استبعاد‭ ‬المثقفين‭ ‬التوانسة‭ ‬من‭ ‬الجدل‭ ‬السياسي

باستثناء‭ ‬من‭ ‬احتموا‭ ‬بأحزاب‭ ‬ومنظمات،‭ ‬أو‭ ‬ركبوا‭ ‬أمواجها‭ ‬العاتية،‭ ‬أو‭ ‬انقلبوا‭ ‬على‭ ‬ماضيهم‭ ‬ليتحوّلوا‭ ‬إلى‭ ‬أبواق‭ ‬صادحة‭ ‬لها،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬أكبر‭ ‬الخاسرين‭ ‬في‭ ‬‮«‬ثورة‭ ‬الحرية‭ ‬والكرامة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أطاحت‭ ‬بنظام‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬في‭ ‬الرابع‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬يناير ‬2011،‭ ‬هم‭ ‬المثقفون‭ ‬المعروفون‭ ‬باستقلاليتهم،‭ ‬وبحرصهم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تظلّ‭ ‬أعمالهم‭ ‬الأدبية‭ ‬أو‭ ‬الفنية‭ ‬أو‭ ‬الفكرية‭ ‬هي‭ ‬الناطقة‭ ‬باسمهم،‭ ‬ومن‭ ‬خلالها‭ ‬هم‭ ‬يعبرون‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬بلادهم،‭ ‬ويصوغون‭ ‬آراءهم‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬ومنذ‭ ‬البداية.

الجديد  حسونة المصباحي [نُشر في 01/06/2017، العدد: 29، ص(50)]

