أهي‭ ‬نهاية‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار

في‭ ‬تعليقه‭ ‬على‭ ‬نتيجة‭ ‬الانتخابات‭ ‬الرئاسية‭ ‬الفرنسية،‭ ‬كتب‭ ‬المؤرخ‭ ‬والمحلل‭ ‬السياسي‭ ‬جاك‭ ‬جوليار‭ ‬بأنها‭ ‬أعلنت‭ ‬نهاية‭ ‬الأحزاب،‭ ‬وظهور‭ ‬‮«‬حركات‮»‬‭ ‬تتوق‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الديمقراطية‭ ‬المباشرة‭. ‬وفي‭ ‬رأيه‭ ‬أن‭ ‬الحزبين‭ ‬التقليديين‭ ‬المنهزمين‭ ‬كانا‭ ‬منذ‭ ‬مدة‭ ‬أشبه‭ ‬بميّتين‭ ‬مع‭ ‬تأجيل‭ ‬التنفيذ،‭ ‬إذ‭ ‬كانا‭ ‬يجوبان‭ ‬الحقل‭ ‬السياسي‭ ‬مثل‭ ‬ديكين‭ ‬مقطوعي‭ ‬الرأس‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فقدا‭ ‬مساندة‭ ‬قواعدهما،‭ ‬قواعد‭ ‬ما‭ ‬فتئت‭ ‬تتناقص‭ ‬وتتشتت‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬عمد‭ ‬الحزبان‭ ‬العريقان،‭ ‬الحزب‭ ‬الاشتراكي‭ ‬اليساري‭ ‬وحزب‭ ‬الجمهوريين‭ ‬اليميني،‭ ‬إلى‭ ‬التدليس‭ ‬داخل‭ ‬مؤسستهما‭ ‬نفسها،‭ ‬لتغليب‭ ‬مرشح‭ ‬على‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬قيادة‭ ‬الحزب،‭ ‬ما‭ ‬ترك‭ ‬انطباعا‭ ‬لدى‭ ‬المواطنين‭ ‬بأنهما‭ ‬لا‭ ‬يقلان‭ ‬نذالة‭ ‬عن‭ ‬عصابات‭ ‬المافيا،‭ ‬وأن‭ ‬السياسة‭ ‬صارت‭ ‬تجلب‭ ‬إلى‭ ‬أحضانها‭ ‬ذوي‭ ‬النفوس‭ ‬الدنيئة‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬جمهوريات‭ ‬الموز‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تؤكده‭ ‬آن‭ ‬موكسيل،‭ ‬عالمة‭ ‬الاجتماع‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬دور‭ ‬الذاكرة‭ ‬وانتقال‭ ‬المواقف‭ ‬والسلوك‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال،‭ ‬إذ‭ ‬تفسر‭ ‬الهزيمة‭ ‬المدوية‭ ‬بأن‭ ‬التصويت‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬رفض‭ ‬ونبذ‭ ‬للذين‭ ‬خانوا‭ ‬الوعود‭ ‬ونكثوا‭ ‬العهود‭ ‬فور‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬السلطة،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬انخراط‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬سياسي‭ ‬ممكن،‭ ‬بل‭ ‬صار‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬القناعة‭ ‬السياسية‭ ‬الحميمة‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬المرشح‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬ذاك،‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الحزب‭ ‬الذي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليه‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬رينو‭ ‬بير،‭ ‬مدير‭ ‬معهد‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬بمدينة‭ ‬ليون،‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الحواجز‭ ‬بين‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬لم‭ ‬تزل،‭ ‬وإن‭ ‬ظلت‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬الأعوام‭ ‬تتأرجح‭ ‬بين‭ ‬اللين‭ ‬والشدة،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬لا‭ ‬يخرج‭ ‬عن‭ ‬أسلوب‭ ‬فرنسوا‭ ‬ميتران‭ ‬‭-‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬رص‭ ‬الصفوف‭ ‬في‭ ‬الدور‭ ‬الأول،‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬الآخر‭ ‬في‭ ‬الدور‭ ‬الثاني‭-‬،‭ ‬أو‭ ‬أسلوب‭ ‬جاك‭ ‬شيراك‭ ‬‭-‬الذي‭ ‬يحاول‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الدور‭ ‬الأول،‭ ‬ثم‭ ‬التجمّع‭ ‬في‭ ‬الدور‭ ‬الثاني‭-‬‭ ‬ولكن‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬دوما‭ ‬على‭ ‬الحدّ‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬شريكا‭ ‬في‭ ‬جوهر‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬‮«‬كنظام‭ ‬يقبل‭ ‬تناقضاته‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬تكريس‭ ‬النزاع‮»‬‭ ‬على‭ ‬رأي‭ ‬الفيلسوف‭ ‬بول‭ ‬ريكور‭.‬

