‮»‬‭ ‬المرتسم‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬مع‭ ‬تلاحق‭ ‬أحداث‭ ‬مفصلية‭: ‬البريكست‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬تداعيات‭ ‬ظاهرتي‭ ‬اللجوء‭ ‬والإرهاب‭ ‬وصعود‭ ‬الشعبوية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬ونهجي‭ ‬التطرف‭ ‬والقطيعة‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬انتخاب‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬الاختراق‭ ‬الروسي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬مع‭ ‬بوتين،‭ ‬المحاولة‭ ‬الانقلابية‭ ‬الفاشلة‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬وتتمّاتها،‭ ‬الفوضى‭ ‬التدميرية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬صعود‭ ‬الصين‭ ‬كقوة‭ ‬شاملة‭ ‬وتصرف‭ ‬كوريا‭ ‬الشمالية‭ ‬المريب‭. ‬أمام‭ ‬هكذا‭ ‬تحولات‭ ‬متسارعة‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬تنطوي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬تصدّع‭ ‬في‭ ‬الجوانب‭ ‬الايجابية‭ ‬للعولمة‭ ‬واهتزاز‭ ‬في‭ ‬القناعات‭ ‬وكلّ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬يقيني،‭ ‬حلّ‭ ‬الاستحقاق‭ ‬الرئاسي‭ ‬الفرنسي‭ ‬حيث‭ ‬هناك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المواقف‭ ‬اللفظية‭ ‬أو‭ ‬العبارات‭ ‬الحادة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المرشح‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬حيال‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬الدولة‭. ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬نلاحظ‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬نقاشاً‭ ‬رصيناً‭ ‬حول‭ ‬تحولات‭ ‬2015‭-‬2016‭ ‬وأثرها‭ ‬المباشر‭ ‬والمستقبلي،‭ ‬وعدم‭ ‬وجود‭ ‬برامج‭ ‬انتخابية‭ ‬وأطروحات‭ ‬مقنعة‭ ‬بخصوص‭ ‬مصير‭ ‬فرنسا‭ ‬وتموضعها‭ ‬الأوروبي‭ ‬واستقلاليتها‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬المعركة‭ ‬ببساطة‭ ‬معركة‭ ‬عادية‭ ‬وتنافسا‭ ‬تقليديا‭ ‬بين‭ ‬اليسار‭ ‬واليمين،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬معركة‭ ‬استثنائية‭ ‬ومميزة‭ ‬لجهة‭ ‬مستقبل‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الليبرالية‭ ‬وتقرير‭ ‬مصير‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭.‬

إن‭ ‬مسألة‭ ‬الانتماء‭ ‬الأوروبي‭ ‬لفرنسا‭ ‬لا‭ ‬تنحصر‭ ‬بالجانب‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والربط‭ ‬باليورو،‭ ‬لكنها‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬خيار‭ ‬حضاري‭ ‬لأنموذج‭ ‬من‭ ‬السلام‭ ‬والاستقرار‭ ‬والاندماج‭ ‬الإقليمي‭.‬

ألقت‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬الحيرة‭ ‬الاستراتيجية‮»‬‭ ‬لفرنسا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬من‭ ‬التحولات‭ ‬العالمية‭ ‬بثقلها‭ ‬على‭ ‬الاستحقاق‭ ‬الرئاسي‭ ‬ولو‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭. ‬لقد‭ ‬أسفرت‭ ‬نتائج‭ ‬الدورة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الانتخابات‭ ‬الرئاسية‭ ‬الفرنسية‭ ‬عن‭ ‬نهاية‭ ‬الاستقطاب‭ ‬الثنائي‭ ‬التقليدي‭ ‬بين‭ ‬اليمين‭ ‬تحت‭ ‬قيادة‭ ‬حزب‭ ‬الجمهوريين‭ ‬واليسار‭ ‬الذي‭ ‬يتمحور‭ ‬حول‭ ‬الحزب‭ ‬الاشتراكي‭. ‬ونظراً‭ ‬لأهمية‭ ‬باريس‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬حرب‭ ‬الأفكار‭ ‬والنظريات،‭ ‬يدلل‭ ‬الانهيار‭ ‬الانتخابي‭ ‬لبونوا‭ ‬هامون‭ ‬مرشح‭ ‬الاشتراكيين‭ ‬على‭ ‬أزمة‭ ‬عميقة‭ ‬ليس‭ ‬عند‭ ‬اليسار‭ ‬الفرنسي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬عند‭ ‬مجمل‭ ‬اليسار‭ ‬الأوروبي‭ ‬والعالمي‭ ‬الذي‭ ‬فقد‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬والجذب‭ ‬وتقديم‭ ‬البديل‭ ‬عن‭ ‬رأسمالية‭ ‬أقصى‭ ‬ليبرالية‭ ‬وعن‭ ‬أفكار‭ ‬ماركسية‭ ‬أو‭ ‬اشتراكية‭ ‬ديمقراطية‭ ‬لم‭ ‬تتأقلم‭ ‬مع‭ ‬العولمة‭ ‬ولا‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬مرحلة‭ ‬تصدع‭ ‬هذه‭ ‬العولمة‭ ‬وتبعاتها‭.‬

