عالم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬شيء

نهاية‭ ‬اليسار‭ ‬واليمين‭ ‬والديمقراطية

الجديد  إبراهيم‭ ‬الجبين [نُشر في 01/06/2017، العدد: 29، ص(24)]

لوحة: محمد ظاظا
‮«‬نظرية‭ ‬كل‭ ‬شيء‮»‬،‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬عنوان‭ ‬فيلم‭ ‬بريطاني‭ ‬شهير‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬العام‭ ‬2014‭ ‬ومن‭ ‬بطولة‭ ‬إيدي‭ ‬ريدماين‭ ‬وفيليستي‭ ‬جونز‭ ‬وإخراج‭ ‬جيمس‭ ‬مارش‭ ‬وكتابة‭ ‬أنثوني‭ ‬مكارتن‭ ‬الذي‭ ‬استقى‭ ‬سيناريو‭ ‬الفيلم‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬السفر‭ ‬إلى‭ ‬اللانهاية‮»‬‭. ‬‮«‬نظرية‭ ‬كل‭ ‬شيء‮»‬‭ ‬أيضا‭ ‬عنوان‭ ‬لحلم‭ ‬طالما‭ ‬راود‭ ‬شخصاً‭ ‬تبدو‭ ‬صورته‭ ‬صورة‭ ‬مطابقة‭ ‬لعالم‭ ‬اليوم‭. ‬إنه‭ ‬ستيفن‭ ‬هوكينغ‭ ‬أذكى‭ ‬رجل‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬وعالم‭ ‬الفيزياء‭ ‬الشهير‭ ‬وصاحب‭ ‬مذكرات‭ ‬‮«‬السفر‭ ‬إلى‭ ‬اللانهاية‮»‬‭.‬

نظرية كل‭ ‬شيء‭ ‬محاولة‭ ‬من‭ ‬هوكينغ‭ ‬لتوحيد‭ ‬القوى‭ ‬الأساسية‭ ‬الأربع‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬الطبيعة؛‭ ‬يقول‭ ‬العلماء‭ ‬إنه‭ ‬بما‭ ‬أن‭ ‬القوة‭ ‬الضعيفة‭ ‬لها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬الجسيمات‭ ‬الأولية‭ ‬من‭ ‬شكل‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬فسينبغي‭ ‬على‭ ‬نظرية‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬أن‭ ‬تعطينا‭ ‬فهماً‭ ‬عميقا‭ ‬للعلاقات‭ ‬الموجودة‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬الجسيمات‭ ‬المختلفة،‭ ‬يمثل‭ ‬الشكل‭ ‬التالي‭ ‬الهيئة‭ ‬المتوقعة‭ ‬للنظريات‭ ‬السابقة‭.‬

لكننا‭ ‬لن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬الفيزياء‭ ‬الآن‭. ‬بل‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬اليوم،‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬انهيار‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬وافتضاح‭ ‬المشاريع‭ ‬الدينية‭ ‬وسقوطها‭ ‬المدوي‭ ‬وترهل‭ ‬الليبرالية‭ ‬القيمي‭ ‬وعجزها‭ ‬عن‭ ‬مواجهة‭ ‬العالم‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الخواء‭ ‬الهائل‭ ‬الذي‭ ‬يعيشه‭ ‬اليسار‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬الكوكب‭. ‬ويتحدث‭ ‬الفلاسفة‭ ‬عن‭ ‬عصر‭ ‬جديد‭ ‬تعيشه‭ ‬أوروبا‭ ‬والغرب‭ ‬عموماً‭ ‬تحت‭ ‬يافطة‭ ‬‮«‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الديمقراطية‮»‬‭. ‬إذن‭ ‬هو‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬شيء‭.‬

بدأ‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬سبعينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬حين‭ ‬طرح‭ ‬السوسيولوجي‭ ‬الأميركي‭ ‬دانيال‭ ‬بل‭ ‬نظريته‭ ‬حول‭ ‬نهاية‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬وسط‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬والاستقطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الكبير‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ممثلة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وبين‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬ممثل‭ ‬الاشتراكية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬مقابلة‭.‬