الجديد  أبو بكر العيادي [نُشر في 01/06/2017، العدد: 29، ص(18)]

لوحة: محمد ظاظا
فكيف ‭ ‬إذن‭ ‬نفسر‭ ‬فوز‭ ‬إمانويل‭ ‬ماكرون‭ ‬ولم‭ ‬تمض‭ ‬سوى‭ ‬سنة‭ ‬بالتمام‭ ‬والكمال‭ ‬على‭ ‬تأسيسه‭ ‬حركة‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬الأمام‮»‬؟‭ ‬هل‭ ‬انساق‭ ‬الناخبون‭ ‬إلى‭ ‬الحركة‭ ‬أم‭ ‬إلى‭ ‬رجل‭ ‬لم‭ ‬تلطخه‭ ‬أوضار‭ ‬السياسة،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يظهر‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬انضمامه‭ ‬إلى‭ ‬حكومة‭ ‬مانويل‭ ‬فالس‭ ‬كوزير‭ ‬للاقتصاد؟‭ ‬هل‭ ‬اختير‭ ‬لأن‭ ‬سنّه،‭ ‬ولم‭ ‬يبلغ‭ ‬بعد‭ ‬الأربعين،‭ ‬تؤهله‭ ‬للتغيير‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬انتظره‭ ‬الفرنسيون،‭ ‬أم‭ ‬اختير‭ ‬لشخصه،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الحظ‭ ‬لعب‭ ‬دورا‭ ‬في‭ ‬انتصاره؟

عندما‭ ‬أطلق‭ ‬ماكرون‭ ‬حركته،‭ ‬قال‭ ‬إنها‭ ‬ليست‭ ‬من‭ ‬اليمين‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬اليسار،‭ ‬ثم‭ ‬عدل‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬بعد‭ ‬انتقاد‭ ‬خصومه‭ ‬سلبيةَ‭ ‬هذا‭ ‬الشعار،‭ ‬فقال‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬من‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬أنشأه‭ ‬جامع‭ ‬للشيء‭ ‬ونقيضه،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬عَدَّهُ‭ ‬بعضهم‭ ‬دليلا‭ ‬على‭ ‬تدني‭ ‬النظرية‭ ‬السياسية،‭ ‬لأن‭ ‬انتشار‭ ‬الأحزاب‭ ‬‮«‬الجامعة‭ ‬لكل‭ ‬شيء‮»‬‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصيب‭ ‬الديمقراطية‭ ‬من‭ ‬عطب،‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬رجل‭ ‬القانون‭ ‬الألماني‭ ‬أوتو‭ ‬كيرخهايمر‭(‬1905‭-‬1965‭)‬‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ماكرون‭ ‬يعتقد‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ثمة‭ ‬حاجز‭ ‬بين‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار،‭ ‬بل‭ ‬الحاجز‭ ‬إنما‭ ‬يقع‭ ‬بين‭ ‬التقدميين‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬المحافظين‭. ‬وهو‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬يذكّر‭ ‬بتجارب‭ ‬سبقه‭ ‬إليها‭ ‬توني‭ ‬بلير‭ ‬بسبيله‭ ‬الثالثة‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬التسعينات،‭ ‬وبعض‭ ‬زعماء‭ ‬اليمين‭ ‬الفرنسي‭ ‬بدءا‭ ‬بجان‭ ‬لوكانويه‭ ‬في‭ ‬الستينات،‭ ‬وشابان‭ ‬ديلماس‭ ‬في‭ ‬السبعينات،‭ ‬وبيير‭ ‬شوفانمان‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة،‭ ‬وحتى‭ ‬نتالي‭ ‬كوسيوسكو‭ ‬موريزيه‭ ‬خلال‭ ‬انتخابات‭ ‬حزب‭ ‬الجمهوريين‭ ‬التمهيدية‭ ‬لهذا‭ ‬العام‭. ‬ولم‭ ‬تمنع‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الدعوات‭ ‬بقاء‭ ‬الأحزاب،‭ ‬وبقاء‭ ‬الفوارق‭ ‬بين‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭.‬

