أفول‭ ‬اليسار‭ ‬التقليدي‭ ‬وأزمة‭ ‬اليمين

الفكر‭ ‬شكل‭ ‬العالم؛‭ ‬والكلمات‭ ‬‭- ‬المفاهيم‭ ‬أسماؤه‭ ‬ومفاتيح‭ ‬معرفته‭ ‬وأدوات‭ ‬مفهمته‭ ‬أو‭ ‬تنظيره‭ ‬بغية‭ ‬إنشاء‭ ‬صورته‭ ‬في‭ ‬الذهن،‭ ‬واستنطاقه‭ ‬واستخراج‭ ‬كوامنه‭ ‬أو‭ ‬إظهارها‭. ‬وللكلمات‭ ‬حياتها‭ ‬وموتها،‭ ‬سعادتها‭ ‬وشقاؤها،‭ ‬تحمل‭ ‬كلّ‭ ‬منها،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬دلالتها‭ ‬اللغوية‭ ‬‭-‬‭ ‬المعرفية‭ ‬والاصطلاحية‭ ‬والبلاغية،‭ ‬تاريخها‭ ‬الخاص،‭ ‬مشفوعاً‭ ‬بشحنة‭ ‬أيديولوجية‭ ‬مصدرها‭ ‬الأنساق‭ ‬والخطابات‭ ‬التي‭ ‬اندرجت‭ ‬فيها‭ ‬واكتسبت‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬نسق‭ ‬أو‭ ‬خطاب‭ ‬دلالة‭ ‬خاصة‭ ‬غلبت‭ ‬عليها،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬منها،‭ ‬فلا‭ ‬تكاد‭ ‬تُعرف‭ ‬إلا‭ ‬بها‭. ‬علاقاتها‭ ‬المتبادلة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬منها‭ ‬قضايا‭ ‬وأحكاماً‭ ‬وحِكَماً‭ ‬وأقوالاً‭ ‬سائرة‭ ‬ونصوصاً‭ ‬تشبه‭ ‬العلاقات‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات‭ ‬التي‭ ‬تولِّد‭ ‬المعاني‭ ‬والقيم،‭ ‬فتجعل‭ ‬من‭ ‬الجماعة‭ ‬أو‭ ‬المجتمع‭ ‬نصاً‭ ‬فائق‭ ‬التركيب‭ ‬والتعقيد‭ ‬بمتنه‭ ‬وهوامشه‭.‬

الجديد  جادالكريم الجباعي [نُشر في 01/06/2017، العدد: 29، ص(32)]

لوحة: موسى النعنع
لذلك تقتضي‭ ‬الموضوعية‭ ‬تحرير‭ ‬المفهوم‭ ‬من‭ ‬شباك‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬وإعادته‭ ‬إلى‭ ‬ميدان‭ ‬المجتمع‭ ‬والتاريخ‭. ‬ففي‭ ‬هذا‭ ‬الميدان‭ ‬فقط‭ ‬يفصح‭ ‬عن‭ ‬طابعه‭ ‬الواقعي‭ ‬وقيمته‭ ‬المعيارية،‭ ‬وعن‭ ‬دلالاته‭ ‬المعرفية‭ ‬والنفسية‭ ‬والأخلاقية‭. ‬ولكن،‭ ‬ما‭ ‬العمل،‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬‮«‬المفهوم‮»‬‭ ‬نفسه‭ ‬أيديولوجياً‭-‬سياسياً،‭ ‬أو‭ ‬صار‭ ‬كذلك،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬تحريره‭ ‬من‭ ‬شباك‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬يوجب‭ ‬حذفه؟‭ ‬إن‭ ‬نقد‭ ‬بعض‭ ‬المفاهيم‭ ‬والمصادرات‭ ‬يفضي‭ ‬بالضرورة‭ ‬المنطقية‭ ‬إلى‭ ‬وجوب‭ ‬حذفها‭.‬

اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬مفهومان‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المفاهيم‭ ‬شيوعاً‭ ‬منذ‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬تتغير‭ ‬دلالاتهما‭ ‬وفقاً‭ ‬لدينامية‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬معين،‭ ‬بحكم‭ ‬ما‭ ‬يتوفران‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬كثافة‭ ‬رمزية‭ ‬تبعدهما‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬دلالاتهما‭ ‬اللغوية‭ ‬وتجعل‭ ‬منهما‭ ‬مجرد‭ ‬استعارتين‭ ‬لاتجاهين‭ ‬فكريين‭ ‬وسياسيين‭ ‬متقابلين‭ ‬على‭ ‬التضاد‭ ‬المطلق،‭ ‬ومتغيرين‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬لاتصالهما‭ ‬الوثيق‭ ‬بتأويل‭ ‬التعارضات‭ ‬الاجتماعية‭-‬السياسية،‭ ‬لا‭ ‬بالتعارضات‭ ‬ذاتها‭ ‬في‭ ‬واقعها‭ ‬الفعلي‭. ‬طابعهما‭ ‬البلاغي‭ ‬‭(‬الاستعاري‭)‬‭ ‬يشحنهما‭ ‬معاً‭ ‬بشحنة‭ ‬أيديولوجية‭ ‬لا‭ ‬تطابق‭ ‬واقع‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تحجبه‭. ‬ولعل‭ ‬ابتعادهما‭ ‬عن‭ ‬دلالاتهما‭ ‬اللغوية‭ ‬هذا‭ ‬الابتعاد‭ ‬ينفي‭ ‬كونهما‭ ‬مفهومين‭ ‬فكريين‭ ‬أو‭ ‬فلسفيين،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬علامة‭ ‬فارقة‭ ‬بين‭ ‬المفاهيم‭ ‬والمطصلحات‭. ‬نفترض‭ ‬أن‭ ‬المفاهيم‭ ‬الفلسفية‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬تتأسس‭ ‬على‭ ‬الدلالات‭ ‬اللغوية‭ ‬وتتجاوزها‭ ‬فيصبح‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬رمزاً‭ ‬أو‭ ‬عَلَماً‭ ‬على‭ ‬نظيمة‭ ‬فكرية،‭ ‬كالحرية‭ ‬والمساواة‭ ‬والعدالة‭ ‬والخير‭ ‬والشر‭ ‬والمادة‭ ‬والروح‭ ‬والعمل‭ ‬والقيمة‭.. ‬إلخ،‭ ‬فلا‭ ‬تنعدم‭ ‬الصلة‭ ‬بين‭ ‬الدلالة‭ ‬اللغوية‭ ‬والدلالة‭ ‬المفهومية‭. ‬نفترض‭ ‬هذا‭ ‬الافتراض‭ ‬للإشارة‭ ‬إلى‭ ‬الطابع‭ ‬الحُكْمي‭ ‬القيمي‭ ‬الذاتي‭ ‬ذاتية‭ ‬خالصة‭ ‬لهذين‭ ‬‮«‬المفهومين‮»‬‭ ‬أولاً‭. ‬وإلى‭ ‬طابعهما‭ ‬التفاضلي‭ ‬والتفاصلي‭ ‬ثانياً‭. ‬وإحالتهما‭ ‬على‭ ‬تناقض‭ ‬مطلق‭ ‬بين‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الفكرية‭ ‬والسياسية،‭ ‬مما‭ ‬يدرجهما‭ ‬في‭ ‬مدرج‭ ‬الثنائيات‭ ‬المتنافية‭ ‬تعادمياً،‭ ‬ثالثاً‭.‬

ندّعي‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الافتراض‭ ‬يسقط‭ ‬قيمتهما‭ ‬المعرفية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬من‭ ‬المبدأ‭ ‬والمنطلق‭. ‬لم‭ ‬نستسغ‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬يوم‭ ‬الأحكام‭ ‬التصنيفية‭ ‬القطعية‭: ‬يميني،‭ ‬يساري،‭ ‬تقدمي،‭ ‬رجعي،‭ ‬وما‭ ‬في‭ ‬حكمها،‭ ‬التي‭ ‬ترمي‭ ‬الطفل‭ ‬مع‭ ‬غسيله‭ ‬الوسخ،‭ ‬بتعبير‭ ‬ياسين‭ ‬الحافظ،‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬محمولاته‭ ‬القابلة‭ ‬للتغير،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬اتجاهه‭ ‬الفكري‭ ‬أو‭ ‬السياسي،‭ ‬فتستبيح‭ ‬كرامته‭ ‬وتنكر‭ ‬عليه‭ ‬حريته‭ ‬وحقوقه،‭ ‬وتستبيح‭ ‬قتاله‭ ‬وقتله،‭ ‬باسم‭ ‬المشروعية‭ ‬الثورية‭.‬

هنا،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬طرح‭ ‬مقولة‭ ‬‮«‬الصراع‭ ‬الطبقي‮»‬‭ ‬للنقاش،‭ ‬إذ‭ ‬تعدت‭ ‬حدود‭ ‬كونها‭ ‬مقولة‭ ‬مفهومية‭ ‬وأداة‭ ‬تحليل‭ ‬إلى‭ ‬مقولة‭ ‬تعيينية‭ ‬متعسفة‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬جرثومة‭ ‬الكراهية‭ ‬والحقد‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬الانتقام،‭ ‬ولا‭ ‬تمتّ‭ ‬بأيّ‭ ‬صلة‭ ‬للديالكتيك‭. ‬آية‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬يساريين‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬أباحوا‭ ‬لأنفسهم‭ ‬سرقة‭ ‬ممتكات‭ ‬الأغنياء،‭ ‬‭(‬سرقة‭ ‬أشياء‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬المحلات‭ ‬التجارية‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬برروها،‭ ‬لأن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأغنياء،‭ ‬أصحاب‭ ‬المحلات‭ ‬التجارية،‭ ‬‮«‬بورجوازيون‮»‬‭ ‬مستغلون،‭ ‬وأعشاب‭ ‬ضارة‭ ‬يجب‭ ‬استئصالها،‭ ‬بتعبير‭ ‬ماو‭ ‬تسي‭ ‬تونغ‭. ‬وكان‭ ‬للماركسية‭ ‬اللينينية‭ ‬الستالينة،‭ ‬ثم‭ ‬الستالينية‭ ‬والماوية‭ ‬كذلك،‭ ‬أبلغ‭ ‬الأثر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجهل‭ ‬والانحطاط‭ ‬الأخلاقي‭. ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬تبرير‭ ‬جرائم‭ ‬الغولاك‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬السابق‭ ‬وجرائم‭ ‬الثورة‭ ‬الثقافية‭ ‬الصينية،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬القباحات‭.‬

الانقسامات‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬اليسار‭ ‬نفسه،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬الأممية‭ ‬الثانية،‭ ‬وتأسيس‭ ‬الأممية‭ ‬الثالثة،‭ ‬ثم‭ ‬نقيضها،‭ ‬الأممية‭ ‬الرابعة،‭ ‬وعداوة‭ ‬الماركسية‭ ‬السوفييتية‭ ‬للماوية،‭ ‬وكذلك‭ ‬انقسامات‭ ‬الأحزاب‭ ‬الشيوعية،‭ ‬عندنا،‭ ‬والمعارك‭ ‬الكلامية‭ ‬التي‭ ‬خاضتها‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف،‭ ‬وكان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬معارك‭ ‬فعلية‭ ‬لو‭ ‬ترجمت‭ ‬الأقوال‭ ‬إلى‭ ‬أفعال،‭ ‬تشير‭ ‬كلها‭ ‬إلى‭ ‬سقوط‭ ‬أخلاقي‭ ‬باكر‭ ‬كالسقوط‭ ‬الأخلاقي‭ ‬الذي‭ ‬يسم‭ ‬سائر‭ ‬العصبيات‭.‬