لوحة: عبدالله بشير
بدأ واضحا‭ ‬أن‭ ‬أغلب‭ ‬من‭ ‬اكتسحوا‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬والإعلامي‭ ‬عقب‭ ‬السقوط‭ ‬المدوي‭ ‬للنظام‭ ‬يظهرون‭ ‬نفورا‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭. ‬لذا‭ ‬لم‭ ‬يتردّدوا‭ ‬في‭ ‬إعلان‭ ‬الحرب‭ ‬عليهم‭. ‬فقد‭ ‬قامت‭ ‬الفرق‭ ‬السلفية‭ ‬بالهجوم‭ ‬على‭ ‬معارض‭ ‬للرسم،‭ ‬وعلى‭ ‬حفلات‭ ‬فنية،‭ ‬وعلى‭ ‬ندوات‭ ‬فكرية‭ ‬لتعتدي‭ ‬بالعنف‭ ‬الشديد‭ ‬على‭ ‬المشرفين‭ ‬عليها،‭ ‬أو‭ ‬المشاركين‭ ‬فيها‭. ‬وفي‭ ‬بن‭ ‬قردان،‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬مع‭ ‬ليبيا،‭ ‬رفض‭ ‬قائد‭ ‬‮«‬إمارة‮»‬‭ ‬سلفية‭ ‬التحدث‭ ‬إلى‭ ‬المخرجة‭ ‬السينمائية‭ ‬سلمى‭ ‬بكار‭ ‬ناعتا‭ ‬إيّاها‭ ‬بنعوت‭ ‬قبيحة‭. ‬ووصف‭ ‬حمادي‭ ‬الجبالي،‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬أركان‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬النخبة‭ ‬المثقفة‭ ‬بـ‮»‬المصيبة‮»‬. ‬وتهجم‭ ‬المنصف‭ ‬بن‭ ‬سالم،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬وزيرا‭ ‬للتعليم‭ ‬العالي‭ ‬في‭ ‬حكومة‭ ‬‮«‬الترويكا‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقودها‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬بشدة‭ ‬على‭ ‬جماعة‭ ‬‮«‬تحت‭ ‬السور‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬جماعة‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬الفضل‭ ‬في‭ ‬بعث‭ ‬أول‭ ‬حركة‭ ‬أدبية‭ ‬حداثية‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الثقافة‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬مجالاتها،‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬وفي‭ ‬القصة،‭ ‬واصفا‭ ‬رموزها‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬علي‭ ‬الدوعاجي،‭ ‬ومحمد‭ ‬العريبي‭ ‬ب‮»‬الكحوليين‭ ‬الفاسقين‮». ‬وفي‭ ‬مدينة‭ ‬الحامة،‭ ‬مسقط‭ ‬رأسه،‭ ‬قام‭ ‬مجهولون‭ ‬بمحاولة‭ ‬تخريب‭ ‬لتمثال‭ ‬المفكر‭ ‬الإصلاحي‭ ‬الطاهر‭ ‬الحداد‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬أطلق‭ ‬في‭ ‬الثلاثينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬دعوة‭ ‬لتحرير‭ ‬المرأة‭ ‬التونسية‭ ‬من‭ ‬القيود‭ ‬ومن‭ ‬التقاليد‭ ‬البالية‭. ‬وعندما‭ ‬كان‭ ‬رئيسا‭ ‬مؤقتا،‭ ‬قام‭ ‬محمد‭ ‬المنصف‭ ‬المرزوقي‭ ‬بإصدار‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬أسود‮»‬‭ ‬يحاكم‭ ‬فيه‭ ‬أعدادا‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬والفنانين‭ ‬والمفكرين‭ ‬بدعوى‭ ‬أنهم‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬المتعاونين‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬المنهار‭. ‬ولكي‭ ‬تثبت‭ ‬نفورها‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬قامت‭ ‬حكومة‭ ‬الترويكا‭ ‬بتحريض‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬بتخفيض‭ ‬ميزانية‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬لفائدة‭ ‬وزارة‭ ‬الشؤون‭ ‬الدينية. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬الحركات‭ ‬اليسارية‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬الحركات‭ ‬الأصولية‭ ‬والسلفية‭ ‬في‭ ‬رؤيتها‭ ‬للثقافة‭ ‬والمثقفين. ‬وربما‭ ‬يعود‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تشبثها‭ ‬بما‭ ‬سمّي‭ ‬في‭ ‬الثلاثينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬بـ‮»‬الواقعية‭ ‬الاشتراكية‮»‬‭. ‬تلك‭ ‬الواقعية‭ ‬الجافة‭ ‬والسطحيّة‭ ‬التي‭ ‬تقسّم‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬أبيض‭ ‬وأسود،‭ ‬والثقافة‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬‮«‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الشعب‮»‬،‭ ‬وثقافة‭ ‬‮«‬معادية‭ ‬له‭ ‬ولمصالحه‮»‬‭. ‬كما‭ ‬على‭ ‬المثقف‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬‮«‬ملتزما‭ ‬بقضايا‭ ‬الشعب‮»‬. ‬ومثل‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الالتزام‮»‬‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬المثقفين‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬يتمرّد‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬القاعدة‭ ‬الضيقة‭ ‬التي‭ ‬اعتمادا‭ ‬عليها‭ ‬أعدم‭ ‬ستالين‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬والكتاب‭ ‬والمفكرين،‭ ‬أو‭ ‬أرسلهم‭ ‬إلى‭ ‬محتشدات‭ ‬سيبيريا. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬أيضا‭ ‬الزعيم‭ ‬الصيني‭ ‬ماو‭ ‬تسي‭ ‬تونغ‭ ‬خلال‭ ‬‮«‬الثورة‭ ‬الثقافية‮»‬‭ ‬سيئة‭ ‬الذكر. ‬لذلك‭ ‬وجد‭ ‬المثقفون‭ ‬التونسيون‭ ‬المستقلون‭ ‬أنفسهم‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬نظام‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬بين‭ ‬نارين: ‬نار‭ ‬الأصوليين‭ ‬والسلفيين‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬ونار‭ ‬الدوغمائيين‭ ‬اليساريين‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭.‬

وعلى‭ ‬مدى‭ ‬السنوات‭ ‬الست‭ ‬الماضية،‭ ‬ظلّ‭ ‬المثقفون‭ ‬المستقلون‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬التهميش‭ ‬ومن‭ ‬الإقصاء. ‬كما‭ ‬ظلوا‭ ‬مبعدين‭ ‬عن‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الجدل‭ ‬الدائر‭ ‬حول‭ ‬مختلف‭ ‬القضايا‭ ‬المتصلة‭ ‬بحاضر‭ ‬البلاد‭ ‬ومستقبلها. ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬هذا‭ ‬الاستبعاد‭ ‬قائم‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬العصيبة‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬فيها‭ ‬تونس‭ ‬اضطرابات‭ ‬وانتفاضات‭ ‬عشوائية‭ ‬خطيرة‭ ‬ونزعات‭ ‬قبلية‭ ‬وعشائرية‭ ‬قد‭ ‬تعصف‭ ‬باستقرار‭ ‬البلاد‭ ‬وأمنها. ‬ويبدو‭ ‬هذا‭ ‬واضحا‭ ‬جليّا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إحجام‭ ‬القنوات‭ ‬والإذاعات‭ ‬عن‭ ‬دعوتهم‭ ‬إلى‭ ‬برامجها،‭ ‬مفضلة‭ ‬عليهم‭ ‬مُروّجي‭ ‬الخطابات‭ ‬الشعبوية‭ ‬والديماغوجية‭ ‬التي‭ ‬ترضي‭ ‬أحزابا‭ ‬ومنظمات‭ ‬معروفة‭ ‬بشططها‭ ‬وتطرفها‭ ‬ونزعاتها‭ ‬الهدامة‭ ‬ورغبتها‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تظلّ‭ ‬البلاد‭ ‬على‭ ‬كفّ‭ ‬عفريت! ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬الغريب‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬نفس‭ ‬الوجوه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البرنامج‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬وفي‭ ‬اليوم‭ ‬ذاته‭. ‬فلكأن‭ ‬هذه‭ ‬الوجوه‭ ‬هي‭ ‬الوحيدة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الجدل‭ ‬السياسي. ‬ولكأنها‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬بإمكانها‭ ‬أن‭ ‬تفحص‭ ‬واقع‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭ ‬وفي‭ ‬المستقبل‭. ‬ويعلم‭ ‬المشرفون‭ ‬على‭ ‬القنوات‭ ‬التلفزيونية‭ ‬وعلى‭ ‬المحطات‭ ‬الإذاعية‭ ‬أن‭ ‬التونسيين‭ ‬ملوا‭ ‬هذه‭ ‬الوجوه،‭ ‬وهذه‭ ‬الأفواه‭ ‬الواسعة‭ ‬التي‭ ‬تعذبها‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الساعة‭ ‬بخطب‭ ‬مسمومة،‭ ‬منتفخة‭ ‬بالأحقاد،‭ ‬وبالديماغوجية‭ ‬القاتلة،‭ ‬وبالأيديولوجيات‭ ‬الهدامة‭ ‬المحرضة‭ ‬على‭ ‬إشعال‭ ‬الفتن‭ ‬وعلى‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الخراب. ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬هي‭ ‬تواصل‭ ‬تأثيث‭ ‬برامجها‭ ‬بنفس‭ ‬هذه‭ ‬الوجوه‭! ‬وهذا‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هدفها‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬إرضاء‭ ‬أحزاب‭ ‬ومنظمات‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‮»‬صوملة‮»‬‭ ‬البلاد،‭ ‬وإلى‭ ‬تحطيم‭ ‬الدولة‭ ‬المركزية. ‬وقد‭ ‬تعالت‭ ‬بين‭ ‬وقت‭ ‬وآ‭ ‬خر‭ ‬أصوات‭ ‬مثقفين‭ ‬مستقلين‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬التهدئة‭ ‬وإلى‭ ‬حوار‭ ‬بناء‭ ‬ومفيد‭ ‬لإنقاذ‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬الجسيمة‭ ‬التي‭ ‬تتهددها،‭ ‬إلاّ‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأصوات‭ ‬بقيت‭ ‬منحصرة‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬ضيقة‭ ‬بسبب‭ ‬انعدام‭ ‬الوسائل‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬لها‭ ‬ببلوغ‭ ‬الجمهور‭ ‬العريض. ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬نجح‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأصوات‭ ‬في‭ ‬اختراق‭ ‬الحصار،‭ ‬فإنه‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يتمّ‭ ‬إسكاته‭ ‬والتعتيم‭ ‬عليه‭. ‬وما‭ ‬دام‭ ‬المثقفون‭ ‬المستقلون‭ ‬محكوما‭ ‬عليهم‭ ‬بالصمت‭ ‬وبالاكتفاء‭ ‬بالتفرج‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬خطيرة‭ ‬ومن‭ ‬مآس‭ ‬ومن‭ ‬هزّات‭ ‬ومن‭ ‬عواصف‭ ‬عاتية،‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬ثورة‭ ‬الحرية‭ ‬والكرامة‮»‬‭ ‬سوف‭ ‬تظل‭ ‬بلا‭ ‬مدلول،‭ ‬وبلا‭ ‬مفعول،‭ ‬شأنها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شأن‭ ‬كلّ‭ ‬الثورات‭ ‬التي‭ ‬أطاحت‭ ‬بأنظمة‭ ‬فاسدة‭ ‬لتأتي‭ ‬بأنظمة‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬فسادا‭ ‬واستبدادا‭.‬


كاتب من تونس