أما‭ ‬عن‭ ‬ظاهرة‭ ‬الانخراط‭ ‬وراء‭ ‬شخصية‭ ‬ثانوية‭ ‬فيعتقد‭ ‬المؤرخ‭ ‬وعالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬بيير‭ ‬روزانفالون‭ ‬أنها‭ ‬قطيعة‭ ‬ديمقراطية،‭ ‬فانهيار‭ ‬الأحزاب‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬نظره‭ ‬يعكس‭ ‬زوال‭ ‬الديمقراطية‭ ‬النيابية،‭ ‬حيث‭ ‬يلبي‭ ‬الحزب‭ ‬السياسي‭ ‬مطلبا‭ ‬اجتماعيا‭ ‬ويكون‭ ‬صورة‭ ‬ملخصة‭ ‬لفئة‭ ‬اجتماعية،‭ ‬وجملة‭ ‬من‭ ‬الآراء،‭ ‬تزول‭ ‬لفائدة‭ ‬ديمقراطيةِ‭ ‬تمثُّلٍ‭ ‬مختلفٍ‭ ‬بشكل‭ ‬جذريّ‭.‬

فالجبهة‭ ‬الوطنية‭ ‬ليست‭ ‬حزبا،‭ ‬بل‭ ‬لجنة‭ ‬مساندة‭ ‬لعائلة‭ ‬لوبان،‭ ‬وميلنشون‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يترشح‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬حركة‭ ‬هي‭ ‬جبهة‭ ‬اليسار،‭ ‬بل‭ ‬كزعيم‭ ‬يقدم‭ ‬عرضا‭ ‬للبلاد‭ ‬تحت‭ ‬راية‭ ‬عدم‭ ‬الاستسلام‭. ‬أما‭ ‬ماكرون‭ ‬فحركته‭ ‬هي‭ ‬حركة‭ ‬من‭ ‬ينضمون‭ ‬إلى‭ ‬شخصه‭. ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬يزعمون‭ ‬مناهضة‭ ‬المنظومة،‭ ‬والقطع‭ ‬معها،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الموقف‭ ‬والمظهر‭. ‬يقول‭ ‬روزانفالون‭ ‬‮«‬عندما‭ ‬نكون‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬عدة‭ ‬مسائل‭ ‬متقلبة‭ ‬ومريبة،‭ ‬تفرض‭ ‬قوة‭ ‬الأفكارِ‭ ‬السلبية،‭ ‬أي‭ ‬أفكارِ‭ ‬الرفض‭ ‬والنبذ،‭ ‬نفسَها‭. ‬ومن‭ ‬ثَمّ‭ ‬صارت‭ ‬الديمقراطية‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬الانفعالات‭ ‬والمعتقدات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الأفكار‮»‬‭.‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬سياسات‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬تلبية‭ ‬الرهانات‭ ‬الوطنية،‭ ‬واقتراح‭ ‬مشروع‭ ‬ذي‭ ‬مصلحة‭ ‬مشتركة،‭ ‬ودعوة‭ ‬الجميع‭ ‬إلى‭ ‬بذل‭ ‬الجهد‭ ‬لرفع‭ ‬تحدى‭ ‬البطالة‭ ‬والعجز،‭ ‬ومقاربة‭ ‬العالم‭ ‬بوسائل‭ ‬مغايرة‭. ‬والنتيجة‭ ‬بروز‭ ‬قوة‭ ‬مركزية‭ ‬هجينة،‭ ‬تحرسها‭ ‬من‭ ‬اليمين‭ ‬ومن‭ ‬اليسار‭ ‬قوتان‭ ‬متطرفتان،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬تداول‭ ‬الحكم‭ ‬مستحيلا،‭ ‬أو‭ ‬منذرا‭ ‬بالوقوع‭ ‬تحت‭ ‬هيمنة‭ ‬أحد‭ ‬المتطرفين‭.‬