ولا‭ ‬مغامرة‭ ‬في‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬تهافت‭ ‬اليسار‭ ‬وضعفه،‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وتيبّسه‭ ‬الدوغمائي‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬أرجاء‭ ‬العالم،‭ ‬مرتبطان‭ ‬أوثق‭ ‬ارتباط‭ ‬وأشده‭ ‬بضعف‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬‭(‬الأصحّ‭ ‬إضعافه‭)‬‭ ‬وتآكل‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬لعبة‭ ‬ممجوجة

قد‭ ‬يعترض‭ ‬كثيرون‭ ‬على‭ ‬المعيار‭ ‬الأخلاقي‭ ‬الذي‭ ‬نعتمده‭ ‬للحكم‭ ‬في‭ ‬اليسار،‭ ‬له‭ ‬أو‭ ‬عليه،‭ ‬هذا‭ ‬شأن‭ ‬من‭ ‬يعترض،‭ ‬لكن‭ ‬المعيار‭ ‬الأخلاقي،‭ ‬في‭ ‬نظرنا،‭ ‬يحيل‭ ‬على‭ ‬سموّ‭ ‬الرابطة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬سمو‭ ‬الرابطة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وسمو‭ ‬القانون‭ ‬على‭ ‬سائر‭ ‬الروابط‭ ‬الأخرى‭. ‬ويحيل‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬على‭ ‬أوّلية‭ ‬الحوار‭ ‬والنقاش‭ ‬العام‭ ‬لإنتاج‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وتجديد‭ ‬المعرفة،‭ ‬واجتراح‭ ‬حلول‭ ‬سلمية‭ ‬للتعارضات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ويحيل‭ ‬على‭ ‬رفض‭ ‬العنف‭ ‬وإدانته‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬جهة‭ ‬أتى‭.‬

ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اليمين‭ ‬المحافظ،‭ ‬‮«‬الرجعي‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يرفض‭ ‬التغيير،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬ممثلاً‭ ‬بالنبلاء‭ ‬ثم‭ ‬بالملك‭ ‬ورجال‭ ‬الدين،‭ ‬تأسس‭ ‬عشية‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬على‭ ‬اليسار،‭ ‬ممثل‭ ‬الشعب،‭ ‬وكانت‭ ‬البورجوازية‭ ‬الناشئة‭ ‬في‭ ‬عداد‭ ‬الشعب،‭ ‬كما‭ ‬لاحظ‭ ‬الأب‭ ‬سييس،‭ ‬لدى‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الطبقة‭ ‬الثالثة‮»‬‭. ‬وكما‭ ‬لاحظ‭ ‬ماركس‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬الطبقة‭ ‬التي‭ ‬تدّعي‭ ‬تمثيل‭ ‬الأمة،‭ ‬وتمثلها‭ ‬فعلاً‭ ‬حين‭ ‬تعترف‭ ‬لها‭ ‬بقية‭ ‬الطبقات‭ ‬بذلك،‭ ‬فتأسس‭ ‬اليسار‭ ‬على‭ ‬نزوع‭ ‬شعبي‭ ‬ينشد‭ ‬المساواة‭ ‬والعدالة،‭ ‬إذ‭ ‬أرست‭ ‬الليبرالية،‭ ‬البورجواية،‭ ‬مبادئ‭ ‬الحرية‭. ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬اليسار‭ ‬تأسس‭ ‬على‭ ‬مطلب‭ ‬اجتماعي‭-‬اقتصادي‭ ‬وسياسي‭ ‬وأخلاقي،‭ ‬في‭ ‬بادئ‭ ‬الأمر،‭ ‬وعلى‭ ‬نزعة‭ ‬إنسانية‭ ‬عبّرت‭ ‬عنها‭ ‬فلسفة‭ ‬ماركس‭ ‬الإنسية‭ ‬أو‭ ‬الإنسانية،‭ ‬باعتبار‭ ‬نفي‭ ‬جميع‭ ‬أشكال‭ ‬اغتراب‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬عالمه‭ ‬وعن‭ ‬ذاته،‭ ‬وعن‭ ‬ماهيته‭ ‬الإنسانية،‭ ‬هو‭ ‬غاية‭ ‬التطور‭ ‬التاريخي‭ ‬وغاية‭ ‬الثورة‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الجذر‭ ‬الإنسانوي‭ ‬ما‭ ‬لبث‭ ‬أن‭ ‬ضمر‭ ‬ثم‭ ‬جفّ‭ ‬في‭ ‬فكر‭ ‬القوى‭ ‬اليسارية‭ ‬وممارستها‭ ‬بتأويل‭ ‬الصراع‭ ‬الطبقي‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬وجوب‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬البورجوازية‭ ‬والنظام‭ ‬الرأسمالي،‭ ‬ورفع‭ ‬‮«‬العنف‭ ‬الثوري‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬مرتبة‭ ‬القداسة‭ ‬وعدم‭ ‬قابلية‭ ‬النقاش‭ ‬والنقد‭.‬