لكن‭ ‬كارل‭ ‬مانهايم‭ ‬المعلم‭ ‬السوسيولوجي‭ ‬الأكبر‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬وصف‭ ‬المفهوم‭ ‬العام‭ ‬للأيديولوجيا‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬سمات‭ ‬وبناء‭ ‬تفكير‭ ‬كلي‭ ‬لعصر‭ ‬ما‭ ‬أو‭ ‬لطبقة‭ ‬اجتماعية‭ ‬معينة‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬الشروحات‭ ‬تعني‭ ‬مجمل‭ ‬التصورات‭ ‬التي‭ ‬تعتنقها‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬لتبرير‭ ‬وضعها‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭.‬

هنا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬ضرورة‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬لطبقة‭ ‬ما‭ ‬أو‭ ‬لمجتمع‭ ‬ما،‭ ‬بوصفها‭ ‬هي‭ ‬التعبير‭ ‬الأسمى‭ ‬للأهداف‭ ‬التي‭ ‬يرنو‭ ‬إليها‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬الطبقة،‭ ‬ولهذا‭ ‬هي‭ ‬ضرورة‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬ملتصقة‭ ‬بوجود‭ ‬تلك‭ ‬الطبقة‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬المجتمع‭ ‬أساساً‭.‬

وإذا‭ ‬قلنا‭ ‬إن‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬التي‭ ‬نعرفها‭ ‬قد‭ ‬سقطت‭ ‬من‭ ‬طبقة‭ ‬ما‭ ‬أو‭ ‬مجتمع‭ ‬ما،‭ ‬فمن‭ ‬الضروري‭ ‬إذن‭ ‬أن‭ ‬تصعد‭ ‬أيديولوجيات‭ ‬بديلة‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬العنوان‭ ‬الذي‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬أهداف‭ ‬وسمات‭ ‬تلك‭ ‬الطبقة‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

لكن‭ ‬عصر‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬بصيغه‭ ‬المتجاورة‭ ‬التلفيقية‭ ‬ذات‭ ‬السمات‭ ‬المعقدة‭ ‬أعلن‭ ‬جازماً‭ ‬نهاية‭ ‬الأيديولوجيا،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يحل‭ ‬محلها‭ ‬تكوين‭ ‬جديد‭ ‬يحمل‭ ‬طابعاً‭ ‬مختلفاً‭ ‬عما‭ ‬أفرزته‭ ‬الحداثة‭ ‬باعتبارها‭ ‬نسقاً‭ ‬فكرياً‭ ‬مؤطراً‭.‬

ومن‭ ‬المهم‭ ‬هنا‭ ‬ملاحظة‭ ‬دونها‭ ‬الباحث‭ ‬المصري‭ ‬السيد‭ ‬ياسين،‭ ‬الذي‭ ‬قفز‭ ‬على‭ ‬الفور،‭ ‬إلى‭ ‬الأنساق‭ ‬التي‭ ‬قدمتها‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة،‭ ‬والتي‭ ‬اتخذت‭ ‬طابعاً‭ ‬مفتوحاً‭. ‬يقول‭ ‬ياسين‭ ‬في‭ ‬الأهرام‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬خريف‭ ‬العام‭ ‬2010‭ ‬‮«‬هذه‭ ‬الأنساق‭ ‬الفكرية‭ ‬المفتوحة‭ ‬أصبحت‭ ‬لا‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬المتن‭ ‬الرئيسي‭ ‬بالمعنى‭ ‬الواسع‭ ‬للكلمة‭. ‬ولكن‭ ‬على‭ ‬الهوامش‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬في‭ ‬ظلال‭ ‬الإهمال‭ ‬سنين‭ ‬طوالا‭. ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬انتهي‭ ‬عهد‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالطبقات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وآن‭ ‬أوان‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الشرائح‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الطبقية‭ ‬والجماعات‭ ‬الفرعية‭ ‬والأقليات‭ ‬والأفراد‭.‬

مثلما‭ ‬تحول‭ ‬الاهتمام‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬العريضة‭ ‬بتنوعاتها‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬المختلفة،‭ ‬والتي‭ ‬أثبتت‭ ‬الممارسة‭ ‬الفعلية‭ ‬في‭ ‬نظم‭ ‬ديمقراطية‭ ‬شتي‭ ‬أنها‭ ‬عجزت‭ ‬عن‭ ‬إشباع‭ ‬الحاجات‭ ‬الأساسية‭ ‬للجماهير،‭ ‬وضاع‭ ‬التمايز‭ ‬في‭ ‬خطابها‭ ‬الأيديولوجي،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ذابت‭ ‬الفروق‭ ‬بين‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬بسبب‭ ‬طغيان‭ ‬عصر‭ ‬العولمة‭ ‬وانهيار‭ ‬الحركات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬اليسارية‭ ‬وانهيار‭ ‬نظريات‭ ‬التخطيط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لحساب‭ ‬اقتصادات‭ ‬السوق‮»‬‭.‬

يضيف‭ ‬السيد‭ ‬ياسين‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬صعود‭ ‬‮«‬مؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬بأنماطها‭ ‬المتعددة‭ ‬والتي‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬الأفراد‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والثقافية‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬شعارات‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬الكلية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تدّعي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬مزاعم‭ ‬احتكار‭ ‬الحقيقة‭ ‬المطلقة‭ ‬على‭ ‬حلّ‭ ‬مشكلات‭ ‬البشر‮»‬‭.‬

إذن‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬إرادة‭ ‬الجماهير‭ ‬ولا‭ ‬مصالح‭ ‬تلك‭ ‬الجماهير‭. ‬مقابل‭ ‬تزايد‭ ‬الثقة‭ ‬بالجمعيات‭ ‬والمنظمات‭ ‬والنقابات‭ ‬وسائر‭ ‬تشكيلات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭.‬

‬كارل‭ ‬مانهايم‭ ‬المعلم‭ ‬السوسيولوجي‭ ‬الأكبر‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬وصف‭ ‬المفهوم‭ ‬العام‭ ‬للأيديولوجيا‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬سمات‭ ‬وبناء‭ ‬تفكير‭ ‬كلي‭ ‬لعصر‭ ‬ما‭ ‬أو‭ ‬لطبقة‭ ‬اجتماعية‭ ‬معينة‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬الشروحات‭ ‬تعني‭ ‬مجمل‭ ‬التصورات‭ ‬التي‭ ‬تعتنقها‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬لتبرير‭ ‬وضعها‭ ‬في‭ ‬المجتمع

‭ ‬من‭ ‬يمثل‭ ‬الناس؟

تساءل‭ ‬كثيرون‭ ‬في‭ ‬عواصف‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬الدامي،‭ ‬من‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬الناس؟‭ ‬وكيف‭ ‬يمثلهم؟‭ ‬ولماذا‭ ‬يمثلهم؟‭ ‬وطرحت‭ ‬كل‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬تتصل‭ ‬بصورة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى‭ ‬بفكرة‭ ‬التمثيل؛‭ ‬التمثيل‭ ‬السياسي،‭ ‬التمثيل‭ ‬الديني،‭ ‬التمثيل‭ ‬المجتمعي،‭ ‬التمثيل‭ ‬الطبقي،‭ ‬التمثيل‭ ‬الثقافي‭.. ‬الخ‭.‬

ومع‭ ‬بروز‭ ‬المرجعيات‭ ‬الدينية‭ ‬والعشائرية‭ ‬والطائفية‭ ‬وغيرها،‭ ‬وجد‭ ‬العرب‭ ‬أن‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬كهذه‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يليق،‭ ‬فالأصول‭ ‬التي‭ ‬دأبت‭ ‬عليها‭ ‬المجتمعات‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬يحدد‭ ‬هذا‭ ‬التمثيل‭. ‬فالدولة‭ ‬الوراثية‭ ‬تحكمها‭ ‬الوراثة،‭ ‬والدولة‭ ‬الراديكالية‭ ‬تحكمها‭ ‬الشعارات‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تلك‭ ‬الشعارات‭ ‬للتطبيق،‭ ‬ودولة‭ ‬الأنماط‭ ‬المشوّهة‭ ‬يحكمها‭ ‬الأمر‭ ‬الواقع،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬التمثيل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬يرتبط‭ ‬بالأقوى‭ ‬وليس‭ ‬بالأجدر‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬صوت‭ ‬الناس‭ ‬ورسولهم‭ ‬إلى‭ ‬المحافل‭.‬

لكن‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬وحده‭. ‬فالغرب‭ ‬أيضاً‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬تمثيل،‭ ‬فتراجع‭ ‬الأحزاب‭ ‬والتيارات‭ ‬السياسية‭ ‬المؤطرة‭ ‬ترك‭ ‬الباب‭ ‬مفتوحاً‭ ‬على‭ ‬السؤال؛‭ ‬من‭ ‬يمثل‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأوروبية‭ ‬والأميركية‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬العامة؟‭ ‬هل‭ ‬هم‭ ‬رؤساء‭ ‬منظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬المنتخبون‭ ‬بلا‭ ‬أطر‭ ‬سياسية؟‭ ‬أم‭ ‬هم‭ ‬رؤساء‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يؤمن‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬يذهبون‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬أوراقهم‭ ‬في‭ ‬صناديق‭ ‬الانتخابات؟

وتذكر‭ ‬الباحثة‭ ‬نهى‭ ‬خالد‭ ‬أن‭ ‬كثيرين‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬غاضبون‭ ‬من‭ ‬ازدواجية‭ ‬حكامهم‭ ‬‮«‬الديمقراطيين‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬‮«‬ضحكوا‭ ‬عليهم‮»‬‭ ‬في‭ ‬حربي‭ ‬العراق‭ ‬وأفغانستان،‭ ‬وأنفقوا‭ ‬المليارات‭ ‬لنشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬بينما‭ ‬تشهد‭ ‬بلدانهم‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬تراجعًا‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬وتراجعًا‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬الرفاهة،‭ ‬وتزايد‭ ‬هيمنة‭ ‬مؤسسات‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬غير‭ ‬المنتخب‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الدول‭ ‬القومية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬كما‭ ‬يُفتَرَض‭. ‬وتضيف‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬يجعل‭ ‬مبدأ‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬تغنّى‭ ‬به‭ ‬الغرب‭ ‬ناقصًا‭ ‬في‭ ‬وجهة‭ ‬نظرهم،‭ ‬بل‭ ‬ويُفقِد‭ ‬المنظومة‭ ‬كلها‭ ‬الشرعية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتجلي‭ ‬بتراجع‭ ‬أعداد‭ ‬المصوّتين‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬البلدان،‭ ‬فالبرلمان‭ ‬ليس‭ ‬يعبر‭ ‬فقط‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬عن‭ ‬الأجيال‭ ‬الأكبر‭ ‬سنًا،‭ ‬بل‭ ‬وتتضاءل‭ ‬سلطته‭ ‬أصلًا‭ ‬لصالح‭ ‬بروكسل‮»‬‭.‬

صعود‭ ‬البوتينومانيا

يجد‭ ‬الشباب‭ ‬الأوروبي‭ ‬نفسه‭ ‬معجباً‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬بالرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭. ‬وهي‭ ‬ظاهرة‭ ‬منتشرة‭ ‬بين‭ ‬أولئك‭ ‬‮«‬الغاضبين‮»‬‭ ‬حاليًا،‭ ‬وهم‭ ‬ليسوا‭ ‬مهووسين‭ ‬ببوتين‭ ‬فعليًا،‭ ‬كما‭ ‬ترى‭ ‬خالد،‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬تمتلك‭ ‬بلده‭ ‬أيّ‭ ‬ديمقراطية‭ ‬من‭ ‬الأصل،‭ ‬ولكنهم‭ ‬‮«‬معجبون‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬إزعاج‭ ‬الغرب،‭ ‬وكأنهم‭ ‬بالدفاع‭ ‬عن‭ ‬روسيا‭ ‬والضجيج‭ ‬الذي‭ ‬يثيرونه‭ ‬بتعليقاتهم‭ ‬المعادية‭ ‬لحكامهم‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت،‭ ‬والتي‭ ‬تبدو‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬صادرة‭ ‬من‭ ‬قوميين‭ ‬عرب‭ ‬في‭ ‬الستينات‭ ‬أو‭ ‬شيوعيين‭ ‬قادمين‭ ‬من‭ ‬الصين،‭ ‬يتحدون‭ ‬الثقافة‭ ‬‭(‬الديمقراطية‭)‬‭ ‬المزيفة‭ ‬القائمة‭ ‬في‭ ‬نظرهم،‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬يصرخ‭ ‬مشجعو‭ ‬الكرة‭ ‬الإنكليز‭ ‬ويتجاوزون‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمراء‭ ‬عمدًا‭ ‬ليُظهروا‭ ‬تحديهم‭ ‬بوجه‭ ‬النظام‭ ‬القائم‮»‬‭.‬

العالم‭ ‬يتغير‭ ‬اليوم‭. ‬وهو‭ ‬يفقد‭ ‬قيم‭ ‬الديمقراطية‭ ‬شيئاً‭ ‬فشيئاً،‭ ‬ويرينا‭ ‬ملامح‭ ‬عصر‭ ‬‮«‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الديمقراطية‮»‬‭ ‬بجلاء‭ ‬أكثر‭. ‬وقد‭ ‬قرأت‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬السياسي‭ ‬البريطاني‭ ‬كولين‭ ‬كراوتش‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬منح‭ ‬شعبية‭ ‬لهذا‭ ‬المصطلح‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الديمقراطية‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬نشر‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2004‭. ‬وذهب‭ ‬كراوتش‭ ‬إلى‭ ‬التبشير‭ ‬بمرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬متخذة‭ ‬طابع‭ ‬العولمة‭. ‬إذا‭ ‬يرى‭ ‬كراوتش‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الانتخابات‭ ‬بطابعها‭ ‬الديمقراطي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تمنح‭ ‬للمواطنين‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬يستحقونها‮»‬‭. ‬ويضيف‭ ‬‮«‬أصبحت‭ ‬القرارات‭ ‬تتخذ‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر،‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬آخرين؛‭ ‬في‭ ‬ردهات‭ ‬اللوبيات،‭ ‬وفي‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالنخب‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تربطها‭ ‬صلات‭ ‬قوية‭ ‬بهذه‭ ‬النخب،‭ ‬مثل‭ ‬منظمة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‮»‬‭.‬

ويجدر‭ ‬أن‭ ‬يختم‭ ‬المرء‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬باستشهاد‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬غير‭ ‬لائق،‭ ‬فكاتبه‭ ‬هو‭ ‬الباحث‭ ‬نبيل‭ ‬فياض‭ ‬الملتصق‭ ‬أيما‭ ‬التصاق‭ ‬بنماذج‭ ‬الاستبداد‭ ‬والمدافع‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬العرب‭ ‬الرعاع‭ ‬كما‭ ‬يسميهم‭ ‬لا‭ ‬تناسبهم‭ ‬حياة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬تشبه‭ ‬حياة‭ ‬بقية‭ ‬الشعوب،‭ ‬لأنهم‭ ‬أساساً‭ ‬شعوب‭ ‬متخلفة‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للتطور‭ ‬كما‭ ‬يؤمن‭ ‬فياض‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬له‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وآفاق‭ ‬المستقبل‮»‬‭ ‬نشر‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2014‭ ‬‮«‬لا‭ ‬ننكر‭ ‬أننا‭ ‬نعمل‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬طويل،‭ ‬بإيحاء‭ ‬من‭ ‬فيشته‭ ‬ونيتشه‭ ‬وألان‭ ‬دو‭ ‬بونوا،‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬أسميناه‭: ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الديمقراطية‮»‬‭ ‬فالديمقراطية،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬فياض‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬انطلقنا‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬تخيل‭ ‬الواقع،‭ ‬مفهوم‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للتطبيق‭. ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬آخر‭ ‬حقيقي‭ ‬يلامس‭ ‬الواقع،‭ ‬كما‭ ‬بعد‭ ‬الديمقراطية‭. ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الديمقراطية‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الأرستقراطية‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وبين‭ ‬الحريات‭ ‬الكاملة‭ ‬ممزوجة‭ ‬بغلاسنوست‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬الغورباتشيفية،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‮»‬‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬شيء‭.‬


كاتب من سوريا مقيم في ألمانيا