تصدّع‭ ‬ثنائية‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار

تحالف‭ ‬اليسار‭ ‬والإسلاميين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي

الجديد  عواد علي [نُشر في 01/06/2017، العدد: 29، ص(28)]

لوحة: محمد ظاظا
ثمة‭ ‬عبارة‭ ‬تقول‭ ‬‮«‬قلوبنا‭ ‬مع‭ ‬اليسار‭ ‬وجيوبنا‭ ‬مع‭ ‬اليمين‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬التيارات‭ ‬التي‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬العلمانية‭ ‬والحقوق‭ ‬الفردية‭ ‬‭(‬التي‭ ‬يدافع‭ ‬عنها‭ ‬اليسار‭ ‬تقليدياً‭)‬،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تصطف‭ ‬تلك‭ ‬التيارات‭ ‬مع‭ ‬اليمين‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الاقتصادي‭. ‬وتكاد‭ ‬العبارة‭ ‬تنطبق‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬معظم‭ ‬التيارات‭ ‬السياسية‭ ‬والأيديولوجية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬اليسار‭ ‬واليمين‭ ‬على‭ ‬طرفي‭ ‬نقيض‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬والاقتصاد‭. ‬ففي‭ ‬أوروبا،‭ ‬مثلاً،‭ ‬تحوّل‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬البريطاني‭ ‬‭(‬الذي‭ ‬يُفترض‭ ‬أنه‭ ‬حزب‭ ‬يساري‭ ‬لأنه‭ ‬يمثّل‭ ‬العمال‭)‬‭ ‬إلى‭ ‬حزب‭ ‬يميني‭ ‬في‭ ‬سياسته‭ ‬الخارجية،‭ ‬وربما‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬مرافق‭ ‬السياسية‭ ‬الداخلية،‭ ‬ولولا‭ ‬أنه‭ ‬خصم‭ ‬تقليدي‭ ‬لحزب‭ ‬المحافظين‭ ‬اليميني‭ ‬لما‭ ‬تردّد‭ ‬زعيمه‭ ‬في‭ ‬قبول‭ ‬وصف‭ ‬‮«‬يميني‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬يساري‭ ‬محافظ‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬محمد‭ ‬عابد‭ ‬الجابري‭ ‬‭(‬أنظر‭: ‬أبوبكر‭ ‬العيادي،‭ ‬‮«‬أمراض‭ ‬اليسار‭: ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬حظيرة‭ ‬الطوباوية‮»‬،‭ ‬مجلة‭ ‬الجديد،‭ ‬العدد‭ ‬26،‭ ‬مارس‭ ‬2017‭)‬‭.‬

وعلى صعيد‭ ‬آخر‭ ‬يتخذ‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬زعيمة‭ ‬حزب‭ ‬الجبهة‭ ‬الوطنية‭ ‬اليميني‭ ‬المتطرف‭ ‬‭(‬الشعبوي‭)‬‭ ‬مارين‭ ‬لوبان،‭ ‬وزعيم‭ ‬حزب‭ ‬اليسار‭ ‬الجذري‭ ‬‭(‬حركة‭ ‬فرنسا‭ ‬المتمردة‭)‬‭ ‬جون‭ ‬لوك‭ ‬ميلونشون‭ ‬مواقف‭ ‬متشابهة،‭ ‬أو‭ ‬متقاربة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬‭(‬إعجابهما‭ ‬بالرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬بوتين‭ ‬مثلاً‭)‬،‭ ‬ويتحدثان‭ ‬باسم‭ ‬الشعب‭ ‬ويدّعيان‭ ‬تمثيله،‭ ‬ويدعوان‭ ‬إلى‭ ‬الثورة‭ ‬على‭ ‬المنظومة‭ ‬السائدة،‭ ‬والتنديد‭ ‬بالنخبة‭ ‬دفاعاً‭ ‬عن‭ ‬الشعب،‭ ‬وينظران‭ ‬إلى‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬بوصفه‭ ‬كياناً‭ ‬سلب‭ ‬فرنسا‭ ‬صلاحياتها‭ ‬السيادية،‭ ‬ويجب‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬هيكلته‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬تضمن‭ ‬احترام‭ ‬أصوات‭ ‬الشعوب‭. ‬وفي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬اختلافات‭ ‬جوهرية‭ ‬بين‭ ‬توجهات‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري‭ ‬الذي‭ ‬يُصنّف‭ ‬في‭ ‬‮«‬اليمين‮»‬،‭ ‬وتوجهات‭ ‬منافسه‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬الذي‭ ‬يصنّف‭ ‬في‭ ‬‮«‬اليسار‮»‬‭. ‬إن‭ ‬الاختلافات‭ ‬بينهما،‭ ‬كما‭ ‬يشير‭ ‬برنامجاهما‭ ‬السياسيان‭ ‬تتركّز‭ ‬على‭ ‬قضايا‭ ‬‮«‬الإجهاض‮»‬‭ ‬و‮»‬زواج‭ ‬المثليين‮»‬‭ ‬و‮»‬الضرائب‮»‬‭ ‬و‮»‬الرعاية‭ ‬الصحية‮»‬‭ ‬و‮»‬حيازة‭ ‬الأسلحة‭ ‬النارية‮»‬‭.‬

يذهب‭ ‬بعض‭ ‬المفكرين‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬اليسار‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬الإمساك‭ ‬بمفاصل‭ ‬المجتمع‭ ‬والتأثير‭ ‬على‭ ‬الدينامية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬التي‭ ‬أوجدتها‭ ‬العولمة‭ ‬النيوليبرالية،‭ ‬وإن‭ ‬هذا‭ ‬اليسار،‭ ‬الذي‭ ‬مثّل‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬زمن‭ ‬طويل‭ ‬الفعل‭ ‬والحركة‭ ‬مقابل‭ ‬محافظة‭ ‬الليبراليين‭ ‬وفلسفتهم،‭ ‬بات‭ ‬اليوم‭ ‬متهماً‭ ‬بالتواطؤ‭ ‬مع‭ ‬عالم‭ ‬يتفجر‭ ‬فيه‭ ‬التفاوت‭ ‬ويتعطل‭ ‬الاندماج‭ ‬وتُكرِّس‭ ‬الأنظمة‭ ‬التعليمية‭ ‬إعادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬كما‭ ‬فسّرها‭ ‬بورديو،‭ ‬وتدمّر‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الكون‭ ‬بأسره‭. ‬والسّؤال‭ ‬المطروح‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬أوهى‭ ‬اليسار‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الدرجة‭ ‬من‭ ‬الهوان‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬عاجزاً‭ ‬عن‭ ‬الفعل‭ ‬في‭ ‬العالم؟‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬العوائق‭ ‬التي‭ ‬حالت‭ ‬دون‭ ‬احتوائه‭ ‬غضب‭ ‬جماهير‭ ‬ضاقت‭ ‬ذرعا‭ ‬بمساوئ‭ ‬العولمة‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬الأصقاع‭ ‬ليقترح‭ ‬الحلول‭ ‬المناسبة؟

يعتقد‭ ‬بعض‭ ‬المفكرين،‭ ‬مثل‭ ‬جان‭ ‬كلود‭ ‬ميشيا،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬العجز‭ ‬يتجلّى‭ ‬في‭ ‬تخلّي‭ ‬اليسار‭ ‬عن‭ ‬تغيير‭ ‬العالم‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تحالفه‭ ‬مع‭ ‬الليبرالية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والثقافية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬أولوية‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬ويعملون‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬تزداد‭ ‬تهميشاً‭ ‬وهشاشةً‭ ‬يوماً‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ .‬فيما‭ ‬يرى‭ ‬بعض‭ ‬التقدميين‭ ‬الليبراليين،‭ ‬مثل‭ ‬نيكولا‭ ‬بوزو،‭ ‬أن‭ ‬العجز‭ ‬مرده‭ ‬إلى‭ ‬تشبث‭ ‬اليسار‭ ‬بمقاربة‭ ‬عفا‭ ‬عليها‭ ‬الزمن،‭ ‬مقاربة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬اشتراكية‭ ‬الدولة‭ ‬ودولة‭ ‬العناية‭ ‬والرفاه‭ .‬والثّابت‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬الرأيين‭ ‬يلتقيان‭ ‬في‭ ‬تشخيص‭ ‬أعراض‭ ‬الأدواء‭ ‬التي‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬اليسار،‭ ‬فهي،‭ ‬وإن‭ ‬تعددت‭ ‬صيغها،‭ ‬لا‭ ‬تنأى‭ ‬عن‭ ‬الخيانة‭ ‬والتآكل،‭ ‬تحوم‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬بين‭ ‬التنكّر‭ ‬للأصول‭ ‬وبين‭ ‬‮«‬برمجية‮»‬‭ ‬ما‭ ‬عادت‭ ‬تستجيب‭ ‬للمستجدات‭ ‬التي‭ ‬أفرزتها‭ ‬العولمة‭ ‬والتطورات‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬أحدثتها‭ ‬‭(‬أنظر‭: ‬حفيظ‭ ‬الزهري،‭ ‬‮«‬تحالف‭ ‬الإسلاميين‭ ‬واليساريين‭: ‬الماضي‭ ‬والمستقبل‮»‬‭ ‬موقع‭ ‬‮«‬لكم‮»‬‭ ‬الإلكتروني‭:‬http‭:‬‭//‬www‭.‬lakome2‭.‬com‭ ‬30‭/‬4‭/‬‭ ‬2016‭)‬‭.‬

في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬بدأت‭ ‬تتصدّع،‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬ثنائية‭ ‬اليسار‭ ‬واليمين‭ ‬بتحالفات‭ ‬بين‭ ‬الأحزاب‭ ‬والتنظيمات‭ ‬اليسارية‭ ‬والأحزاب‭ ‬والحركات‭ ‬اليمينية‭ ‬المتمثلة‭ ‬بالإسلام‭ ‬السياسي،‭ ‬وهي‭ ‬تحالفات‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬المصالح،‭ ‬متجاهلةً‭ ‬التنازلات‭ ‬عن‭ ‬المبادئ‭ ‬والأيديولوجيا،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬حين‭ ‬تحالفت‭ ‬قيادة‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬مع‭ ‬الإسلاميين،‭ ‬موقعةً‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬براثن‭ ‬الوصولية‭ ‬ومستنقع‭ ‬الانتهازية‭ ‬والفئوية‭ ‬والنعرات‭ ‬الطائفية‭ ‬لإسقاط‭ ‬النظام‭ ‬السابق،‭ ‬استعانةً‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفائها‭ ‬الغربيين،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬أميركا‭ ‬هي‭ ‬دولة‭ ‬إمبريالية‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي،‭ ‬والإسلاميون‭ ‬هم‭ ‬تيار‭ ‬ثيوقراطي‭ ‬رجعي‭ ‬يرفض‭ ‬العلمانية‭ ‬ولا‭ ‬يؤمن‭ ‬بحاكمية‭ ‬الشعب‭. ‬لقد‭ ‬فعلت‭ ‬قيادة‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬العراقي‭ ‬ذلك،‭ ‬وظلت‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬تبحث‭ ‬لها‭ ‬عن‭ ‬قدم‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬المحاصصاتية‭ ‬الفاسدة‭ ‬دون‭ ‬جدوى،‭ ‬ولم‭ ‬تأخذ‭ ‬عبرةً‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬القاسية‭ ‬لحزب‭ ‬‮«‬توده‮»‬‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬ساند‭ ‬الثورة‭ ‬الخمينية‭ ‬الإسلامية‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬حتى‭ ‬جاءت‭ ‬نتائجها‭ ‬مؤسفةً‭ ‬حينما‭ ‬غدر‭ ‬نظام‭ ‬الملالي‭ ‬وولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬بقيادات‭ ‬الحزب‭ ‬وكوادره‭ ‬بإعدامهم‭ ‬واحداً‭ ‬تلو‭ ‬الآخر‭. ‬والغريب‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬كاتب‭ ‬عراقي،‭ ‬يعدّ‭ ‬نفسه‭ ‬يسارياً،‭ ‬قائلاً‭ ‬‮«‬إن‭ ‬الأهداف‭ ‬الوطنية‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬الإسلاميين‭ ‬والشيوعيين‭ ‬تكفي‭ ‬لتكون‭ ‬أساساً‭ ‬لأيّ‭ ‬تحالف‭ ‬غايته‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ ‬الحرة‭ ‬والشعب‭ ‬السعيد،‭ ‬وتوفير‭ ‬الحماية‭ ‬اللازمة‭ ‬للعملية‭ ‬السياسية‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬الجديد‮»‬‭ ‬‭(‬أنظر‭: ‬حازم‭ ‬صاغية‭ ‬‮«‬سوريّة‭ ‬وثنائيّة‭ ‬‮«‬اليسار‮»‬‭ ‬و‮»‬اليمين‮»‬،‭ ‬جريدة‭ ‬الحياة،‭ ‬الثلاثاء،‭ ‬14‭/‬2‭/‬2017‭)‬‭.‬

لوحة: محمد ظاظا

في‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬تمكن‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬موقف‭ ‬الأمين‭ ‬الأول‭ ‬للحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬السوري‭ ‬‭(‬الموحد‭)‬‭ ‬حنين‭ ‬نمر،‭ ‬الذي‭ ‬حابى‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬الدكتاتوري‭ ‬بتقديم‭ ‬الذرائع‭ ‬التسويفية‭ ‬والمسوّغات‭ ‬التضليلية‭ ‬للمذابح‭ ‬البشعة‭ ‬التي‭ ‬يرتكبها‭ ‬بشار‭ ‬الأسد‭ ‬بحق‭ ‬الشعب‭ ‬السوري،‭ ‬وبغضه‭ ‬الطرف‭ ‬عن‭ ‬التحالف‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬ثلاثي‭ ‬الأضلاع‭ ‬بين‭ ‬ذلك‭ ‬النظام‭ ‬والنظام‭ ‬الإيراني‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭ ‬اللبناني،‭ ‬بل‭ ‬تعاطفه‭ ‬المطلق‭ ‬مع‭ ‬أهداف‭ ‬هذا‭ ‬التحالف‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬توافق‭ ‬طائفي،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭ ‬إسلاميان‭ ‬ثيوقراطيان،‭ ‬بينما‭ ‬يدّعي‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬أنه‭ ‬نظام‭ ‬قومي‭ ‬يساري‭ ‬علماني‭!‬

وفي‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬المغربي‭ ‬تمكن‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬تحالف‭ ‬اليسار‭ ‬الراديكالي‭ ‬مع‭ ‬جماعة‭ ‬العدل‭ ‬والإحسان،‭ ‬الذين‭ ‬أسسوا‭ ‬حركة‭ ‬20‭ ‬فبراير،‭ ‬لكن‭ ‬الحركة‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬فشلت‭ ‬بسبب‭ ‬صعوبة‭ ‬تحقيق‭ ‬التوافق‭ ‬بين‭ ‬طرفيها‭ ‬المتناقضين،‭ ‬نظراً‭ ‬للتاريخ‭ ‬الدموي‭ ‬بينهما‭. ‬وأيضاً‭ ‬إلى‭ ‬تحالف‭ ‬حزب‭ ‬التقدم‭ ‬والاشتراكية‭ ‬ذي‭ ‬التوجه‭ ‬اليساري‭ ‬وحزب‭ ‬العدالة‭ ‬والتنمية‭ ‬ذي‭ ‬التوجه‭ ‬الإسلاموي‭. ‬وهو‭ ‬تحالف‭ ‬يحيل‭ ‬إلى‭ ‬تجربتي‭ ‬تونس‭ ‬ومصر‭ ‬المتمثلتين‭ ‬في‭ ‬تحالف‭ ‬الإسلاميين‭ ‬واليسار‭ ‬لإسقاط‭ ‬نظامي‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬ومبارك‭. ‬وقد‭ ‬انتهى‭ ‬هذا‭ ‬التحالف‭ ‬بمجرد‭ ‬سقوط‭ ‬ذينك‭ ‬النظامين‭ ‬لتنطلق‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬مرحلة‭ ‬الصراع‭ ‬والتدافع‭ ‬حول‭ ‬المصلحة‭ ‬الخاصة‭ ‬لكل‭ ‬طرف‭.‬

وإذا‭ ‬ما‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬الحالة‭ ‬الشاذة‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬فسنجد‭ ‬أن‭ ‬الطبقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يُنظر‭ ‬إليها،‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬اليسار،‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬البديل‭ ‬التاريخي‭ ‬للقبيلة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬للقومية‭ ‬وللطائفة،‭ ‬قد‭ ‬هزمتها‭ ‬الطائفة‭ ‬والقبيلة‭. ‬وفي‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬عامةً،‭ ‬صار‭ ‬الدين،‭ ‬حسب‭ ‬تعبير‭ ‬الجابري،‭ ‬ملاذاً‭ ‬وشعاراً‭ ‬للقوى‭ ‬التي‭ ‬تُصنّف‭ ‬موضوعياً‭ ‬ضمن‭ ‬اليسار‭.‬

نخلص‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ثنائية‭ ‬اليسار‭ ‬واليمين،‭ ‬بعد‭ ‬انهيار‭ ‬المعسكر‭ ‬الشيوعي‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقبض‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬الكوني،‭ ‬كما‭ ‬كفّت،‭ ‬في‭ ‬استغراقها‭ ‬القومي،‭ ‬عن‭ ‬توفير‭ ‬‮«‬برنامج‮»‬‭ ‬شامل‭ ‬للإنسانيّة‭. ‬وثمة‭ ‬ثنائية‭ ‬أخرى،‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الظن،‭ ‬تتقدم‭ ‬اليوم‭ ‬للحلول‭ ‬محل‭ ‬تلك‭ ‬القديمة‭. ‬إنها‭ ‬ثنائية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والشعبوية،‭ ‬أي‭ ‬اللعب‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬والشد‭ ‬يميناً‭ ‬أو‭ ‬يساراً‭ ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬الوسط،‭ ‬مقابل‭ ‬اللعب‭ ‬في‭ ‬الأطراف‭ ‬ومحاولة‭ ‬الانقضاض‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬الوسط،‭ ‬وتالياً‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬عمومه‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬كل‭ ‬منهما،‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والشعبوية،‭ ‬تتسع‭ ‬ليسار‭ ‬‭(‬ديمقراطي‭ ‬أو‭ ‬شعبوي‭)‬‭ ‬كما‭ ‬تتّسع‭ ‬ليمين‭ ‬‭(‬ديمقراطي‭ ‬أو‭ ‬شعبوي‭)‬،‭ ‬فإن‭ ‬تصور‭ ‬السياسة‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬من‭ ‬سجالهما‭: ‬في‭ ‬الديمقراطية‭ ‬تحتل‭ ‬المؤسسات‭ ‬والتسويات‭ ‬موقعاً‭ ‬مركزياً‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬تحتله،‭ ‬في‭ ‬الشعبوية،‭ ‬مفاهيم‭ ‬الصراع‭ ‬والعداوة‭ ‬والقومية‭.‬


كاتب من العراق