إذا‭ ‬جمعنا‭ ‬أصوات‭ ‬اليمينية‭ ‬القومية‭ ‬مارين‭ ‬لوبن‭ ‬واليساري‭ ‬الراديكالي‭ ‬جان‭ ‬لوك‭ ‬ميلانشون‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬40‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬الجسم‭ ‬الانتخابي‭ ‬الفرنسي‭ ‬وهذا‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬مقلق‭ ‬ويدق‭ ‬جرس‭ ‬الإنذار‭ ‬بخصوص‭ ‬أزمة‭ ‬بنيوية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬وإشارة‭ ‬إلى‭ ‬الانكفاء‭ ‬نحو‭ ‬شعارات‭ ‬السيادة‭ ‬والهوية‭ ‬الخاصة،‭ ‬وتراجع‭ ‬عن‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬المؤسسة‭ ‬للجمهورية‭ ‬والآتية‭ ‬من‭ ‬فكر‭ ‬التنوير،‭ ‬مع‭ ‬تسجيل‭ ‬تراجع‭ ‬عام‭ ‬لليسار‭ ‬الحاكم‭ ‬والمعتدل‭ ‬أمام‭ ‬يسار‭ ‬جديد‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬اليسار‭ ‬مع‭ ‬خطاب‭ ‬سيادي‭ ‬مرتبط‭ ‬بالبعد‭ ‬الطبقي‭ ‬تبرز‭ ‬أزمة‭ ‬اليسار‭ ‬الفرنسي‭ ‬الحائر‭ ‬والمفتت‭ ‬وكل‭ ‬المناورات‭ ‬لا‭ ‬تعفيه‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬ملياً‭ ‬في‭ ‬أزمته‭ ‬وتموضعه‭.‬

يراود‭ ‬الأمل‭ ‬بعض‭ ‬المفكرين‭ ‬الفرنسيين‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬صعود‭ ‬أقصى‭ ‬اليمين‭ ‬وأقصى‭ ‬اليسار‭ ‬‭(‬وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬فوز‭ ‬ترامب‭)‬‭ ‬إلى‭ ‬يقظة‭ ‬عند‭ ‬اليسار‭ ‬ليفكر‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬وينبعث‭.. ‬لكن‭ ‬العودة‭ ‬لنفس‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬الردود‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الإحاطة‭ ‬بإشكاليات‭ ‬حقبة‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الهويات‭ ‬القومية‭ ‬ودون‭ ‬الوطنية‭ ‬وصعود‭ ‬البعد‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يتوجب‭ ‬التنبه‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬التسامح‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬مأزق‭ ‬الانعزال‭ ‬أو‭ ‬الصراع‭ ‬الحتمي‭.‬

‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬يفترض‭ ‬إطلاق‭ ‬دينامكية‭ ‬خلاقة‭ ‬في‭ ‬انبعاث‭ ‬مختلف‭ ‬لليسار‭ ‬أو‭ ‬للاشتراكية‭ ‬ذات‭ ‬الوجه‭ ‬الإنساني‭. ‬ويبرز‭ ‬من‭ ‬الاختبار‭ ‬الفرنسي‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬مخاض‭ ‬فكري‭ ‬مفتوح‭ ‬الأفق‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬مرفوضا‭ ‬الانحدار‭ ‬نحو‭ ‬الهويات‭ ‬‮«‬الهدامة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬القاتلة‮»‬‭ ‬للاحتماء‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬الشمولية‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والبيئة،‭ ‬يظهر‭ ‬أن‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬تكون‭ ‬سريع‭ ‬ليسار‭ ‬جديد‭ ‬فيه‭ ‬قدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الطوباوية،‭ ‬بينما‭ ‬يتعيّن‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية‭ ‬التفتيش‭ ‬على‭ ‬أجوبة‭ ‬يستنبطها‭ ‬جيل‭ ‬الإنترنت‭ ‬ولا‭ ‬يمتلكها‭ ‬حنين‭ ‬أوصياء‭ ‬يتبعون‭ ‬وصفات‭ ‬القرنين‭ ‬السالفين‭.‬

من‭ ‬خلال‭ ‬نجاح‭ ‬حركة‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬الأمام‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أطلقها‭ ‬الوسطي‭ ‬إيمانويل‭ ‬ماكرون‭ ‬في‭ ‬إيصال‭ ‬مؤسسها‭ ‬إلى‭ ‬الإليزيه،‭ ‬تنتصر‭ ‬الحركات‭ ‬الجديدة‭ ‬على‭ ‬الأحزاب‭ ‬التاريخية‭ ‬والتقليدية‭. ‬ويتراجع‭ ‬دور‭ ‬محترفي‭ ‬السياسة‭ ‬أمام‭ ‬روّاد‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المسيّسين‭. ‬وهكذا‭ ‬مع‭ ‬تجربة‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬الأمام‮»‬‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬و‮»‬النجوم‭ ‬الخمس‭ ‬في‭ ‬ايطاليا‮»‬‭ ‬و‮»‬بوديموس‮»‬‭ ‬في‭ ‬إسبانيا‭ ‬وحركة‭ ‬اليسار‭ ‬الحديد‭ ‬في‭ ‬اليونان‭ ‬وغيرها‭ ‬نشهد‭ ‬انقلابا‭ ‬جذريا‭ ‬لغير‭ ‬صالح‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬والقوى‭ ‬التقليدية‭. ‬إنها‭ ‬ثورة‭ ‬تبدأ‭ ‬للتوّ‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬السياسة‭ ‬وميدان‭ ‬الفكر‭ ‬السياسي‭ ‬وهي‭ ‬مرادفة‭ ‬للتجديد‭ ‬والثورة‭ ‬الرقمية‭.‬


كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬باريس