ديباجة‭ ‬العبث

الجديد  جابر السلامي [نُشر في 01/06/2017، العدد: 29، ص(48)]

لوحة: بهرام حاجو
تراءت‭ ‬لي‭ ‬مصطبة‭ ‬المسرح‭ ‬كمصير‭ ‬غامض‭. ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬متأكّدا‭ ‬من‭ ‬حفظي‭ ‬التّام‭ ‬للنصّ‭ ‬المنوط‭ ‬بعهدتي‭ ‬ومهما‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬فقد‭ ‬قرّرت‭ ‬المجازفة‭.‬

امتلأت‭ ‬مدارج‭ ‬المسرح‭ ‬بجماهير‭ ‬اتّخذت‭ ‬أماكنها‭ ‬بلهفة‭ ‬واستكان‭ ‬الجميع‭ ‬لهدهدات‭ ‬انتظار‭ ‬توغل‭ ‬بهم‭ ‬في‭ ‬بواطن‭ ‬الأسئلة‭ ‬المشتهاة‭.‬

تقدّمت‭ ‬متّخذا‭ ‬مكاني‭ ‬وسط‭ ‬المصطبة‭ ‬الخشبيّة‭. ‬حملقت‭ ‬بعينيّ‭ ‬بين‭ ‬الحشود‭ ‬ثمّ‭ ‬رفعت‭ ‬طرف‭ ‬الرّداء‭ ‬القوطيّ‭ ‬ووضعته‭ ‬على‭ ‬كتفي‭ ‬أبتغي‭ ‬وقار‭ ‬القدّيسين‭ ‬وهيبة‭ ‬الأباطرة‭.‬

‭-‬‭ ‬أروم‭ ‬الحكمة‭ ‬يا‭ ‬سادة‭. ‬فهل‭ ‬لي‭ ‬بها؟

صحت‭ ‬نافثا‭ ‬نبرة‭ ‬غضب‭ ‬في‭ ‬المسرح‭.‬

كان‭ ‬المسرح‭ ‬مبنيّا‭ ‬على‭ ‬الطّراز‭ ‬اللّومباردي‭. ‬زخارف‭ ‬سقفه‭ ‬المذهّبة‭ ‬تحكي‭ ‬حقبة‭ ‬مهمّة‭ ‬في‭ ‬التّاريخ‭ ‬وجوانبه‭ ‬المكلّلة‭ ‬بنسائم‭ ‬الرّوحانيّات‭ ‬تهلّل‭ ‬بعظمة‭ ‬الكنائس‭ ‬وقداستها‭.‬

‭-‬‭ ‬ألا‭ ‬تعنيكم‭ ‬الحكمة‭ ‬في‭ ‬شيء؟‭ ‬ألا‭ ‬ترتوون‭ ‬من‭ ‬رحيقها‭ ‬المرّ‭ ‬اللّاذع؟

وهمهم‭ ‬الحاضرون‭ ‬بأسئلة‭ ‬حائرة‭ ‬وتطارحوا‭ ‬الاستفهامات‭.‬

تقدّمت‭ ‬فتاة‭ ‬فينونة‭ ‬بأناة‭ ‬وتدلّل‭. ‬وسكبت‭ ‬حولي‭ ‬سائلا‭ ‬سريع‭ ‬الالتهاب‭ ‬حتى‭ ‬حاصرتني‭ ‬بدائرة‭ ‬كبرى‭ ‬واستهلّت‭ ‬دورها‭ ‬بأحاديث‭ ‬قديمة‭ ‬ونواميس‭ ‬معتّقة‭.‬

‭-‬‭ ‬أنت‭ ‬سجين‭ ‬نفسك‭ ‬يا‭ ‬هيكتور‭ ‬وهذه‭ ‬القيود‭ ‬المقدّسة‭ ‬ليست‭ ‬إلّا‭ ‬أناك‭ ‬النرجسيّة‭ ‬المتعالية‭.‬

‭-‬‭ ‬أنا‭ ‬ابن‭ ‬ذاك‭ ‬الرّاعي‭ ‬الذي‭ ‬أفنى‭ ‬عمره‭ ‬يسوق‭ ‬القطيع‭ ‬إلى‭ ‬الكلأ‭ ‬والمرعى‭. ‬أنا‭ ‬ابن‭ ‬تلك‭ ‬المتزهّدة‭ ‬التي‭ ‬ماتت‭ ‬وهي‭ ‬تسبّح‭ ‬وتبتهل‭ ‬في‭ ‬ظلمات‭ ‬اللّيالي‭ ‬وغبشات‭ ‬الضحى‭.‬

‭-‬‭ ‬سبق‭ ‬واخترت‭ ‬طريقك‭.. ‬أنت‭ ‬ملعون‭.‬

‭-‬‭ ‬لست‭ ‬ملعونا‭. ‬أنا‭ ‬هيكتور‭ ‬الخالد‭.‬

وانسحبت‭ ‬الفتاة‭ ‬في‭ ‬تراقص‭ ‬وهي‭ ‬تهفهف‭ ‬بثوبها‭ ‬الزّهري‭ ‬حتى‭ ‬توارى‭ ‬طيفها‭.‬

مكثت‭ ‬أحاول‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الدّائرة‭ ‬فأتصنّع‭ ‬عودة‭ ‬لا‭ ‬مردّ‭ ‬لها‭ ‬وأظلّ‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬نوبتي‭ ‬الصّارخة‭ ‬معيدا‭ ‬سؤالي‭.. ‬الحكمة‭. ‬الحكمة‭ ‬يا‭ ‬سادة‭.‬

أقبل‭ ‬كاهن‭ ‬بمعمدانه‭ ‬الفضيّ‭ ‬وشمعدان‭ ‬مزخرف‭ ‬تنوض‭ ‬منه‭ ‬عفائر‭ ‬بخور‭ ‬هندي‭. ‬ظل‭ ‬يمشي‭ ‬بتؤدة‭ ‬ويلفّ‭ ‬حولي‭ ‬مستغفرا‭ ‬ومبتهلا‭ ‬حتى‭ ‬قال‭.‬

‭-‬‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬لك‭ ‬أن‭ ‬تفعل‭ ‬ما‭ ‬فعلته‭ ‬يا‭ ‬هكتور‭.‬

ارتعبت‭ ‬قائلا‭:‬

‭-‬‭ ‬ماذا‭ ‬فعلت؟‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أردته‭ ‬هو‭ ‬التلذّذ‭ ‬بعصائر‭ ‬الحكمة‭ ‬والارتواء‭ ‬من‭ ‬دفقها‭ ‬اللّجج‭.‬

‭-‬‭ ‬الحكمة‮…‬‭ ‬لكنّك‭ ‬ملعون‭ ‬والملاعين‭ ‬الموسومون‭ ‬بالخطايا‭ ‬لا‭ ‬يتوجّب‭ ‬عليهم‭ ‬سبر‭ ‬أغوارها‭.‬

‭-‬‭ ‬لست‭ ‬ملعونا‭.. ‬أنا‭ ‬هكتور‭ ‬الذي‭ ‬حارب‭ ‬لأجلكم‭ ‬في‭ ‬الفيافي‭ ‬والوغى‭ ‬والبحار‭ ‬النّائية‭.‬

‭-‬‭ ‬أمازلت‭ ‬مصرّا‭ ‬على‭ ‬نقائك‭ ‬وصفاء‭ ‬فؤادك؟

‭-‬‭ ‬لا‭ ‬يعوزني‭ ‬عن‭ ‬الحكمة‭ ‬شيء‭ ‬أيّها‭ ‬الكاهن‭ ‬قسطنطين‭. ‬أنا‭ ‬بشر‭ ‬وبها‭ ‬أهتدي‭ ‬وبها‭ ‬لا‭ ‬أظلّ‭ ‬سبيلا‭.‬

أمسك‭ ‬قسطنطين‭ ‬البخّارة‭ ‬ومكث‭ ‬يحوم‭ ‬حولي‭ ‬يلفحني‭ ‬بدخانها‭ ‬المقدّس‭ ‬ويطلب‭ ‬لي‭ ‬المغفرة‭ ‬مردّدا‭ ‬أحاديث‭ ‬ابتهالية‭ ‬في‭ ‬ورع‭ ‬وتلطّف‭.‬

ومثل‭ ‬من‭ ‬صرع‭ ‬إثر‭ ‬مسّ،‭ ‬تهاويت‭ ‬كبطل‭ ‬كسير‭ ‬وتكدّس‭ ‬جسمي‭ ‬الذّليل‭ ‬داخل‭ ‬الدّائرة‭ ‬المقدّسة‭.‬

‭-‬‭ ‬أتلُ‭ ‬صلاتك‭ ‬أيّها‭ ‬الآثم‭ ‬ونكّس‭ ‬أعلام‭ ‬بطولاتك‭ ‬الواهية‭.‬

صرخ‭ ‬قسطنطين‭ ‬بصوت‭ ‬جهوري‭ ‬واعتكف‭ ‬بجانب‭ ‬دائرة‭ ‬الآثام‭ ‬ساكنا‭ ‬كصخرة‭ ‬ثمّ‭ ‬اجتاح‭ ‬تصفيق‭ ‬الحاضرين‭ ‬خشوع‭ ‬الرّكح‭ ‬وازداد‭ ‬الممثّلون‭ ‬ألقا‭ ‬ونشوة‭.‬

أسدل‭ ‬السّتار‭ ‬عن‭ ‬الفصل‭ ‬الأوّل‭ ‬وتخلّلت‭ ‬المسرحيّة‭ ‬معزوفة‭ ‬قروسطيّة‭ ‬تعزيزا‭ ‬لقداسة‭ ‬الأحداث‭ ‬وترسيخا‭ ‬لأوامد‭ ‬التّاريخ‭ ‬فيها‭.‬

‭-‬‭ ‬تلك‭ ‬فاتورة‭ ‬اللّامبالاة‭ ‬يا‭ ‬أحمد‭. ‬كان‭ ‬بإمكانك‭ ‬ولوج‭ ‬أعتى‭ ‬المسارح‭ ‬وأعلاها‭ ‬صيتا‭.‬

لوحة: حسين جمعان

أشار‭ ‬لي‭ ‬الممثّل‭ ‬خالد‭ ‬بعينين‭ ‬غاضبتين‭ ‬وهو‭ ‬يلبس‭ ‬حذاءه‭ ‬القوطيّ‭ ‬مستعدا‭ ‬للفصل‭ ‬الثّاني‭. ‬‮«‬تستنزف‭ ‬نفسك‭ ‬كإسفنجة‭ ‬في‭ ‬هوامش‭ ‬المسارح‭ ‬وأزقّتها‭ ‬الشّاحبة‮»‬،‭ ‬أضاف‭ ‬بحنق‭.‬

لم‭ ‬أعره‭ ‬أدنى‭ ‬اهتمام‭. ‬مكثت‭ ‬أستذكر‭ ‬بقيّة‭ ‬السّيناريو‭. ‬رأسي‭ ‬يزفر‭ ‬بشظايا‭ ‬أحلام‭ ‬قديمة‭ ‬وضوضاء‭ ‬مرعدة‭.‬

مرّ‭ ‬أمامنا‭ ‬عاملا‭ ‬المؤثّرات‭ ‬الصّوتية‭. ‬كانا‭ ‬يتجادلان‭ ‬حول‭ ‬مشكلة‭ ‬تقنيّة،‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬بدا‭ ‬لي‭. ‬ثمّ‭ ‬تناهت‭ ‬إلى‭ ‬سمعي‭ ‬أصوات‭ ‬شجار‭ ‬وشتائم‭ ‬آخر‭ ‬الرّدهة‭ ‬الرّئيسية‭. ‬فكّرت‭ ‬أنّ‭ ‬المسرحيّة‭ ‬فاشلة‭ ‬وأنّ‭ ‬جميع‭ ‬الممثّلين‭ ‬يحيكون‭ ‬المكائد‭ ‬لبعضهم‭ ‬البعض‭ ‬ولسبب‭ ‬ما‭ ‬نسيت‭ ‬النّصّ‭ ‬وأدركت‭ ‬أنّ‭ ‬شيئا‭ ‬ما‭ ‬سيحدث،‭ ‬شيء‭ ‬مثل‭ ‬حادث‭ ‬سيء‭ ‬داخل‭ ‬كيس‭ ‬مليء‭ ‬بالتّوابل‭ ‬الحارّة‭.‬

فتح‭ ‬السّتار‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬وصمت‭ ‬الحضور‭ ‬عن‭ ‬اللّغو‭ ‬والحديث‭. ‬سلّطت‭ ‬الأضواء‭ ‬على‭ ‬جسد‭ ‬هيكتور‭ ‬المتهالك‭ ‬وبجانبه‭ ‬قسطنطين‭ ‬الكاهن‭ ‬تحدوه‭ ‬هالة‭ ‬وقار‭ ‬واستحياء‭.‬

دخل‭ ‬جمع‭ ‬من‭ ‬الفرسان‭ ‬متقلّدين‭ ‬أغلى‭ ‬الأوسمة‭ ‬وأعلاها‭ ‬مرتبة‭. ‬اصطفّوا‭ ‬خطّا‭ ‬واحدا‭ ‬أمامي‭ ‬وأشار‭ ‬لهم‭ ‬الكاهن‭ ‬العجوز‭ ‬بأداء‭ ‬الإعلان‭ ‬الملكيّ‭ ‬وتلاوة‭ ‬قرار‭ ‬مجلسهم‭ ‬الموقّر‭.‬

‭-‬‭ ‬نحن‭ ‬فرسان‭ ‬الدّوقيّة‭ ‬الكبرى‭. ‬وبعدما‭ ‬اقترفه‭ ‬هذا‭ ‬الآثم‭ ‬العربيد‭ ‬من‭ ‬محاولة‭ ‬لسرقة‭ ‬الماء‭ ‬المقدّس‭ ‬من‭ ‬حوض‭ ‬الحكيمة‭ ‬مينرفا‭ ‬واستباحة‭ ‬قداسة‭ ‬الحرم‭ ‬الملكيّ،‭ ‬نقرّ‭ ‬بوجوب‭ ‬عقابه‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬اقترفت‭ ‬يداه‭ ‬بأن‭ ‬يتمّ‭ ‬إحراقه‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الآثام‭ ‬وليكن‭ ‬عبرة‭ ‬لغيره‭ ‬من‭ ‬المارقين‭.‬

ثمّ‭ ‬ابتعد‭ ‬الفرسان‭ ‬مفسحين‭ ‬المجال‭ ‬لموكب‭ ‬جلل‭ ‬يتقدّمه‭ ‬عازفو‭ ‬مزامير‭ ‬وطبول‭ ‬وتتوسّطه‭ ‬مينرفا‭ ‬الحكيمة‭ ‬في‭ ‬جمال‭ ‬صارخ‭ ‬وإغراء‭ ‬لا‭ ‬يقاوم‭ ‬بين‭ ‬حوريّات‭ ‬صغيرات‭ ‬كأنّهن‭ ‬فراشات‭ ‬ربيع‭ ‬بألوانهنّ‭ ‬الزّاهية‭ ‬وأرواحهنّ‭ ‬المزهرة‭.‬

نسيت‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭. ‬مكثت‭ ‬بلا‭ ‬مبالاة‭ ‬وسط‭ ‬الدّائرة‭ ‬أنظر‭ ‬إلى‭ ‬فرسان‭ ‬الدّوقيّة‭ ‬وهم‭ ‬يغادرون‭ ‬الرّكح‭. ‬نفس‭ ‬اللّامبالاة‭ ‬التي‭ ‬اعترتني‭ ‬في‭ ‬جلسات‭ ‬التّقييم‭ ‬حين‭ ‬قدمت‭ ‬لجان‭ ‬مسرح‭ ‬أجنبية‭ ‬لانتداب‭ ‬ممثّلين‭. ‬تخيّلت‭ ‬أنّهم‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬غادروا‭ ‬لتوّهم‭ ‬وشعرت‭ ‬بهزيمة‭ ‬مؤلمة،‭ ‬هزيمة‭ ‬هائلة‭. ‬وخمّنت‭ ‬أن‭ ‬أعتزل‭. ‬بيد‭ ‬أنّني‭ ‬عدلت‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭.‬

مثلت‭ ‬مينرفا‭ ‬أمامي‭.‬انبهرتُ‭ ‬بتلك‭ ‬العينين‭ ‬المكتحلتين‭ ‬بأنوثة‭ ‬ساجية‭ ‬وطرفها‭ ‬الممشوق‭ ‬الموشّح‭ ‬بالأكاليل‭ ‬والجواهر‭ ‬ووجنتيها‭ ‬الحمراوين‭ ‬يتوسّطهما‭ ‬فم‭ ‬كرزيّ‭ ‬مشعّ‭.‬

‭-‬‭ ‬هيكتور‭. ‬انهض‭ ‬وواجه‭ ‬مصيرك‭ ‬المحتوم‭.‬

قالت‭ ‬مينرفا‭ ‬وهي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬فارسين‭ ‬بمساعدتي‭ ‬على‭ ‬النّهوض‭. ‬كيف‭ ‬لمن‭ ‬استطاع‭ ‬الدّخول‭ ‬إلى‭ ‬الرّوضة‭ ‬الملكيّة‭ ‬واجتياز‭ ‬حرّاسها‭ ‬أن‭ ‬يصير‭ ‬إلى‭ ‬انكسار‭ ‬وهوان؟‭ ‬أكملتْ‭ ‬بنبرة‭ ‬حازمة‭.‬

لم‭ ‬أدر‭ ‬ماذا‭ ‬عساي‭ ‬أفعل‭. ‬الممثّلون‭ ‬ينتظرون‭ ‬كلمتي‭ ‬وقد‭ ‬اكتنفهم‭ ‬ذهول‭ ‬وانتظار‭ ‬فكانوا‭ ‬لا‭ ‬ينبسون‭ ‬بحرف‭. ‬نظرت‭ ‬حواليّ‭ ‬وغالبتني‭ ‬نظرات‭ ‬مينرفا‭ ‬فأشحت‭ ‬بوجهي‭ ‬عن‭ ‬الرّكح‭. ‬تلقّفتني‭ ‬أعين‭ ‬الجماهير‭ ‬بترقّب‭. ‬انتابتني‭ ‬نوبة‭ ‬ضحك،‭ ‬كان‭ ‬ضحكا‭ ‬غاضبا‭. ‬مسعورا‭. ‬متواصلا‭. ‬تهيّأ‭ ‬لي‭ ‬أنّهم‭ ‬يتوقون‭ ‬إلى‭ ‬مشاهدة‭ ‬عقابي‭ ‬وأنّني‭ ‬أشكل‭ ‬عبئا‭ ‬على‭ ‬الرّكح‭. ‬بدا‭ ‬لي‭ ‬الأمر‭ ‬طريفا‭. ‬ربّما‭ ‬لأنّني‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬دوري‭ ‬وربّما‭ ‬لأنّني‭ ‬لم‭ ‬أعرف‭ ‬ماذا‭ ‬أفعل‭ ‬حيال‭ ‬ذلك‭ ‬وطفقت‭ ‬أضحك‭ ‬على‭ ‬أيّ‭ ‬حال‭.‬

‭-‬‭ ‬ماذا‭ ‬دهاك؟‭ ‬أكمل‭ ‬فقرتك‭. ‬همس‭ ‬قسطنطين‭ ‬محاولا‭ ‬إخفاء‭ ‬غضبه‭.‬

تدانيت‭ ‬قليلا‭ ‬جهة‭ ‬اليسار‭ ‬وبقيت‭ ‬كذلك‭ ‬مبتسما‭. ‬مثل‭ ‬من‭ ‬رأى‭ ‬إعصارا‭ ‬قادما‭ ‬فأراد‭ ‬الموت‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬فرح‭. ‬لاحظت‭ ‬تململ‭ ‬مينرفا‭ ‬وارتباك‭ ‬الإطار‭ ‬التّقني‭ ‬وأيقنت‭ ‬أنّ‭ ‬نجاح‭ ‬العمل‭ ‬منوط‭ ‬بعهدتي‭.‬

اكتنفتني‭ ‬نزعة‭ ‬عبث‭. ‬توجّهت‭ ‬إلى‭ ‬قسطنطين‭ ‬وافتككت‭ ‬من‭ ‬يده‭ ‬المشعل‭ ‬وألقيته‭ ‬في‭ ‬الدائرة‭ ‬فتصاعدت‭ ‬لهبا‭ ‬واضطرم‭ ‬سعيرها‭ ‬ثمّ‭ ‬خطوت‭ ‬داخلها‭ ‬فكنت‭ ‬محاصرا‭ ‬بلهب‭ ‬متماوج‭. ‬استهوتني‭ ‬ألوان‭ ‬النّيران‭ ‬ومكثت‭ ‬هناك‭ ‬لا‭ ‬أنتظر‭ ‬شيئا‭. ‬فكّرت‭ ‬أنّني‭ ‬أعاقب‭ ‬نفسي‭ ‬وتوهّمت‭ ‬أنّني‭ ‬كنت‭ ‬أتوقّع‭ ‬ذلك‭. ‬اشتدّت‭ ‬حرارة‭ ‬اللّهب‭ ‬وغاب‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬عن‭ ‬ناظريّ‭ ‬حتّى‭ ‬وثبت‭ ‬إلى‭ ‬عقلي‭ ‬صور‭ ‬مينرفا‭ ‬ولجان‭ ‬المسرح‭ ‬وجيوش‭ ‬رومانيّة‭ ‬ثمّ‭ ‬أخذت‭ ‬تبتعد‭ ‬شيئا‭ ‬فشيئا‭.‬

أخرجني‭ ‬الفارسان‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬اللّهب‭. ‬استوضحت‭ ‬الرّؤية‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬مينرفا‭ ‬تجلس‭ ‬أمامي‭ ‬في‭ ‬جزع‭ ‬وخوف‭. ‬الواقع‭ ‬أنّني‭ ‬كنت‭ ‬مرتاحا‭ ‬لأنّني‭ ‬لم‭ ‬أفعل‭ ‬الشّيء‭ ‬الكثير‭ ‬لدرء‭ ‬لامبالاتي‭ ‬وفكّرت‭ ‬أنّني‭ ‬حبّذت‭ ‬المسرحيّة‭.‬

الأمر‭ ‬الأكيد‭ ‬أنّني‭ ‬اقتربت‭ ‬من‭ ‬وجه‭ ‬مينرفا‭ ‬وقبّلتها‭ ‬بغضب‭. ‬سمعت‭ ‬أحدا‭ ‬يسأل‭ ‬كيف‭ ‬انتهت‭ ‬المسرحيّة‭. ‬أخبروه‭ ‬أنّ‭ ‬هيكتور‭ ‬عاقب‭ ‬نفسه‭ ‬وأنّ‭ ‬الكاهن‭ ‬احترق‭. ‬آخر‭ ‬عهدي‭ ‬بقسطنطين‭ ‬أنّه‭ ‬سارع‭ ‬لإطفاء‭ ‬اللّهب‭ ‬بردائه‭. ‬لم‭ ‬أدر‭ ‬هل‭ ‬يتوجّب‭ ‬عليّ‭ ‬الضّحك‭ ‬أم‭ ‬الصّمت‭. ‬الفرح‭ ‬أم‭ ‬الحزن‭.‬


كاتب من تونس