عندما‭ ‬نرى‭ ‬الملياردير‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬والمليونيرة‭ ‬مارين‭ ‬لوبان‭ ‬يزعمان‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الشعب،‭ ‬نتساءل‭ ‬ألا‭ ‬يزال‭ ‬لمصطلحي‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬معنى؟‭ ‬الثابت‭ ‬أنهما‭ ‬في‭ ‬أزمة‭. ‬فأحزاب‭ ‬اليسار‭ ‬بدأت‭ ‬منذ‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬تفقد‭ ‬قاعدتها‭ ‬في‭ ‬الطبقة‭ ‬العمالية‭ ‬الصناعية،‭ ‬حين‭ ‬صارت‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الثروات‭ ‬أقل‭ ‬أهمية‭ ‬من‭ ‬التفتح‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للأقليات‭ ‬الإثنية‭ ‬والجنسية‭. ‬ونابت‭ ‬عن‭ ‬الرابطة‭ ‬القديمة‭ ‬بين‭ ‬النقابات‭ ‬والمثقفين‭ ‬تحالفات‭ ‬متنوعة‭ ‬بين‭ ‬مثقفين‭ ‬ونسويين‭ ‬ومثليين‭ ‬وسود‭.. ‬في‭ ‬الأثناء‭ ‬قدمت‭ ‬أحزاب‭ ‬اليسار،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬الجمهوريين‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬مساندة‭ ‬ظاهرية‭ ‬للمحافظة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وحتى‭ ‬الطائفية،‭ ‬والنّاخِبين‭ ‬الأقل‭ ‬حظا‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الريفية،‭ ‬ولكنها‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تصادق‭ ‬على‭ ‬أفضل‭ ‬القرارات‭ ‬لفائدة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الكبرى‭ ‬حينما‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬السلطة‭. ‬وما‭ ‬كان‭ ‬صالحا‭ ‬للمؤسسات‭ ‬الكبرى‭ ‬لم‭ ‬يسئ‭ ‬دائما‭ ‬إلى‭ ‬مصالح‭ ‬أحزاب‭ ‬وسط‭ ‬اليسار،‭ ‬فقد‭ ‬حصلت‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬عاملة‭ ‬زهيدة‭ ‬الثمن،‭ ‬فيما‭ ‬شجع‭ ‬اليسار‭ ‬التعدد‭ ‬الثقافي‭.‬

ومن‭ ‬البديهي‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬الأحزاب‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الاشتراكية‭ ‬الأوروبية‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأوقات‭ ‬ضمن‭ ‬حكومات‭ ‬ائتلافية‭ ‬مع‭ ‬محافظين‭ ‬معتدلين‭ ‬مؤيدين‭ ‬للمؤسسات،‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬ديمقراطيين‭ ‬مسيحيين‭. ‬ثم‭ ‬ازداد‭ ‬الأمر‭ ‬فداحة‭ ‬بسقوط‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي،‭ ‬لأن‭ ‬الديمقراطيات‭ ‬الليبرالية‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬لها‭ ‬نفس‭ ‬الحاجة‭ ‬الملحة‭ ‬لمقاومة‭ ‬الأنموذج‭ ‬الشيوعي‭ ‬بتعديلاتها‭ ‬الخاصة‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬يندرج‭ ‬فوز‭ ‬بيل‭ ‬كلينتون‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وتوني‭ ‬بلير‭ ‬في‭ ‬بريطانيا،‭ ‬فكلاهما‭ ‬كان‭ ‬يحمل‭ ‬مقاربة‭ ‬براغماتية‭ ‬نيوليبرالية‭ ‬تخدم‭ ‬مصالح‭ ‬المؤسسات‭. ‬أي‭ ‬أن‭ ‬السمات‭ ‬المميزة‭ ‬التي‭ ‬تفرّق‭ ‬بين‭ ‬يمين‭ ‬ويسار‭ ‬اختفت‭. ‬وانتهت‭ ‬فكرة‭ ‬اليسار‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬البروليتاريا‭ ‬المضطهدة‭ ‬ضد‭ ‬مصالح‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬والبورجوازية‭. ‬ولعل‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬هزيمة‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬البريطاني‭ ‬أن‭ ‬سياسات‭ ‬زعيمه،‭ ‬جريمي‭ ‬كوربين،‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭ ‬منذ‭ ‬السبعينات‭.‬

والفرق‭ ‬بين‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأفكار‭ ‬أيضا،‭ ‬فبعض‭ ‬المحللين‭ ‬يعتبرون‭ ‬أن‭ ‬الشقاق‭ ‬بين‭ ‬أنصار‭ ‬دريفوس‭ ‬وأعدائه‭ ‬‭(‬الذي‭ ‬يرجع‭ ‬عهده‭ ‬إلى‭ ‬1890‭)‬‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬قائما‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬وإن‭ ‬بصور‭ ‬مغايرة‭. ‬فماكرون،‭ ‬الذي‭ ‬عمل‭ ‬مصرفيا‭ ‬عند‭ ‬مؤسسة‭ ‬روتشيلد‭ ‬يؤمن‭ ‬بالانفتاح‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬العالمية،‭ ‬يساري‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬وإن‭ ‬انزاح‭ ‬ناحية‭ ‬الوسط،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أنصار‭ ‬دريفوس،‭ ‬فيما‭ ‬لوبان‭ ‬زعيمة‭ ‬فرنسا‭ ‬العميقة،‭ ‬فرنسا‭ ‬المسيحيين‭ ‬البيض‭ ‬الغاضبين‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الريفية،‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬تناقضا‭ ‬حينما‭ ‬يصرّح‭ ‬المواطن‭ ‬أنه‭ ‬فرنسي‭ ‬ومسلم،‭ ‬هي‭ ‬عنصرية‭ ‬سليلة‭ ‬المعادين‭ ‬لدريفوس‭ ‬ثم‭ ‬للسامية‭ ‬والإسلام،‭ ‬وسليلة‭ ‬المنظمات‭ ‬الإرهابية‭ ‬الفرنسية‭ ‬كمنظمة‭ ‬الحراك‭ ‬الفرنسي‭.‬

الفرق‭ ‬بين‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأفكار‭ ‬أيضا،‭ ‬فبعض‭ ‬المحللين‭ ‬يعتبرون‭ ‬أن‭ ‬الشقاق‭ ‬بين‭ ‬أنصار‭ ‬دريفوس‭ ‬وأعدائه‭ ‬‭(‬الذي‭ ‬يرجع‭ ‬عهده‭ ‬إلى‭ ‬1890‭)‬‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬قائما‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬حتى‭ ‬اليوم

أما‭ ‬اليمين‭ ‬فهو‭ ‬أيضا‭ ‬يعيش‭ ‬أزمة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬خطورة‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬اليسار‭. ‬وكان‭ ‬بدأها‭ ‬ساركوزي‭ ‬إبان‭ ‬حملته‭ ‬الرئاسية‭ ‬عام‭ ‬2007،‭ ‬حينما‭ ‬طلع‭ ‬بفكرة‭ ‬‮«‬اليمين‭ ‬غير‭ ‬المعقد‮»‬‭ ‬لتبرير‭ ‬تبنيه‭ ‬خطاب‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬تجاه‭ ‬المهاجرين‭ ‬وأبنائهم،‭ ‬والتركيز‭ ‬على‭ ‬المسائل‭ ‬الأمنية،‭ ‬ثم‭ ‬البطالة،‭ ‬فأخفق‭ ‬بعد‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬سدة‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬المسألتين،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الفرنسيين‭ ‬يرون‭ ‬أنه‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التصويت‭ ‬لمن‭ ‬يحل‭ ‬مشاكل‭ ‬الهجرة‭ ‬والبطالة،‭ ‬وقد‭ ‬غدت‭ ‬في‭ ‬تصورهم‭ ‬مترابطة،‭ ‬فالأصل‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬الصورة‭. ‬وبذلك‭ ‬أمكن‭ ‬لمارين‭ ‬لوبان،‭ ‬التي‭ ‬خلفت‭ ‬أباها‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬الجبهة‭ ‬الوطنية،‭ ‬أن‭ ‬تستقطب‭ ‬الفرنسيين‭ ‬بخطاب‭ ‬شعبوي‭ ‬يوهم‭ ‬الفرنسيين‭ ‬بأنهم‭ ‬لن‭ ‬يسترجعوا‭ ‬سيادتهم‭ ‬إلا‭ ‬بالخروج‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬والتخلي‭ ‬عن‭ ‬اليورو،‭ ‬وسدّ‭ ‬أبواب‭ ‬الهجرة‭. ‬وكان‭ ‬بإمكان‭ ‬اليمين‭ ‬أن‭ ‬يفوز‭ ‬بالرئاسة‭ ‬لولا‭ ‬الحزازات‭ ‬الشخصية‭ ‬بين‭ ‬قادته،‭ ‬أهمها‭ ‬العداء‭ ‬المستحكم‭ ‬الذي‭ ‬يكنّه‭ ‬ساركوزي‭ ‬لألان‭ ‬جوبي،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬المحللين‭ ‬صرح‭ ‬بعد‭ ‬الفضائح‭ ‬التي‭ ‬تعلقت‭ ‬بفرنسوا‭ ‬فيون‭ ‬أن‭ ‬ساركوزي‭ ‬يفضل‭ ‬فيون‭ ‬منهزمًا‭ ‬على‭ ‬جوبي‭ ‬منتصرا‭. ‬والنتيجة‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬قادة‭ ‬اليمين‭ ‬يعرضون‭ ‬اليوم‭ ‬خدماتهم‭ ‬على‭ ‬ماكرون‭.‬

وليس‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أفضل‭ ‬حالا،‭ ‬فترامب،‭ ‬الذي‭ ‬يدّعي‭ ‬تمثيل‭ ‬الشعب‭ ‬والدفاع‭ ‬عنه،‭ ‬محاط‭ ‬بقدماء‭ ‬بنك‭ ‬غولدمان‭ ‬ساكس‭ ‬وعمالقة‭ ‬كثرٍ‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬الأعمال‭. ‬لقد‭ ‬استطاع‭ ‬هذا‭ ‬الجاهل‭ ‬النرجسي‭ ‬عديم‭ ‬الخبرة‭ ‬السياسية‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬رئيسا‭ ‬لأعظم‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬بإذكاء‭ ‬كراهية‭ ‬الشعب‭ ‬ضد‭ ‬النخبة‭ ‬المتعلمة،‭ ‬ورجال‭ ‬البنوك‭ ‬والأجانب‭ ‬والمهاجرين،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬العالمية،‭ ‬والحال‭ ‬أنه‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭. ‬لئن‭ ‬انتصر‭ ‬ماكرون‭ ‬وبقي‭ ‬اليسار‭ ‬الاشتراكي‭ ‬الديمقراطي‭ ‬في‭ ‬أزمة،‭ ‬فإن‭ ‬ترامب‭ ‬انتصر‭ ‬هو‭ ‬أيضا‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬ما‭ ‬يصنع‭ ‬بانتصاره،‭ ‬وبالأحرى‭ ‬لا‭ ‬يدري‭ ‬كيف‭ ‬يستثمر‭ ‬انتصاره‭. ‬فهل‭ ‬يستطيع،‭ ‬بما‭ ‬يستبطن‭ ‬من‭ ‬عنصرية‭ ‬وشوفينية‭ ‬أن‭ ‬يتعايش‭ ‬مع‭ ‬الرأسمالية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزدهر‭ ‬إلا‭ ‬بفضل‭ ‬المهاجرين‭ ‬وحرية‭ ‬التنقل‭ ‬والمؤسسات‭ ‬العالمية؟

لوحة: موسى النعنع

في‭ ‬خريف‭ ‬2014،‭ ‬نشر‭ ‬روبير‭ ‬هُو‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬الأسبق‭ ‬للحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬الفرنسي‭ ‬كتابا‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬الأحزاب‭ ‬ستموت‮…‬‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تعلم‭!‬‮»‬‭ ‬فحْواه‭ ‬واضح‭ ‬من‭ ‬عنوانه،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬متخصصين‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬يشكون‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬لأن‭ ‬طبيعة‭ ‬اللعبة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬انتخابية‭ ‬محددة‭ ‬لن‭ ‬تخدم‭ ‬إلا‭ ‬الأحزاب‭ ‬القوية،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬ماتيو‭ ‬فييرا،‭ ‬أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬بغرونوبل،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يقع‭ ‬إصلاح‭ ‬مؤسسات‭ ‬الجمهورية‭ ‬الخامسة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكده‭ ‬ديديي‭ ‬موس‭ ‬المتخصص‭ ‬في‭ ‬دستورية‭ ‬القوانين،‭ ‬لأن‭ ‬الأحزاب‭ ‬في‭ ‬رأيه‭ ‬وثيقة‭ ‬الصلة‭ ‬بالديمقراطية‭. ‬وحتى‭ ‬إن‭ ‬شهدت‭ ‬الساحة‭ ‬الفرنسية‭ ‬ظهور‭ ‬حركات‭ ‬تتجاوز‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار،‭ ‬فإنها‭ ‬ستنتهي‭ ‬بالتشكّل‭ ‬داخل‭ ‬حزب‭ ‬سياسي،‭ ‬كي‭ ‬تضمن‭ ‬مشاركتها‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬دون‭ ‬صعوبة،‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬دستورية‭ ‬تفرض‭ ‬ذلك‭. ‬والذين‭ ‬كانوا‭ ‬يحلمون‭ ‬بخلق‭ ‬حركة‭ ‬واسعة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الأحزاب‭ ‬انتهوا‭ ‬إلى‭ ‬تشكيل‭ ‬حزب‭ ‬سياسي‭ ‬لخوض‭ ‬الانتخابات،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬سيريزا‭ ‬اليوناني‭ ‬الذي‭ ‬تشكل‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬عشرة‭ ‬حركة‭ ‬سياسية،‭ ‬أو‭ ‬بوديموس‭ ‬الذي‭ ‬تأسس‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬الحشد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للمستنكرين‭ ‬عبر‭ ‬كبريات‭ ‬المدن‭ ‬الإسبانية‭ ‬من‭ ‬مدريد‭ ‬وبرشلونة‭ ‬إلى‭ ‬غرناطة‭ ‬وسرقسطة‭.‬

إن‭ ‬مختلف‭ ‬الزعماء‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬والعالم،‭ ‬باستثناء‭ ‬بوتين،‭ ‬وترامب‭ ‬بدرجة‭ ‬أقل،‭ ‬عبّروا‭ ‬عن‭ ‬ارتياحهم‭ ‬لانتصار‭ ‬ماكرون‭ ‬لما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬رمزية‭ ‬قهر‭ ‬الشعبوية،‭ ‬والوقوف‭ ‬ضدّ‭ ‬الحمائية،‭ ‬ومعاداة‭ ‬التبادل‭ ‬الحر،‭ ‬وتنقل‭ ‬البشر‭ ‬بحرية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬حضور‭ ‬قرابة‭ ‬ثلاثة‭ ‬آلاف‭ ‬صحافي‭ ‬لتغطية‭ ‬الحدث،‭ ‬لأن‭ ‬العولمة‭ ‬كانت‭ ‬مهددة‭ ‬بالانتكاس،‭ ‬وربما‭ ‬بالزوال،‭ ‬لو‭ ‬كتب‭ ‬لمارين‭ ‬لوبان‭ ‬الفوز،‭ ‬مثلما‭ ‬كان‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬مهددا‭ ‬بالاضمحلال‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬فرنسا،‭ ‬قطبه‭ ‬الأساس‭ ‬مع‭ ‬ألمانيا‭. ‬لقد‭ ‬التحق‭ ‬بحزب‭ ‬ماكرون‭ ‬منذ‭ ‬تأسيسه‭ ‬في‭ ‬7‭ ‬أبريل‭ ‬2016‭ ‬رجالٌ‭ ‬ونساء‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬ألوان‭ ‬الطيف‭ ‬السياسي،‭ ‬معلنين‭ ‬تجاوزهم‭ ‬الانتماء‭ ‬الحزبي،‭ ‬فلا‭ ‬يمين‭ ‬ولا‭ ‬يسار،‭ ‬ولا‭ ‬اشتراكية‭ ‬ديمقراطية‭ ‬ولا‭ ‬شيوعية،‭ ‬وإنما‭ ‬صاروا‭ ‬يجتمعون‭ ‬تحت‭ ‬لافتة‭ ‬واحدة‭ ‬هي‭ ‬التقدمية‭. ‬ولكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يحول‭ ‬في‭ ‬رأينا‭ ‬دون‭ ‬استمرار‭ ‬الثنائية‭ ‬يسار‭ ‬يمين‭ ‬بوجود‭ ‬حزب‭ ‬فاشي‭ ‬هو‭ ‬الجبهة‭ ‬الوطنية،‭ ‬قد‭ ‬يؤجج‭ ‬الصراع‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬بين‭ ‬تقدميين‭ ‬ورجعيين‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ما‭ ‬ساد‭ ‬أيام‭ ‬التقدمية‭ ‬الاشتراكية‭ ‬في‭ ‬المعسكر‭ ‬الشرقي‭.‬

يحدث‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬والعالم،‭ ‬مثلما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬بلداننا‭ ‬العربية؛‭ ‬فالتقدميون‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬مثلا‭ ‬لا‭ ‬يجدون‭ ‬حرجا‭ ‬في‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬إخوان‭ ‬النهضة‭ ‬في‭ ‬تسيير‭ ‬شؤون‭ ‬الدولة،‭ ‬بدعوى‭ ‬الترفع‭ ‬عن‭ ‬الانتماءات‭ ‬الحزبية‭ ‬الضيقة،‭ ‬وكانوا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬قد‭ ‬انضموا‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬بورقيبة‭ ‬ثم‭ ‬أيام‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬بدعوى‭ ‬إصلاح‭ ‬النظام‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬وما‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬سوى‭ ‬انتهازيين‭ ‬خالفوا‭ ‬النظام‭ ‬لنيل‭ ‬مكسب،‭ ‬وادعوا‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬المبادئ‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬أيديولوجي‭ ‬نفضوا‭ ‬منه‭ ‬أيديهم‭ ‬حالما‭ ‬دعُوا‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭ ‬ولو‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬غير‭ ‬ذات‭ ‬أهمية‭. ‬والثابت‭ ‬أن‭ ‬اليسار‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬عمومه‭ ‬لم‭ ‬يغادر‭ ‬صفوف‭ ‬المعارضة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تجاوزٍ‭ ‬لثنائية‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار،‭ ‬ونحن‭ ‬نقاد‭ ‬من‭ ‬زمن‭ ‬بالسيف‭ ‬والنطع‭ ‬تحت‭ ‬أنظمة‭ ‬رجعية‭ ‬محافظة‭ ‬استبدادية‭ ‬قامعة،‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬المعارضة‭ ‬جرما‭ ‬يحاسب‭ ‬عليه‭ ‬أصحابه،‭ ‬وفي‭ ‬اليسار‭ ‬خروجا‭ ‬عن‭ ‬الملة‭. ‬والقلة‭ ‬القليلة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تؤمن‭ ‬بانتمائها‭ ‬إلى‭ ‬اليسار،‭ ‬إنما‭ ‬تجتر‭ ‬أحلام‭ ‬فردوس‭ ‬لم‭ ‬ينعم‭ ‬به‭ ‬حتى‭ ‬دعاته‭ ‬من‭ ‬البلشفيين‭ ‬وأتباعهم،‭ ‬وتتمسك‭ ‬بشيوعية‭ ‬عافها‭ ‬أهلها،‭ ‬وتستحلي‭ ‬دور‭ ‬المعارضة‭ ‬الأزلية‭ ‬شأن‭ ‬الجبهة‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬تونس‭.‬


كاتب من تونس مقيم في باريس

مقالات أخرى للكاتب:

  • سبل‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬الارتداد
  • الشعب والشعبوية
  • انتصار العنصرية في بلد حقوق الإنسان
  • أمراض‭ ‬اليسار
  • سلافوي جيجك وتناقضاته العجيبة
  • الدّينُ‭ ‬هُويةً‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬العلمانية
  • بوب‭ ‬ديلان‭ ‬الكذبة‭ ‬الكبرى
  • نهاية المثقفين الفرنسيين
  • هل‭ ‬تشهد‭ ‬فرنسا‭ ‬انتصار‭ ‬الرجعية
  • كيف‭ ‬تنشأ‭ ‬ثقافة‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الشبيبة‭ ‬المهاجرة
  • نهاية‭ ‬الدين‭ ‬أم‭ ‬عودة‭ ‬الديني
  • العلمانية‭ ‬والاستشراق‭ ‬ومركّب‭ ‬النقص
  • نهاري الأول في المدرسة
  • فرنسا نحو حرب أهلية أم حرب تطهير
  • ثورة‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية
  • الهويات‭ ‬المنغلقة
  • التطرف‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية
  • ماركس والتوتاليتارية الشيوعية
  • التفكير‭ ‬النهضوي‭ ‬العربي بين‭ ‬الأمل‭ ‬والوهم
  • علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬وتهمة‭ ‬ثقافة‭ ‬الأعذار
  • طاحونة‭ ‬الشيء‭ ‬المعتاد
  • هموم‭ ‬الفرد‭ ‬وهموم‭ ‬الأوطان
  • أسلمة الراديكالية
  • مراد وهبة والتعميم المخل بالحقيقة
  • دعوة إلى عقد اجتماعي للوفاق مع الإسلام
  • رهان‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬تأليف‭ ‬أم‭ ‬تفرقة
  • نيتشه المناهض للمنظومة
  • الطوباوية‭ ‬والجريمة‬‬
  • ميشيل‭ ‬فوكو ‬وعلاقته‭ ‬بالليبرالية‭ ‬الجديدة‭ ‬واليسار
  • العرب وانتكاس الوعي النقدي
  • الشعب والدولة والتباساتهما
  • النخبة‭ ‬والنخبوية