وإذ‭ ‬يحيل‭ ‬المفهومان‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬على‭ ‬التفارق‭ ‬الفلسفي‭ ‬بين‭ ‬‮«‬المادية‮»‬‭ ‬و‮»‬المثالية‮»‬‭: ‬الأولى‭ ‬فلسفة‭ ‬‮«‬يمينية‮»‬‭ ‬والثانية‭ ‬‮«‬يسارية‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬الأولى‭ ‬بورجوازية‭ ‬والثانية‭ ‬بروليتارية،‭ ‬نذكر‭ ‬بقول‭ ‬ماركس‮»‬‭ ‬إن‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬المثالية‭ ‬والمادية‭ ‬تناقض‭ ‬مطلق‭ ‬في‭ ‬المسألة‭ ‬الفلسفية‭ ‬الأولى‭ ‬فقط،‭ ‬ونسبي‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬المسائل‮»‬،‭ ‬ونذكّر‭ ‬بتثمينه‭ ‬لثورية‭ ‬البورجوازية‭ ‬وأهمية‭ ‬منجزاتها،‭ ‬في‭ ‬الأطروحات‭ ‬حول‭ ‬فيورباخ‭ ‬وغيرها‭. ‬اليسار‭ ‬الماركسي،‭ ‬بعد‭ ‬ماركس،‭ ‬اعتبر‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬المثالية‭ ‬والمادية‭ ‬تناقضاً‭ ‬مطلقاً‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬الخط‭. ‬ولهذا‭ ‬علاقة‭ ‬وثيقة‭ ‬لمنطقه‭ ‬الإطلاقي‭ ‬والحتمي،‭ ‬‮«‬حتمية‭ ‬الثورة‭ ‬الاشتراكية‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬مثالي‭ ‬بامتياز‭.‬

كان‭ ‬مبدأ‭ ‬اليسار‭ ‬هو‭ ‬تمثيل‭ ‬الشعب‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصالحه‭ ‬ونشدان‭ ‬التغيير‭ ‬وتعميم‭ ‬مبدأ‭ ‬المساواة‭ ‬ومعارضة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الليبرالية‭ ‬بالديمقراطية‭ ‬الاجتماعية‭.. ‬ولكن‭ ‬مفهوم‭ ‬اليسار‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يحمل‭ ‬هذه‭ ‬الدلالة‭ ‬فقد‭ ‬أعيد‭ ‬بناؤه‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬صراع‭ ‬الطبقات‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬ماركس‭ ‬وتأسيس‭ ‬عصبة‭ ‬الشيوعيين‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الإطاحة‭ ‬بالبورجوازية‭ ‬وسيطرة‭ ‬البروليتاريا،‭ ‬وإلغاء‭ ‬المجتمع‭ ‬البورجوازي‭ ‬القديم‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬تطاحن‭ ‬الطبقات،‭ ‬وتأسيس‭ ‬مجتمع‭ ‬جديد‭ ‬بلا‭ ‬طبقات‭ ‬ولا‭ ‬ملكية‭ ‬فردية‮»‬،‭ ‬حسب‭ ‬البرنامج‭ ‬الذي‭ ‬أقره‭ ‬المؤتمر‭ ‬الثاني‭ ‬للعصبة‭. ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬بل‭ ‬قبله‭ ‬أيضاً‭ ‬رُسمت‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭ ‬طبقة‭ ‬ثورية،‭ ‬يسارية،‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬البورجوازية‭ ‬والفئات‭ ‬الوسطى‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة،‭ ‬أي‭ ‬الفئات‭ ‬الوسطى،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬ستقود‭ ‬الحركات‭ ‬الثورية‭ ‬باسم‭ ‬البروليتاريا‭ ‬والثورة‭ ‬الاشتراكية‭ ‬والمجتمع‭ ‬الشيوعي،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الجماعة‭ ‬المؤنسنة‮»‬‭ ‬بتعبير‭ ‬ماركس‭.‬

نعتقد‭ ‬أن‭ ‬البيان‭ ‬الشيوعي‭ ‬الذي‭ ‬صاغه‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬ماركس‭ ‬وإنغلز‭ ‬لعصبة‭ ‬الشيوعيين‭ ‬صار‭ ‬إنجيل‭ ‬اليساريين‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أرجاء‭ ‬العالم‭. ‬ولا‭ ‬أدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬القوى‭ ‬اليسارية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحتفي‭ ‬بتاريخ‭ ‬صدوره،‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭. ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الحركات‭ ‬اليسارية‭ ‬كافة‭ ‬اتسمت‭ ‬بثلاث‭ ‬سمات‭: ‬سمة‭ ‬فكرية،‭ ‬بل‭ ‬أيديولوجية،‭ ‬تشكل‭ ‬أفكار‭ ‬ماركس‭ ‬وإنغلز‭ ‬وتأويلاتها‭ ‬اللاحقة‭ ‬خلفيتَها‭ ‬الأساسية،‭ ‬وسمة‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬ثورية‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬انقلابية‮»‬‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬العنف‭ ‬الثوري،‭ ‬وسمة‭ ‬قانونية‭-‬أخلاقية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬المشروعية‭ ‬الثورية‭. ‬نستحضر‭ ‬هنا‭ ‬الكتيب‭ ‬الذي‭ ‬وضعه‭ ‬لينين‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬والثورة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تتكررت‭ ‬فيه‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬تحطيم‭ ‬الدولة‭ ‬عشرات‭ ‬المرات‭. ‬ونعتقد‭ ‬أنه‭ ‬يجافي‭ ‬موقف‭ ‬ماركس‭ ‬الفلسفي‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬وعلاقتها‭ ‬الجدلية‭ ‬بالمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬التي‭ ‬تفضي‭ ‬جدلياً‭ ‬إلى‭ ‬صيرورة‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬دولةً‭ ‬سياسية‭ ‬والدولة‭ ‬السياسية‭ ‬مجتمعاً‭ ‬مدنياً،‭ ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬تفضي‭ ‬إلى‭ ‬انتفاء‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والدولة،‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬الشكل‭ ‬‭(‬الدولة‭)‬‭ ‬والمضمون‭ ‬‭(‬المجتمع‭ ‬المدني‭)‬،‭ ‬وبانتفاء‭ ‬هذا‭ ‬التناقض‭ ‬تنتفي‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬معاً،‭ ‬في‭ ‬الجماعة‭ ‬المؤنسنة‭.‬

لوحة: محمد ظاظا

والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬في‭ ‬ترسيمة‭ ‬ماركس،‭ ‬أن‭ ‬سيرورة‭ ‬النمو‭ ‬أو‭ ‬التقدم‭ ‬التي‭ ‬تفضي‭ ‬إلى‭ ‬الجماعة‭ ‬المؤنسنة‭ ‬أو‭ ‬المجتمع‭ ‬الشيوعي‭ ‬هي‭ ‬سيرورة‭ ‬ديمقراطية‭.‬‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬نعتقد‭ ‬أن‭ ‬الأسباب‭ ‬العميقة‭ ‬لسقوط‭ ‬اليسار‭ ‬فكرياً‭ ‬وسياسيا‭ ‬وأخلاقياً‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬حذف‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬وإلغاء‭ ‬دوره‭ ‬السياسي،‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والتنكر‭ ‬للديمقراطية‭ ‬البورجوازية‭ ‬أو‭ ‬الليبرالية‭ ‬وإمكانات‭ ‬تحولها‭ ‬إلى‭ ‬ديمقراطية‭ ‬اجتماعية،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

ولا‭ ‬مغامرة‭ ‬في‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬تهافت‭ ‬اليسار‭ ‬وضعفه،‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وتيبّسه‭ ‬الدوغمائي‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬أرجاء‭ ‬العالم،‭ ‬مرتبطان‭ ‬أوثق‭ ‬ارتباط‭ ‬وأشده‭ ‬بضعف‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬‭(‬الأصحّ‭ ‬إضعافه‭)‬‭ ‬وتآكل‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬لعبة‭ ‬ممجوجة،‭ ‬تقابلها‭ ‬أوساط‭ ‬اجتماعية‭ ‬واسعة‭ ‬بعدم‭ ‬المبالاة‭. ‬ينتج‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬تضيُّق‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭ ‬وتنامي‭ ‬هيمنة‭ ‬القوى‭ ‬الرأسمالية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الشركات‭ ‬العملاقة‭ ‬وتوحشها،‭ ‬والنكوص‭ ‬إلى‭ ‬القومية‭ ‬العنصرية‭ ‬التي‭ ‬وسمت‭ ‬بدايات‭ ‬الحداثة‭ ‬السياسية‭ ‬ونشوء‭ ‬الدول‭ ‬القومية‭ ‬‭(‬قل‭ ‬الوطنية‭)‬،‭ ‬وأنتجت‭ ‬حركة‭ ‬الاستعمار‭ ‬الحديث،‭ ‬ثم‭ ‬الإمبريالية‭ ‬الرأسمالية‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬الشعوب‭ ‬الضعيفة‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬سياساتها‭.‬

الاقتران‭ ‬المنطقي‭ ‬بين‭ ‬اليسار‭ ‬واليمين،‭ ‬الذي‭ ‬أشرنا‭ ‬إليه،‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬افتراض‭ ‬أن‭ ‬أزمة‭ ‬اليمين‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬ناتجة‭ ‬من‭ ‬هشاشة‭ ‬اليسار‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬حداً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬وسياسياً‭ ‬وأخلاقياً‭ ‬على‭ ‬اليمين،‭ ‬فصار‭ ‬الأخير‭ ‬‭(‬اليمين‭)‬‭ ‬غير‭ ‬محدود،‭ ‬وغير‭ ‬مقيد،‭ ‬إلا‭ ‬بما‭ ‬تبقي‭ ‬من‭ ‬تنظيمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬وحركات‭ ‬اليسار‭ ‬الجديد،‭ ‬التي‭ ‬ترضُّها‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الجديدة‭ ‬باطِّراد،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الرأسمالية‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬بديلاً‭ ‬للمجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬علناً،‭ ‬وشيئاً‭ ‬مخارجاً‭ ‬للدولة‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬ثمانينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭.‬

لعل‭ ‬هذا‭ ‬مما‭ ‬يفسر‭ ‬تنامي‭ ‬عمليات‭ ‬الإفقار‭ ‬والتهميش‭ ‬وشيوع‭ ‬اللامبالاة‭ ‬وانتشار‭ ‬الجريمة‭ ‬والعنف‭ ‬وظهور‭ ‬الإرهاب‭ ‬وثقافة‭ ‬الموت‭ ‬أو‭ ‬ثقافة‭ ‬العدم‭ ‬التي‭ ‬تتبناها‭ ‬حركات‭ ‬عنصرية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أرجاء‭ ‬العالم‭. ‬ويفسر،‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬المقابل،‭ ‬ظهور‭ ‬الفلسفة‭ ‬النقدية‭ ‬وفلسفة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬والدعوة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للمجتمع‭ ‬المدني‭. ‬‭(‬نحيل‭ ‬على‭ ‬محاضرات‭ ‬ميشيل‭ ‬فوكو‭ ‬في‭ ‬الكوليج‭ ‬دي‭ ‬فرانس،‭ ‬المجموعة‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬يجب‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‮»‬‭)‬‭ ‬وعلى‭ ‬أعمال‭ ‬فلاسفة‭ ‬وعلماء‭ ‬اجتماع،‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬روبرت‭ ‬بوتنام‭ ‬وفوكوياما‭ ‬وغيرهما‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المنحى‭. ‬ومما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬تموضع‭ ‬اليسار‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬الحركات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬السلمية‭ ‬والاتجاهات‭ ‬اللاسلطوية‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬ثورة‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬عام‭ ‬1968،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬ثورات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭.‬

لعل‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬اليسار،‭ ‬بوجه‭ ‬عام‭ ‬واليسار‭ ‬العربي‭ ‬بوجه‭ ‬خاص،‭ ‬هو‭ ‬السقوط‭ ‬الأخلاقي‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬معظمه،‭ ‬والذي‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬كلبيته‭ ‬أو‭ ‬سينيكيته‭ ‬ولامبالاته‭ ‬بالكارثة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬التي‭ ‬حلت‭ ‬بسوريا،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬لا‭ ‬الحصر،‭ ‬وتعاطفه‭ ‬مع‭ ‬الحكام‭ ‬المستبدين‭ ‬والقادة‭ ‬الشعبويين‭ ‬والسلطويين‭ ‬تحت‭ ‬شعارات‭ ‬المقاومة‭ ‬والممانعة‭ ‬ومناهضة‭ ‬الإمبريالية‭ ‬والصهيونية‭ ‬والرجعية،‭ ‬والقضاء‭ ‬عليها‭. ‬ذروة‭ ‬السقوط‭ ‬الأخلاقي‭ ‬تفضيل‭ ‬الفكرة‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬وتفضيل‭ ‬الشعارات‭ ‬الكاذبة‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭ ‬والشعوب‭ ‬وتفضيل‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬يصادمها‭ ‬ويكشف‭ ‬عن‭ ‬عنصريتها‭ ‬وإقصائيتها‭. ‬‮«‬أغلب‭ ‬اليساريين‭ ‬القلقين‭ ‬من‭ ‬الثورة‭ ‬السورية‭ ‬يعكسون‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬ستالينية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تعريف‭ ‬لليسار‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬الأنظمة‭ ‬مستبدة‭ ‬باستثناء‭ ‬تلك‭ ‬‮«‬المعادية‭ ‬للإمبريالية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تعادي‭ ‬الغرب‭ ‬وتقمع‭ ‬شعبها‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

قدم‭ ‬الراحل‭ ‬صادق‭ ‬جلال‭ ‬العظم‭ ‬في‭ ‬حواره‭ ‬المهم‭ ‬مع‭ ‬‮«‬مجموعة‭ ‬الجمهورية‮»‬،‭ ‬بتاريخ‭ ‬10‭ ‬يناير‭ ‬2013،‭ ‬تشريحاً‭ ‬بنيوياً‭ ‬عميقاً‭ ‬لطبيعة‭ ‬اليسار‭ ‬وعلاقته‭ ‬الإشكالية‭ ‬بالثورة،‭ ‬إذ‭ ‬قال‭ ‬‮«‬إن‭ ‬اليسار‭ ‬كان‭ ‬يجمع‭ ‬ملتزمين‭ ‬ونشطاء‭ ‬وأنصاراً‭ ‬وكوادر‭ ‬ومؤيدين‭ ‬من‭ ‬الخلفيات‭ ‬والانتماءات‭ ‬الدينية‭ ‬والطائفية‭ ‬والمذهبية‭ ‬والجهوية‭ ‬والإثنية‭ ‬والعشائرية‭ ‬كلها،‭ ‬باتجاه‭ ‬مستقبل‭ ‬يتجاوزُ‭ ‬الانتماءات‭ ‬والولاءات‭ ‬الأولية‭ ‬شبه‭ ‬الطبيعية‭ ‬هذه،‭ ‬باتجاه‭ ‬حالة‭ ‬مدنية‭ ‬وعصرية‭ ‬أرقى‭. ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬وانهيار‭ ‬اليسار‭ ‬وتشتّته‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬تقريباً،‭ ‬ارتدّ‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬اليساريين‭ ‬إلى‭ ‬ولاءاتهم‭ ‬الأولى‭ ‬والأولية‭ ‬والأكثر‭ ‬بدائية،‭ ‬وبخاصة‭ ‬الطائفية‭ ‬والمذهبية‭ ‬والدينية‭ ‬منها،‭ ‬وأخذوا‭ ‬يحددون‭ ‬مواقفهم‭ ‬من‭ ‬الثورة‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬الولاءات‭ ‬والالتزامات‭ ‬التي‭ ‬عادوا‭ ‬إليها‭ ‬واحتموا‭ ‬بها،‭ ‬وليس‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬يساريتهم‭ ‬المكتسبة‭ ‬والضائعة‭ ‬لاحقاً‮»‬‭.‬

وأضاف‭ ‬العظم‭ ‬‮«‬وبعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬انقسم‭ ‬اليسار‭ ‬إلى‭ ‬كتلة‭ ‬كبيرة‭ ‬تبنت‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬‘ببرنامج‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني’‭ ‬والدفاع‭ ‬عنه،‭ ‬وهو‭ ‬البرنامج‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬مسائل‭ ‬مثل‭ ‬احترام‭ ‬شرعة‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬أولوية‭ ‬فكرة‭ ‬المواطنة‭ ‬وممارساتها،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الحقوق‭ ‬المدنية‭ ‬والحريات‭ ‬العامة،‭ ‬المساواة‭ ‬أمام‭ ‬القانون،‭ ‬فصل‭ ‬السلطات،‭ ‬علمانية‭ ‬الدولة‭ ‬وأجهزتها،‭ ‬القضاء‭ ‬المستقل،‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وتداول‭ ‬السلطة‭ ‬والحكم‭ ‬فعلياً،‭ ‬وليس‭ ‬تداولهما‭ ‬بين‭ ‬الآباء‭ ‬والأبناء‭ ‬والأحفاد‭ ‬والأقرباء‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حاصل‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬اليوم‭.‬

بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬الكتلة‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬اليسار‭ ‬تراجعت‭ ‬إلى‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الثاني‭ ‬المتمثل‭ ‬‮«‬ببرنامج‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‮»‬‭ ‬والدفاع‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الاستبداد‭ ‬العسكري‭-‬الأمني‭-‬العائلي‭ ‬القائم‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أولى،‭ ‬والظلامية‭ ‬الدينية‭ ‬القروسطية‭ ‬الزاحفة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭. ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الكتلة‭ ‬من‭ ‬اليسار‭ ‬على‭ ‬العموم‭ ‬متعاطفة‭ ‬مع‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬وبالتأكيد‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬موقف‭ ‬عدائي‭ ‬منها‭ ‬أو‭ ‬حاد‭ ‬ضدها،‭ ‬علماً‭ ‬بأن‭ ‬لهذه‭ ‬الكتلة‭ ‬دوراً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬عموماً‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬اليساريين‭ ‬المؤيدين‭ ‬للثورة‭ ‬ينتمون‭ ‬إليها‭ ‬بصورة‭ ‬أو‭ ‬أخرى‭.‬

لعل‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬اليسار،‭ ‬بوجه‭ ‬عام‭ ‬واليسار‭ ‬العربي‭ ‬بوجه‭ ‬خاص،‭ ‬هو‭ ‬السقوط‭ ‬الأخلاقي‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬معظمه،‭ ‬والذي‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬كلبيته‭ ‬أو‭ ‬سينيكيته‭ ‬ولامبالاته‭ ‬بالكارثة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬التي‭ ‬حلت‭ ‬بسوريا،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال

أما‭ ‬الكتلة‭ ‬الأصغر‭ ‬من‭ ‬اليسار‭ ‬فقد‭ ‬تعصّبت‭ ‬لمواقفها‭ ‬السابقة،‭ ‬وكأن‭ ‬شيئاً‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مع‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬وأخذت‭ ‬تميل‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬المواقف‭ ‬وأساليب‭ ‬العمل‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬‭(‬الطالباني‭-‬‭ ‬الجهادي‭)‬‭ ‬أو‭ ‬‭(‬الطائفي‭-‬المذهبي‭)‬‭ ‬المنغلق‭ ‬على‭ ‬نفسه‭. ‬هذه‭ ‬الكتلة‭ ‬من‭ ‬اليسار،‭ ‬عربياً‭ ‬وعالمياً،‭ ‬هي‭ ‬الآن‭ ‬الأكثر‭ ‬عدائية‭ ‬للثورة‭ ‬السورية،‭ ‬والأقرب‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬نظام‭ ‬الاستبداد‭ ‬العسكري‭ ‬والأمني‭ ‬والعائلي‭ ‬فيها،‭ ‬بحجج‭ ‬كثيرة‭ ‬ليس‭ ‬أقلها‭ ‬تآمر‭ ‬الكون‭ ‬بأسره،‭ ‬فيما‭ ‬يبدو،‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬المحب‭ ‬للسلام‭ ‬والاستقرار‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬سلامته‭ ‬واستقراره‭ ‬هما‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬سلام‭ ‬القبور‭ ‬واستقرارها‮»‬‭.‬

لا‭ ‬نوافق‭ ‬الراحل‭ ‬صادق‭ ‬جلال‭ ‬العظم‭ ‬تقديراته‭ ‬لانقسامات‭ ‬اليسار،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مستوحاة‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬أصدقائه‭ ‬ومعارفه،‭ ‬ولأن‭ ‬هناك‭ ‬أحزاباً‭ ‬وتنظيمات‭ ‬برمتها‭ ‬معادية‭ ‬للثورة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬متعاطفة‭ ‬معها،‭ ‬وخطاباتها‭ ‬عن‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والديمقراطية‭ ‬والمواطنة‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬متناقضة‭ ‬مع‭ ‬خلفياتها‭ ‬الفكرية‭ ‬أو‭ ‬الأيديولوجية،‭ ‬وهي‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الموضة‮»‬‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬انعطاف‭ ‬جذري‭ ‬يجعل‭ ‬منها‭ ‬قوة‭ ‬فاعلة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الاستبداد‭ ‬والطغيان‭ ‬والإفقار‭ ‬والتهميش‭ ‬واضطهاد‭ ‬النساء‭.‬

‭ ‬كان‭ ‬ياسين‭ ‬الحافظ‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬غرابة‭ ‬في‭ ‬انتقال‭ ‬اليساري‭ ‬من‭ ‬صفوف‭ ‬اليسار‭ ‬إلى‭ ‬صفوف‭ ‬القوميين‭ ‬أو‭ ‬الإسلاميين،‭ ‬لأن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الانتقال‭ ‬هو‭ ‬انتقال‭ ‬من‭ ‬دين‭ ‬إلى‭ ‬دين،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬مذهب‭ ‬إلى‭ ‬مذهب‭. ‬ولا‭ ‬غرابة‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬معظم‭ ‬اليساريين‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬معاناة‭ ‬الشعب‭ ‬السوري‭ ‬لأن‭ ‬مذهبهم‭ ‬المختزل‭ ‬إلى‭ ‬مناهضة‭ ‬الإمبريالية‭ ‬والصهيونية‭ ‬يفرض‭ ‬عليهم‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭.‬

في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬بوجه‭ ‬عام‭ ‬وفي‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬حكمتها‭ ‬أنظمة‭ ‬يسارية‭ ‬وتقدمية‭ ‬تسلطية‭ ‬وعنصرية،‭ ‬بوجه‭ ‬خاص،‭ ‬صار‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬تفسير‭ ‬التأخر‭ ‬التاريخي‭ ‬لهذه‭ ‬البلدان‭ ‬بتدهور‭ ‬الشرط‭ ‬الإنساني‭ ‬بوجه‭ ‬عام،‭ ‬وتدهور‭ ‬الشرط‭ ‬النسوي،‭ ‬شرط‭ ‬المرأة،‭ ‬بوجه‭ ‬خاص،‭ ‬بفعل‭ ‬الاستبداد‭ ‬بوجهيه‭ ‬المتلازمين‭ ‬السياسي‭ ‬والديني،‭ ‬ونموذج‭ ‬السلطة‭ ‬الشخصية‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬البلدان،‭ ‬وهي‭ ‬سلطة‭ ‬نافية‭ ‬لسلطة‭ ‬القانون‭ ‬ولسلطة‭ ‬الشرائع‭ ‬الأخلاقية‭ ‬الدينية‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الحياة‭ ‬العامة‭ ‬للناس،‭ ‬ففي‭ ‬ضوء‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬الرديء‭ ‬من‭ ‬نماذج‭ ‬السلطة،‭ ‬وهو‭ ‬نموذج‭ ‬مشترك‭ ‬بين‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الركون‭ ‬إلى‭ ‬هذين‭ ‬المعيارين‭. ‬فقد‭ ‬أسهمت‭ ‬الأحزاب‭ ‬والقوى‭ ‬‮«‬اليسارية‮»‬‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬الطائفية‭ ‬القذرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬والعراق،‭ ‬وها‭ ‬هي‭ ‬تجترح‭ ‬البطولات‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬والميليشيات‭ ‬العراقية‭ ‬وميليشيات‭ ‬السلطة،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬جماعات‭ ‬متطرفة‭ ‬وإرهابية،‭ ‬كجبهة‭ ‬النصرة‭ ‬وأخواتها‭. ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬المقابل،‭ ‬يستعد‭ ‬يساريون‭ ‬عرب‭ ‬وكورد‭ ‬لتشكيل‭ ‬‮«‬جيش‭ ‬قبلي‮»‬‭ ‬هكذا،‭ ‬لمحاربة‭ ‬داعش،‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬النظام‭.‬

لذلك،‭ ‬نراهن‭ ‬اليوم،‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬وفي‭ ‬العالم،‭ ‬إذا‭ ‬شئتم،‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬ممكنات‭ ‬واقعية‭: ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬والتحولات‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬والحركات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬السلمية،‭ ‬أي‭ ‬إننا‭ ‬نراهن‭ ‬على‭ ‬الممكنات‭ ‬الأخلاقية‭ ‬للأسرة‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والنظام‭ ‬الديمقراطي‭ ‬والحركات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬السلمية،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬اليسار‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬المتهافت،‭ ‬والمتحالف‭ ‬مع‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬وغيرها‭ ‬أو‭ ‬الذي‭ ‬يبرر‭ ‬جرائمها‭ ‬أو‭ ‬المتحالف‭ ‬مع‭ ‬معادلها‭ ‬الإسلامي‭ ‬السياسي‭ ‬المتطرف‭ ‬والجهادي،‭ ‬أو‭ ‬الذي‭ ‬يبرره،‭ ‬باعتباره‭ ‬حركة‭ ‬احتجاج‭ ‬على‭ ‬النظم‭ ‬القائمة‭ ‬وعلى‭ ‬العولمة‭ ‬والرأسمالية‭ ‬المتوحشة،‭ ‬وهي‭ ‬علل‭ ‬واهية‭ ‬لا‭ ‬تصمد‭ ‬أمام‭ ‬النقد،‭ ‬ويبرر‭ ‬جرائمه،‭ ‬ويعد‭ ‬بعضها‭ ‬‮«‬انتصارات‮»‬‭ ‬للثورة‭. ‬الإمبريالية‭ ‬مرض‭ ‬اليسار‭ ‬الخائب‭.‬

لقد‭ ‬صار‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬نودّع‭ ‬مفهومي‭ ‬اليسار‭ ‬واليمين‭ ‬اللذين‭ ‬يقابلهما‭ ‬عندنا‭ ‬مفهوما‭ ‬‮«‬التقدميين‮»‬‭ ‬و‮»‬الرجعيين‮»‬،‭ ‬ونطردهما‭ ‬من‭ ‬المجالات‭ ‬التداولية،‭ ‬بغية‭ ‬تسمية‭ ‬القوى‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاتجاهات‭ ‬الفكرية‭ ‬بأسمائها،‭ ‬لا‭ ‬باستعارات‭ ‬بلاغية‭. ‬فنسمّي‭ ‬القومي‭ ‬قومياً‭ ‬والليبرالي‭ ‬ليبرالياً‭ ‬والديمقراطي‭ ‬ديمقراطياً‭ ‬والاشتراكي‭ ‬اشتراكياً‭ ‬والشيوعي‭ ‬شيوعياً،‭ ‬بلا‭ ‬تدليس‭ ‬ولا‭ ‬تلبيس‭. ‬فإن‭ ‬هذين‭ ‬المفهومين‭ ‬لم‭ ‬يخدما،‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬سوى‭ ‬السديمية‭ ‬والاختلاط‭ ‬وطمس‭ ‬الفروق‭.‬


مفكر من سوريا